في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟

11436
عدد القراءات

2018-09-11

قبل سبعة عشر عاماً؛ في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أفاقت أمريكا على رعب الإرهاب، متجسداً بسوريالية لم تُستوعب حتى اليوم، حينما تعرضت الأراضي الأمريكية لهجمات إرهابية، كانت هي الأعنف التي تستهدف الأراضي الأمريكية، منذ الهجوم الياباني على بيرل-هاربر العام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية.

وإذا كانت هجمات بيرل-هاربر المباغتة، جزءاً من الحرب التي تتقاتل فيها الأطراف الفاعلة من الدول مع بعضها في حروب مفتوحة؛ فإنّ هجمات 11 أيلول كانت من نوع مختلف؛ نوع "هجين"، حرب من نوع آخر، تجمع بين الدولة والمنظمة كطرف فاعل من غير الدول. 

شكّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 تطوراً لم يتكرر حتى الآن في أساليب وأدوات تنفيذ الإرهاب

شكّلت تلك الهجمات تطوراً، لم يتكرر حتى الآن، في أساليب وأدوات تنفيذ الإرهاب؛ عن طريق استخدام الطائرات، السلاح الذي كان يعدّ استخدامه حكراً على الأطراف الفاعلة من الدول.

وفي هذا اليوم (11 أيلول)؛ كشّرت آليات العولمة التكنولوجية، ربما للمرة الأولى في التاريخ المعاصر، عن أنيابها، وأكثر مظاهرها عنفاً، وأنّها سيرورة محايدة، لا بل عمياء لا تميز بين كبير أو صغير، أو بين قوي أو ضعيف.

أعلن جورج بوش الابن، في 16 أيلول (سبتمبر) 2001، مفهوم  "الحرب على الإرهاب"

لقد خلّفت هجمات 11 أيلول الإرهابية، التي نفذها تنظيم القاعدة، الكثير من الجراحات والندوب في عمق الوجدان الأمريكي والمجتمع الدولي، وكانت، كما أجمع الكثير من علماء السياسية والعلاقات الدولية، حتى الفلاسفة، بداية عصر جديد للمجتمع الدولي العامر بالدول، ولم يقتصر تأثيرها على الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل شمل العالم كله.

ومثّلت الهجمات فشلاً ذريعاً للأجهزة الاستخبارية الأمريكية "وكالة المخابرات المركزية" (CIA)، صاحبة الولاية في متابعة الشؤون الاستخبارية الخارجية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)؛ المكلَّف بالشؤون الأمنية الداخلية، من جهة عدم قدرتها على التنبؤ بتلك الهجمات، وتعاملها باستخفافٍ قاتل وعجرفة مع الكثير من الشواهد والمؤشرات؛ بل والمعلومات، عن إمكانية حصول هذه الكارثة.

خلفت هجمات سبتمبر الكثير من الجراحات والندوب في عمق الوجدان الأمريكي والمجتمع الدولي

ولم تكن النُخب الأمريكية في مراكز البحث والدراسات والباحثين في ظاهرة الإرهاب، بمنأى عن حالة الإنكار والعجز عن استشراف إمكانية حصول الكارثة؛ نظراً إلى أنّ هذا القطاع الواسع من المجتمع المدني، يتشارك مع النخب في القوات المسلحة والمجمع الاستخباري الإيمان العميق بالحكمة التقليدية للنظرية "الواقعية" في السياسة الدولية، التي ما تزال تحاجج بأنّ "الدولة" فقط هي الطرف الفاعل الوحيد في صياغة السياسة الدولية والعالمية، وتنظر باستخفاف فاضح للأدوار التي يمكن أن تلعبها الأطراف الفاعلة من غير الدول، مثل؛ الجماعات والمنظمات الإرهابية، ابتداء من تنظيم القاعدة، ووصولاً إلى تنظيم داعش اليوم.

اقرأ أيضاً: أمريكا تحيي أحداث 11 سبتمبر

كما خلّفت الحقبة التي تلت تلك الأحداث القيامّية (Apocalyptic) كثيراً من التغيرات في "بنية" و"سلوك" الدول في مختلف قارات العالم، وعلى رأس هذه التغيرات؛ "الحرب الطويلة" التي لم تنته على الإرهاب العالمي، التي رفعت منذ بدايتها، عقب 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حين أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، في 16 أيلول (سبتمبر) 2001، مفهوم  "الحرب على الإرهاب" (War on Terrorism )؛ ليؤكّد استهداف السلاح، لا من يستخدمونه، وما هي أهدافهم، ثم غيّر استخدام المفهوم إلى "الحرب العالمية على الرعب" (Global War on Terror)؛ ربما كان يعني أنّهم يحاربون الخوف والرعب فقط.

اطمأن أوباما إلى اختباء "أفعى الإرهاب" في جحرها ونسي أنّ الأفعى أخطر إذا عادت إلى الجحر

وقد حملت هذه المفاهيم، بشكل عام، راية الغزو العسكري واستخدام "القوة الخشنة" والعمليات الاستخبارية المعقدة، وأحدث تقنيات مكافحة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين؛ من خلال التوسع باستخدام آليات العولمة التكنولوجية، خاصة الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار، وتسطّح المجمع الاستخباري العالمي؛ حتى أصبحت أجهزة مخابرات العالم، إلى حدٍّ بعيد، كأنها جهاز مركزي واحد، للمرة الأولى في التاريخ؛ من خلال تشارك وتقاسم المعلومات الاستخبارية السرية.

وأصبح التمسك بالمعلومات الاستخبارية الخاصة بالجماعات الإرهابية وملفات الإرهابيين مدعاة للنقد والمساءلة، بعد أن كان عامل قوة وتميّز للأجهزة الاستخبارية في العالم، تبيعه بأغلى الأثمان، وتتفاوض عليه، وتستخدمه كوسيلة من أهم وسائل الدبلوماسية وتنفيذ السياسات الداخلية والعلاقات الدولية، حتى مع ألدّ الأعداء.

مقاربة أوباما للإرهاب وخطره كانت كارثية حين أغمض عينيه عن مؤشرات مخاطره

جاء الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، العام 2013، وأعلن نهاية سياسة سلفه جورج بوش الابن، ونهاية الحرب على الإرهاب، وخرج بمفهوم بديل؛ هو "مكافحة التطرف العنيف"، وهو مفهوم ملتبس وفضفاض، كما هي سياسة أوباما الخارجية، التي تميزت، بحسب اعتقادي، بالضبابية والسيولة المفاهيمية؛ فلا هي بالواقعية الصرفة، ولا الليبرالية، ولا المثالية!

أمّا مقاربة أوباما للإرهاب وخطره؛ فكانت كارثية، حتى لا أقول ساذجة؛ حيث أغمض عينيه عن مؤشرات خطر الإرهاب، واستمرّ في النظر إليه من منظور اقتصادي ضيّق، وكأنه محاسب تكاليف في مؤسسة صغيرة، تحسب الأرباح والخسائر بالفلسات؛ بل وذهب إلى أبعد من ذلك؛ بالادّعاء بأن الإرهاب لا يختلف عن غيره من الجرائم العنيفة في أمريكا، وأنّ الذين يموتون يومياً في حمامات البيوت أكثر من الذين يقتلون بفعل العمليات الإرهابية!

ربما ظنّ أوباما؛ أنّ أمريكا بوش الابن، قضت على "أفعى الإرهاب"، ودفعتها الى الاختباء في جحرها، لكنّه نسي أنّ الأفعى أخطر ما تكون إذا عادت إلى الجحر.

وقع أوباما مع إيران الاتفاق النووي ثم جاء ترامب ليقذف به في سلة المهملات

ذلك أنّه، بعد عام واحد فقط من إعلانه نهاية الحرب على الإرهاب، العام 2013؛ كان تنظيم داعش الإرهابي يخرج من جحره في العراق، ويتمدّد في العراق وسوريا، في مساحة من الأراضي أكبر من مساحة بريطانيا، ويعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، خلافة المسلمين، خلال خطبة الجمعة في مسجد النوري، في الموصل بتاريخ 4 حزيران (يونيو) 2014، ثمّ يشن "حرباً مركبة شعواء" على كافة الجبهات؛ العدوّ القريب والآخر البعيد، ليعيد "الحرب على الإرهاب"، التي ادّعى أوباما نهايتها، إلى نقطة الصفر.

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟

كانت الحرب على الإرهاب، وغزو أفغانستان، واحتلال العراق، أكبر أمثلة على فشل "المقاربة  الخشنة" (Kinetic)؛ مقاومة النار بالنار، الحرب الاستباقية، واستخدام القوة العسكرية، حتى إن تغير الوضع بعض الشيء مع  باراك أوباما، الذي حاولت إدارته، كما أسلفتُ، إقامة "برامج لإعادة التأهيل والإدماج والرعاية اللاحقة للإرهابيين"، من خلال مقاربته "مكافحة التطرف العنيف" البديلة للحرب على الإرهاب، لكنّ نتائجها كانت غير مشجّعة، خاصة تجارب سجن أبو غريب، وسجن "بوكا" المعروف؛ الذي خرج منه عدد من أهم قيادات تنظيم داعش، ومنهم "الخليفة" الحالي، وقائد التنظيم، أبو بكر البغدادي.

وبدلاً من مواجهة ودراسة أسباب ودوافع الإرهاب والتطرف العنيف، هرب أوباما من مشكلات الشرق الأوسط والاشتباك الإيجابي مع الدول العربية، خاصة عقب الربيع العربي، إلى إيران؛ الدولة الوحيدة في العالم العربي والإسلامي التي تعلن العداء لأمريكا، وتصفها بالشيطان الأكبر! ليتفاوض معها ويوقع معها الاتفاق النووي، الذي سرعان ما قذف به خلفه دونالد ترامب، في 8 أيار (مايو) 2018، في سلة المهملات.

لم ينته الإرهاب بل تماهى مع سيرورة العولمة وتغيرت أساليبه وأشكاله وأصبح أكثر قدرة على الحركة

في المقابل؛ أصبحت الأطراف الفاعلة من غير الدول "الجماعات والمنظمات الإرهابية"، بفضل استخدامها لآليات العولمة التكنولوجية، أكثر خطراً وفتكاً، وأخذت تهدّد الأمن والسلم العالمي، والاقتصاد العالمي، وبرامج التنمية الشاملة.

إنّ الإرهاب، اليوم، الثمرة المتعفنة للعولمة، طال معظم دول العالم بفعل تنظيم داعش؛ فبحسب "مؤشر الإرهاب العالمي" (GTI)، لعام 2018؛ الذي يصدره "معهد الاقتصاد والسلام " (The Institute for Economics & Peace) (IEP)؛ فقد تعرضت للإرهاب 77 دولة، من أصل 163 دولة يشملها المؤشر في العالم، وزادت نسبة ضحايا الإرهاب، خلال العقد الماضي من عام 2006-2016، بنسبة 67%.

لم ينته الإرهاب؛ بل تماهى مع سيرورة العولمة، وتغيرت أساليبه وأشكاله، وأصبح أكثر قدرة على حرية الحركة، واستفاد من تجربة "الحرب المركبة"، والتنظيم الهجين "الهايبرد"، واليوم عاد لوضعه الطبيعي أصلاً، ليكون سلاح الضعيف، والمقاومة من أسفل؛ لذلك فهو اليوم أخطر من السابق، رغم هزائمه العسكرية على الأرض.

وستبقى هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001؛ ذكرى عالمية مأساوية، تُذكرنا كلّما اقتربت باستمرار خطر الإرهاب، وكأنّها بداية لتأريخ أو تقويم جديد (قبل 11 أيلول وبعده)، خاص بالدول والمجتمعات والأفراد في عصر العولمة، لا يخصّ أمريكا فقط؛ بل العالم كلّه.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



التونسيون يقلبون الطاولة على "النهضة" والطبقة السياسية

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2019-09-16

صدمت النتائج الأولية، التي أعلنتها أبرز شركات سبر الآراء بخصوص الانتخابات الرئاسية، التونسيين والمراقبين للمشهد السياسي؛ حيث أشارت إلى تقدم كل من قيس سعيد الذي يتصدر النتائج بفارق مريح عن صاحب الترتيب الثاني نبيل القروي القابع في السجن على خلفية قضايا تبييض أموال وتهرب ضريبي.

اقرأ أيضاً: تونس: هزيمة مدوية للإخوان.. أبرز النتائج الأولية
وتشير الإحصائيات، التي قدمتها "سيغما كونساي"، إلى حصول قيس سعيد على نسبة 19.5 بالمائة من الأصوات مقابل 15.5 لمنافسه نبيل القروي، في حين حلّ مرشح النهضة عبد الفتاح مورو ثالثاً بنسبة 11 في المائة. وتقدّم "إمرود كونسالتينغ" نتائج قريبة أيضاً تثبت تقدم قيس سعيد بنسبة 18.95 في المائة، ونبيل القروي بـ15.26 بالمائة، في حين حلّ عبد الفتاح مورو ثالثاً بـ12.59 في المائة.
حلّ مرشح النهضة عبد الفتاح مورو ثالثاً بنسبة 11 في المائة

سقوط حركة النهضة
نتائج الانتخابات، حسب التقديرات، لم تكن مفاجئة بتصدر سعيد والقروي للسباق الرئاسي فحسب؛ بل إنها حسب ملاحظين أثبتت أنّ حركة النهضة لم تعد بوزنها الذي ظهرت به في أول انتخابات في 2011، وأخذت في سقوط حر تواصل في 2014 وبلغ مداه في خسارتها سباق الرئاسة وخسارتها المدوية في 2019 بخروجها المبكر من الدور الأول.

حركة النهضة لم تعد بوزنها الذي ظهرت به في أول انتخابات في 2011 وأخذت في سقوط حر تواصل حتى 2019

وقال المحامي بالمعهد الأعلى للمحاماة والباحث في القانون وليد العرفاوي إنّ تراجع حركة النهضة بهذا الشكل عائد إلى عدة أسباب أهمها: "تشتت قواعدها بين عدة مرشحين؛ إذ لا ننسى أنّ البعض من أنصار النهضة صوتوا للأستاذ حمادي الجبالي وبعضهم الآخر ذهب في اتجاه التصويت لسيف الدين مخلوف".
وقدّر العرفاوي، في تصريح لـ "حفريات" أنّ "اختيار حركة النهضة لمرشحها الأستاذ عبد الفتاح مورو لم يكن في الوقت المناسب حسب تقديري؛ إذ إنّ الأخير صرح قبل ترشيحه بمدة أنه لن يترشح وحالته الصحية لا تسمح بذلك، وإذا بالحركة بعد مدة تعلن ترشيحه، مما جعل البعض يعتبره متلوناً لا يثبت على موقف واحد وهذا ما قلّص من رصيده الشعبي".
كما يرى العرفاوي أنّ هناك سبباً يعود للمشهد السياسي العام فـ "منافسو مرشح حركة النهضة وخاصة قيس سعيد والقروي راهنوا على عامل فشل الحركة في إدارة الشأن العام، وكان خطابهم، نوعاً ما، ينتقد فترات الحكم السابقة مما أثر على حظوظ مورو".

اقرأ أيضاً: رئاسيات 2019: ماذا لو فاز سجينٌ برئاسة تونس؟
من جهته، أكد الباحث الدكتور شهاب اليحياوي أنّ "هذه النتيجة ترضي النهضة كثيراً في السر وفي فعلها الإستراتيجي غير المعلن. هي خططت منذ البداية للوصول فقط إلى الدور الثاني، ولا تريد بلوغ الرئاسة فلها من تجربة الترويكا كثير من العبر. قيس سعيد لم يفز إلا بأصوات النهضة قبل ساعة من غلق المكاتب".
وأوضح اليحياوي أنّ "توجهات قيس لا تبتعد كثيراً عن انتظارات قواعد النهضة على الأقل. وبالتالي فالفوز الحقيقي هو غير المعلن؛ لأنه العميق والمنتج لفعل الهيمنة. فالهيمنة لا تقوم على الاعتراف بل على تزييف الوعي وخلق التواطؤ بعبارة بورديو".
قيس سعيد الذي تصدر في الجولة الأولى

الصّدمة وإزاحة المنظومة القديمة
ويرى أغلب المحللين أنّ هذه النتائج إنما تعكس غضباً شعبياً لم ينطفئ، ولكن الطبقة السياسية الفاعلة لم تستوعبه، فكانت النتيجة أن تمت إزاحة هذه الطبقة نهائياً من موقع القرار والتخلي عنها بقلب الطاولة عليها من خلال صندوق الاقتراع، وخاصة المنظومة التي حكمت البلاد منذ 2011 إلى حد اليوم (النهضة ونداء تونس وما اشتق منه من أحزاب صغيرة وشخصيات).

محلل تونسي: أول الدروس المستخلصة من الانتخابات هو نهاية الأيديولوجيات الكبرى والمنظومات العقائدية والمنظومات الأيديولوجية ومنها الإسلام السياسي

وفي قراءته لهذه النتائج، يرى الدكتور اليحياوي أنّها "تعبير عن موقفين رافضين للوضع المتأزم على كل الواجهات الاقتصادية والاجتماعية والقلقة من ضعف الأمل في التغيير عبر هذه التشكيلة السياسية بكل عائلتها المخالفة والمتصارعة خارج حلبة الصراع، المنطقة التي هي الفعل السياسي والفعل العمومي المنتج للثورة والعمل والتنمية وتغيير الوضعيات. الصراع بين هذه العائلات كان خارج دائرة اهتمامات المواطنين الحقيقية واليومية كأنهم يتصارعون على امتلاك الأرض في القمر".

ويؤكد اليحياوي أنّ "الفئة الأولى عبرت عن ذلك بالصندوق وعاقبت الجميع واختارت الصدمة للتغيير فهي لن تخسر أكثر من خسارتها الحالية، بل ترى في إعادة إنتاج المشهد المأزوم الخسارة الأكبر. وفئة اختارت الغياب القصدي والحامل للبعد الرمزية، فهي أرادت أن تقول إنّ لا أحد يملك الصدق ولا القدرة ولا الشرعية ولا المقبولية للثقة فيه. أرادوا أن يقولوا لهم لن نقتلكم بيدنا سنقتلكم بغيابنا لتموتوا بغيظكم الذي أذقتمونا إياه كثيراً".
درب جديد
الانتخابات الرئاسية التونسية السابقة لأوانها وضعت جانباً كل الأحزاب التقليدية والتيارات السياسية المعروفة يميناً ووسطاً ويساراً رغم ما بذلته في حملاتها الانتخابية والإعلامية لتفرز شخصيتين أولهما هو أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية قيس سعيد البالغ من العمر 61 عاماً الذي ترشح مستقلاً وعرف بعد الثورة بتحليلاته السياسية الهادئة الملتزم باللغة العربية الفصحى في كل تدخلاته، وحل ثانياً مالك قناة "نسمة" الخاصة المسجون حالياً والذي أسس جمعية خيرية تغطي أنشطتها المناطق المحرومة والقصية الواقعة في الهامش، وأفرد أنشطته بتغطيات إعلامية عبر قناته وأعلن عن ترشحه للرئاسيات وكوّن حزب "قلب تونس".

اقرأ أيضاً: 6 ملفات عاجلة تنتظر المشهد السياسي الجديد في تونس
وفي قراءته لما أفرزته صناديق الاقتراع من نتائج أولية، حسب مؤسسات سبر الآراء، قال الإعلامي والمحلل السياسي، لطفي النجار، إنّ "نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها الأولية على الأقل هي بمثابة المنعرج والواقعة الكبرى التي ينبغي أن نتوقف عندها".
وأعرب النجار في تصريح لـ "حفريات" عن اعتقاده بأنّ نتائج الانتخابات تمثل "النهاية أو ما يشبه النهاية والأفول لمنظومة بأسرها، لا أعتقد أنّ هذه المنظومة امتدت من 2011 إلى 2019 بل تنسحب من 1956 إلى اليوم. أعتقد أننا بصدد فتح طريق جديد، طريق يفتحه اليوم الشعب التونسي بإرادته. يقول لا لهذه المنظومة. يفتح درباً جديداً هو درب الديمقراطية الشعبية الحقيقية كما هو موجود في أوروبا والعالم الغربي والديمقراطيات العريقة".
التونسيون انتصروا على حركة النهضة بالصندوق

نهاية الأيديولوجيات الكبرى
وأضاف النجار أنّ "أول الدروس المستخلصة هو نهاية الأيديولوجيات الكبرى والمنظومات العقائدية والمنظومات الأيديولوجية ومنها خاصة - وعنوانها الأكبر - هي الإسلام السياسي في تعبيراته التونسية، وعلى رأسه حركة النهضة التي بدأت تتهاوى ليس اليوم فحسب، هي من 2011 في كل محطة تتراجع ويتقلص خزانها الانتخابي. هي بصدد التحول من حزب في قلب العملية السياسية في تونس إلى حزب عادي، ربما سنفاجأ أيضاً في الانتخابات التشريعية أنّها تصبح حزباً من جماعة "الصفر فاصل".
درس في التغيير المدني الديمقراطي
ورأى النجار أنّ "الإسلام السياسي في تونس وتحديداً حركة النهضة خسر اليوم في تونس، والشعب التونسي قدم درساً ديمقراطياً مفاده أنّه بالإمكان الفوز والانتصار على الإسلام السياسي من خلال الصندوق دون اللجوء إلى العنف أو الاستئصال. هي عملية مقاومة مدنية ديمقراطية تمت ببطء كبير لهذا التيار الرجعي الظلامي الذي حاول أن يغير من نمط حياة التونسيين، ثم تحول فجأة إلى تيار مساند للمنظومة القديمة وفي هذه المحطة واجه شعباً بأسره أو على الأقل مع التنسيب واجه إرادة التونسيين التي عبرت وحجمت حركة النهضة. التونسيون انتصروا على حركة النهضة بالصندوق".

اقرأ أيضاً: إما تونس أو النهضة
ومن المقرر أن تعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مساء اليوم الإثنين عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس التي تنافس فيها 26 مرشحاً ومرشحة لكرسي الرئاسة، انسحب من بينهم مرشحان في اللحظات الأخيرة.
وبلغت نسبة الإقبال حسب أرقام رسمية أعلنتها الهيئة 45.2 في المائة. وأعلنت الهيئة أنّ عملية الفرز أفرزت النتائج الحينية للانتخابات الرئاسية بعد احتساب 27% من المحاضر حسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات؛ حيث تقدم كل من قيس سعيد بـ 19%
ونبيل القروي: 14.9%.

للمشاركة:

النبي محمّد في المتخيّلات الأوروبيّة: محطّم الأصنام و محرر العبيد

صورة عمار المأمون
صحفي سوري مقيم في باريس
2019-09-16

يشير الباحث الأمريكي، جون تولان، في واحدة من محاضراته في جامعة "نانت" في فرنسا، إلى تفضيله استخدام لفظ "موهميت" (Mahomet)، للحديث عن التخيلات التي يمتلكها الغرب عن نبي الإسلام، عليه السلام، ويضيف أنّه، كمختص في الدراسات الدينيّة في  العصور الوسطى، يرى أنّ أوروبا ابتدعت شخصيّة مُختلفة عن "محمّد/ النبي العربيّ"، سُمّيت "موهميت" (بحسب اللفظ الأجنبي)، واستخدمتها كأداة سياسية لانتقاد الكنيسة والسلطنة العثمانيّة، ولم يظهر محمد، عليه السلام، كنبيّ للإسلام إلا في منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث بدأت الدراسات التاريخيّة الجديّة تتناول سيرته وأثره الديني والسياسيّ.

في "مقالة عن أخلاق وروح الأمم" كتب المفكر الفرنسي فولتير عن نبيّ الإسلام بوصفه محرّر العرب من الفرس والرومان

لفهم هذه الثنائيّة أكثر؛ لا بدّ من العودة إلى فترة الحروب الصليبيّة، وبدايات القرن الثاني عشر؛ إذ كان المتداول حينها  أنّ "موهميت" ليس نبياً مدّعياً فقط، بل صنماً من الأصنام الشرقيّة، وواحداً من الآلهة القديمة، كحالة اليونان والرومان؛ إذ قيل إنّه صنم لـ "الساراسين"، وهو المصطلح الذي كان يشير إلى سكان الشرق الذي يؤمنون بالإسلام، دون التحديد بدقة؛ أي "شرق" هو المقصود،  وكانت العداوة ضدّ شخصه حينها في أوجها، حتّى إنّ بعضَ النسّاخ وكتاب المخطوطات، كانوا يمحون صورته بصورة متعمَّدة، بوصفه تهديداً للمسيحيّة، ولا يجوز ذكره أو تداوله.

اقرأ أيضاً: الجابري محاولاً الإجابة عن أميّة النبي
بنيت شخصية "موهميت" على كثير من الأساطير والخرافات، أساسها الاتهامات بالهرطقة والمعجزات الكاذبة والشعوذة، لكنّها بدأت تتغير منذ القرن السابع عشر؛ إذ أعيد النظر في سيرته، وفي  ترجمات نصّ القرآن الكريم، ليصبح  لاحقاً رمز اً تمنّى نابليون أن يكون مثله، كمشرّع وقائد، بل وكتب عنه في مذكّراته، من منفاه في  جزيرة "سانت هيلانة"، خصوصاً أنّ نابليون سبق أن كانت له انتقادات الشاعر الألمانيّ، غوتة، الذي ترجم إلى الألمانيّة مسرحيّة لفولتير، نشرت عام 1736، تسيء لنبي الإسلام، ولا توفيه حقّه.
جون تولان في واحدة من محاضراته

قائد ثوريّ
صدرت ترجمة إنكليزيّة للقرآن الكريم، عام 1649، من أصل لاتيني، ورغم المعارضة الشديدة لها، والتهديد بمنعها، إلا أنّها نشرت، ورغم الإحالات والصورة السلبيّة لـ "موهميت" فيها، إلّا أنّها بدت أكثر عقلانيّة مما سبقها، وكتب مقدمتها "توماس روس"، الذي يُشكّ في أنّ هذا اسمه الحقيقي، لكنّه يشير فيما كتبه إلى أنّ أهمية "محمد" تكمن في أنّه "قائد ثوريّ وسياسيّ، أنجز إصلاحاً دينياً في بلاد "الشرق"، وأخرج سكان المنطقة من عاداتهم، وفتح أعينهم نحو تطلعات أوسع".

اقرأ أيضاً: ذكرى المولد النبوي بمصر.. في حضرة النبي الكريم ينحني التاريخ
الصفات "الإيجابيّة" السابقة، أساسها قراءة سياسية لسيرة النبيّ، عليه السلام، وتشبيهه بالسياسيّ البريطانيّ، أوليفر كرومويل (1599-1658) حينها؛ إذ استخدم موهميت كنموذج للإصلاح السياسيّ.
الأمر ذاته نراه لاحقاً في الكتاب المنشور عام 1671، بعنوان: "أصل وتطور المحمّدية"، الذي يصف كاتبه، الطبيب هنري ستوب، النبيّ محمّد بقوله: "رجل خارج عن المألوف، ذو روح نبيلة"، ليتابع بعدها في سيرته بوصفه سياسياً ناجحاً وثورياً تمكّن من توحيد قبائل العرب وقيادتهم.
شاهدٌ على براءة مريم
استخدمت سيرة النبي محمّد، صلى الله عليه وسلّم، ضمن الجدل الديني في أوروبا في القرنَين الثالث عشر والرابع عشر؛ إذ تمّ تقديمه كـ "شاهد" على براءة مريم  وطهرانيتها، وحملها بلا دنس؛ فهي وابنها، النبي عيسى، عليه السلام، لم يعرفا الخطيئة الأولى، وقد استشهد الكتّاب الفرانسيسكان، مثل: كرامون مارتي، ونيكولاس دو لير، بالحديث المذكور في صحيح البخاري: "ما من بني آدم مولود إلا يمسّه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسّ الشيطان، غير مريم وابنها.."؛ لإثبات أنّ المسلمين لا يؤمنون بالخطيئة الأولى، ويبرئون مريم والنبي عيسى، عليه السلام، واستمر هذا التوظيف الدينيّ حتى منتصف القرن الثامن عشر، كما في بعض التمثيلات الأيقونيّة الذي يظهر ضمنها "موهميت" حاملاً نسخة من الحديث السابق.
ضدّ التثليث
الاستخدام الديني والسياسيّ لـ "موهميت" نراه في القرن السابع عشر أيضاً، كما في كتاب "الإنجيل العاري"، المنشور عام 1691، لآرثر بوري، الذي ينكر مفهوم التثليث ويدعو إلى الوحدانيّة، ويرى أنّ أفكار "موهميت" أكثر قرباً من المسيحيّة التي أفسدتها الكنيسة بمفهوم التثليث؛ إذ يفقد حينها "موهميت" صفته كنبيّ مُدع، ويصبح نبياً يدعو إلى العودة إلى الأصول والإصلاح الدينيّ، المتمثل بالتمسّك بدين إبراهيم لإعادة الإيمان بالإله الواحد، وهذا يتطابق مع ادّعاء المسلمين، بحسب الكتّاب، الذين يقولون إنّهم أيضاً من أتباع إبراهيم ويؤمنون بإلهه.
جون تولان يشرح ما أثير من تصورات حول النبي محمد عليه السلام

أيقونة يحتذى بها
مع انتصاف القرن الثامن عشر، تغيّرت النظرة إلى نبي الإسلام؛ إذ انتقد فولتير آراءه السابقة، وذلك في "مقالة عن أخلاق وروح الأمم"، المنشورة عام 1756، وكتب عن نبيّ الإسلام بوصفه محرّر العرب من الفرس والرومان، وذكر كيف كان يتيماً، ومع ذلك آمن به العرب، واتبعوه بوصفه آخر الأنبياء، ومُلغي عادة الأصنام، وداعياً للتسامح والحبّ ونشر المعرفة، الأمر ذاته مع كتاب "زرادشت، كونفوشيوس ومحمد" لإمانويل باوستورتي، المنشور عام 1787، الذي يروي سيرة ثلاثة عظماء من الشرق وأثرهم في التاريخ العالميّ.
"موهميت" الأوروبيّ
ضمن لقاء علنيّ مع جون تولان، أقيم في باريس في معهد الدراسات المتوسطية، يقول إنّ أهميّة النبي محمد السياسيّة بدأت منذ تحريره للعبيد، وتأسيسه لجيش لغزو الفرس، مقدّماً وعداً بالحرية للمؤمنين به، ما جعله شخصيّة سياسية جذابة، كما اهتم به الإصلاحيون والثوريون في أوروبا لإلغائه سلطة رجال الدين في سبيل تأسيس الدولة الجديدة.

تولان: أهميّة النبي محمد السياسيّة بدأت منذ تحريره للعبيد وتأسيسه لجيش لغزو الفرس مقدّماً وعداً بالحرية للمؤمنين به

ويضيف؛ أنّ الاستعمار الفرنسيّ، وضمن تمثيلاته الفنيّة، سعى إلى احتواء الدين الإسلامي وشخوصه ضمن المستعمرات في الشرق لتبرير ما يفعله، كما أنّ هناك بروباغندا عن الإسلام، موجهة للغرب، ما تزال قائمة حتى الآن، نرى أثرها في واجهة متحف الهجرة في باريس، الذي يقتبس من العمارة المغربيّة، ويحوي داخله تمثيلاً للنبي محمد، صلى الله عليه وسلّم، وهو يحتضن الجميع، بينما يهمس له جبرائيل، ويرى تولان أنّ هذه الصورة إيجابيّة، لكنّها استعماريّة أيضاً  كونها تقدّم تمثيلاً مغايراً للأصل، في محاولة لخلق نسخة "عالميّة" من الإسلام، تتطابق مع المتخيل الأوروبيّ و"القيم" التي يدعو لها، ما يجعله أداة يمكن التلاعب بها للمصالح الفرنسيّة المختلفة.
ويقول تولان إنّ صورة النبي محمد، عليه السلام، بدأت تتغير مع ضعف السلطة العثمانية، وغياب التهديد المباشر الذي كانت تشكّله على أوروبا، ما تزامن مع ازدياد رحلات المستشرقين إلى مصر وسوريا، وغيرها من المساحات العربيّة، واهتمامهم بمعرفة الدين الإسلامي عن قرب وتعلم اللغة العربية لدراسة الإسلام من أصوله، لا من ترجمات متلاعَب بها، ما جعل سيرة النبي محمد حينها تأخذ بعداً تاريخياً، لا بوصفه مجرد فكرة تستخدمها أوروبا؛ بل شخصيّة حقيقيّة تتجاوز الخرافات والتوظيف الديني بين البروتوستانت والكاثوليك.

للمشاركة:

أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

2019-09-16

أسفرت الهزائم المتوالية لتنظيم داعش في سوريا عن بروز إشكالية ما يُسمى "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"؛ التي أصبحت من أهم اتجاهات الإرهاب العالمي المعاصر اليوم.

اقرأ أيضاً: لمصلحة من عاد تنظيم داعش بقوة شرق سوريا؟
وزاد من هذه الإشكالية وجود 10 آلاف معتقل من مختلف الجماعات الإرهابية في سوريا، منهم ألفا مقاتل من تنظيم داعش، معتقلون حالياً لدى "قوات سوريا الديمقراطية"، المتحالفة مع القوات الأمريكية، 1200 منهم من جنسيات مختلفة، من أكثر من 52 دولة في العالم، و800 منهم من الدول الأوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا وبلجيكا. 

بعد أن كانت قوات سوريا الديمقراطية تصرّ على عودة المعتقلين إلى بلادهم تتحدث عن إمكانية محاكمتهم داخل مناطقها

وفي بادرة لحلّ هذه الإشكالية؛ ناشد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، منذ العام الماضي، دول المعتقلين، ضرورةَ إعادتهم ومحاكمتهم في بلادهم، لكن لم يستجب له كثير منهم، وكانت روسيا على رأس المستجيبين، ثمّ كرّر الرئيس الأمريكي في حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، بتاريخ الأربعاء 21 آب (أغسطس) 2019، تهديده الصريح بأنّ إدارته ستطلق سراح آلاف "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" من تنظيم داعش المحتجزين في سوريا، إذا لم تقم الدول التي قدموا منها باستعادة مواطنيها.
وطيلة الفترة الماضية كانت قوات سوريا الديمقراطية تصرّ على ضرورة عودة المعتقلين إلى بلادهم، لكنّهم حالياً يتحدثون عن إمكانية محاكمة المعتقلين داخل مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية للأكراد في شمال وشرق سوريا"، الأمر الذي رفضته الدول الأوروبية المعنية، خاصّة بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، دون أن تعطي بدائل مقنعة لحلّ هذه الإشكالية.

سيناريوهات الحلّ
يبدو أنّ الأوروبيين يتخوفون من عدم قدرة أنظمتهم القضائية على توفير الأدلّة القانونية الدامغة لمحاكمة هؤلاء المعتقلين في المحاكم الأوروبية؛ بسبب عدم وجود عقوبات بالإعدام؛ فالمعتقلون الذين تثبت عليهم العضوية في "داعش"، أو الدعم المادي، يعاقبون بالسجن من 4-5 أعوام؛ ولذلك يلاحظ بأنّهم يراهنون على تكتيك "شراء الوقت"، والمراهنة، ربما، على عدم عودة هؤلاء المقاتلين وقتلهم في ساحات القتال في سوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: "داعشي" تونسي من سجنه شرق سوريا: التنظيم جنَّد المرضى النفسيين في العمليات الانتحارية
ضمن هذه الأجواء؛ تدور نقاشات مكثفة داخل الاتحاد الأوروبي، حول كيفية حلّ هذه الإشكالية، وبحث كافة الأفكار والخيارات والسيناريوهات لعملية المحاكمة؛ حيث بدأت تطفو إلى السطح سيناريوهات محاكمات نورمبيرغ لجرائم النازية، وجرائم الحرب في رواندا وكوسوفو، ومن جملة هذه النقاشات التي تسربت إلى وسائل الإعلام يمكن رصد أربعة سيناريوهات، هي:
السيناريو الأول: إجراء المحاكمات لدى الأكراد ضمن منطقة الإدارة الذاتية
الحجة القانونية التي يستند إليها الأكراد هنا؛ أنّ الجرائم التي ارتكبها أعضاء تنظيم داعش حدثت داخل مناطقهم تحديداً، لكنّ هذا السيناريو رُفض من قبل فرنسا وبريطانيا وبلجيكا، لأسباب غامضة، كذلك لن ترضى به تركيا أو سوريا؛ لأنّه سيرسّخ مفهوم السيادة الكردية على حساب المنافسَين؛ تركيا وسوريا. 
أسفرت الهزائم المتوالية لداعش في سوريا عن بروز إشكالية ما يُسمى "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"

السيناريو الثاني: التهريب أو النقل السرّي إلى العراق
وهنا يتم نقل المعتقلين بالتنسيق بين كافة الأطراف المعنية بأمرهم بشكل سرّي إلى العراق، ومحاكمتهم أمام المحاكم العراقية، وقد تمّ استخدام هذا الأسلوب بالفعل؛ حيث هُرِّب عدد من اللبنانيين والأستراليين ومعتقلون من قطاع غزة وفرنسيون، لكنّ ذلك أثار ردود فعل سلبية واسعة عالمياً، خاصة من جماعات حقوق الإنسان والمحامين، الذين يتولون الدفاع عن المعتقلين، ومثال ذلك الفرنسيون الأحد عشر الذين حُكم عليهم بالإعدام في العراق، في أيار (مايو)، وحزيران (يونيو) 2019، رغم أنّ فرنسا تعارض حكم الإعدام، ورغم أنّ أحكام الإعدام معارضة للقانون الدولي، إلا أنّ الحكومة الفرنسية لم تتدخل بحجة عدم التدخّل في سيادة العراق؛ لذلك هدّد بعض المحامين الذين يتولّون قضايا الدفاع عن بعض المتهمين في فرنسا، بنقل القضية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

يبدو السيناريو الأكثر احتمالاً للنجاح تشكيل محكمة مشتركة بين الجهاز القضائي العراقي والخبرات الدولية والأوروبية

وكانت الدول الأوروبية قد اقترحت عرض الأمر على الأمم المتحدة ومجلس الأمن من خلال آلية "المحكمة الجنائية الدولية" لمحاكمة الضالعين في جرائم الحرب في سوريا، إلا أنّ مشروع القرار تمّ تعطيله من قبل روسيا والصين، في أيار (مايو) 2014، علماً بأنّ روسيا والصين وأمريكا وسوريا والعراق ليسوا أعضاء في اتفاقية قانون المحكمة التي تأسست عام 2002، كأوّل محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم الاعتداء؛ حيث تعمل هذه المحكمة على إتمام عمل الأجهزة القضائية الموجودة؛ فهي لا تستطيع أن تقوم بدورها القضائي ما لم تبدِ المحاكم الوطنية رغبتها، أو إن كانت غير قادرة على التحقيق أو الادعاء ضدّ تلك القضايا.
ناشد ترامب منذ العام الماضي دول المعتقلين ضرورةَ إعادتهم ومحاكمتهم في بلادهم

السيناريو الثالث: إنشاء محكمة إقليمية في عمّان
ذكرت بعض المصادر المطلعة على المباحثات والنقاشات الأوروبية (نقلاً عن صحيفة "هآرتس" بالإنجليزية، في 9 أيلول /سبتمبر 2019)؛ أنّ بعض المسؤولين في "الاتحاد الأوروبي"، دون تحديد هوية هؤلاء المسؤولين، اقترحوا فكرة إنشاء محكمة إقليمية (Regional Court) في منطقة الشرق الأوسط، وفي العاصمة الأردنية (عمّان)، لكن حتى الآن لم يصدر أيّ ردٍّ أو تعليق من الحكومة الأردنية حول هذه الفكرة ومدى جدّيتها.

اقرأ أيضاً: "أبقار داعش".. سلاح جديد للإرهابيين في العراق
الحجة التي يطرحها الأوروبيون حول السيناريو الأردني تقول: إنّ "هذه المحكمة في الأردن في دولة ذات أغلبية سنّية، يمكن أن تؤمّن محاكمة عادلة وعلنية، على عكس العراق الذي تتميز سياسته الحالية بتغليظ العقوبات والعقاب الجماعي على حساب تحقيق العدالة؛ لأنّ الأحكام ضدّ المعتقلين من داعش مدفوعة بعقلية الانتقام التي تشبه عقلية محاكمات النازية في نورمبيرغ، إضافة إلى أنّ الأردن يمكن أن يساهم في طرح سردية قوية معارضة لدعاية تنظيم داعش".
السيناريو الرابع: تشكيل محكمة هجينة (Hybrid Court)
يعتقد بعض الخبراء والمسؤولين الأوروبيين أنّ هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً للنجاح، وتقوم الفكرة على تشكيل محكمة مشتركة بين الجهاز القضائي العراقي والخبرات الدولية والأوروبية؛ حيث يعمل هؤلاء كبيوت خبرة ومستشارين للقضاء العراقي، لضمان تحقيق محاكمات عادلة ونزيهة، واستبعاد أحكام العقاب الجماعي والإعدام التي تسرّبت لوسائل الإعلام العالمية، وأثارت ردود فعل سلبية واسعة.
في النهاية؛ يبدو من خلال المتابعة الحثيثة لهذه الإشكالية، أنّ معظم الدول المعنية بالأمر، خاصّة الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وبلجيكا، لا تملك أية آليات واضحة للحلّ، وتحاول بالفعل شراء الوقت والتهرّب من مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية والأمنية، وبدلاً من ذلك تحاول بكافة السبل نقل المشكلة إلى خارج أوروبا.

للمشاركة:



قمة روسية تركية إيرانية.. هذه المواضيع التي ستبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

يعقد زعماء روسيا وإيران وتركيا لقاء قمة في أنقرة اليوم؛ لبحث أهم ملفات الأزمة السورية وسبل تسويتها، بما فيها الوضع في إدلب وشرق الفرات.

وسيكون هذا الاجتماع الثلاثي هو الخامس لرؤساء الدول الضامنة لعملية أستانا، بعد أن استضاف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ،نظيريه؛ التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني للمرة الأولى بسوتشي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وفق ما ذكرت "روسيا اليوم".

أوشاكوف: القمة ستبحث تشكيل اللجنة الدستورية والوضع الإنساني وقضايا اللاجئين وإعادة إعمار سوريا

وتعقيباً على قمة اليوم، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إنّ الزعماء الثلاثة سيبحثون في أنقرة القضايا المتعلقة بدفع العملية السياسية التي يديرها السوريون بمساعدة الأمم المتحدة"، مضيفاً أنّ الانتهاء من "عملية تشكيل اللجنة الدستورية وإطلاق أعمالها سيكون خطوة هامة" في طريق تسوية الأزمة السورية.

وذكر أوشاكوف أنّ القمة ستبحث أيضاً الوضع الإنساني، وقضايا مساعدة اللاجئين، وإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في سوريا، إضافة إلى استمرار إزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

ومن المتوقع أن يصدر عن القمة بيان مشترك، وأن يتحدث بوتين وروحاني وأردوغان لممثلي وسائل الإعلام في ختام لقائهم.

وقبل انطلاق القمة الثلاثية، سيعقد الرئيس الروسي لقاء منفصلاً مع نظيريه التركي الإيراني، يتناول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، إضافة إلى جوانب من الملف السوري، حسب أوشاكوف.

وعبرت موسكو عن أملها في أن تمهد قمة اليوم لعقد اجتماع قمة بـ "صيغة اسطنبول" التي تضم روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا.

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات قادرة على مواجهة الاضطراب المحتمل لإمدادات النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

طمأن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، أسواق الطاقة على إمدادات النفط، وذلك بعد تراجع إنتاج السعودية بنحو النصف جراء هجمات استهدفت منشآتها النفطية أول من أمس.

المزروعي: لدينا طاقة إنتاج نفط فائضة لتعويض الأسواق ومن المبكر الدعوة لاجتماع طارئ لأوبك

وقال المزروعي، في تصريح نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، اليوم إنّ بلاده تملك طاقة إنتاجية فائضة للنفط لمواجهة اضطراب محتمل للإمدادات بعد الهجمات، لكنه أكد أنّ من المبكر للغاية الدعوة لاجتماع طارئ لمنظمة "أوبك".

وأضاف وزير الطاقة الإماراتي، أنّه إذا دعت السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لاجتماع طارئ للمنظمة "سنتعامل مع الأمر".

وكان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة مع السعودية، معبراً عن استنكاره لمثل هذه الأعمال الإرهابية، ومؤكداً أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية (واس).

محمد آل نهيان: الإمارات تقف مع السعودية والمملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية قد صرح، أول من أمس، بأنّه "عند الساعة الرابعة صباحاً، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة أرامكو حريقين في معملين تابعين للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون"؛ حيث تمت السيطرة على الحريقين والحد من انتشارهما".

 

 

 

للمشاركة:

عائلات فرنسية تقدم شكاوى ضد وزير الخارجية.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

قدّمت العشرات من عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا، شكاوى ضد وزير الخارجية الفرنسي، جان-إيف لودريان، بدعوى "إغفال تقديم الإغاثة" لهم عبر رفضه إعادتهم إلى فرنسا.

وقدّم المحامون؛ ماري دوزيه وهنري لوكلير وجيرار تشولاكيان، الشكاوى في تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) من العام الجاري، إلى محكمة عدل الجمهورية، الهيئة القضائية الوحيدة المخولة بمحاكمة الوزراء أثناء ممارسة مهامهم، حسب ما نقلت وكالة "فرانس برس".

عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين تتدعي ان لودريان رفض إعادتهم من سوريا إلى فرنسا

وتتّهم العائلات وزير الخارجية الفرنسي بأنّه رفض "طوعاً وعمداً" إعادة نساء وأطفال جهاديين فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا و"معرضين للخطر" .إلى فرنسا

وتقول العائلات في الشكاوى، التي كشفت عنها أيضاً صحيفة "لوموند"، إنّه "منذ أشهر عدة، لم يكفّ الأكراد عن حضّ الدول على تحمّل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها".

لكن حتى الآن، لم توافق الحكومة الفرنسية على إعادة أطفال هذه المخيمات إلا بعد درس "كل حالة على حدة". وبعد أشهر من المماطلة وسط غضب الرأي العام، أعادت باريس في العاشر من حزيران (يونيو) الماضي 12 طفلاً معظمهم أيتام بعد إعادة خمسة أطفال في آذار (مارس) من العام ذاته.

ويشير أطراف الشكوى إلى أنّ "هذه السياسة التي أُطلقت عليها تسمية "كل حالة على حدة" تهدف، قبل كل شيء، إلى ترك أكثر من مئتي طفل وأمهاتهم معرضين إلى معاملة غير إنسانية ومهينة وإلى خطر الموت الوشيك".

وتصف العائلات الشاكية الظروف التي يعيش فيها الأطفال والأمهات والتي لا تكفّ عن التفاقم في المخيمات؛ حيث تسود "أجواء من انعدام الأمن" المتزايد مثل؛ درجات حرارة قصوى في الصيف والشتاء، نقص في المياه والمواد الغذائية، تفشّي وباء السلّ أو حتى الكوليرا، غياب الرعاية الصحية.

وحالياً ينبغي أن تعلن لجنة تلقي الشكاوى في المحكمة موقفها بشأن قبولها.

 

 

للمشاركة:



استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

غسان شربل

استهداف السعودية بندٌ ثابتٌ وقديمٌ على طاولة صاحب القرار في النظام الإيراني الحالي. إنها حقيقة أكدتها الأحداث على مدار عقود. استهداف السعودية ليس قراراً مؤقتاً أو عابراً. إنه خيار يتعلق بطبيعة النظام القائم في طهران ونظرته إلى الآخرين لا سيَّما الدول المجاورة.
حاولت السعودية على مدار عقود استكشاف أي إمكانية لتغيير هذا المسار. التقطت أي إشارة يمكن أن تعدَ بسياسة إيرانية عقلانية أو واقعية. اعتمدت سياسة اليد الممدودة حين تحدث البعض عن واقعية رفسنجاني. وحدث الأمر نفسه لدى شيوع الكلام عن مرونة محمد خاتمي. لم تتردد الرياض في اعتماد سياسة اليد الممدودة حيال أحمدي نجاد. وكانت التطورات تُظهر مرة بعد أخرى أن جوهر السياسة الخارجية موجود في مكتب المرشد لا في مكتب الرئيس. وثمة من وصل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الواقعية العابرة التي يبديها الرؤساء أحياناً هي مجرد مساحيق لإخفاء حقيقة النظرة الإيرانية إلى السعودية، وهي نظرة المرشد الذي يأتمن «الحرس الثوري» على تنفيذ السياسات الراسخة في كتابه.
تعاملت السعودية بمسؤولية عالية مع اعتداءات أمنية حصلت على أراضيها أو استهدفت دبلوماسييها ومصالحها في الخارج. سعت إلى منع التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهات علنية تضاعف المخاطر في إقليم متوتر أصلاً. وكانت الرياض تراهن على أن يستنتج أصحاب القرار في طهران أن أوهام القوة مؤذية للجميع وليس فقط للآخرين. وأن لغة العداوة تصبُّ الزيت على النار وتضاعف التوتر المذهبي والسياسي والأمني.
حاولت طهران مراراً إخفاء حقيقة سياستها المعادية للسعودية عبر التحدث عن حسن الجوار والدور المشترك في تأمين الخليج وأمن الطاقة. لكن التحركات على الأرض كانت تدلل سريعاً على أن هذه الدعوات الإيرانية إلى أفضل العلاقات بين دول المنطقة كانت جزءاً من الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي لا بدَّ من أن تواكب الحملة المفتوحة على الأرض.
ثمة مشكلة عميقة في العلاقات بين إيران والسعودية. مشكلة حاضرة أيضاً بين إيران وغالبية دول المنطقة والعالم. في عالمنا الحالي تبنى العلاقات بين الدول استناداً إلى مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة. لإرساء ذلك لا بدَّ من أن يكون مفهوم الدولة هو الغالب. المشكلة أن إيران تتوكأ على منطق الدولة حين تجد مصلحتها في ذلك لكن جوهر سياستها يبقى كامناً في منطق الثورة التي ترفض العيش ضمن خريطتها وترفض الاعتراف بالحصانة التي يعطيها القانون الدولي لخرائط الآخرين. وما كان الأمر ليشكل معضلة لو أن إيران بنت على أرضها نموذجاً سياسيا أو اقتصاديا جاذباً يمكن استلهامه طوعاً ولا تروِّج له خارج لغة الدبلوماسية والإعلام. لكن الذي حدث هو أن طهران حاولت وبذرائع مختلفة التسلل إلى أراضي الآخرين لفرض قدر من نموذجها، وبما يكفي لجعل الدول المستهدفة تدور في فلكها. هذه الاختراقات القسرية وبوسائل من خارج أصول التخاطب بين الدول المستقلة والسيدة حولت التدخلات الإيرانية نهجاً لزعزعة الاستقرار. لا نحتاج هنا إلى سوق الأمثلة. تزايد النفوذ الإيراني في هذه العاصمة أو تلك لم يؤدِ إلى إشاعة استقرار أو التمهيد لازدهار، بل أدَّى إلى إشاعة التوتر وتجويف الدول من مقوماتها الأساسية وزرع أسباب التوتر في علاقاتها بالعالم.
دول كثيرة، وبينها السعودية، حاولت فعلاً بناء علاقة طبيعية مع إيران. لكن هذه الدول اصطدمت باكتشاف أن الدولة الإيرانية ومؤسساتها ما هي إلا عباءة تتحرك تحتها سياسة الثورة التي تجيز لنفسها اختراق خرائط الآخرين والسعي إلى تبديل التوازنات على أرضهم وفي عواصمهم. والواضح هو أن إيران تتصرف كأنها ثورة تخشى التحول إلى دولة، لأن مثل هذا التحول ينسفُ مشروع الانقلاب الكبير المبني على تصدير الثورة.
في إطار سعيها لتنفيذ برنامج الانقلاب الكبير في المنطقة، اعتبرت إيران السعودية عائقاً كبيراً أمام برنامجها وطموحاتها، عائقاً خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، عائقاً لما تتصف به السعودية من ثقل إسلامي وعربي ودولي. ثقل اقتصادي وسياسي تواكبه شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية مبنية على خيار الاعتدال والتعاون والحضِّ على الحوار والتفاهمات، وهو ما تجلَّى في أدوار الوساطة التي قامت بها في دول عدة. ولهذا السبب بالذات كان تطويق السعودية بنداً ثابتاً على طاولة الصانع الحقيقي للقرار في إيران. اعتبرت طهران الحالية أن إضعاف الحلقة السعودية يشكل مدخلاً ضرورياً للإمساك بقرار المزيد من العواصم أو على الأقل امتلاك القدرة على تعطيل قدرتها على القرار. وكانت الحلقة الأبرز التي كشفت على نحو لا لبس فيه برنامج تطويق السعودية بالميليشيات والجيوش الصغيرة العابرة للحدود بأفرادها أو صواريخها وطائراتها المسيرة، حلقة الانقلاب الحوثي. وأدركت السعودية منذ اللحظة الأولى أن إيران تحاول تحويل الحوثيين وكيلاً دائماً في زعزعة الاستقرار واختراق الخرائط، ولهذا تجاوبت مع نداء الشرعية اليمنية.
واضح أن السعودية مستهدفة بسبب حاضرها واعتراضها على سياسة تحويل خرائط عربية منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة على أهداف عربية. والسعودية مستهدفة أيضاً بسبب ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها في ظل التحول الكبير الذي تعيشه.
في هذا السياق، يمكن فهم العدوان على منشأتي النفط السعوديتين التابعتين لشركة «أرامكو». إنه تصعيد واسع وخطر والبصمات على الرسالة واضحة مهما نفت طهران. يدلُّ هذا التصعيد على مدى التوتر الذي يعيشه النظام الإيراني بفعل سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية. إنه صبٌّ لمزيد من الزيت على نار المنطقة بهدف امتحان الإدارة الأميركية وتذكير واشنطن بقدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة، وجعلها رهينة إضافية في الأزمة المفتوحة. ردود الفعل العربية والدولية الداعمة للسعودية رداً على هذا العدوان تؤكد مرة أخرى حجم الهوة بين قاموس النظام الإيراني وقاموس القانون الدولي. بمضاعفة هذا النوع من الرسائل لا تترك إيران للسعودية إلا خيار توظيف ثقلها العربي والإسلامي والدولي لوضع المزيد من العوائق أمام الانقلاب الإيراني الكبير. وفي هذا السياق تملك السعودية الإرادة والقدرة، علاوة على ترسانة علاقات دولية مبنية على قاعدة دورها في إبقاء أمل الاستقرار والازدهار حياً في المنطقة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

إلى أين يأخذ الإخوان ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

أعادت تركيا الزخم لتحرك ميليشيا الاخوان المسلمين في الساحة الليبية تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج بدعم سخي ماليا وتسليحيا خاصة بالطائرات المسيرة التي تراهن عليها لقلب موازين القوى في المواجهة مع قوات الجيش الوطني الليبي التي تشن منذ أبريل/نيسان حملة عسكرية لتطهير العاصمة طرابلس من الإرهاب.

وتؤكد القوات الليبية التي كان لها الفضل في تحرير شرق ليبيا من الجماعات المتطرفة وإعادة الاستقرار لجزء مهم من الأراضي الليبية، أن عملية طرابلس تستهدف بالأساس تطهيرها من الجماعات المتشددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان وأذرعها العسكرية التي ترتهن حكومة الوفاق.

ويعتبر متابعون لتطورات الأزمة الليبية أن الحكومة المعترف بها دوليا والتي عجزت منذ توليها السلطة في غرب ليبيا في مارس/اذار 2016 والمنبثقة عن  اتفاق سياسي جرى التوصل إليه في منتجع الصخيرات  بالمغرب في ديسمبر/كانون الأول 2015، عن إعادة الاستقرار ولجم انفلات سلاح الميليشيات وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، تحولت في نهاية المطاف إلى أداة بيد جماعة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الساحة الليبية ساحة مواجهة مفتوحة لتمرير مشروعها بغض النظر عن حمام الدم الذي تسببت فيه.

وحال اخوان ليبيا دون التوصل لأي اتفاق سياسي في السابق ينهي الأزمة القائمة بين السلطة في طرابلس بقيادة السراج والسلطة في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والحكومة المؤقتة التي رفضت الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق ما لم تحصل على ثقة البرلمان.

وكان واضحا منذ البداية أن الإخوان يدفعون باتجاه التصعيد بإيعاز من الحاضنة التركية للتنظيم ليصل الوضع الراهن لما هو عليه اليوم حيث يدفع الشعب الليبي من دمه وماله وأمنه ثمن أجندة التمدد الاخوانية.

وكان لافتا في الفترة الأخيرة مع تحول الدعم التركي للميليشيات الاخوانية من السرّ إلى العلن ومع وصول شحنات من مركبات عسكرية وطائرات مسيرة لميليشيات الجماعة المهيمنة على حكومة الوفاق، توجه إخوان ليبيا إلى التصعيد العسكري باعتبار أن وجود الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أصبح تهديدا كبيرا لمشروعهم.

وحصل إسلاميو ليبيا من تركيا على نوعين من الطائرات المسيرة بما يمكنهم من شن هجمات على أهداف بشكل مباشر بمتفجرات خفيفة قادرة على قتل أشخاص.

وبالفعل قتل ثلاثة بينهم قياديان من قوات الجيش الوطني الليبي الجمعة في ضربة جوية بطائرة مسيرة يعتقد أنها تركية على مدينة ترهونة. كما نفذت طائرة تركية أخرى هجوما على القاعدة الجوية بالجفرة.

وأحبط الجيش الوطني الليبي اعتداءات متزامنة على قاعدة الجفرة من ثلاث محاور وأسقط ثلاث طائرات مسيرة تركية، في تطور سلط الضوء على مدى استعداد الإخوان للمضي قدما في ضرب الجيش الليبي دفاعا عن مشروعهم الذي يتجاوز الساحة الليبية.

والهجمات على قاعدة الجفرة التي قالت القيادة العامة للقوات الليبية العربية المسلحة إنه تم التخطيط لها في تركيا ومولتها قطر، ليست إلا فصلا من فصول معركة تبدو طويلة على ضوء استعداد الميليشيات الاخوانية لتحويل الساحة الليبية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة يؤكد قراءات سابقة كانت أشارت إلى أن اخوان ليبيا غير حريصين على الساحة الليبية وعلى دم الشعب الليبي بل هم أحرص على تمرير مشروعهم أيا كان الثمن الذي سيدفعه الليبيون.

والعودة القوية للاخوان للساحة الليبية بعد هزائم وانكسارات سياسية لا يمكن النظر لها بمعزل عمّا تمثله ليبيا من شريان مالي حيوي سواء ذلك الذي تحت إدارة حكومة الوفاق أو المنفلت منه والبعيد عن كل رقابة والمقترن  أساسا بنشاط الميليشيات المسلحة والمهربين وهي معادلة أخرى في الصراع الليبي.

ويجني إخوان ليبيا إيرادات طائلة من هذه الأنشطة إضافة إلى ما تحصل عليه من تمويلات سخية من قطر وتركيا.

وتطرح كل هذه التطورات مجتمعة أسئلة ملحة هو الدور التركي في تأجيج العنف في ليبيا وأيضا مصير ليبيا ومؤسساتها وشعبها في ظل تنامي نشاط الإخوان في غرب البلاد.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية