بخصوص النسوية العربية العابسة

3948
عدد القراءات

2018-11-28

(لا تعاملني بوصفي أنثى رقيقة، بل عاملني بوصفي مقاتلة)! هذا هو موجز ظاهر الخطاب السائد في أوساط النسويّات العربيّات. ورغم ضرورة التذكير بأنّ ظاهر هذا الخطاب لا يعكس باطنه غالباً، إلا أنّ من حقنا - رجالاً نساءً- أن نسأل: من قال بأنّ أنوثة المرأة ورقّتها وأناقتها تتناقض مع كونها (نسوية)؟ وكيف تسلّلت أسطورة المرأة الحديدية للخطاب النسوي العربي في عصر الانفتاح وحرية الانخراط في الأحزاب ومنظمات العمل المدني؟
وقد يكون طريفاً، التنويه بأنّ كثيراً من مناضلي النصف الثاني من القرن العشرين، ما زالوا يذكرون بوافر الحنين، أولئك الرفيقات والمناضلات الحقيقيات اللواتي اكتوين بالملاحقة والاعتقال والحرمان من السفر والعمل، وظللن - مع ذلك- حريصات على أنوثتهن ويفاخرن بها ويبرزنها، دون مستحضرات باهظة الثمن أو عمليات تجميل مكشوفة. لكن ما يدعونا للاستغراب أن تتصاعد (الآن) الرغبة في تقمّص صورة المرأة الحديدية، رغم كل ما تحظى به النساء من امتيازات، سواء على صعيد (الكوتا) المضمونة في أي تشكيل حكومي أو برلماني عربي – إرضاء للغرب- أم على صعيد تعاظم فرص الالتحاق بسوق العمل، أم على صعيد الأجور التي راحت تفوق أجور الرجال أحياناً، أم على صعيد حرية الانخراط في العمل العام بكل صوره، أم على صعيد حرية الكتابة والنشر.

الصورة النمطية التي تجتهد النساء العربيات في إنتاجها للرجل أنه وغد وماكر وأناني وجبان ومتسلّط ومحظوظ جدًا لأنّه رجل

ورغم تسليمنا بأنّ المرأة العربية ما زالت تعاني من الاضطهاد والتمييز بوجه عام، وبأنّ مستويات هذا الاضطهاد تتفاوت من قُطر لآخر، بل ومن منطقة لمنطقة داخل القُطر ذاته، إلا أنّ ما يسترعي انتباهنا حقاً هو هذا التوجه للتنصل من الأنوثة وإدانتها بصور متعدّدة؛ بدءاً من الإصرار على التزيي بأزياء مشابهة لأزياء الذكور – وخاصة في بيئة المال والأعمال- مروراً بتحميل الأنوثة كل أوزار الضعف الذاتي في كثير من نصوص وكتب القاصات والروائيات والشاعرات، وليس انتهاء بما تدرجه ناشطات بارزات في مواقع التواصل الاجتماعي من منشورات.
إنّ القيام بتحليل مضمون أولي لمنشورات بعض النسويات في الفضاء الإلكتروني، كفيل بأن يفضي بنا إلى ملاحظتين رئيستين؛ فعلى صعيد الشكل ثمة تعمد لاستخدام لغة ذكورية قاسية، وأحياناً نابية، لتأكيد التنصل من الأنوثة، فضلاً عن الميل لاستخدام اللهجة العاميّة الغاضبة. وعلى صعيد المضمون ثمة تعمد لإبراز التفاصيل والهوامش التي كانت المرأة تحرص على إخفائها، مثل التركيز على رثاثة هيأتها وإدمان التدخين والقهوة وعدم الاستحمام وتناول ما تيسّر من الطعام البائت في الثلاجة! وقد يعن لبعض المثقفين القول بأنّ هذه الوتيرة من الكتابة والانشغالات، لا تعدو كونها شكلاً من أشكال ما بعد الحداثة التي تأخر انطلاقها كثيراً في الوطن العربي، جرّاء انصياع الخطاب الثقافي لمواصفات الحداثة العقلانية والأنيقة لعقود طويلة، ثم انفجرت فجأة (ما بعد الحداثة) مخلّفة المئات من النصوص المشظّاة والشقية والمترعة ببطولة الهامش وهواجس تحطيم النسق واليقين، فضلاً عن فائض السخرية والتهكم. إنّ هذه المعاينة – في الواقع- لا تنفي ما ذهبنا إليه، بل هي تؤكده على الصعيد النقدي الخاص، وعلى الصعيد الفكري العام.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: ما الجديد؟
وإذا كانت الصورة النمطية التي تتطوّع كثير من النسويات لترسيخها عن ذواتهن، لا تحتاج إلى مزيد شرح وتفسير، فإنّ الصورة النمطية التي يجتهدن في إنتاجها للرجل تستحق بعض التفصيل؛ فهو وغد وماكر وأناني وجبان ومتسلّط ومحظوظ جدًا لأنّه رجل! لكن أطرف بُعدٍ في هذه الصورة يتمثل في مواصفات الرجل الحبيب؛ فهو وغد وماكر ومتسلّط ومحظوظ أيضاً! بل إنّ ثمة ما يشبه الاستمتاع بوضاعة هذا الحبيب وما يشبه مطالبته بالاستمرار في هذه الوضاعة! ولا أحب أن أستعيد مع القارئ العزيز، المنظور الفرويدي العتيد بخصوص الحسد الأنثوي التاريخي للذكورة، فهو أقدم وأشهر من أن يستعاد لفهم مضمر الخطاب الرقمي لطائفة من النسويات الغاضبات- ولا يقل الخطاب الرقمي لكثير من الذكور الغاضبين عنفاً وساديّة – لكنني أحب التذكير بأنّ النسوية الغربية- التي مثّلت المعبد التاريخي الذي طالما تعبّدت في محرابه كثير من النسويات العربيات الغاضبات- قد اجتازت منذ سنين (حاجز الألم) التاريخي، وتخلّصت إلى حد بعيد من خطابات الغضب والضغينة وضرورة الثأر من الذكر الغاصب، وغدت أكثر استعداداً وحماسة للتأمل والتحليل والتركيب المعرفي الإنساني غير المُجَنْسن، جنباً إلى جنب الخطاب الذكوري المعرفي الإنساني. وخاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة التي اتخذت من المرأة على جانبي الصراع، وقوداً مثالياً لتأجيج المواجهات الأيديولوجية التي جمّلت – في الواقع- كثيراً من واجهات المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فحوّلت المرأة الشيوعية إلى مزارعة بعضلات مفتولة، وحوّلت المرأة الرأسمالية إلى راقصة بسيقان ممشوقة!

النسوية الغربية مشغولة بالمرأة الهادئة المتأمِّلة الناقدة المفكّرة الأكثر استعداداً لتجاوز جروح التاريخ والأكثر تفهماً لضرورة التصالح مع الرجل

نعم، لقد امتلكت النسوية الغربية الشجاعة اللازمة للمراجعة، وتجاوزت طروحات الحداثة وما بعد الحداثة، وصولاً إلى الموجة النسوية الرابعة (ما بعد ما بعد الحداثة النسوية) التي تفاعلت وتساوقت جدلياً وإيجابياً مع طروحات (الطريق الثالث) الذي أبرز حقيقة أنّ الرأسمالية -رغم كل مساوئها البنيوية وبحكم جوهرها البراغماتي الراسخ- قد أفادت من ماركس أكثر مما أفاد منه الماركسيون أنفسهم، وأنها أكثر قدرة على توظيف الديالكتيك الاجتماعي من الأحزاب الشيوعية، فكان أن شرّعت تنظيرات (جيدنز) بخصوص (سياسات الحياة) كثيراً من الأبواب للإطلال على متطلبات الحيوات القادمة، والتي يقف على رأسها ضرورات: التفهم والتجاوز والتعاون.

اقرأ أيضاً: هكذا تقف الحركة النسوية في إيران بوجه نظام الملالي
وفقاً لهذا المآل، فإنّ النسوية الغربية في طريقها لتوديع المرأة الغاضبة الرافضة لسلطات المجتمع والدولة والعائلة والجامعة والعمل... والمرأة المنكوشة الشعر والمدمنة والمثلية؛ لأنها مشغولة بالمرأة الهادئة المتأمِّلة الناقدة المفكّرة؛ المرأة الأكثر استعداداً لتجاوز جروح التاريخ والواقع، والأكثر تفهماً لضرورة التصالح مع الرجل، والأكثر اعتزازاً بأنوثتها وأزيائها وعطورها، إيماناً منها بأنّ ما أنتجته من خطابات غاضبة في عقود خالية، لا يقل تحيّزاً أو تعصّباً عما أنتجه الرجل المتحيّز والمتعصّب طوال قرون.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مدخل إلى فلسفة الدين

2019-11-18

سؤالُ فلسفةِ الدين سؤالٌ فلسفي، والتفكيرُ فيها تفكيرٌ فلسفي، وقراءتُها للدينِ ومعتقداتِه قراءةٌ فلسفية، وبذلك تتميز عن: علمِ اجتماع الدين، وأنثربولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، وغيرِها من علومٍ تهتم بدراسة الدينِ وتمثّلاتِه في حياةِ الفردِ والجماعة، فكلٌّ من هذه العلوم يدرس كيفيةَ تعبيرِ الدين عن حضورِه في الحياة، والأثرَ والتأثيرَ المتبادلَ الناتجَ عن التفاعلِ بين الدينِ وثقافةِ المجتمع ونمطِ تمدّنه، وكلُّ هذه العلومِ يدرسُ الدينَ في ضوء مناهجِه ومفاهيمِه وأدواتِه في البحث العلمي، ويتركّز بحثُه على ما يحدثه الدينُ في المجالِ الخاص الذي يدرسه.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني حضور الفلسفة في الفضاء المعرفي السعودي؟
لا تختصُّ فلسفةُ الدينِ بدينٍ أو فرقةٍ أو مذهب، ولا تسعى للدفاعِ عن معتقداتِ جماعةٍ دينية، كما هي وظيفةُ اللاهوتِ، وعلمِ الكلام، ففي لاهوتِ أيِّ دينٍ يظل اللاهوتي يفكّر تحت سقفِ المعتقد المركزي للدين، ولا يخرج عن إطارِه الكلي مهما كان رأيُه، وفي علمِ الكلامِ الإسلامي يظل المتكلمُ يفكّر تحت سقفِ التوحيد والنبوة، فإن خرج اجتهادُه عن مسلّماتِ الاعتقاد فنفى وجودَ الله وأنكر النبوةَ لم يعد متكلماً.
أما فيلسوفُ الدين فلا سقفَ يخضع له عقلُه، ولا إطارَ يتحرك ضمنَه تفكيرُه، ولا مسلماتٍ يصدر عنها؛ لأنه لا يقوده إلا العقلُ، ولا ينتج فهمَه للدينِ والمعتقداتِ الدينية أيّةُ سلطةٍ معرفيةٍ تتعالى على العقل، فمنطقُ فهمِ فيلسوفِ الدين للمعتقدات الدينية هو ذاتُه منطقُ فهمِه للوجود والمباحثِ الكلية المعروفةِ في الفلسفة.

لغةُ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" منطقيةٌ واضحة تتسم بالموضوعية والحياد وتهتمّ بالاستدلال

  تبتعد فلسفةُ الدينِ عن الأحكامِ المعيارية، ولا تتبنّى أيّةَ مواقفَ مسبقة، ولا تتحمّس في الانحيازِ لأيّةِ ديانةٍ أو معتقد، فلا يحضر الإيمانُ أو الاعتقادُ بدينٍ معينٍ، بوصفه شرطاً، في تفكيرِ فيلسوفِ الدين، ما يحضر هو العقلُ الفلسفي، من دون أيِّ توصيفٍ أو شرطٍ إضافي يقيّد العقل، أو يملي عليه طريقةَ تفكيره، أو يرسم له حدودَ الأفقِ الذي يتموضع فيه، أو المنطقَ الذي يوجِّه مسارَ تفكيره.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
لكن لا يمكننا أن ننكر أثرَ السياقِ الديني لنشأةِ وتطورِ فلسفة الدين، الذي ترك شيئاً من بصمته في أعمالِ فلاسفةِ الدين، فلم تتحرّر دراستُهم للدين من أسرِ أمثلةٍ وقصصٍ ومواعظ الكتابِ المقدّس، وإن كان منطقُ فهمِهم لها مختلفاً بشكلٍ واضحٍ عن منطقِ فهمِ اللاهوتيين، ففيلسوفُ الدين، وإن كان يهودياً أو مسيحياً، لا مرجعيةَ له خارجَ عقله، ولا أيةَ مسلماتٍ تسبقُ تفكيرَه، إلا المسلماتِ المضمرةَ في اللاوعي. يقوده عقلُه الفلسفي ويستند إلى أدلته، وإن انتهت أحياناً تلك الأدلةُ إلى نفي المصدرِ الإلهي للكتابِ المقدّس، وإلى عدمِ قبولِ تفسيرات وتأويلات اللاهوتيين لنصوص هذا الكتاب.
وكما تختلف فلسفةُ الدين عن اللاهوت، وعلمِ الكلام، وعلمِ اجتماع الدين، وأنثربولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، تختلف فلسفةُ الدين أيضاً عن علم الكلام الجديد، المتكلّمُ الجديد غيرُ فيلسوف الدين، المتكلّمُ الجديد يؤمنُ بالله والوحي، بغضِّ النظرِ عن اجتهادِه في بناءِ رؤيتِه التوحيدية، وفهمِه للوحي، بصورةٍ لا تطابق رؤيةَ وفهمَ المتكلم التقليدي.
وفي ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادي لا يؤمن بالله، أو كتاباتٍ ترى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشر. كما لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلامٍ جديد.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
  ظهر التفكيرُ الفلسفي في الدينِ وبيانِ ماهيةِ المعتقدات والاستدلالِ عليها مبكراً في الإسلام، كما نقرأ ذلك في آثار الكندي "185 – نحو 256 هـ"، والفارابي "260 – 339 هـ"، وابن سينا "370 – 427 هـ"، وتواصل مع ابن رشد "520 – 595 هـ"، وشيخِ الإشراق السهروردي "نحو 554 – 586 هـ".
   وعلى الرغم من الأثرِ الذي أحدثه موقفُ الغزالي "450 – 505 هـ"، وغيرُه من المتكلمين المناهضين للتفلسف في الدين، لكن العقلَ الفلسفي حاول أن يستفيقَ في أصفهان مع محمد باقر المعروف بمير داماد "960 – 1041هـ" الذي ترسّمَ نهجَ المشّائين ببيانٍ ملتبسٍ غامض، وتلميذِه ملا صدرا الشيرازي "980– 1050هـ"، الذي أنتج فلسفةً مركبةً تتزاوج فيها اتجاهاتٌ متنوعة، وتحيل إلى مصادرَ مختلفةٍ تنتمي إلى: فلسفة ابن سينا المشّائيّة، وفلسفة الشيخِ السهروردي الإشراقية، وعرفانِ محيي الدين بن عربي "558 – 638 هـ"، وتوظف آراءَ بعضِ المتكلمين كالفخر الرازي "544هـ - 606هـ"، بنحوٍ صارت هذه الفلسفةُ وكأنها توليفةٌ لا تأتلف لمقولاتٍ ومواقفَ وآراءٍ شتى، لكن لا يمكن تجاهلُ غزارةِ ما يسودها من تفلسفٍ في الدين، غالباً ما  كان ملا صدرا يستأنف فيه نتائجَ ابن عربي، فيتخذها أسساً ليبني عليها رؤيتَه لله والعالَم، بعد أن يعيد إنتاجَها وتكييفَها لمنطقه، وللغته المتكلّفة التي تفتقر لكثافةِ لغِة ابن عربي، ولا تكتنز بثرائها الرمزي.   

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
كان التفكيرُ الديني في الإسلام ومازال تأسره المقولاتُ الكلامية والمواقفُ الاعتقادية وأحكامُ المدونة الفقهية، وما يشكّل مبادئَ ومقدّماتٍ أساسيةً لتعليم تلك المقولات والأحكام. ولم يتحرّر هذا التفكيرُ من ذلك، ولم ينفتح على بناءِ وعيٍ فلسفي بالدين إلا بمبادراتٍ فرديةٍ لم تتحول إلى تيارٍ للوعي الفلسفي في الدين، وعجزتْ عن اختراقِ جدرانِ معاهدِ التعليم الديني، ذلك أنّ المؤسساتِ الدينيةَ المحافظة، التي تمتلك المشروعيةَ الراسخة، لم تسمح للعقل الفلسفي بالحضور في فضائها، لأنها تدرك ما يمكن أن يحدثه أيُّ ضربٍ من الوعي الفلسفي في الدين من أسئلةٍ عميقة، وما يولّده هذا الوعيُ من نقاشات، لا تضبطها طرائقُ التفكير المعروفة في تلك المعاهد، وتنفلت من أسوار مقولاتِ الكلام والمواقفَ الاعتقادية، فيظل حائراً حيال إجاباتِها، لأنه لم يتسلح بالمنطق الذي يلتقي ومنطقَ تفكيرها، واللغةَ التي تتناغم ولغتَها.

اقرأ أيضاً: تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة
  مازالت معاهدُ التعليم الديني مولعةً بالاحتماء بالتراث، ولاشك أنّ الاحتماءَ بالتراث يعبّر عن حاجة نفسية ومجتمعية توفر للإنسان أمناً هو بأمس الحاجة إليه، في عالَم عاصفٍ تتدفق فيه العلومُ والمعارفُ، وتباغته التقنياتُ الجديدةُ، التي تنهمر كالشلال من خلال وسائل الاتصال اليوم، فتكسر صمتَه وسكونَه، وتُحدِث لديه حالةً من التوتر، لذلك يحرص الإنسانُ على الاحتماء بتراثه، معتقداً أن كلَّ ما يحتاجه في حاضره ومستقبله يمدّه به ذلك التراثُ. وهذه الحاجة هي التي تفرض عليه ممانعةَ أية محاولة لمساءلة التراث، والخوفَ من توظيف الفلسفة والمناهج العلمية الحديثة في فهمه وتحليله ونقده، وتمكّنه من غربلته وعبوره.
  البحثُ الفلسفي في الدين، وتطبيقُ المناهج الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية، وغيرها على الظواهر الدينية هو ما يكفل اكتشافَ أفقٍ للتفكير يمنح الحياةَ الدينية أجملَ معانيها، ويجعلها متناغمةً والإيقاع المعرفي والتقني للعصر، ويمكّنها من الاستجابة للمتطلبات الروحية والأخلاقية الراهنة، وإشباعِ حياةِ الإنسان بالمعنى الذي تحتاجه اليوم.

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
وهذا النوعُ من الدراسة لتعبيرات الدين في الحياة ضرورةٌ يفرضها انسدادُ آفاق التفكير الديني، وإنجازُ معرفةٍ فلسفية وعلمية بالدين، والكشفُ عن تمثلاته الإيجابية والسلبية في الحياة. ذلك أنّ تمثلاتِ الدين ظواهرُ بشرية تعكس كيفيةَ فهمه، وقراءةَ نصوصه وتحققَها في حياة الفرد والمجتمع. وهذا يعني أنّ هذه الظواهرَ مثلُها مثلُ أيةِ ظاهرةٍ بشرية يجب أن تُدرَس في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، مثلما تُدرَس في ضوئها كلُّ ظاهرة فردية ومجتمعية.
في العقدَين الأخيرَين صدرتْ كتبٌ عديدةٌ تحمل عنوانَ فلسفة الدين، كان بعضُها معطياتٍ مشتتةً لا تحمل من فلسفة الدين إلا العنوان، وكأنّ التأليفَ في هذا الموضوع صار موضةَ هذه السنوات، بعد أن ظلت فلسفةُ الدين مجهولةً لدى دارسي الفلسفةِ والدينِ بالعربية زمناً طويلاً.  كنتُ ومازلتُ أهتمُّ برصدِ ومطالعةِ هذه الكتب، سواء كانت تأليفاً أو إعداداً وتحريراً، وقلّما قرأتُ كتاباً يتناول فلسفةَ الدين بشكلٍ منهجي منتظم، يرسم لمن يريد التخصصَ في هذا الحقل خريطةَ طريقٍ واضحة، ويزوّده بمدخلٍ علمي يوفر عليه الوقتَ والجهد، ويمكّنه من الدخول لفلسفة الدين من أبوابها، ولا يقوده إلى متاهاتٍ لا يدري فيها من أين يبدأ وإلى أين ينتهي.
أدركتُ قبل أكثر من ثلاثة عقود أنّ بناءَ وعيٍ فلسفي بالدين ضرورةٌ يفرضها تحريرُ التفكير الديني من المدارات المغلقة للتراث، وانفتاحُه على الهموم المعرفية لعالَم الإسلام اليوم، وهو ما دعاني للتفكير جدّياً بتأسيس دوريةٍ تتكفل ذلك، فأصدرتُ مجلةَ قضايا إسلامية معاصرة، وأسّستُ مركزَ دراسات فلسفة الدين بعد عودتي لبغداد، ومنذ تأسيسه حرص هذا المركزُ على بناءِ وعيٍ فلسفي بالدين، وتكثّفت جهودُه حول تأمين هذه الحاجة الملحة، وبادر لتخصيص أكثرِ أعداد مجلة قضايا إسلامية معاصرة للمباحث المحورية في فلسفة الدين، وبموازاتها أصدر المركزُ "موسوعةَ فلسفة الدين"، وهي موسوعةٌ اتسعتْ لاستيعاب إسهاماتِ فلاسفةِ دينٍ ومفكرين وباحثين خبراء في فلسفة الدين، تتعدّد مواطنُهم اللغوية وأديانُهم ومذاهبُهم، لكنهم يلتقون في فهمِ وتحليلِ المعتقداتِ الدينية في أفق فلسفي، ويفكّرون فيما هو مشترَكٌ في الأديان، وعابرٌ للحدود الاعتقادية والإثنية والتاريخية والجغرافية والرمزية.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
وفي إطارِ محاولته لبناءِ وعيٍ فلسفي بالدين، تبنّى مركزُ دراسات فلسفة الدين ترجمةَ ونشرَ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين"، الذي أصدرته جامعة أكسفورد قبل ثلاثة عقود تقريباً، لكنه ظل مهملاً كلَّ هذه السنوات، ولم يتعرّف عليه أو يهتمّ به أحدٌ من الباحثين في فلسفة الدين في البلاد العربية، على الرغم من الأهمية الفائقة له، وتوفرِه على ميزات لا نراها مجتمعةً في كتابٍ واحدٍ من الأعمال الصادرة في فلسفة الدين.
وبحدود اطلاعي على ما كُتِب في فلسفة الدين، فإنّ هذا العملَ هو الكتابُ الأولُ بالعربية الذي يمكن اعتمادُه بوصفه دليلاً علمياً منهجياً في فلسفة الدين، فهو منجمٌ غنيٌ لفلسفةِ الدين والاتجاهاتِ المتنوعة في اللاهوت الغربي، ولم يغفل الإشارةَ إلى اللاهوتِ والعقلِ الفلسفي في الأديان المتنوعة.
تميّزَ هذا العملُ باستيعابه للكلّيات والموضوعات الأساسية في فلسفة الدين، وبحث كلاً منها بلغةٍ علميةٍ مقتصدة، لا ينهكها فائضٌ لفظي، ولا تضيع في استطراداتٍ مملة، وتتسع لاستيعاب آراء الفلاسفة واللاهوتيين الذين كان لهم إسهامٌ أساسي في فلسفةِ الدين، وصياغةِ موضوعاتها الكلية، وإثراءِ النقاش فيها.

اقرأ أيضاً: فلسفة رايش.. كيف ومتى تخدم الوطنية المفرطة الاستبداد؟
  لغةُ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" منطقيةٌ واضحة، تتسم بالموضوعية والحياد وتهتمّ بالاستدلال، تعرض الآراءَ وتشرحها، وتستعرض الأدلةَ ولا تغفل نقدَها، ولا تنسى بيانَ ومناقشةَ مختلفِ المواقفَ حيالها. لغةٌ تتحدّث عن الدين بأسلوبٍ يظهر فيه للوهلة الأولى المؤلفون وكأنهم يدافعون عن الدين، أو كأنهم من أتباعه. وسيوفر علينا هذا الكتابُ كثيراً من الجهد والوقت الذي يهدره بعضُ معلّمي وتلامذةِ فلسفة الدين، إثر الضياعِ في فوضى كتاباتٍ تتكدّس فيها مفاهيمُ لا تنتظم بمشترَك يوحّدها، على الرغم من تصنيفها على أنها فلسفةُ دين.

تمثلاتِ الدين ظواهرُ بشرية تعكس كيفيةَ فهمه، وقراءةَ نصوصه وتحققَها في حياة الفرد والمجتمع ويجب دراستها في ضوء الفلسفة

صدرت الطبعةُ الأولى لكتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" سنة 1991، وتلقّاه دارسو فلسفة الدين والقراء باهتمامٍ كبير، وترسّخ حضورُه بموازاة تنامي الاهتمامِ بدراسةِ فلسفةِ الدين في العقود الثلاثة الأخيرة. لذلك تكرّرت طبعاتُه عدّةَ مرات، وواظب مؤلفوه على مراجعته وإثرائه في طبعاته التالية، والطبعةُ التي اعتمدناها في ترجمته العربية هي الطبعةُ الخامسة والأخيرة.
اعتمد مؤلفو هذا الكتاب طريقةً مدرسيةً في تدوينه، فشفعوا نهايةَ كلِّ موضوعٍ بأسئلة تختصر المباحثَ المحوريةَ الواردةَ فيه، كي تثري النقاشَ عند دراستها. وبغيةَ توسيعِ آفاقِ التعليمِ والفهم للدارس أردفوها بلائحةِ مراجعَ تحيل إلى أهم الكتابات في الموضوع، ورتبوا الموضوعات بصيغة تسمح للمعلّم والتلميذ تناولَ كلٍّ منها بشكل يتيح له الإفادةَ من دون أن يتقيّد بترتيبها في الكتاب، على الرغم من النسق المنطقي الذي انتظم تسلسلُها فيه.
  تأخرت المترجمةُ زهراء طاهر عدةَ سنوات في كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" حتى فرغت من إنجاز الترجمة، لحرصها الشديد على نقل موضوعاتِ الكتاب للعربية بإتقانٍ ووضوح، ودقةٍ لا تخون فيها الكلمةُ العربيةُ المعنى الأقربَ لدلالة الكلمة الإنجليزية. كانت تقرأ بإمعان، وتتحقّق، وتفكر طويلاً قبل أن تترجم، شغلَها انتقاءُ مصطلحاتٍ مازالت لم تستقر في معجم علوم الأديان بالعربية. كانت تبعث لي الفصلَ الذي تفرغ منه، بعد أن تكرّرَ تدقيقَه، فأعمل على مراجعته وتحريره، ليعود إليها مرةً أخرى، وكنا نناقش معا كيفيةَ تكييفِ بعضِ المصطلحات واستعمالِها في النص العربي.
* تقديم كتاب: "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين". يصدر الكتاب قريباً عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، توزيع: دار الرافدين.

للمشاركة:

بغداد تقدح شرارة الربيع الإيراني.. طهران حين تخاف

2019-11-18

العالم اليوم يتقدم بسرعة كبيرة إلى الحرب، إلى أية حرب ممكنة، وكأنّ الحروب أصبحت الفكرة الأكثر جدوى وأهمية واحتمالية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت أزمات ونزاعات وحروباً أكثر من غيرها من مناطق العالم، فلم تعد احتمالات السلام مطروقة ومتاحة كثيراً؛ حيث فقدت شعوب هذه المنطقة قدرتها على الثقة بكل أحاديث السلام ومزاعمه واتفاقياته.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
العرب، تحديداً، يستطيعون أن يقدموا أعظم سردية للحرب يمكن لشعب ما أن يقدمها عبر تاريخه الطويل، فقد عانوا ويلات الحروب طويلاً، وما يزالون، حتى قيل عن العرب قول محفوظ في التاريخ: "العرب أمة حرب"، كان لها من الحروب ما لها، وأصبح عليها منها ما عليها، من ويلات وعذابات وخيبات.

منذ انتصرت ثورة الخميني بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين: عدو أو فريسة

وبالعودة إلى موضوعة العنوان "إيران"؛ فهي ذات إرث حربي كبير، مع العرب تحديداً، منذ عصر الخلافة الراشدة، حين قال الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "وددت لو بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا نغزوهم ولا يغزونا"، فبين العرب وإيران تاريخ طويل من الوقائع والغزوات والحروب ونقض العهود؛ فالتاريخ علّم العرب أنّ عهود إيران لا يمكن الوثوق بها، منذ أن نقض "الهرمزان" ثلاثة عهود للعرب، كان العهد الأول قد أعطاه للنبيﷺ، ثمّ نقضه، ودخل في حرب القادسية، ثم عاهد المسلمين ألا يقاتلهم، وأن يدفع الجزية، ثم نقض العهد مرة أخرى ودخل في معركة "سوق الأهواز"، وانتصر عليه جيش الصحابي حُرْقُوص بن زهير السعدي، ثم طلب العهد الثالث فقبل منه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على ألا يقاتل المسلمين، ويبقى في مكانه، لكنّه نقض العهد وغدر للمرة الثالثة.

اقرأ أيضاً:  حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟
ليس مهماً أن نتوغل في التاريخ كثيراً، المهم هو ما يحدث في وقتنا المعاصر، وتحديداً منذ أن انتصرت ثورة الخميني التي أطلق عليها الثورة الإسلامية، عام 1979، حينها بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين "عدو أو فريسة"، وبما أنّ الطابع الذي اكتسبته الثورة الإيرانية هو الطابع الإسلامي، فمن الطبيعي أن يكون العداء مع العرب عداء طائفياً محضاً، مرتبطاً بالدين، ومؤسّساً له في تصانيف الفقه والتعاليم في كتب الشيعة وكتب السنّة، على حدّ سواء.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
ومع ذلك، ومع أنّ الطابع الديني هو الذي فرض شكل العداء بين الجانبين، إلا أنّ الطابع السياسي ظلّ محشوراً في الزوايا المعتمة، حتى ظهر جلياً وواضحاً وصريحاً منذ حادثة سقوط بغداد، في التاسع من نيسان (أبريل) من عام 2003، حينها وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية خاصة في الدول التي فيها ثنائية طائفية بين سنّة وشيعة.
أصبحت إيران تمارس نفوذاً سياسياً قوياً في تلك الدول "العراق وسوريا وإيران" تحديداً، تحول هذا النفوذ بعد اشتعالات المنطقة وأزماتها إلى نفوذ عسكري، ممثلاً في وجود حزب الله في لبنان، ووجود قوات الحشد الشعبي في العراق.
هكذا تنامى النفوذ الإيراني في دول الأزمات العربية، وهكذا أصبحت إيران رقماً صعباً في المعادلة الدولية والمنطقة تحديداً، رغم كلّ العقوبات المفروضة عليها، وعلى رموزها وقادتها، والتي يجري الحديث عنها بشكل متنامٍ، دون أن يتساوق هذا مع نمو الأثر السلبي من هذه العقوبات، فما يمكن قياسه هو أثر التوغّل الإيراني في المنطقة، سياسياً وعسكرياً، أكثر بكثير من القدرة على قياس أثر العقوبات التي من المفروض أن تلجم الغرور الإيراني أو توقف نموه وتصاعد وتيرته.

اقرأ أيضاً: القمع والاغتيالات منهج إيران الثابت تجاه الأقليات
على مستوى الأنظمة العربية القائمة في دول النفوذ الإيراني، فإنّ إيران ما تزال ذات إمكانيات تمدّد وحصد مزيد من النفوذ والسلطة والأثر السياسي، لكن على المستوى الشعبي، تغير الموقف كثيراً منذ أن ثارت جموع العراقيين ضدّ فساد النخب وفساد السلطة وفساد ممثلي الطوائف المتحكمة سياسياً بالعراق، وتغير كذلك، منذ أن ثار اللبنانيون في مسيرات ومظاهرات واحتجاجات عارمة ما تزال مستمرة، يمثل شعارها الكبير "كلن يعني كلن" شكلاً متقدماً من أشكال الرفض والاحتجاج على كلّ تفاصيل السلطة الحاكمة، بمن فيها "حزب الله"، الذي ظلّ دائماً بمنأى عن أيّ قلق أو احتجاج لبناني.
من هنا، تبدو إجابة سؤال: "لماذا على إيران أن تخشى العرب..؟" واضحة؛ باعتبار أنّ العرب اليوم هم شعوب الدول التي امتدت إليها سطوة إيران وسلطة ممثليها، أو من يتبعون لها، ومن يدينون لها بالولاء والطاعة، هم الشعوب الذين لم يعودوا قادرين على أن يروا رأس الفساد ويتجاوزونه.

بعد سقوط بغداد وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية

ما يحدث في العراق ولبنان تحديداً، لا يمثل موجة ثانية من موجات الربيع العربي، بل يمثل حالة متقدمة من الرفض أوسع نطاقاً من حالة الرفض للسلطات المحلية المكشوفة للعلن، إنّه رفض لتغوّل إيران واقتحامها العنيد لكلّ تفاصيل الحياة، السياسية والاقتصادية، ما نتج عنه كلّ هذا الفساد، سواء المرتبط بأعيان إيران وتوابعها ووكلائها أو بالأعيان المحليين الذين ينتمون للرأسمالية الجشعة، بغضّ النظر عن أيّ ولاء طائفي آخر.
على إيران فعلاً أن تخشى العرب، كشعوب حية أصبحت قادرة على كشف تفاصيل لعبتها السياسية وتوظيفها لشعارات الدين والممانعة، حتى إن لم تنجح هذه الاحتجاجات في العراق ولبنان، لكنّها مؤشر مهم على أنّ الشعوب ببراءتها السياسية من كلّ تبعات الأيديولوجيات والطائفيات، أصبحت تدرك ما يجب أن تخشاه إيران.
الخشية من الشعوب العربية الحية المنتفضة اليوم ضدّ المشروع الإيراني، تمتدّ من الخارج إلى الداخل الإيراني، المشتعل أيضاً، بالرفض للسياسات التي بقيت ردحاً طويلاً من الزمن سياسات مقدسة، لكنّها اليوم وصلت إلى منحنى خطير للغاية، ربما يشكّل ربيعاً إيرانياً بدأ في بغداد وامتدّ إلى طهران.

للمشاركة:

كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟

2019-11-17

لعلّ الفارق بين المجتمع البدائي والمجتمع الحديث، يدور حول جملة من المعطيات التي تميّز الثاني عن الأول، وهو ما انتبه إليه عالم الاجتماع، هنري ماين، في معرض تحليله لتطور المجتمعات الإنسانيّة، وأبرز هذه المعطيات؛ مفهوم التعاقدية، ومفهوم المكانة التي تؤسس لنوعية الدور الوظيفي للأفراد، وفق القدرات والمهارات الشخصية، بالتالي؛ تتحلل المجتمعات المركزية، التي تقوم على أواصر مثل: القرابة والعرق والدين، لصالح الجماعة الوطنيّة الحديثة، التي تقوم، وفق توصيف دور كايم، على التضامن العضوي الحرّ بين أفرادها.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
من هنا نشأت فكرة الوطن القومي، وتجلّت في التاريخ الحديث، كمحصلة لتطور الجماعة البشرية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حيث بدأت الجماعة القبلية/ الدينية في الانحسار تدريجيّاً، لصالح فكرة الدولة القائمة على مفهوم العقد الاجتماعي الذي نظّر له روسو. 

اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد

وسرعان ما تفجّرت الحالة القومية في التاريخ، مع تراجع دور المؤسسة الدينية التقليدية، ليصبح الانتماء لوطن واحد، تجمع بين أفراده مجموعة جديدة من المعايير، مثل: التاريخ المشترك، والتراث الثقافي/ الاجتماعي الواحد؛ فالقومية تنطلق من وجود مكون نفسي جمعي، في محيط جغرافي تحدده قدرة الجماعة المتسقة عضوياً على تحقيق السيادة فيه، وبظهور ألمانيا الموحدة وإيطاليا الموحدة، ظهرت تنظيرات متعددة لفكرة القومية، احتلت فيها العناصر الإثنية واللغوية صدارة المشهد السياسي، الذي وجهت النخبة البرجوازية عناصر التغيير القومي فيه، وهو ما وصل تأثيره إلى المنطقة العربية، مع تراجع نفوذ الإمبراطورية العثمانية، قبيل سقوطها التدريجي.
وسرعان ما تطورت الفكرة القومية، بصورة أكثر شمولية، لتكرس المزيد من العناصر المكونة لفكرة الوطنيّة، التي أدارت ظهرها لفارق اللغة والعرق، لصالح إدارة التنوع في الدولة الواحدة، طالما اجتمعت الجماعة في بقعة جغرافية، اتفقت على بسط سيادتها وتحقيق مصالحها فيها، بالتالي؛ تحللّت مركزيات أخرى متعددة، وظهرت أنماط اقتصادية أكثر تعاونية وميلاً نحو اليسار، عن تلك التي أسّست لها النخبة البرجوازية في مرحلة التأسيس، كما ظهرت الأدوار الفرديّة بصورة أكثر تأثيراً، وهو ما ساعد في انطلاق القدرات الكامنة في الأشخاص.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
في هذا السياق المفاهيمي المفعم بالوطنية القومية، ذات القدرة على الانتشار الشعبي، كان لدى جماعة الإخوان المسلمين تصورات مغايرة، أدارت من خلالها ظهرها لحركة التاريخ، فيما يتعلق بتطور الجماعات البشرية، لتستدعي مركزية الدين في غير موضعها، لابتلاع الدولة الوطنية، وتفكيكها مؤسسيّاً، لصالح جماعة ربانيّة، ادّعت امتلاك نوع رديء من الخلاصيّة المطلقة. 
الأمميّة الدينية ووهم أستاذية العالم
على عكس النزعة الذاتية/ الفردانيّة التي قادت عمليات التحول الاجتماعي في العصر الحديث، والتي سرعان ما بدأت تتشكّل في صورة موجات الوحدة القوميّة في أوروبا، وبلورتها في العالم الثالث حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار، استدعت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة من المفاهيم القروسيطيّة، التي تدور في فلك الانتماء لكيان مفارق، هو الدولة الدينيّة المقدسة ذات الأدوار الوظيفية التي انتهت إكلينيكيّاً، وهو ما يعكس حالة من حالات اغتراب الوعي في تيه الصعود الأيديولوجي، بشكل مضاد تماماً لحركة التاريخ، في محاولة لقلب وتطويع الواقع؛ لصالح تصورات سياسية مغلقة، في قوالب مفعمة بالمقولات الدينيّة، ذات الأفق المحدود، والفقر الواضح في عناصرها المكونة.

أودت تصورات الأمميّة الدينيّة والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار

في ذروة صعود المدّ العروبي، الذي جاء كمحاولة لتأسيس شخصيّة قوميّة مستقلة في محيط تلك الوحدة الثقافية، المتسقة عضوياً من المحيط إلى الخليج، بعيداً عن مساعي الهيمنة الغربية التي دشّنها مشروع أيزنهاور، عام 1957، والاستقطاب السوفييتي الحاد، بدءاً من صفقة الأسلحة التشيكية، عام 1955، وفي سياق واحدة من أشرس معارك التحرر الوطني، اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد، وتكفير تيارات نضالية بعينها، رغم وحدة المصير والمعركة، واختلاق نوع آخر من الأمميّة، هي الأمميّة الدينية، رغم صعوبة تخلّق معطياتها أو تشكلها من الناحية السياسيّة، واستحالة هذا الطرح جغرافياً، واللافت أنّ الإخوان الذين حشدوا لمعركة فلسطين، ووظفوها دعائيّاً في إطار الحرب الدينية على اليهود، أداروا ظهرهم لمعركة التحرر الوطني في الجزائر، والتي حمل التيار القومي تبعات دعمها حتى النهاية؛ بل ورأت الجماعة في رموز النضال الأممّي ضدّ الهيمنة الاستعمارية، والرأسمالية الغربية، رموزاً للكفر والإلحاد، رغم ما بذله هؤلاء من تضحيات فائقة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وفي الوقت الذي تطوع فيه عشرات الآلاف من دول الكتلة الشيوعية، للقتال في معركة السويس، إبان العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، لم يُسمع للجماعة صوت! وقد تبدو محنة الحظر والسجن التي مرّت بها الجماعة مبرراً لصمتها المريب آنذاك، إلا أنّ موقف شحاتة هارون، اليهودي المصري الذي بعث إبان حرب حزيران (يونيو) 1967، رسالة من سجنه، يطلب فيها التطوع للقتال ضدّ إسرائيل، يفضح الجماعة ويكشف مبرراتها الواهية، لتفسير تخاذلها في واحدة من أبرز المعارك الوطنية.
لقد أودت تصورات الأمميّة الدينيّة، والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار، في دوائر تيه أبدية داخل مدارات المستحيل.
الاقتصاد الريعي وطبقية التنظيم
منذ لحظة التأسيس؛ احتفى الإخوان المسلمون بنمط الاقتصاد الريعي القائم على التجارة، وفق قاعدة "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وكثيراً ما احتفى المرشد الأول حسن البنا بالأثرياء، وسعى إلى التقرّب إليهم، وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة، والمدقِّق في البنية الاقتصادية عند الجماعة، يلاحظ وجود هيكل رأسمالي بدأ بسيطاً، وانتهى كبنية شديدة التعقيد، تراعي في مساقاتها تراتبية طبقية صارمة، متقاربة هرمياً عند القاعدة، شديدة الاتساع صعوداً نحو القمة.

كثيراً ما احتفى المرشد الأول، حسن البنا، بالأثرياء وسعى إلى التقرّب إليهم وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة

ذلك النهج الطبقي، بغطاء ديني لتبرير الفوارق الفجّة، جعل الجماعة في بُعد آخر، بينما الإصلاحات الاقتصادية تكتنف العالم من الشرق إلى الغرب، وقد ظهرت إبان ثورة الشباب عدة تنظيرات سياسيّة أخذت الرأسمالية الغربية، وبشكل متفاوت نحو اليسار، بصعود الأحزاب والتيارات الاشتراكية، وتدشين طروحات الطريق الثالث، والاشتراكية الاجتماعية، مع سنّ قوانين الرعاية الاجتماعية، وحقوق العمال، وغير ذلك من المتغيرات، التي حركت وطورت من كافة النظريات الاقتصادية حول العالم.
وحدها الجماعة ظلّت تدير ظهرها للسياسات الاشتراكية، وتكرس للمزيد من التوجهات اليمينة في بنيتها الداخلية، وهو ما جعل الفجوة تتسع، والقدرة على ممارسة الأدوار الاقتصادية بشكل سياسي تتضاءل، وهو ما تجلّى في مشروعها للنهضة، إبان ثورات الربيع العربي، القائم على المتاجرة في النقد السائل، والهيمنة الرأسمالية على الأنشطة الاقتصادية، وافتقد لأيّ بعد إنساني يدعم الطبقات الفقيرة.

للمشاركة:



أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

اتّهمت الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا الولايات المتحدة وروسيا بمنح تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا، ووصفت أردوغان بأنّه "فاشي العصر"، الساعي إلى توطين "بقايا داعش والنصرة" في بلدهم، بعد أن بات يعتبر سوريا "ولاية عثمانية".

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة وروسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا وتوطين بقايا داعش والنصرة

وقالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان تلته، أمس، في مؤتمر صحفي عقد بمقر دائرة العلاقات الخارجية في القامشلي بريف الحسكة: "اليوم، وبتوافق ضمني من قبل الدولة الأمريكية والروسية، يتعرضون للهجمات والمجازر الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة من بقايا النصرة وداعش، وها هم مجدداً يقدمون تضحيات جسام في صدّ هذه الهجمات وتتعرض قراهم ومدنهم ومناطقهم للقصف والدمار"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

الأتراك ارتكبوا جرائم حرب؛ كاغتيالات السياسيين ورجال الدين وقتل النساء والأطفال واستخدام الأسلحة المحرَّمة

وأضاف البيان: "يتم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب بشكل يومي؛ كاغتيال السياسية هفرين خلف، وراعي الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في قامشلو، الأب هوفسيب بيدويان، إلى جانب والده، كذلك قتل المئات من النساء والأطفال، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً".

ووصف الناطق باسم الإدارة الذاتية، أردوغان، بأنّه "فاشي العصر"، وقال: "تزامناً مع مساعي التغيير الديموغرافي والمجازر التي تتعرض لها مكونات شمال وشرق سوريا، فإنّ الصمت وعدم إبداء موقف واضح من قبل أمريكا وروسيا، وأيضاً زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتريش، يضفيان الشرعية للدولة التركية، ويمنحان فاشي العصر أردوغان المزيد من الجرأة.

الأكراد يناشدون جميع العالم والإنسانية بأن يرفعوا اصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية

ولفت إلى "تهجير مئات الآلاف من الكرد وتوطين عوائل داعش والنصرة، التابعة للجيش الوطني السوري المرتزق، في منازلهم في عفرين وسري كانيه ورأس العين وكري سبي وتل أبيض، أمام أعينهم، كذلك اختطاف المئات من النساء والأطفال الكرد العفرينيين وممارسة النهب والسرقة بأبشع الوسائل".

وناشد الأكراد في بيانهم جميع العالم والإنسانية؛ بأن يرفعوا أصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية، وضدّ الهجمات الاحتلالية على شمال وشرق سوريا، والتغيير الديموغرافي، وأن يظهروا موقفاً تجاه هذه الوحشية.

 

للمشاركة:

الإمارات تعقد صفقة شراء 50 طائرة "إيرباص"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أعلنت الإمارات، اليوم، إبرام صفقة شراء 50 طائرة من طراز "إيرباص" (350 A)، بقيمة 16 مليار دولار.

وذكر بيان صادر عن طيران الإمارات؛ أنّ الشركة "أعلنت طلبية مؤكدة لشراء 50 طائرة "A350-900 XWB"، متوقعة أن يبدأ تسلم هذه الطائرات، التي ستعمل بمحركات "رولز رويس/ XWB"، اعتباراً من أيار (مايو) 2023".

شركة طيران الإمارات يعلن إبرام صفقة لشراء 50 طائرة طراز "A 350" بقيمة 16 مليار دولار

ووقّع الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، على الصفقة مع الرئيس التنفيذي لإيرباص غيليوم فاوري.

وسوف تتيح طائرات A350"" الجديدة لطيران الإمارات خدمة نطاق واسع من الأسواق الجديدة على مستوى العالم، وبرحلات يصل مداها إلى 15 ساعة طيران انطلاقاً من دبي.

وذكرت "إيرباص"، في بيان منفصل؛ أنّ التكنولوجيا التي توفرها الطائرة تخفّض من تكاليف التشغيل بقيمة 25%، وقيمة مماثلة في معدل حرق الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويتكوّن أسطول طيران الإمارات بأكمله حالياً من طائرات حديثة ذات كفاءة عالية من طرازي "إيرباصA 380 "، و"بوينج 777"، وتخدّم الناقلة، انطلاقاً من مركزها في دبي، أكثر من 158 مدينة في القارات الستّ.

وتستضيف دبي على مدار يومين، أحد أكبر معارض الطيران في العالم، بدورته الـ 16، ومن المتوقع ان تعقد صفقات بالمليارات خلاله، يقودها عملاقا صناعة الطيران في العالم: "بوينغ" الأمريكية، و"إيرباص" الأوروبية.

 

للمشاركة:

بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:



ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

الجائزة الكبرى لـ"حماس" وجائزة الترضية لـ"الجهاد"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

نبيل عمرو

بَرَعَتْ حركة «حماس» في إخفاء أجنداتها المضمرة تحت ساتر كثيف من شعارات جذابة، وجملٍ محبَّبةٍ للجمهور، غير أنها بدت أكثر براعة وجسارة في الانتقال من موقع إلى موقع مختلف، أو حتى مناقض، وذلك حسب الضرورة.
حدث ذلك بأوضح الصور وأكثرها مباشرة حين اعتبرت «أوسلو» خيانة بالجملة والتفصيل، وقاطعت انتخاباتها الأولى كي لا تلوث طهارتها الكفاحية ذات الأساس المبدئي غير القابل للتصرف، وحين رأت ضرورة لدخول «أوسلو» من بابها العريض (الانتخابات)، أعلنت جاهزيتها للمشاركة فيها حتى لو لم تسمح إسرائيل بإجرائها في القدس، فبوسع القدس أن تنتظر التحرير.
وفي هذه الأيام، ومن قبيل تهيئة الذات لدخول المستقبل من باب المرونة والبراغماتية، فقد سحبت معظم تحفظاتها القديمة على إجراء الانتخابات العامة، ولم يبقَ إلا أن تعلن بصريح العبارة أنها توافق على رؤية محمود عباس لإجرائها.
إلا أن ما بدا كتغير استراتيجي طال قواعد اللعب، فقد حدث بعد تصفية القيادي في «الجهاد الإسلامي» بهاء أبو العطا؛ حيث لم تشارك «حماس» في معركة الدفاع عن الوطن الذي تعرض لأشرس هجمات تدميرية من قبل إسرائيل، رافقها بحر من الدم نزف من أجساد المواطنين وناشطي «الجهاد»، دون أن يتعرض أي موقع حمساوي لأذى.
إسرائيل من جانبها قدرت ذلك لـ«حماس»، وتجددت دعوات التفاوض المباشر معها من غير الاكتفاء بوساطات أخرى، ذلك أن إحجاماً كهذا لا بد وفق كثير من الروايات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية أن يستحق مكافأة؛ بل وأن يُبنى عليه، حتى أن كُتاباً ذوي شأن في إسرائيل تحدثوا عن تحالف موضوعي بين نتنياهو المستفيد الأول من موقعة «الحزام الأسود»، و«حماس» التي من حقها انتظار مكافأة على ترك «الجهاد الإسلامي» يواجه أقداره بمفرده.
السؤال: لماذا تغيرت الأمور بهذه السرعة؟ وما هي الرهانات المترتبة عليها؟ وفق منطق الحسابات البراغماتية الصرفة المتجردة من الأغلفة المبدئية والشعارية، فإنَّ ما فعلته «حماس» ما كان بوسعها أن تفعلَ غيره، ذلك أن حكمها لغزة واستعداداتها للتمدد نحو الضفة، يتطلب التهدئة وتجنب حرب تدميرية كتلك الحروب التي فعلت في أهل غزة ما فعلت، ذلك أن «حماس» لا تريد، وليس من مصلحتها، أن تبدأ العمل على التهدئة من الصفر، فالمحاولات الراهنة لإنجازها يمكن أن تنجح.
كذلك فإن «حماس» تستشعر المآزق التي آلت إليها تشكيلات وأذرع الإسلام السياسي، ومركزه إيران، الممول الوحيد لـ«الجهاد» وأحد الممولين لـ«حماس»، ولغيرها ممن توصي بهم من الفصائل الأخرى.
السخاء الإيراني القديم لم يعد كما كان؛ بل هو مرشح للتناقص، والتنقيط القَطري قد لا يستمر إلى ما لا نهاية. وهنالك دافع ربما يكون الأقوى، ذلك أن «حماس» وغزة دخلت بقوة إلى السجال الحزبي في إسرائيل، وهو سجال سوف يقرر هوية الحكم القادم في الدولة العبرية، وبالتالي لا توجد ضمانة، لا عند «حماس» ولا حتى عند المصريين والإسرائيليين، من ألا تتدحرج الأمور إلى حرب واسعة لن تلحق أذى بالغاً بـ«حماس» فحسب؛ بل ستعيد غزة كلها إلى ما كانت عليه في الأيام التالية للحروب التدميرية، التي لا تزال آثارها شاخصة رغم مرور الزمن.
إسرائيل، وإن كانت تعلن أنها في غير وارد الانجرار إلى حرب واسعة، وهي صادقة في ذلك، فإن صاروخاً منفلتاً من عقاله يقتل إسرائيليين أو يقع على مقربة من هدف حيوي، يكفي أن يقود إلى حرب، حتى لو لم يكن السياسيون غير راغبين فيها.
«حماس» فعلت ما فعلت في العدوان الأخير بفعل حسابات متعقلة، وتحسّب من حرب لن يكون أهل غزة سعداء بها، أما «الجهاد» التي تعتبر نفسها مخذولة، فبإمكان «حماس» احتواء عتبها وغضبها، ولو باللغة الحميمة التي استخدمها السيد إسماعيل هنية، واصفاً العلاقة مع «الجهاد» بالعروة الوثقى.
وأنا اكتب السطور الأخيرة لهذه المقالة، أبلغني مساعدي مروان أن «حماس» التحقت بالمعركة، إذ أطلقت قذيفتين على منطقة بئر السبع، وقامت إسرائيل بالرد الفوري عليها. لم أغير التحليل، إلا أنني استذكرت مثلاً يصدق على دخول المعركة بعد وقف إطلاق النار: «العليق بعد الغارة ما يفيد» واستذكرت كذلك حكاية الجوائز، فإسرائيل اقترحت الجائزة الكبرى لـ«حماس»، أما «حماس» فقد اقترحت جائزة الترضية لـ«الجهاد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

صراع قطري تركي في الصومال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

مارتن جاي

أثارت زيارة وفد حكومي قطري وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو، العديد من التساؤلات. وكان الوفد قد وصل لإجراء محادثات مع مسؤولين صوماليين، تركزت حول العلاقة بين قطر وتركيا، وهل أن تلك العلاقة قوية كما هو معتقد. وتأتي المحادثات في أجواء من التوتر سادت بين الدولتين الحليفتين، فجّرته قناة الجزيرة، إثر بثها أخبارا عن الحملة العسكرية التركية شمال سوريا.

والسؤال هنا هو، هل التراشق بالاتهامات، بين صحيفة “الصباح اليومي” المؤيدة لأردوغان، وقناة “الجزيرة”، مجرد حدث عابر، أم أن خلافات عديدة متراكمة سبقته وأدت إلى خروجه للعلن؟

ينظر إلى هاتين الدولتين، تركيا وقطر، في الشرق الأوسط، بوصفهما دولتين متقاربتين إلى حد التماهي، تربط بينهما مشاريع عسكرية، كما هو الحال في منطقة البحر الأحمر، حيث تقوم قطر ببناء قاعدة عسكرية في جزيرة تابعة للسودان.

ومؤخرا، أيدت قطر قرارا تركيا بالتخطيط للتدخل العسكري شمال سوريا. ولا يمكن أن ننسى الدعم التركي لقطر، بعد مقاطعة الدول الأربعة، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لها الأمر الذي أدى إلى عزلها عن شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي في صيف عام 2017. وفي هذه الظروف، أهدى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، طائرة فاخرة من طراز بيونغ، فضلا عن استضافة قطر لحوالي 3 آلاف جندي تركي على أراضيها.

الأمثلة التي تؤكد وجود صداقة عميقة وطويلة الأمد بين الدولتين لا حصر لها. فلماذا يتم الآن نشر تقارير سلبية وتسريب الشائعات عن توتر انتاب العلاقة فجأة؟

توتر العلاقات بين أنقرة والدوحة
يتكهن بعض الخبراء في المنطقة، بأن زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى قطر لم تسر على هوى أنقرة. وفي الواقع، لم يكن جوهر الخلاف، الذي تم الإعلان عنه مؤخرا، في وسائل الإعلام التركية والقطرية، بشأن الحملات العسكرية لأنقرة في سوريا، هو السبب.

لكن الدليل على توتر العلاقات يظهر بوضوح من خلال الحادث الذي وقع في الصومال قبل أسبوعين، وهي دولة تمارس فيها كل من قطر وتركيا سيطرتها.

ويتم اختبار العلاقة بين الدولتين في الصومال، حيث بدأ البعض يرى مؤشرات على تفكك تدريجي لهذه العلاقة. ووفقا لمصادر في مقديشو، فوجئ مسؤولون صوماليون بسماع شخصيات قطرية تتحدث بطريقة، وصفت بأنها غير لائقة، عن تركيا، وتقترح على حكومة، محمد عبدالله محمد، إنهاء تعاونها مع أنقرة، وبذل قصارى جهدها لعقد شراكة أكثر جرأة مع قطر. ومع ذلك، هناك القليل من الدلائل التي تشير إلى استجابة النخبة الصومالية لهذه التحريضات.

وعلى العكس من ذلك، انتشر الغضب والاستياء من قطر، التي يعتبرها الكثير من الصوماليين مثيرة للشغب والمشاكل، حيث دأبت على تأليب الأطراف المتقاتلة، محرضة الصوماليين ضد بعضهم. ويقارن الصوماليون ما يحدث اليوم بما حدث مع الأميركيين عام 1993، عندما دفع التحريض الأميركي الطرفين المتقاتلين للاتحاد في مواجهة الأميركيين الراغبين في استعمارهم.

بالطبع، لا ترغب قطر ولا تركيا في السيطرة على البلاد، كما هو حال الأميركيين خلال حادثة كلينتون، التي أضرت بسمعة الأمم المتحدة في أفريقيا لمدة عشر سنوات، إلى درجة وقوفها عاجزة تراقب رواندا وهي تغرق في الحرب بعد عام على أحداث الصومال. لكن ذلك لا ينفي أن لكلا البلدين، قطر وتركيا، أهدافا مختلفة للغاية في الصومال.

وبينما تنظر تركيا إلى القرن الأفريقي كدولة مسلمة تمثل بوابة لها لولوج أفريقيا، والاستثمار بحكمة على علاقة طويلة الأمد، خاصة من خلال تطوير قطاع التعليم ، ولا ترى مانعا في تزويد الصوماليين بالمعدات العسكرية أحيانا، على أساس التزام الحياد، كما تدّعي. تقوم قطر، من جانبها، بلعبة أكبر وأكثر ضراوة، في دعم النظام واستخدام الصومال كموقع لإطلاق أهدافها في المنطقة المجاورة، وليست القارة الأفريقية فحسب، حيث تستثمر قطر في الاستخبارات والجيش، وبالطبع في الموانئ، ومع ذلك، فإن جهودها ليست مدروسة بشكل متقن. وقد وصف أكاديمي بريطاني الزيارة الأخيرة بأنها “صب الملح في الجراح”، في إشارة إلى معارك سابقة يُعتقد أن قطر كانت ترعاها.

أجندات متضادة
ويقول محمد حاجي إنغيرييس، الأكاديمي بجامعة أوكسفورد، إن قطر وتركيا تتحدان”أو يبدو أنهما متحدتان بشأن الأزمة الخليجية، لكن ليس في الصومال. هنا، لكل منهما مصالح تتناقض مع مصالح الطرف الآخر. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنه لا يتعين عليهما النزاع علنا بشأن هذا الاختلاف. وبدلا من ذلك، يسعى كل منهما إلى تحقيق مصلحته الخاصة دون تقويض الآخر”.

ويبدو أن للقطريين أهدافا قصيرة الأجل في الصومال، في حين لتركيا أهداف طويلة الآجال. لهذا السبب تختلف مقاربتهما وعلاقتهما مع الصوماليين اختلافا جذريا.

ويعتقد خبراء أن دولة الإمارات ستنجح في إخراج قطر من الصومال، بحلول عام 2020، وحينها ستكون الأمور أكثر استقرارا مع وجود الإمارات فقط إلى جانب تركيا. وهذا ما يرجحه إنغيرييس الذي يرى أن قطر “ستفقد نفوذها في السياسة الصومالية، لكن تركيا ستبقى”. هذا لأن معظم الصوماليين ينظرون إلى تركيا بوصفها شريكا محايدا. في هذه الحالة، يتنبأ الكثيرون أن تحل الإمارات محل قطر. ولكن تظل مسألة التعاون بين الإمارات وتركيا مسألة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تربط بين أبوظبي وأنقرة علاقة مثيرة للجدل، وبالتالي فإن أي شراكات يصعب التنبؤ بها.

ولكن عند المقارنة بين قطر والإمارات، لا يوجد أي مجال للشك في موقف الصوماليين. وأوضح نائب صومالي، في موقع مؤثر في الحكومة الفيدرالية، "كيف تستخدم قطر المال للتأثير على المسؤولين الحكوميين، في حين أن الإمارات تعقد علاقة عمل واضحة ومباشرة".

ويقول علي عمر، رئيس أركان الرئيس الصومالي السابق، “قطر جاءت مؤخرا على الساحة الصومالية، وهي على اتصال وثيق بالجماعات الإسلامية، تقدم الدعم السياسي والاقتصادي لها. وليس لدى قطر مشروع واحد ملموس في الصومال، إنها فقط توفر التمويل لكسب أو إفساد السلطة في البلاد. الدعم القطري في الإدارة الصومالية هو مصدر مدمر يُستخدم لإفساد رجال الدين والإعلام والشيوخ وجماعات المجتمع المدني”.

وعلى النقيض، ينظر الصوماليون إلى تركيا بشكل أكثر إيجابية، وهو ما أوضحه علي بكير، المحلل الجيوسياسي الذي يتخذ من أنقرة مقرا له، حيث كانت تركيا في الحقيقة أول من سعى إلى توفير الأمان في البلاد.

ويقول بكير، “تقود تركيا الجهود لدعم الحكومة والشعب الصوماليين وتحقيق الأمن والاستقرار في الدولة التي شتّتتها الحرب قبل حوالي عقد من الزمن”.

وقال بكير لـ”ميدل إيست أون لاين”، “ظهرت قطر في الصومال مؤخرا، لكن دور كل من تركيا وقطر في الصومال متوافق ومكمل في الوقت نفسه”. وإن كان هذا التوافق أمرا مشكوكا فيه.

وكشف بكير لموقع إلكتروني، يتخذ من قطر مقرا له، عن اعتقاده أن الخلاف بين قطر وتركيا، حول قضية شمال سوريا، كان يدور حول الطريقة التي تنظر بها كل دولة إلى وسائل الإعلام الخاصة بها، مشيرا إلى أن تركيا أسيرة لمنابرها الإعلامية الخاصة التي تنشر روايات منحازة، بدلا من أن تلتزم الموضوعية. وكذلك هو الحال مع الشائعات المغرضة التي ينشرها القطريون حول أنقرة.

الأمر كله يتعلق بالحس الصحافي.. صحيفة “الصباح اليومي” التركية، التي قد يظن المرء أن أردوغان ينشرها بنفسه، بسبب الترويج المضحك للزعيم التركي وحكومته، تصف صحافيي الجزيرة بأنهم “فاشلون” يختبئون وراء شعارات الصحافة المستقلة.

كان الأجدر بالصحيفة أن تعمل وفق ما تتوقعه من قناة الجزيرة، وتلتزم هي أيضا بالموضوعية، لا أن تكون واحدة من وسائل الإعلام التركي التابع لجهاز الدولة، يعوزها الحياد والحرفية.

على الرغم من ذلك، لم يصل هذا النزاع إلى مقديشو.

لم يسمع علي عمر، عضو البرلمان، عن الخلاف بين “الصباح اليومي” وقناة “الجزيرة”. هو، مثل العديد من الصوماليين، يميل إلى الجانب التركي بشكل تلقائي، عند الحديث في مثل هذه المواضيع والمقارنة بين الدولتين، وغالبا ما يتخذ موقفا معارضا لقطر.

يقول عمر، “تركيا أكبر وأكثر تقدما. دعمت تركيا الصومال بشكل كبير في وقت الحاجة. كانت زيارة الرئيس أردوغان في عام 2011 بمثابة نقطة تحول بالنسبة إلى الصومال، وأعادت وضعه على الخريطة. قدمت تركيا الدعم الملموس للصومال من خلال بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمكاتب الحكومية ومعسكرات التدريب العسكري. كما عرضت منح للآلاف من الطلاب الصوماليين وطلاب الجيش. تحترم تركيا المؤسسات الرسمية وتتعامل مع الحكومة المركزية فقط”.

في الواقع، قد تتجاوز أهمية تركيا، في الصومال، أهمية قطر، التي، على النقيض، قد تعمل على تدمير أسس المجتمع الصومالي، بدعمها الجماعات المتطرفة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية