اغتيال المشذوب.. الطائفية تقتات على أرواح المبدعين

اغتيال المشذوب.. الطائفية تقتات على أرواح المبدعين
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
8840
عدد القراءات

2019-02-04

يبدو أنّ استلاب الحياة في المنطقة العربية أصبح طقساً عادياً، خاصة في العراق، يجوس حول الناس ويعبر إلى يومياتهم، من دون أن يشعرهم بإزعاج يثير الانتباه، بل بات الموت مجانياً لم يعد كثيرون، في الغالب، يستشعرون بشاعة صوره، وتجعل مراقبي المشهد محايدين بلا انفعال أو رفض وتمرد.

اقرأ أيضاً: من وراء اغتيال الأديب العراقي مشذوب؟.. ردود فعل على الجريمة
في خضم هذا الواقع المؤلم، باغتت ثلاث عشرة رصاصة الروائي العراقي، الدكتور علاء المشذوب، من قبل مجهولين، فأردته قتيلاً، بينما كان في طريق عودته إلى منزله، في وسط محافظة كربلاء، جنوب بغداد؛ تلك المدينة التي كتب عن شوارعها وأزقتها، بيوتها ومبانيها، واشتق من ذاكرة المكان الذي حفل بوقائع تاريخية عديدة، شخصيات وحوادث كانت عماداً لمعماره الفني والأدبي في رواياته.

 

سيرة الموت في كربلاء
يأتي اغتيال المشذوب في الثاني من الشهر الجاري ضمن عدة اغتيالات شهدها العراق خلال العامين الماضيين، واستهدفت رموزاً ثقافية، في ظل تنامي خطاب طائفي متشدد لدى تنظيمات وميلشيات متعددة، خصوصاً، لدى جماعات شيعية، من بينها، كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، والأخيرة يشير إليها كثيرون بإصبع الاتهام بأنّها وراء تنفيذ عملية اغتيال الروائي العراقي.

لم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها حيث تصاعدت حوادث العنف والاغتيالات في العراق خلال الأعوام الأخيرة

من جهته، وجه رئيس مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، راهب صالح، اتهامه إلى مليشيا عصائب أهل الحق باغتيال المشذوب، حيث كتب في تغريدة له عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "جرائم عصائب أهل الحق.. مسلحون مجهولون يقودون دراجة نارية قاموا باغتيال الكاتب علاء مشذوب بإطلاق نار في شارع (ميثم التمار ) وسط كربلاء".
لم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها، حيث تصاعدت حوادث العنف والاغتيالات في العراق، خلال الأعوام الأخيرة، في ظل تنامي نفوذ الجماعات والميلشيات المسلحة ووفرة السلاح بيدهم، حيث وقع المسرحي العراقي، كرار نوشي، ضحية لهؤلاء، ولحقت به عارضة الأزياء، تارة فارس، والناشطة سعاد العلي، وخبيرة التجميل، رفيف الياسري، وصديقتها رشا الحسن.
باغتت 13 رصاصة الروائي العراقي علاء المشذوب من قبل مجهولين فأردته قتيلاً

الصراع على التاريخ وهدم الذاكرة
ظل صاحب "شيخوخة بغداد"، الأديب والأكاديمي العراقي، المولود في العام 1968، الذي تناوب على الكتابة القصصية والروائية، بالإضافة إلى المقالات الصحافية، مسكوناً في منجزه بالعراق وتاريخه، القديم والحديث؛ حضارته الغنية وأديانه ومعتقداته المتعددة، يفحص أحوال ناسه وتحولاتهم ومصائرهم، ويبحث وراء فقدان التنوع والثراء لحساب التجزئة والطائفية، وسيادة المرجعية الشمولية وهيمنة الصوت الواحد، والذي ذهب بالتنوع والتعايش الحر.

وجه رئيس مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان الاتهام إلى مليشيا عصائب أهل الحق

في هذا السياق، دوّن المشذوب عبر صفحته بعض الكلمات الأخيرة في محبة مدينته، التي ستشهد موته المفجع، وروى بعض مشاعره التي تختلط فيها المرارة بالحميمية، حيث كتب قبل أيام من اغتياله: "صباح الأزقة والشوارع الفرعية لمدينة لم تنعم بالاستقرار أبدا.. في كل مرة أصل إلى رأس شارع (أبو ديه) أقف بحبور عنده وأضع يدي اليمنى تحت حنكي وأتفكر به.. فيرتسم بذهني مرة كسفينة راسية، ومرة خليجاً واسعاً، مرة أراه فكرة مجردة، ومرة حقيقة واقعة.. أية غمامة صيفية بيضاء هذا الذي أقف في حضرته".

اقرأ أيضاً: تونس: ما علاقة الغنوشي في جهاز الاغتيالات السري؟ أدلة جديدة
وفي ظل ما يعتريه الزمن وحفرياته، كان المشذوب يعود إلى فصول التاريخ، يستنطق المكبوت فيها، وما أسفرت عنه المحن والكوارث في تاريخ بلاده، ابتداءً من حصار كورش الفارسي، في العام 539 قبل الميلاد، وحتى ظهور داعش، في العام 2014، مستعرضاً وقائع النهب  الكثيرة التي تعرضت له، سواء الفرنسي أوالألماني أو الأمريكي أو العثماني، والذي نجم عنه فقدان الشخصية العراقية لقوتها، وانشطار الزمن إلى حقب متضائلة من الأقليات الدينية والقوميات الصغيرة.

 

كيف وصلنا إلى "مدن الهلاك"؟
اهتم صاحب "مدن الهلاك" باستعادة تاريخ اليهود في العراق، وفي كربلاء، على وجه التحديد، في روايته، بعدما جرى إسقاطهم عمداً من ذاكرة المدينة، وذلك، باعتبارهم جزءاً من قوام الشعوب العربية وثقافتها واجتماعها، من ناحية، وتوثيق أنّ مدينته ضمت كل الأديان والطوائف والقوميات، وليست مدينة ضعيفة ومغلقة على طيف واحد من البشر، من ناحية أخرى، ما تسبب بحدوث حساسية وخوف وتربص، عند الحديث عن الآخر، أي آخر، وبالتالي، محاولة نزع أردية التعصب عنها، والتفريق بين المشروع الاستعماري للكيان الصهيوني، كمغتصب ومحتل للأرض والتاريخ والمقدسات، وبين اليهودية كدين ضمن تراث الأديان التوحيدية التي اعتنقتها شعوب المنطقة.
وبحسب الروائي العراقي؛ فإنّ القتل والتهجير الذي عانى منه الأيزيديون والتركمان والكاكائيون وغيرهم من الأقليات والأديان الأخرى، على يد داعش، هو نتاج سيرورة من القمع والتعصب بدأ على يد البعث، الذي كان يوظف سياساته ويحشدها لدعم العصبية ضد الأقليات القومية والدينية.
هل قتلت مدافع "آية الله" المشذوب؟
دأب المشذوب على النقد السياسي والاجتماعي لما يحدث في العراق، ولم يتردد في أحاديثه الصحافية، بالإضافة إلى رواياته، عن مهاجمة نظام الخميني وسياسة الملالي العدائية، خصوصاً تدخلاتها في العراق، وما سببته من انهيار في منظومتها الأمنية وتدهور أحوالها الاقتصادية والسياسية.
وإلى ذلك، فقد تزامن اغتيال المشذوب، بعد نشره صورة آية الله الخميني، وكتب معلقاً: "كانت عندي فكرة ضبابية عن هذا الزقاق الذي سكنه الخميني، وهو فرع من الزقاق الرئيسي والطويل والذي يطلق عليه (عك السادة) هذا الرجل سكن العراق والكويت لما يقارب 13 عاماً، ثم رحل إلى الكويت التي لم تستقبله، فقرّر المغادرة إلى باريس ليستقر فيها ومن بعد ذلك صدّر ثورته إلى إيران عبر كاسيت".

دأب المشذوب على نقد ما يحدث بالعراق ولم يتردد في أحاديثه الصحافية بالإضافة لرواياته عن مهاجمة نظام الخميني

وبينما لم يكشف عن هوية قاتل المشذوب والجهة المسؤولة عن ذلك، إلا أنّ ناشطين ألمحوا إلى عدائه ونقده لسياسات إيران، وتورط عناصر تابعة لهم في تنفيذ العملية، وحاول بعضهم الربط بين عدد الرصاصات الثلاث عشرة التي أُطلقت في صدر  المشذوب، وبين سنوات إقامة الخميني في العراق الـ13، والتي تحدث عنها في منشوره الأخير.
وفي محاولة لرصد مواقف المشذوب وآرائه، التي راكمت ضده عداء بعض الجهات التي عمدت إلى تصفيته وإسكات صوته، وتسببت في مقتله، قام الإعلامي العراقي، شاهو القرة داغي، بنشر تعليق سابق للمشذوب هاجم فيه إيران، حيث قال: "إذا مرضت إيران تعافى العراق والعكس صحيح، وطبعاً الحكومة ستشكل لجنة وتعلن أنّ الأسباب اجتماعية".

اقرأ أيضاً: حركة النهضة في تونس: تهم بتأسيس جهاز سري واغتيالات محتملة
وفي حديثه لـ"حفريات"، قال الصحافي العراقي، علاء خفاجي، إنّ مقتل الروائي العراقي علاء مشذوب، يمثل "محاولة لقتل الثقافة العراقية، لما كان يمارسه الراحل من حراك ثقافي مدني مهم؛ ساهم من خلاله في تنوير العقل "الكربلائي" الذي ينتمي إليه"؛ مضيفاً أنّ الراحل هو من قادة الحراك المدني في محافظة كربلاء، "وطالما صدح صوته بالحقوق ومحاسبة الفاسدين من القوى الحاكمة في البلاد، لذا، بالتأكيد تكون حياته معرضة للخطر؛ لأننا نعيش في بلاد خفافيش الظلام، والرصاص وحده من يحسم الموقف الرمادي".
وطالب الصحافي العراقي الجهات الأمنية المختصة بالكشف عن ملابسات اغتيال المشذوب، وتقديمهم للعدالة، وأن لا تعمل على تسويف الملفات الجنائية، "كما عملت سابقاً إثر مقتل عارضة الأزياء، تارة فارس، والناشطة، رفيف الياسري، وغيرهن من ناشطات الحراك المدني العراقي".
وأكد: "في النهاية مقتل الروائي العراقي، علاء المشذوب، لا يثني العاملين على التغيير؛ أي تغيير المنظومة التي يقوم عليها الحكم الطائفي الفاسد".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الليبرالية.. قالب واحد أم طيف من النماذج؟

2020-02-25

هل الليبرالية قالب واحد جاهز يتم نقله كما هو من مكان إلى آخر؟ هل هناك تطرف في الليبرالية؟ ما هي الليبرالية الفردية؟ وبماذا تختلف عن الليبرالية الاجتماعية؟ ما هي الليبرالية الكلاسيكية؟ وما هي الليبرالية الجديدة؟ مسمّيات عديدة تدور حول ذات المسمى، تفصح عن خلافات وجدالات مرتبطة به، فما هي أبرزها؟
أين ينتهي دور الدولة؟
اقتصادياً، ارتبط صعود الليبرالية في أوروبا بصعود الرأسمالية الصناعيّة، في أعقاب الثورة الصناعيّة، بعد أن كان النمط الاقتصادي السائد ما يزال يعتمد على التجارة، التي كانت خاضعة لسيطرة وتوجيه الدول والحكومات، ومع صعود طبقة جديدة من أصحاب الثروات وأصحاب أدوات الإنتاج بدأوا بالمطالبة بدور أقل من قبل الحكومات في التدخل بالاقتصاد وتوجيهه، والمطالبة باقتصار أداء دور الدولة على وظائف محددة، مثل توفير الأمن، وأدوار السياسة الخارجية، وبات هذه الاتجاه يعرف باسم "الليبرالية الكلاسيكية".

الحرية الفردية والاعتراف بهوية الآخر وعدم إقصائه أحد أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الليبرالية

خلال القرن العشرين؛ اتجهت الدول غير الليبرالية إلى اتباع "النموذج السوفييتي"، القائم على إخضاع الاقتصاد للتخطيط والتوجيه المركزي من قبل الدولة، واستحوذت الدولة على معظم الصناعات والقطاعات المنتجة في البلاد. في المقابل؛ اتسمت الدولة الليبرالية في كونها تترك الحرية لرؤوس الأموال للاستثمار، والعمل دون تدخل، وفق المبدأ الليبرالي المشهور "دعه يعمل، دعه يمر"، إلا أنّ قدراً من الدور الاجتماعي احتفظت به الدولة من خلال قيامها بجمع نسبة من الضرائب المفروضة على الدخول، وذلك مقابل التزامها بالقيام بجملة من الأدوار وتقديم خدمات اجتماعية؛ من التعليم والصحة إلى إدارة قطاع النقل، وتقديم الخدمات المتعلقة بالبنى التحتية، وتوسّعت عدة دول ليبرالية في هذه المهمات، في إطار ما عرف خلال النصف الثاني من القرن العشرين بـ "الكينزية"، نسبة لعالم الاقتصاد البريطاني، جون مينارد كينز، الملقب "أبو الاقتصاد المختلط".

كينز.. مؤسس الاقتصاد المختلط القائم على الجمع بين الحرية الاقتصادية والأدوار الاجتماعية

إلا أنّ هذه المساحة بقيت محلّ خلاف بين الحكومات الليبرالية، خصوصاً بعد صعود موجة "الليبرالية الجديدة" في ثمانينيات القرن العشرين؛ ففي بريطانيا برز دور رئيسة الوزراء، مارغريت تاتشر، وفي الولايات المتحدة برز دور الرئيس رونالد ريغان، وكلاهما قادا عملية انقضاض على القطاع العام وعلى الأدوار الاجتماعية للدولة، وبرز من بين أهم المنظرين في هذا التيار؛ عالم الاقتصاد النمساوي، فريدريش فون هايك، والأمريكي ميلتون فريدمان.

اقرأ أيضاً: الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟
واليوم، ما تزال مسألة الدور الاجتماعي للدولة الليبرالية محل خلاف؛ ففي بريطانيا، يؤكد حزب المحافظين على تقليص دور الدولة ومسؤوليتها مقابل توسيع دور رؤوس الأموال الخاصّة، في حين يواجهه في ذلك حزب العمال المرتبط بالنقابات العمالية، وتبقى نسبة الديمقراطية الاجتماعية في بريطانيا ضئيلة نسبياً.
وتعدّ ألمانيا النموذج الأفضل على الاقتصاد المختلط في أوروبا؛ حيث تجمع الدولة مزيجاً من عناصر الديمقراطية الاجتماعية، وأخرى من الليبرالية الجديدة، في حين تعدّ الدول الإسكندنافية الأكثر ميلاً للنموذج الاجتماعي، ضمن نموذج خاصّ بها يعرف بـ "دولة الرفاه".

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
أما الولايات المتحدة الأمريكية فتتراجع فيها السياسات الاجتماعية، وتسيطر عليها منذ تأسيسها التوجهات الليبرالية المحضة، وقد حدثت بعض التحسينات، عام 2014، عندما أدخل الرئيس أوباما برنامج الرعاية الطبية، والمعروف بـ "أوباما كير"، الذي هدف إلى توفير تأمين صحي شامل لكل أمريكي بتكاليف منخفضة. وما يزال القانون يواجه، إلى اليوم، انتقادات كثيرة وهجوماً واسعاً من قبل التيار الليبرالي الجديد في الولايات المتحدة، ويبرز اسم الرئيس دونالد ترامب ضمن أبرز المنتقدين.

الرئيس أوباما لحظة التوقيع على قانون الرعاية الصحيّة

القيود على الحريات
تعدّ الحرية الفردية بمثابة الركيزة الأساسية في النظم الليبرالية، وقد تمّ ترسيخها في الدساتير والقوانين، وتتنوع الحريات الفردية؛ من حرية الاعتقاد إلى حرية التعبير، إلى حرية التنقل والتملك، وغيرها، إلا أنّ ذلك لم يمنع من بروز الجدل المعروف بجدل الحريات الفردية؛ فرغم التأكيد على هذه القيمة إلا أنّ هناك دائماً هاجساً من تعارضها مع مصالح المجموع؛ حيث يبرز الجدال دائماً: أيّهما مقدّم: مصلحة الفرد أم مصلحة المجموع؟ وغالباً ما تكون الإجابة في صالح الأخير، بالتالي؛ تظهر بعض القيود التي تفرض على سلوكيات يعتقد أنّها ستكون ضارة في حال لم يتم تكبيلها، وبين الميل للفرد أو المجموع يبقى الجدل دائراً بين المذهبين: الليبرالية الفردية، المعروفة بالـ "ليبرتارية"، والليبرالية الاجتماعية.

تعدّ الولايات المتحدة وكندا من أشهر الأمثلة على تطور الدولة الليبرالية القائمة على التعددية في الثقافات والهويات

ومع تصاعد موجة "الإسلاموفوبيا" خلال العقدين الأخيرين، برزت عدة قضايا مثيرة للجدل حول حظر تقييد العديد من الممارسات الدينية الإسلامية، ما يعدّ تعارضاً صريحاً مع مبدأ حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، كما حدث، مثلاً، مع قانون حظر ارتداء النقاب في فرنسا، وكذلك في التشيك والدنمارك، ومع مقترح اليمين السويسري، عام 2009، بحظر بناء المآذن في سويسرا، وأزمة حظر ارتداء "البوركيني" في بعض مدن ألمانيا وفرنسا، التي ظهرت ابتداء من عام 2016 وما تزال تثير الجدل، وتحريم الختان في بعض ولايات ألمانيا، والذبح الحلال في بعض مقاطعات بلجيكا.
ويبرز أيضاً الحظر لتداول آراء ومقولات سياسية عديدة، في إطار ما يعدّ "مقولات متطرفة"، مثل النزعات "النازيّة الجديدة"، وكذلك تبرز تهمة "معاداة السامية" التي تمّ التوسع فيها بشكل كبير في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حتى باتت تهمة يتم توجيهها لكلّ من ينتقد سياسات دولة "إسرائيل"، وباتت تطال العديد من الأعمال الفنية والأكاديمية، وهو ما مثل تهديداً صريحاً لمبادئ الحرية الفكرية.

أثار قرار حظر ارتداء البوركيني في فرنسا جدلاً واسعاً

الاعتراف بالآخر.. القبول أو الدمج
إنّ الاعتراف بهوية الآخر وعدم إقصائه هو أحد أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الليبرالية؛ باعتبار أنّها دولة مواطنة تربطها علاقة حقوق وواجبات بالفرد المواطن، بصرف النظر عن أصله وعرقه ولونه وجنسه وديانته.
وتعدّ الولايات المتحدة الأمريكية وكندا من أشهر الأمثلة على تطور الدولة الليبرالية القائمة على التعددية في الثقافات والهويات، باعتبار طبيعة تكوين المجتمع الذي يضمّ عدة أصول وأعراق، وهو تنوع ناتج بالأساس عن موجات من الهجرات.

اقرأ أيضاً: هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟
إلا أنّ هذا النموذج من الدول الليبرالية بدأ يشهد تراجعاً خلال العقود الأخيرة، ويعود جانب أساسي من سبب التراجع إلى التوسع في موجات الهجرة واللجوء من خارج العالم الغربي، وشعور الدول، خاصة في أوروبا، بتزايد احتمالات تهديد هوية المجتمعات الأوروبية. 
في أوروبا؛ تصاعدت مبادرات اليمين للترهيب من المدّ الإسلامي، وبات هناك خطاب منتشر يشترط على المهاجرين الجُدُد الاندماج في المجتمع، وإثر موجة الهجرة الواسعة، بعد عام 2010، من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ازدادت إجراءات تقييد الهجرة واللجوء إلى القارّة الأوروبيّة، وشرعت دول مثل بلغاريا والمجر في بناء الجدران الفاصلة على حدودها.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
في ألمانيا؛ برزت انتقادات واسعة من اليمين الألماني للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركيل، بسبب سماحها باستقبال عدد كبير من المهاجرين السوريين وجرى اتهامها بأنّها تغيّر ثقافة البلاد، وتصدّر "حزب البديل من أجل ألمانيا" هذا الهجوم، واستطاع تحقيق تقدّم واسع على أساسه.
وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أثار قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عام 2017، جدلاً واسعاً، بمنعه السفر إلى الولايات المتحدة من ستّ دول مسلمة، ذات غالبية مسلمة، ضمن ما عُرفت بـ "قائمة حظر السفر"، وعُدَّ قراره بمثابة إقصاء عنصري صريح، في حين لقي تأييد جانب كبير من الجمهور الداعم للرئيس، وتسبب الجدل الواسع حينها بإيقاف القرار مؤقتاً، قبل أن تقرر المحكمة الفيدرالية العليا العمل به.

عُدَّ قانون ترامب بـ "حظر السفر" بمثابة تعارض صريح مع المبادئ الليبرالية الأمريكية

ويبقى السؤال: هل تمنح مثل هذه الخلافات صفة المرونة للمنظومات الليبرالية؟ وبالتالي تجعلها قادرة على التجدد والاستمرار، كما يجادل بعض المنظرين، أم أنّها تجعل منها منظومة سائلة قابلة للتقمصّ والارتداء من قبل كلّ صاحب مصلحة، وبالتالي النزول إلى مراتب الشعبوية والتماهي بها؟

للمشاركة:

هل أضرّ التسييس بالقبائل في شرق السودان؟

2020-02-25

الصورة التي ظهر بها نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي"، على قناة "العربية الحدث"، وحوله كوكبة من زعماء القبائل ورؤوس الإدارة الأهلية في شرق السودان، مبشراً باستضافة رجال القبائل في مدينة جوبا (عاصمة دولة جنوب السودان) دعماً لمسار سلام الشرق، ومستكملاً بهم نصاباً في المشاركة؛ صورة لا تعكس إلا مزيداً من التشويش حول طبيعة منبر جوبا لسلام الشرق، وعن المسارات المختلفة في ذلك المنبر التفاوضي حول قضايا السلام التي وعدت الحكومة الانتقالية بحسمها خلال 6 شهور، وها هو الشهر السادس يكاد ينقضي دون الوصول إلى نتيجة تنهي مسار قضايا سلام.

اقرأ أيضاً: السودان والدرس الليبي
شرق السودان، رغم أهميته الجيوسياسية، إلا أنّه أكثر إقليم تعرّض للتهميش والإهمال الذي كرَّس عزلةً مضافة إلى الطبيعة الانعزالية المتصلة بحياة الصحراء في هوية سكانه الأصليين "البجا".

بعد سقوط البشير
حدث الثورة الكبير في حياة السودانيين، وسقوط رأس نظام الإنقاذ؛ عمر البشير في نيسان (أبريل) من العام الماضي، لم يغير قواعد اللعبة التي قررها نظام البشير عبر تسييس القبائل وإدخال الإدارة الأهلية في الشأن العام، إذ ما تزال تشتغل بكفاءة في شرق السودان (كان الهدف الأساسي لنظام تسييس القبائل؛ الالتفاف على الجماهير لضمان ولائها عبر استقطاب زعماء قبائلهم؛ حيث ما تزال القبلية في السودان من أهم مؤسسات الولاء المجتمعي).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل
ورغم خطايا كثيرة لنظام تسييس القبائل الذي من أهم خصائصه؛ إفساد القبيلة والسياسة معاً، إلا أنه ما يزال هناك في شرق السودان من يرى في ذلك النظام قدرةً على الاشتغال فقط لأنه تعوَّد على مدى ثلاثين عاماً رؤية ذلك الشكل المأزوم في ممارسات عمل سياسي نسقي لا يفضي إلى شيء!
الأخطر من ذلك؛ أنّ نظام البشير، فيما كان يعيد الحياة لنظام الإدارة الأهلية ويبعثه من مرقده (بعد أن ألغاه الجنرال نميري في السبعينيات) كان، في الوقت ذاته، يشتغل على تدمير البنى الحزبية للأحزاب ويغير قواعد اللعبة السياسية في الفضاء العام.
تدمير بنية العمل السياسي
عبر مسارين في تدمير بنية العمل السياسي، أصبح الداخل السوداني في عهد نظام البشير خاضعاً لممارسات تسييس الإدارة الأهلية، الأمر الذي بدا معه نظار القبائل مع خوضهم في ممارسات سياسية كاريكاتورية لا يفهمون قواعدها؛ محلّ نقد وسخرية (هما من لوازم العمل السياسي) بدلاً من أن يكونوا محلّ إجماع وتقدير، وأصبح الانقسام عليهم مؤشراً على تعدّد الولاءات داخل القبيلة، بحسب المصالح السياسية. بعبارة أخرى؛ أصبح نقد زعيم القبيلة (وهو مما لا يليق بمقامه في الأصل، لكنّه أمر طبيعي متصل بالعمل السياسي) منعكساً سلبياً على التحزيب بين منسوبي القبيلة الواحدة عبر الانشطار المتعدد؛ فكثر استحداث المناصب القبلية الوهمية، كالعمد والشيوخ، وفي الوقت ذاته انتشر احتكار السلطة والسيطرة من قبل رموز النظام.

أما في الخارج؛ فقد اختطفت الحركات المناطقية المسلحة، كحركَتي دارفور والبجا، المسار على حساب الأحزاب السياسية التي تمّ تفتيتها إلى كيانات صغيرة.

أصبح شرق السودان، نتيجة للإهمال الذي ضربه والتهميش الذي لحق به، أكثر أطراف السودان احتقاناً بعد الثورة

ومع انفتاح السياسة عبر الحريات التي أتاحها مناخ الثورة السودانية بعد سقوط البشير، بدت هذه التعبيرات القبلية المأزومة عبر ممارسات عمل سياسوي نسقي على مدى 30 عاماً هي الأعلى صوتاً بطبيعة الحال، وهكذا، حين بدأت مفاوضات السلام في جوبا بعد تكوين الحكومة الانتقالية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ظهرت التناقضات والعشوائية في ممارستها (التي كانت تتحكم فيها من قبل؛ الإدارةُ السياسية للمؤتمر الوطني) بمعنى أنّ مناخ الحريات عزز أوهاماً كبيرة لنظار القبائل، حتى إنّ بعض أولئك النظار ظلّوا يراهنون على مشاركته في مفاوضات السلام من عدمها، بتهديد السلم المجتمعي حال تغييبه عنها، في مؤشر عكس حجم الدمار الذي ألحقه نظام البشير بمناخ التسييس والعمل العام.
إقحام القبائل في السياسة
وحول تسييس القبائل وإقحامها في المجال السياسي، يقول الناشط السياسي من شرق السودان، خالد محمد نور، لـ "حفريات": "خلوّ الساحة السياسية في شرق السودان وضعفها البائن على مستوى الأحزاب السياسية أو فرعيات الأحزاب المركزية، وهو الضعف الذي انعكس على تنسيقية الحرية والتغيير بشرق السودان أجساماً بطيئةً وعديمة الفاعلية، أفسح المجال واسعاً لسيطرة القبيلة على المجال السياسي وكان هذا لافتاً؛ إذ إنّه في الوقت الذي يتمّ فيه تمثيل أقاليم السودان المختلفة في عملية السلام من قبل حركات وأحزاب وشخصيات سياسية، كانت الكلمة في شرق السودان لنظّار القبائل وعمدها!".

اقرأ أيضاً: قصة وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في السودان.. ماذا فعلوا؟
أما السياسي حامد إدريس (أحد مرشحي مجلس السيادة عن شرق السودان، من طرف القوى المدنية بعد الثورة)، فيقول لـ "حفريات": "المزج بين السياسة والقبيلة شكّل ضرراً كبيراً على المصالح السياسية في شرق السودان، ومن المعروف أنّ إقحام القبائل في المجال العام، أصبح عادة للعمل السياسي في عهد نظام المؤتمر الوطني، مع ذلك؛ فلا يكاد أحد من رجال القبائل في شرق السودان، اليوم، يوافق على فكّ الارتباط بين القبيلة والسياسة. لقد أصبح الربط بين القبيلة والسياسة، وما يزال قناعة عامة لدى كثيرين، بسبب دعاية الجهاز الحكومي ومنهجية تسييس القبائل خلال الأعوام الماضية، للأسف".
خراب ضرب نظام القبائل
ويبدو أنّ تدمير البنية السياسية على مدى ثلاثين عاماً، انعكس بصورة عميقة، ليس فقط على الخراب الذي ضرب نظام القبائل، بل كذلك الخراب الذي ضرب السياسة، حين أصبح نظار القبائل قادة في العمل السياسوي.
وفي هذا الصدد يقول خالد محمد نور لـ "حفريات": "لا شكّ في أنّ المجتمع العشائري في شرق السودان يتيح للقبيلة إمكانية كبيرة للاشتغال، وأنّ رجالات الإدارة الأهلية حرص النظام البائد على تحويلهم إلى بيادق سياسية، ولعب كثيراً على وتر تناقضاتهم القبلية، تقريباً كلّ نظّار القبائل وغالبية العمد تقلدوا مناصب تنفيذية وتشريعية إبان العهد البائد، بل وكانوا أعضاء مكاتب قيادية ومجالس شورى في حزب المؤتمر الوطني المنحل".

اقرأ أيضاً: هل تسعى قطر لإعادة الإخوان إلى السلطة في السودان؟
من جانبه، يرى حامد إدريس؛ أنّ "تحزيب القبائل في السياسة يهتك نسيج القرابة؛ لأنّ القبيلة والقرابة بطبيعتهما من الثوابت، أما السياسة والمصالح فمتغيرة ومتحركة، لهذا سيفرض تسييس القبيلة خياراً واحداً يصبح معه الناظر رئيساً للحزب على نحو يجعل من الحرج شاملاً للجميع؛ حيث يتحول الخيار الشخصي لأفراد القبيلة إلى ولاء إجباري تفرضه شروط طاعة عمياء. وحين تتضارب المصالح السياسية، ينعكس ذلك على العلاقات البينية لمنسوبي القبيلة الواحدة بالضرورة، مما يؤدي إلى تفكك القبيلة واستشراء الصراعات فيها فتفسد علاقة القرابة وتتدمر، وهذا ما حدث للقبائل طوال الفترة الماضية، للأسف".

رعاية علاقة القرابة والدم
يختم محمد نور إفادته لـ "حفريات"، بالقول: إنّ "طبيعة تكوين القبيلة القائمة على التضامن القبلي ورعاية علاقة القرابة والدم، ورمزية الناظر التي تجعله محل إجماع، وتجعل من كلمته نهائية في الخلاف البيني لأفراد قبيلته وغير قابلة للمراجعة، كلّ ذلك يتناقض جذرياً مع الممارسة العامة للسياسة في تجاوزها لولاء القبيلة الحميم والخاص الى الفضاء العام المتعدد. وهكذا، حين يتمّ إقحام القبيلة في مضمار السياسة تنتج عن ذلك خلافات خطيرة، قد تتسبّب في اقتتال أهلي، كما حدث في ولاية البحر الأحمر.

حين يتمّ إقحام القبيلة في مضمار السياسة تنتج عن ذلك خلافات خطيرة قد تتسبّب في اقتتال أهلي

والخلافات، اليوم، حول منبر جوبا، على سبيل المثال، تحولت من خلاف سياسي إلى خلاف قبلي يدار بوسائل الضغط القبلية، وهي وسائل خياراتها ضيقة؛ كالتعبئة العاطفية والحماسة والاصطفاف والاحتشاد، وصولاً إلى المواجهة، وذلك تماماً هو السيناريو الذي عاشته مدينة بورتسودان، ورأينا فيه كيف يتحوّل خلاف سياسي متغيّر، مجاله نسبي محتمل للخطأ والصواب، إلى خلاف تجاوز ذلك وتحول إلى صراع سفكت فيه دماء بريئة، حين تحوّل من خلاف مجاله السياسة إلى خلاف للنزاع القبلي، الذي لا يعرف الخطأ والصواب في قناعاته".
مزاج حميدتي المتصل بفضاء عرب دارفور وبيئتها القبلية يعدّ جزءاً من ذلك النظام الذي سيّس به البشير القبائل السودانية، فبعد الثورة وقبل الاتفاق السياسي حول الإعلان الدستوري، في آب (أغسطس) 2019، نشط حميدتي في محاولة ساذجة منه للسير على خطى نظام البشير متوهماً إمكانيةً لمزج الديني بالسياسي فاتخذ من منطقة "قَرِّي" التاريخية، قرب الخرطوم (المنطقة التي كانت قبائلها جزءاً من سلطنة الفونج الإسلامية التاريخية) ملتقى يجتمع فيه نظار القبائل وشيوخ الدين، من أمثال الشيخ سليمان علي بيتاي، راعي أكبر خلاوي البجا في شرق السودان، لكن ما أدركه حميدتي، فيما بعد، لا سيما إثر مذبحة فضّ الاعتصام التي تورطت فيها قواته العسكرية المسماة "الدعم السريع"، وخروج الملايين من الثوار، في 30 حزيران (يونيو) من العام الماضي، ليستعيدوا زخم الثورة وقوتها، بدّد أوهامه.   
على هذا، فقد أصبح شرق السودان، نتيجةً للإهمال الذي ضربه والتهميش الذي لحق به، أكثر أطراف السودان احتقاناً بعد الثورة، والخاصرة الرخوة التي يتم الاستثمار في تناقضاتها القبائلية من طرف قوى الثورة المضادة، ومن قوى خارجية، نظراً للهوية الجيوسياسية المهمة.

للمشاركة:

التشريع والمرأة في مصر: هل قدمّت الدساتير حلولاً لمشكلات النساء؟

2020-02-24

يعدّ تنظيم الحقوق والحريات للمواطنين والمواطنات، أداة لقياس تطوّر أنظمة الحكم وعلاقة الدولة بمواطنيها، ومن هنا كان جلياً ذكر ما نصّت عليه الدساتير المصرية في شأن المرأة وحقوقها، وهل حاولت تلك الدساتير وضع حدّ لمعاناة النساء في مصر؟

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟
بادئ ذي بدء نتناول دستور 71، الذي ما نزال نعيش توابعه حتى اليوم.

أسطورة المساواة 
تنصّ المادة الحادية عشرة من دستور 71 على: "تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة والعمل، والمشاركة في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية"؛ حيث جاءت هذه المادة بما يتماهى مع الاتجاه الجديد للدولة، خاصةً بعد تعديل المادة الثانية من الدستور، وإضافة أحكام الشريعة الإسلامية، كمصدر أساسي للتشريع، وفي خطوة لتطبيق مبدأ المساواة، نصّت أيضاً المادة السادسة من الدستور المصري، على أنّ "الجنسية حقّ لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به، ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، وهو حقّ يكفله وينظمه القانون، ويحدّد كذلك شروط اكتساب الجنسية"، وقد كرّست هذه المادة حقّ المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها، الذي حصلت عليه في تعديل قانون الجنسية، عام 2004، دون الحاجة إلى إجراءات أو موافقة وزارة الداخلية، تماماً كما هو وضع الأطفال من أب مصري.

أصبح للمرأة دور كبير في المجتمع فهي تمثّل 15% من قوة البرلمان و25% من قوة الحكومة

ولكن يؤخذ على المادة الحادية عشرة من دستور 71؛ أنّها لم تكن تفصيلية، ولم تضف أَسساً ومبادئ تحافظ على حقوق المرأة، وتساعد في تمكينها بالمجتمع، ولم تقر حقوقها القانونية في إطار التشريع بين مؤيد ومعارض، وفق ما يتبناه البعض من فقه متشدّد أو معتدل، ويذكر في هذا المقام الجدل الذي قام حول إدراج حقّ الخلع في قانون إجراءات الأحوال الشخصية، أو قوانين الرؤية والحضانة، وغيرها، ليأتي الأربعاء الأسود عام 2005، عقب  التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ إذ اعترضت بعض القوى النسائية على البند الخاص بالتوريث، ما دفعهم للتظاهر أمام نقابة الصحفيين المصرية، لتقوم بعض قوات الأمن بالاعتداء على الناشطات، ثمّ خرجت بعض وسائل الإعلام تتهم المتظاهرات بـ"التعري" أمام النقابة، بهدف تأليب الرأي العام عليهنّ، وبذلك يتمّ تشويه أيّة حركة نسوية تطالب بحقوق النساء، ولم يحاكم أحد على هذه الانتهاكات حتى اليوم.
لم تضف المادة الحادية عشرة من دستور 71 أسساً ومبادئ تحافظ على حقوق المرأة وتساعد في تمكينها بالمجتمع

ما بعد الثورة
جاء بعد ذلك دستور 2012؛ عاصفاً بحقوق أساسية للنساء، التي كان يجب تضمينها في الدستور؛ إذ إنّ صياغته نصّت على أنّ النساء أولاً، كـ "شقائق للرجال وشريكات في المكتسبات والمسؤوليات الوطنية"، (في الديباجة)، ثمّ كـ "أم"، ومعيلة للأسرة، ومطلقة، وأرملة (في المادة 10)، مع اختلاف الحالات؛ فالمرأة‍ "مفعول به" دائماً، ولا تظهر كفرد مستقلّ في هذا العقد الاجتماعي المصري الجديد، ثم جاءت التعديلات اللاحقة في دستور 2013؛ إذ نصّت على المساواة، في نصّ صريح على "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق أحكام الدستور، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدّده القانون، كما تكفل للمرأة حقّها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدّها، وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضدّ كلّ أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة، والمرأة المعيلة والمسنّة، والنساء الأشدّ احتياجاً، إلا أنّ هذا الدستور ظلّ حبراً على ورق، وكانت كلّ ممارسات السلطة وقتها تعدّ إقصاءً صريحاً للمرأة، وتجريدها من الحقوق التي اكتسبتها من قبل".

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

أما بعد دستور 2014؛ الذي رآه العديد من النشطاء أحد مكاسب نضال الحركات النسوية والمجموعات النسائية، ليضمن استحقاقات دستورية على كافة المستويات؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتضمين الدستور المبادئ المهمة والعامة، التي تعامل النساء كمواطنات مساويات لنظرائهن من الرجال في الوطن الواحد، وهي مبادئ لم تكن موجودة في الدساتير المصرية من قبل، سواء في الدساتير التي تمّ إنشاؤها من الصفر، أو الدساتير التي تمّ تعديلها؛ ذلك لأنّ المكاسب والاستحقاقات الدستورية الحالية الموجودة في دستور 2014، وضعت أساس الحكم الديمقراطي القائم على المساواة بين المواطنين والمواطنات في كافة مناحي الحياة، وأقرّت مبادئ مهمّة وفعّالة لقيام دولة ديمقراطية حقيقية، منها، على سبيل المثال وليس الحصر، أولاً: "مبدأ تداول السلطة"، وثانياً: "الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، دون تداخل أيّة سلطة في مهام الأخرى"، وثالثاً: "مبدأ تجريم التمييز بكافة أشكاله وأنواعه في المجتمع المصري"، ورابعاً: "إقرار مبدأ اللامركزية في إدارة المحليات، وتخصيص مقاعد محددة لصالح النساء، وضرورة تمثيل الفئات المختلفة بالمجتمع في الإدارات المحلية"، وخامساً: "وضع أسس العدالة الانتقالية والعمل على التمثيل المناسب للنساء في جميع الهيئات التشريعية والبرلمانية والتنفيذية والقضائية"، وسادساً: "إقرار ضرورة مناهضة وتجريم كافة أشكال العنف ضدّ النساء"، وأخيراً "التزام الدولة بتطبيق وتفعيل المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها".

نحو تعزيز حقوق النساء
كان لدستور 2014 دور آخر في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طبقاً للمادة (11) من الدستور؛ إذ "تعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقّها في تولّي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدّها"، كذلك "تلتزم الدولة بحماية المرأة ضدّ كلّ أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة، والمرأة المعيلة، والمسنّة، والنساء الأشدّ احتياجاً"، كما نصّت المادة 180 على أن "تنتخب كلّ وحدة محلية مجلساً بالاقتراع العام السرّي المباشر، لمدة 4 أعوام، ويشترط ألا يقلّ عمر المترشّح عن واحد وعشرين عاماً، وينظم القانون شروط الترشح الأخرى، وإجراءات الانتخاب، على أن يُخصَّص ربع عدد المقاعد للشباب دون سنّ خمسة وثلاثين عاماً، وربع العدد للمرأة"، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتضمن الدستور المصري فيها مساواة كاملة للنساء والرجال.

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟
يبدو أنّ دستور 2014 كان الأكثر انصافاً للمرأة، كما أعربت نائب رئيس المحكمة الدستورية العامة سابقاً؛ المستشارة تهاني الجبالي، عن رأيها لـ "حفريات" بقولها؛ إنّ "المرأة حالياً أصبح لها دور كبير في المجتمع؛ حيث إنّها تمثّل 15% من قوة البرلمان، و25% من قوة الحكومة"، لافتة إلى أنّ "هناك 110 قاضيات مصريات وصلن لترأس المحاكم الجنائية، وبعضهنّ ترأّسن محاكم النقض"، منوّهة إلى أنّ "مصر تمتلك كثيراً من الكفاءات النسائية التي أثبتت نجاحها في كافة المجالات"، كما أوضحت أنّه على الحكومة تقديم برنامج مباشر للتطوير، حتى يتم التأكد من أنّ هناك آليات تنفيذية تعمل عليها الحكومة لتحقيق هذه التكليفات، مفيدة بأنّ برامج العمل تسمح لنا بمحاسبة الحكومة إذا قصّرت في تنفيذ توجيهات الرئيس، مشيرة إلى أنّ هناك اهتماماً بدور المرأة، حيث يذكر الرئيس المصري المرأة في كلماته كافة، وأصبح هناك تطور نوعي في الرعاية الاجتماعية بالمرأة، والاهتمام بالطبقات المهمَّشة، مطالبة بعمل تطوير تشريعي لدور المرأة، والعناية بالمرأة العاملة بشكل أكبر، وكذلك المرأة المعيلة والمسنّة.

نصّت المادة السادسة من الدستور المصري على أنّ الجنسية حقّ لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية

تفعيل القوانين
توضح الجبالي؛ "رغم أنّ النصّ الدستوري يقرّ بحقّ المرأة في دخول كلّ الهيئات الدستورية والقضائية، إلا أنّه، حتى وقتنا هذا، هناك بعض الهيئات التي ترفض عمل المرأة، مثل؛ "مجلس الدولة"، و"النيابة الإدارية"، منوّهة إلى أنّ ذلك يعدّ مخالفة صارخة للدستور، ولا بدّ من تدخّل الرئيس بها، عن طريق رفضه أيّة تعيينات جديدة، لا يوجد بها عدد محدّد من السيدات؛ حيث إنّ الإرادة السياسية حاسمة، وتهتم كثيراً بشؤون المرأة، ولكن الإرادة السياسية لا تكفي وحدها، ولتحقيق التكليفات الرئيسة، فلا بدّ من وجود برامج سياسية تتمّ مراقبتها، والبحث فيها، حتى يكون التطوير في العمق وليس بشكل سطحي فقط.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
وبسؤال المحامية ورئيس المجلس المصري لحقوق المرأة، نهاد أبو القمصان، عن رؤيتها للدساتير المصرية، ووضع المرأة فيها، أجابت لـ "حفريات" أنّ "البنود الدستورية الخاصة بالمساواة بين الجنسين لها طريقتها في الصياغة، ومواضيعها الخاصة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، في دستور أية دولة ديمقراطية ومتحضرة، ولا يمكننا أن نفترض وجود المساواة بين الجنسين في الدولة، إذا كان دستورها يتحدث فقط للرجال، الذين يشكلون نصف المجتمع فقط، مهمِّشاً النصف الآخر منه، عن طريق استخدام الضمائر له أو عليه، خاصّة في بنود وشروط المشاركة السياسية، فالنساء يشعرن بطريقة أو بأخرى بالاستبعاد، أو بعدم وضعهنّ في الاعتبار، نظراً إلى استبعادهنّ من أهم وثيقة تنظمها الدولة التي يعشن فيها، وهو أيضاً القانون الأساسيّ والأسمى للبلاد".

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟

وأردفت بقولها؛ "رغم أنّه ليس من المناسب أن تكون المرأة مذكورة في الدساتير فقط، عند التطرق للبنود التي تتعلق بالأمومة والإنجاب، فهذا يعكس السياسة العامة للبلد ككل، ويضيق أو يقيد دور المرأة في المجتمع في هذَين الدورَين فقط؛ فمن المفروض أن يتم ذكر المرأة في كلّ بند ينظم جوانب الحياة المختلفة، سواء العامة أو الخاصة، مثل؛ الديباجة، وأحكام المساواة، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً المشاركة السياسية".

للمشاركة:



لماذا غيّر الصدر مواقفه؟.. "رويترز" تكشف الحقيقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

كشفت وكالة "رويترز" عن اجتماعات عقدت في مدينة قم الإيرانية، بعد مقتل قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، توصلت إثره الميليشيات العراقية إلى اتفاق مع رجل الدين، مقتدى الصدر، يتركز على إعطائه دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة، ودوراً قيادياً دينياً أكبر بين الميليشيات الموالية لإيران في العراق.

وأضافت الوكالة: "مقابل هذه الصلاحيات الواسعة، فإنّ الصدر سيلعب دوراً عبر الموالين له لإضعاف الثورة الشعبية العراقية، وإعادة توجيهها نحو مطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق، وذلك بحسب مسؤولين عراقيين بارزين، وعناصر من الميليشيات نقلت عنهم "رويترز".

"رويترز": إيران وميليشياتها منحت الصدر دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة

الاتفاق الذي عقد في قم، رعته إيران و"حزب الله" وسعى إلى الحفاظ على قوة القبضة الإيرانية في العراق، من خلال رصّ صفوف الفصائل التي تدعمها إيران مع تلك التي يقودها الصدر.

وذكرت الوكالة أنّ الميليشيات شهدت حالة من الفوضى بعد الغارة التي أسفرت عن مقتل سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في 3 كانون الثاني (يناير) في بغداد.

وبحسب الوكالة؛ فقد كان الصدر مشوشاً أيضاً، لأنّه تزعم التظاهرات المناهضة للحكومة في الأعوام الاخيرة، لكنه لم يتمكن فعلياً من فرض نفسه على الاحتجاجات الأخيرة، التي بدأت في تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي، ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة والتدخل الإيراني في العراق.

وبعد انتهاء هذا الاجتماع، أشارت "رويترز" إلى التحول في مواقف الصدر، الذي وصفته بالانتهازي؛ حيث بدأ بقلب مواقفه من جهة إلى أخرى؛ إذ حارب الولايات المتحدة في أوقات مختلفة، وندّد بالتدخل الإيراني، ودعم التظاهرات الرافضة للطبقة الحاكمة، وفي الوقت نفسه لعب دوراً كبيراً في اختيار الوزراء لحكومة محمد توفيق علاوي، التي من المقرر أن تأخذ ثقة مجلس النواب الخميس المقبل.

المطلوب من مقتدى الصدرإضعاف الثورة الشعبية العراقية عبر الموالين له وإعادة توجيهها

وكشفت "رويترز"؛ أنّه بعد مقتل سليماني، أمر مسؤولون إيرانيون وقادة حزب الله الميليشيات الموالية لإيران بترك الخلافات مع الصدر جانباً، بعد أن اختلفوا معه، العام الماضي، على المناصب الحكومية في صراع على السلطة.

وقال أحد مساعدي الصدر، الذي سافر إلى قم ورفض ذكر اسمه: إنّ "إيران ترى في الصدر الحلّ الوحيد لمنع انهيار قوتها تحت ضغط الاحتجاج وضعف الميليشيات التي تدعمها".

ونقلت الوكالة، عن مصدريين شبه عسكريين؛ أنّ الصدر طالب بوزارتين في حكومة علاوي، في المقابل قالت مصادر أخرى؛ إنّ "الميليشيات قبلت باعتبار أنّ الصدر قد يلعب دوراً مهماً في تعزيز موقفها الرافض للوجود الأمريكي في العراق".

ويقول مسؤولون حكوميون وبرلمانيون؛ إنّ الصدر سيكون له تأثير كبير على تشكيلة الحكومة التي اقترحها علاوي، والتي قال رئيس الوزراء إنّها ستتألف من مرشحين مستقلين.

وأشارت الوكالة إلى أنّ "حكومة علاوي، إذا نالت الثقة، فستعمل بشكل شبه كامل لصالح الصدر".

 

للمشاركة:

تركيا تصعّد في شمال سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أكّد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 9 عناصر من قوات النظام، في شمال غرب سوريا، بقصف تركي، أربعة عناصر قُتلوا قرب بلدة النيرب، فيما قُتل خمسةٌ آخرون قرب مدينة سراقب.

وقال المرصد السوري: إنّ الفصائل سيطرت على النيرب بريف إدلب بدعم تركي مدفعي، لافتاً إلى أنّ "القوات التركية والفصائل الموالية لها بدأت هجوماً برياً جديداً شرق إدلب، تزامنا مع قصف صاروخي تركي مكثف"، مشيراً إلى سقوط 48 قتيلاً من قوات الأسد والفصائل.

المرصد السوري لحقوق الإنسان يؤكد مقتل 9 عناصر من قوات النظام في شمال غرب سوريا بقصف تركي

وقال المرصد السوري: "الفصائل المسلحة أطلقت عدة صواريخ أرض-أرض على مواقع في ريف اللاذقية ومحيط مطار حميميم"، لافتاً إلى دخول رتل عسكري تركي جديد إلى الأراضي السورية، عبر معبر كفرلوسين الحدودي، يضمّ أكثر من مئة دبابة وآلية نقل للجنود الأتراك، توجهت جميعها نحو النقاط التركية المنتشرة في ريف إدلب.

إلى ذلك؛ وصفت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، الوضع الإنساني في إدلب بـ "المقزز"، مطالبة روسيا وإيران وتركيا بحماية المدنيين، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّه "لا يوجد حلّ عسكري للأزمة السورية."

وقالت أورتاغوس، في لقاء خاص مع "العربية": "نعم، إنه أمر مثير للاشمئزاز، ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والاتراك، ليس هناك ما يدعو للاشمئزاز في هذا الكوكب أكثر من هذا الذي يحدث الآن في إدلب، نحن نواصل العمل من خلال الأمم المتحدة، فقد كان السفير جيفري في تركيا. تركيا عادت للقتال من جديد، والروس كذلك مستمرون، ما يحدث وصمة عار ونقطة مظلمة".

أورتاغوس: ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والأتراك في شمال غرب سوريا أمر مثير للاشمئزاز

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من أنّ القتال في شمالَ غربِ سوريا يقترب بشكل خطير من أماكنَ تُؤوي نحوَ مليون نازح، ما يشكل خطراً من حدوث حمامِ دمٍ حقيقي.

وأعلن نائب المنسق الأممي للشؤون الإقليمية في سوريا، مارك كاتس، أنّ الأمم المتحدة تحاول مضاعفة شحنات المساعدات عبر الحدود من تركيا من خمسين إلى مئةِ شاحنة يوميا، لافتاً إلى أنّ عمال الإغاثة يتحملون عبئاً ثقيلاً، وأنّ عدداً من المخازن تعرضت للنهب.

وتسبّب النزاع السوري، الذي يوشك على إتمام عامه التاسع، بمقتل أكثر من 380 ألف شخصاً، وتدمير البنى التحتية واستنزاف الاقتصاد، عدا عن نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

صدمة جديدة في ألمانيا.. ما الدوافع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أُصيب 30 شخصاً، بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية بمهرجان في بلدة فولكمارسن، غرب ألمانيا.

وألقت الشرطة القبض على شخص ألماني، عمره 29 عاماً، بتهمة الشروع في القتل، بينما صرّح مسؤولون بأنّ "الدافع ما يزال غير واضح حتى الآن"، وفق ما اوردت "بي بي سي".

وقال المتحدث بأسم الشرطة: "هناك عشرات الجرح بعضهم مصاب بجروح خطيرة"، مؤكدة أنّ السائق، البالغ من العمر 29 عاماً، تعّد دهس التجمعين في المسيرة بسيارته،  لكن لا توجد دلائل على أنّه ارتكب جريمته بدافع سياسي"، مؤكداً "الشرطة لا تعتقد أنّ الهجوم كان إرهابياً بينما نعتقد أنّه كان متعمداً".

وذكرت مجلة "دير شبيغل"؛ أنّ السائق كان "في حالة سكر شديد" عند حصول الوقائع. وصرحت دوائر أمنية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، مساء أمس؛ بأنّ الشواهد الأولية تفيد بأنّ منفذ الجريمة لم يكن معروفا كمتطرف، وأنّه كان معروفاً للشرطة بجرائم توجيه إهانات والتعدي على حرمات المنازل وجرائم الإكراه.

بدوره، أكّد رئيس شرطة فرانكفورت، غيرهارد بيريسفيل، أنّه تمّ إلقاء القبض على شخص ثانٍ في إطار التحقيقات الجارية بشأن جريمة الدهس.

إصابة ٣٠ شخصاً بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية

وألغت السلطات في ولاية هيسه، حيث توجد بلدة فولكمارسن، جميع المسيرات الاستعراضية بالمهرجان، وذلك في "إجراء وقائي" في أعقاب الحادث.

من جانبها، ذكرت وسائل إعلام محلية أنّ سيارة مرسيدس فضية اللون اقتحمت حواجز بلاستيكية أقيمت لحماية المسيرة الاستعراضية، وصدمت مجموعة من الناس.

ونقلت تقارير إعلامية محلية عن شهود عيان قولهم إنّ سائق السيارة زاد من سرعته، وهو يتجه نحو الحشد، وبدا كأنه يستهدف الأطفال.

وأعلن مكتب المدعي العام في فرانكفورت، في بيان؛ أنّ المشتبه به تلقى علاجاً من إصابات لحقت به في الحادث، وأنه سيمثل لاحقاً أمام قاضي التحقيق.

وقال حاكم ولاية هيسه فولكر بوفير: "شعرت بصدمة إزاء هذا العمل الرهيب، الذي أدى إلى إصابة العديد من الأبرياء بجروح خطيرة".

من جهتها، شكرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الشرطة والطاقم الطبي لتعاملهم مع الحادث، وأعربت عن تعاطفها مع المصابين وأقاربهم.

ويأتي الحادث بعد أربعة أيام من هجوم مسلح قتل فيه 9 أشخاص في مدينة هاناو، غرب ألمانيا، ونفذه يميني متطرف يبلغ من العمر 43 عاماً، يملك رخصة أسلحة نارية، وهو عضو في نادي السلاح، وقد انتحر بعد ساعات من الحادثة.

 

للمشاركة:



ارتدادات قمة كوالالمبور تطيح مهاتير محمد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عزت مصادر دبلوماسية عربية استقالة مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، إلى ارتدادات قمة كوالالمبور التي عمل من خلالها مهاتير على الزج ببلاده في صراع الأجندات الخارجية، وتحويل القمة إلى منصة لإعطاء دفع لممثلي الإسلام السياسي على حساب منظمة التعاون الإسلامي التي تضم دولا إسلامية كثيرة بقيادة السعودية ذات التأثير الديني والسياسي والاقتصادي المحوري في قيادة العالم الإسلامي.

وراهن مهاتير محمد على لعب دور ريادي من بوابة القمة وتحويل ماليزيا إلى قبلة سياسية ومالية بما يساعده على زيادة شعبيته، لكن الخلاف بشأن القمة، وخاصة اكتشاف الماليزيين أنها كانت جزءا من لعبة تركية وإيرانية لتطويق الدور السعودي، قد انتهى إلى أزمة سياسية داخلية زادت من حجم الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومته.

وقاد الموقف من السعودية، ومحاولة جذب أموال جماعات الإسلام السياسي إلى ماليزيا، ما يهدد بتحويلها إلى ملاذ لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى ردة فعل داخلية ضد مهاتير محمد، وأضعف التحالف الحاكم الذي كان يقوده، ما دفع إلى استقالة الحكومة.

واعتبرت المصادر الدبلوماسية في تصريح لـ”العرب” أن مهاتير محمد كان سيضع بلاده في طريق صعب بتحويلها إلى قبلة جديدة للجماعات المتشددة بعدما نجحت دول جنوب شرق آسيا في الحد من نفوذ هذه التنظيمات في معارك استمرت لسنوات، ما قد يضع البلاد في تصادم مع الدول التي تقود الحرب على الإرهاب وتعمل على تجفيف منابعه مثل الولايات المتحدة، فضلا عن السعودية التي تعمل على بناء تحالف إسلامي سياسي وأمني ضد جماعات الإسلام السياسي بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، من الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة وصولا إلى تنظيم داعش.

وسلطت قمة كوالالمبور، المدعومة من دول مثل تركيا وإيران وقطر، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، الضوء على الصراع على عجلة قيادة العالم الإسلامي وعلى علاقات ماليزيا المتوترة مع دول الخليج الكبرى.

وأثار مهاتير محمد غضب دول ودوائر إسلامية مختلفة حين دعا إلى القمة، التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي، جماعات مثل حركة حماس في فلسطين، وهي حركة إخوانية، فضلا عن كتّاب وشخصيات حركية تابعة لفروع جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة بان وكأن هدفها إعادة تبييض الجماعة في الوقت الذي يتم فيه تصنيفها تنظيما إرهابيا في السعودية والإمارات ومصر، وتوضع فيه أنشطتها المختلفة وتمويلاتها تحت مراقبة شديدة في الغرب.

وخلافا لما جرى، لم يكن رئيس الوزراء الماليزي هو من وضع قائمة المنظمات والجمعيات، التي حضرت القمة تحت عناوين مضللة بهدف إكسابها شرعية، ولكن الدور الرئيسي كان لتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي فتح أبواب بلاده أمام هذه الجماعات وأنشطتها السرية والعلنية.

وبسبب هذه الأجندة السرية لأنقرة توترت العلاقة بينها وبين الرباط بعد استدعاء جماعة محظورة في المغرب إلى القمة.

وكانت “العرب” قد نشرت في عدد سابق، استنادا إلى مصادر خاصة، أن المغرب عبّر لماليزيا عن انزعاجه، لكن الحكومة الماليزية أشارت إلى أن تركيا تقدمت بقائمة الأحزاب والشخصيات الإسلامية المشاركة، وأن القائمة شملت حركة “العدل والإحسان” المغربية المحظورة، وأن المغرب الرسمي نأى بنفسه عن أيّ نوع من التمثيل في القمة بسبب هذا التجاوز التركي، فضلا عن غموض أجندة القمة.

وشملت قائمة الدعوات أيضا حركة “التوحيد والإصلاح”، وهي حركة ذات مرجعية إسلامية، تشكل الذراع الدعوية لحزب “العدالة والتنمية” متزعم الائتلاف الحكومي في المغرب.

ونجحت تركيا في استخدام الإسلام السياسي العربي لخدمة أجنداتها، وسعت لتوسيع نفوذها إلى الإسلام السياسي في دول جنوب شرق آسيا حيث يجري الحديث عن إمكانيات كبرى خاصة مالية؛ كون هذه الدول تحولت إلى ملاذات دافئة لأموال التنظيم الدولي للإخوان التي تم تهريبها من دول أوروبا الغربية والأميركتين الشمالية واللاتينية، تحسبا لتجميدها بعدما أظهرت دول غربية كبرى حزما في مواجهة الاستثمارات المشبوهة والأموال السوداء.

ويقول متابعون للشأن الماليزي إن الخلافات داخل التحالف الحاكم ناجمة بالدرجة الأولى عن الصراع على السلطة، حيث رفض مهاتير محمد التنحي لفائدة أنور إبراهيم، لكنهم أشاروا إلى وجود خلافات بشأن ارتدادات قمة كوالالمبور، ووجود رفض واسع لخيار إدارة الظهر للسعودية ذات النفوذ القوي في جنوب شرق آسيا.

ونفوذ السعودية لا يتمثل فقط في وجودها على رأس منظمة التعاون الإسلامي، فهي تقيم أيضا علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع دول مثل أندونيسيا وباكستان التي لا يمكن أن تغامر بخسارة الاستثمارات السعودية الكبرى لإرضاء أجندات غامضة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

وليد فكري

قديمًا قيل "آفة الرأي الهوى".. و"الهوى" في اللغة هو "المَيل"، وهو آفة الرأي لأنه يحيد بصاحبه عن رؤية المعطيات الواقعية التي ينبغي أن يتخذها أساسا لوجهة نظره، فهو لا يجمع تلك المعطيات ثم ينظر فيها فيستخرج منها نظريته، وإنما يبني النظرية بشكل مسبق وينتقي ما يؤيدها ليقدمه دليلا على ما يميل إليه بغض النظر عما تقتضيه الموضوعية العلمية.

والمتعصب للتاريخ العثماني يقع في تلك الآفة، فهو يعتنق وجهة نظر مسبقة أن الدولة العثمانية كانت "دولة الخلافة العلية العظيمة" وينتقي من التاريخ ما يدعم وجهة نظره ويتجاهل ما سواه أو يتعامى عنه كيلا يصطدم بما قد يغير رأيه.

وهو بعد مرحلة "القراءة الانتقائية للتاريخ" يعمل على تحصين رأيه بآليات غير علمية مثل قيامه باتهام من يخالفه بالحقد على الإسلام والمسلمين أو بأنه ذو مصلحة مادية في مكايدة العثمانيين أو غيرها من الأساليب الرخيصة التي تنم عن تهافته وجهله وتعصبه.

اختصار التاريخ الإسلامي في العثمانيين

في التاريخ الإسلامي الثري يمكننا أن نحصي نحو 186 أسرة حاكمة (والأسرة هنا لا تعني بالضرورة العائلة وإنما النظام الحاكم) حكمت من الصين إلى المحيط الأطلنطي ومن جنوب أوروبا إلى وسط أفريقيا.. وقامت به إمبراطوريات ضخمة كالخلافات الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية والدول السلجوقية والأيوبية والمملوكية والمغولية والعثمانية، جمعت عشرات-بل مئات-الأعراق والأجناس واللغات والثقافات، وازدحمت كتب التاريخ الإنساني بإسهاماتها في مختلف ميادين السياسة والثقافة والعلوم والفنون وغيرها من مظاهر الحضارة.

حتى أنني كمتخصص في التاريخ أستطيع أن أقول بكل ثقة علمية إن تاريخ الإنسانية لم يشهد حضارة أثرى ولا أعمق ولا أعظم إسهامًا في محتواه من الحضارة الإسلامية.

ولكن المتعصب للعثمانيين يعمي عينيه ويصم أذنيه عن كل هذا ويختصر عظمة المسلمين في دولة العثمانيين، فهو لا يلقي بالًا بالقامات الإسلامية العالية بينما يعظم الأسماء العثمانية الأقل شأنًا.. فهو قد لا يعرف شيئًا عن موسى بن نصير بينما يقدس أرطغرل وعثمان، وهو يجهل من هو أسد الدين شيركوه بينما يدافع عن سليم الأول وسليمان القانوني، وهو يمر بعبد الرحمن الناصر مررورًا غير كريم بينما يثرثر عن عبد الحميد الثاني.

وهو يجهل الجهل الفاحش بتفاصيل أحداث جليلة كفتوح مصر وشمالي أفريقيا والشام والعراق وفارس والأندلس، وانتشار الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا بينما يرفع آيات التمجيد لفتح محمد الثاني للقسطنطينية.

وحدث ولا حرج عن عدم اكتراثه بحضارات المسلمين في غرب وجنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا.. فهي بالنسبة له منطقة معتمة حتى أنه يفاجأ من حين لآخر بوجود مسلمين في الصين أو الهند أو وسط أفريقيا! ولا يتذكر ذلك إلا في نطاق التعاطف مع ما قد يتعرض له بعضهم من إساءات-لأسباب غالبًا سياسية وليست دينية- وكأنما لم يوجد للمسلمين دولة قبل دولة العثمانيين ولم يكن لهم من ذِكر قبل ميلاد أرطغرل وعثمان!

فأي ظلم هذا للتاريخ الإسلامي؟

إهمال القلم وتمجيد السيف

ولأن الدولة العثمانية كانت الأقل إسهامًا في ميادين العلوم والثقافة مقابل انهماكها في الحروب والتوسعات، فإن المتعصب لها بطبيعة الحال يتجاهل دور العلوم والفنون والآداب في عظمة الحضارة الإسلامية، فلا يلقي بالًا لقامات عظيمة كالطبري وابن رشد والغزالي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا وابن خلدون والمقريزي وغيرهم ممن تضيق عن إنجازاتهم الحضارية كتب التاريخ.. ويختصر دور المسلمين في حروب العثمانيين في الشرق العربي الإسلامي أو في شرق أوروبا، فكأنما قامت الحضارة الإسلامية على السيف والمدفع وليس على القلم والورق ومجالس العلم والجامعات والمكتبات ودور الترجمة..

وإنه لمن المؤسف والموجع أن أجد أجانبًا يعرفون الكثير عن إسهامات الحضارة الإسلامية في ميادين العلم والثقافة بينما يجهل مسلم أمر هذه الإنجازات ولا يعرف سوى أخبار الحرب والعنف

صحيح أن الحرب والسياسة كانتا جزءًا لا ينفصل عن التاريخ الإسلامي، ولكنهما كانتا من "الوسائل" لحماية الدولة والحضارة ولم تكونا "غاية" في حد ذاتهما.. فالمسلم القديم كان يدرك أن الحرب هي أمر بغيض مكروه يلجأ لها مضطرًا لحماية وطنه وحضارته، أو عملًا بقانون عصره القائل بأن "من لا يغزو يُغزَى"، ويستبسل في الدفاع عنها حتى أننا نجد في تاريخنا علماء مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية وابن خلدون يضعون القلم جانبًا ويلقون بأنفسهم في أتون الصراع شحذًا للهمم-وإن لم يحملوا السيف- مستبسلين لخدمة أوطانهم..

بلى.. كان المسلم القديم يدرك حقيقة الحرب كضرورة وحقيقة من حقائق الحياة ووسيلة لحماية الحضارة ولكنه لم يكن ينظر لها باعتبار أنها هي الحضارة..

أما التعصب للتاريخ العثماني فقد أنتج لنا أناسًا لا يرون في الحرب سوى غاية، ويختصرون الحضارة في الغزو والقتال، ويمجدون "السلطان الغازي" على حساب "العالم الجليل"..

بالتالي فإن هذا المتعصب لا ينظر للآخر باعتباره "إنسانا يمكن أن نتلاقى معه حضاريًا طالما لم يبدأنا بحرب أو عدوان" وإنما باعتباره "عدوًا حاقدًا" ينبغي سحقه ووطء رقبته وإذلاله..

أعتقد أن هذا يفسر نقطة التلاقي بين التعصب للعثمانيين من ناحية، والتطرف الديني المؤدي غالبًا للعنف والإرهاب من ناحية أخرى.

قد يقول البعض: كان العثمانيون محاطون بالأعداء والمتآمرين فلم يكن لديهم فسحة من الوقت للاهتمام بالثقافة والعلوم والمظاهر السلمية للحضارة.

ولكن هذا القول مردود عليه بأن الحضارة الإسلامية كانت دائمًا محاطة بالأعداء، منذ نشأتها الأولى، من فُرس أو روم أو فرنجة أو مغول أو غيرهم، وكان الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاطين السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك وحُكام الأندلس يحاربون على أكثر من جبهة في ذات الوقت، ولكنهم لم يهملوا بناء الحضارة، فكان السيف يُحمَل بيد والقلم بأخرى.

بل كانت الحضارة ذاتها سلاحًا ماضيًا يحوّل عدو الأمس لصديق اليوم، حتى أن من أوجه عظمة حضارة المسلمين أنها تجاوزت نواتها العربية فضمت أعراقًا وثقافات فارسية ورومية ومغولية وأوروبية وصهرتها في مزيج حضاري عبقري فقدمت للإنسانية أرقى نماذج التعايش الإنساني..

لماذا الإصرار على تبني النموذج العثماني؟

والسؤال هنا: لماذا يصر هؤلاء-رغم ما سبق-على تبني النموذج العثماني الأحط حضاريًا؟

توجد عدة تفسيرات-يكمل بعضها بعضًا-لذلك

فمن ناحية أولى، فإن العقل الخامل للمتعصب عثمانيًا يستصعب تبني نموذج يقوم على التعب والكد وطلب العلم وتطويره وإخراج محتوى ثري منه، فيميل استسهالًا لنموذج لا يتطلب منه سوى كراهية وشيطنة الآخر ومحاربته وإطلاق صيحات الحرب ضده-حتى وإن كان هذا الآخر ابن وطنه ودينه وأمته-فهو لا يستطيع مثلًا أن يتبنى نموذجي العباسيين والأندلسيين الراعيين للعلوم والترجمة وتلاقي الثقافات وإنتاج المحتويات الثقافية والعلمية والفنية، ولا النماذج السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية التي كانت تجل "أهل القلم" نفس إجلالها "أهل السيف".. هو يرى في كل هذا "صداعًا" لرأسه الخاوي فلا يطلب سوى نموذج لا يتطلب منه سوى سلاح وصيحة تكبير.

ومن ناحية ثانية فإن النموذج العثماني يرضي "البارانويا/الشعور المرضي بالاضطهاد" عنده، فهذا المتعصب الذي يعجز عن مجاراة محيطه-الداخلي والعالمي-لا يحاول أن ينقد ذاته وأن يقف على سلبياته ليصلح من شأنه ويعالج نقاط ضعفه ويعلي من شأنه وبالتالي من شأن مجتمعه، وإنما يستمرئ الرثاء لنفسه وتبرير خيبته بأنه ضحية "الحاقدين والمتآمرين"، وهو التفسير نفسه الذي يقدمه "العثمانيون الجدد" لفشل وانحطاط دولة أسلافهم، فلا يرجعون ذلك لسلبياتها وعيوبها وإنما لـ"تآمر العالم عليها".

ومن ناحية أخرى فإن هذا التعصب هو نتاج "القراءة الماضوية للتاريخ"وهي القراءة القائمة على البكاء على الأطلال في مقابل "القرأءة المستقبلية" التي وصفها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بأنها قراءة تقوم على تأمل تاريخ الأمم الماضية لفهم قوانين الحاضر من أجل تلافي أخطاء السابقين واستقراء المستقبل والاستعداد الفعال له..

وللأسف فإن هذه القراءة الماضوية يروج لها أناس أمثال د.علي الصلابي وغيره ممن يحولون التاريخ إلى حائط مبكى يقبع عنده المرء باكيًا مجد أجداده الضائع متهمًا العالم بالتآمر لإفشاله بينما هذا العالم منشغل ببناء حضارته!

ختامًا

أيها المتعصب لنموذج منحط حضاريًا، المتهم لمن ينتقده بأنه حاقد متآمر مأجور كاذب، إن التاريخ غير مطالَب بمجاملة أحد.. وهو لا يرحم من يعابثه فينتقي منه ما يرضي مرض عقله، ولا الخامل المكتفي بالبكاء على الأطلال.. إن عمر أمتك التي تدعي الدفاع عنها أكبر من دولة العثمانيين، وحضارة هذه الأمة أثرى من سيرة سلطان غاز وصرير أقلامها على ورقها أعلى صوتًا من دوي مدافع الدولة العثمانية وصليل سيوفها..

فأفق من غفلتك وأنصف تاريخك، فعار عليك أن يكون لأسلافك تاريخ عظيم يُدَرَس في الجامعات من أدنى الأرض إلى أقصاها وأنت متمسك بذيل أسمال عباءة جثمان عثماني قابع تبكيه والعالم حولك يتحرك بسرعة أكبر من التصديق!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية