أستاذ القانون الدولي أيمن سلامة لـ "حفريات": تركيا تتبنى دبلوماسية البوارج الحربية

أستاذ القانون الدولي أيمن سلامة لـ "حفريات": تركيا تتبنى دبلوماسية البوارج الحربية

مشاهدة

21/12/2021

أجرى الحوار: كريم شفيق

أكد الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية؛ أنّ الغاز الطبيعي أضحى مصدراً حيوياً للطاقة لقطاعات مختلفة في أيّة دولة، فضلاً عن الحاجة الماسة إليه في مختلف أنشطة الحياة اليومية؛ إذ يستخدم في تشغيل المصانع، وتحريك وسائل النقل المختلفة، وتشغيل الأدوات المنزلية وغير ذلك من الأغراض. وقد أصبح الغاز الطبيعي من أهم مصادر الطاقة النفطية؛ لخلوّه من الملوثات البيئية، كالرصاص والكبريت، وهذا ما جعل العالم يهتم بتطوير إنتاجه، وزيادة نسب استخراجه، يوماً بعد آخر، خصوصاً بعدما تقدمت الطرق الفنية المتعلقة بتخزينه وتسييله ونقله.

اقرأ أيضاً: هل دخلت تركيا مرحلة تضخم مزمن؟

غيّرت سلسلة الاكتشافات الكبرى للغاز الطبيعي في حوض شرق المتوسط، منذ عام 2009، من ديناميات الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وفقاً لسلامة، فصارت دول المنطقة تتنافس عليه تنافساً متزايداً. وتبعاً لهذا التطور الدراماتيكي في هذه المنطقة المستعرة سياسياً، أمسى الغاز  الطبيعي بؤرة الاهتمام للدول المنتجة والمصدرة للغاز، حتى تستطيع هذه الدول أن تلعب دوراً إقليمياً في سوق الغاز  الطبيعي على المستوى  العالمي.

ويردف في حواره لـ "حفريات": "لقد عززت تقديرات المسح الجيولوجي الأمريكي حول إمكانيات الغاز الطبيعي، في حوض المشرق العربي، من طموحات بعض بلدان شرق البحر المتوسط، مثل إسرائيل وقبرص ولبنان ومصر، في أن تستقل بمصادر الطاقة  اللازمة، وليس ذلك فحسب، لكن تعوّل هذه الدول على أن يحلّ الغاز محل سائر المصادر الأولى للدخل لهذه الدول؛ فهذه الاكتشافات الحديثة للغاز في  منطقة شرق البحر المتوسط، واستخدامها لتحقيق الزيادة في الدخل القومي للدول المصدرة للغاز، ستحدث تغييرات كبيرة وجذرية في هيكل وبنيان مجتمعات هذه الدول".

الغاز الطبيعي في شرق المتوسط

ويلفت إلى أنّه إذا كان تطوير احتياطيات الغاز الطبيعي الموجود في شرق المتوسط، يمكن أن يسهم في تحقيق الاستقرار والأمن لشعوب المنطقة، فإنّه يؤدي أيضاً إلى زيادة التحالفات الإستراتيجية الجديدة بين مجموعات دول الشرق المتوسط التي تربطها علاقات وثيقة، ويعد التصديق على ميثاق منتدى شرق البحر  المتوسط، في عام 2021، برهاناً ساطعاً في هذا الشأن.

النزاعات المتعلقة بتعيين الحدود البحرية تعيق عمليات التنقيب والتطوير، خاصة على خلفية الأزمات الإقليمية القائمة، والتي  تصرّ تركيا على أن تكون الرقم الأول الفاعل فيها

 وبسؤال أستاذ القانون الدولي عن تأثيرات ثروات الغاز المكتشفة، مؤخراً، في شرق المتوسط، في صناعة سياسات إقليمية وأمنية جديدة، يجيب: "النزاعات المتعلقه بتعيين الحدود البحرية تعيق عمليات التنقيب والتطوير، خاصة على خلفية الأزمات الإقليمية القائمة، والتي  تصر تركيا على أن تكون  الرقم الأول الفاعل فيها؛ إذ لم تقم تركيا بتعيين حدودها البحرية مع جيرانها في شرق البحر المتوسط، فضلاً عن إصرارها على اعتناق مبادئ وقواعد معينة في مجالي تعيين الحدود البحرية بشكل خاص، والقانون الدولي للبحار بشكل عام، كما أنّها منعزلة عن القانون الدولي العرفي والتعاهدي للبحار".

 كما يشير إلى أنّ تركيا تملك موقعاً إستراتيجياً وحيوياً لربط مصادر النفط والغاز من روسيا وآسيا الوسطى والعراق وكردستان العراق وإيران بالأسواق الأوروبية، وذلك عبر شبكة أنابيب ومرافئ تصديرية، لكنها تعاني، في الوقت نفسه، من الافتقار للموارد الطبيعية من النفط والغاز، وبالتالي، تعتمد على الاستيراد الذي يتوقع أن يزداد، خلال السنوات المقبلة، لتنمية النمو المحلي في ظلّ محاولات يائسة لمجابهة الأوضاع الاقتصادية المتردية التي لم تعرفها تركيا في السابق.

"دبلوماسية البوارج الحربية"

وحول الممارسات التركية، السياسية والميدانية، في المنطقة التي تستهدف الدخول في محاصصة غير عادلة على ثروات شرق المتوسط، يلفت سلامة إلى أنّ تركيا تتبنى "دبلوماسية البوارج الحربية" من أجل أن يصبح لها موطئ "قدم سوداء" في مياه المتوسط.

تعد مسألة دعم تركيا لقوى الإسلام السياسي، وتوفير ملاذات آمنة لعناصر من جماعة الإخوان، بينهم متورطون في أعمال عنف وإرهاب، من بين أهم القضايا الرئيسية مع  مصر

ويتابع: "ما فتئت البوارج الحربية التركية تغامر بالولوج لما تدعيه أنقرة بالمياه الزرقاء، شرق البحر المتوسط، الأمر الذي فاقم الأزمات مع الجيران الإقليميين، سواء قبرص أو اليونان، بينما عاشت أوروبا ودول المنطقة سنوات متتالية من القلق، على خلفية الصراع المحتدم مع تركيا، من جانب، واليونان وقبرص، من جانب آخر، وذلك حول حقوق الغاز والنفط في شرق المتوسط، بالإضافة إلى التوترات الأخيرة التي افتعلتها تركيا؛ وهي ليست بجديدة على أحفاد السلاطين العثمانيين. فقد سبق أن اندلعت ثلاثة نزاعات بين تركيا وقبرص واليونان، في الأعوام 1974 و1987 و1996، وكان السبب الأساسي لهذه النزاعات، هو الخلاف حول حقوق التنقيب عن الغاز والبترول في بحر إيجه، والسيادة على بعض الجزر".

وعرج أستاذ القانون الدولي على نشاط تركيا الإقليمي المحموم؛ حيث تحولت إلى "عنوان، متكرر وكئيب، يجثم على صدور الجميع، من خلال الأخبار التي تبثها وسائل الأعلام المختلفة بخصوص التطورات، السياسية والميدانية، في مناطق جغرافية متفاوتة، ليست بينها ثمة مشترك إلا التوغل التركي، ووطء الأقدام التركية بلدان المشرق المصاب بالجائحة العثمانية الجديدة، منذ نيف وخمسة قرون؛ حيث ما تزال تستبيح سيادة بلدان المنطقة، في الوقت الراهن، بينما تحاول الاستغلال الانتهازي والرخيص لثرواتها، وتتحكم في مقدراتها، في سوريا والعراق وليبيا والصومال".

السلطان الماكر والخاصرة الضعيفة

ويضيف: "استغل السلطان الماكر الخاصرة الضعيفة في شرق البحر المتوسط "قبرص"، رغم الاتفاق الدولي بين تركيا ومعها اليونان وبريطانيا، عام 1960، والذي يقضي بسيادة الأخيرة. ورغم أنّ ذلك الجيب الانفصالي "قبرص التركية" يثقل كاهل الاقتصاد التركي المتهالك، بفعل تدخلاته العسكرية السافرة في دول الإقليم، لكن السلطان لا يستطيع أن ينسحب من خزانته المرتقبة البترولية والغازية، فصار الباب العالي في إسطنبول يتولى دعم قبرص، مالياً واقتصادياً وكهربائياً ومائياً. وسبق لتركيا أن نفذت عدواناً عسكرياً غاشماً، عام 1974، على الجزيرة، كما عقدت الأولى مع "قبرص التركية" اتفاقيات بليل، وتحالفت تركيا تحالفات الأسد مع الفريسة، وروجت للعالم أنّها تبحث وتستكشف وتنقب وتنتفع في مياه دولة ذات سيادة على خلاف الحقيقة والواقع".

وعليه؛ تدفع تركيا بالأمور إلى التصعيد، سواء بالتصريحات العنيفة، التي تنطلق، بين الحين والآخر، أو بالتحركات العسكرية الخشنة في البحر المتوسط، وكذا البدء بالتنقيب عن الغاز  والبترول في مناطق التوتر مع اليونان، ربما لتعظيم المكاسب التي قد تتحقق عند الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فيما يخشى آخرون أن تنفلت الأمور وتخرج عن السيطرة، فتندلع مواجهات عسكرية غير محسوبة العواقب، بحسب سلامة، غير أنّ مصر واليونان وقبرص وإسرائيل قد رفضت الإذعان لشروط السلطان فيما يتعلق بتعيين الحدود البحرية مع تركيا، ويدرك المتابعون أنّ المواقف الملتبسة لتركيا التوسعية في البحر المتوسط، تحديداً، لن تفضي لثمار طيبة، فبعد أن عينت تركيا حدودها في البحر الأسود مع الاتحاد السوفيتي السابق وبلغاريا وجورجيا، بمقتضى القانون الدولي للبحار، وفي الصدارة من ذلك القانون اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، عام 1982، تراجعت عن المبادئ والقواعد التي وافقت عليها في البحر الأسود، ورفضتها في البحر المتوسط، بزعم أنّ ذلك الأخير له نظام خاص به.

"الميل إلى الاستبداد"

ودان رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داود أوغلو، السياسة التركية؛ حيث صرح بأنّ نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يجازف بالدخول في مواجهة عسكرية بشرق المتوسط؛ حيث إنّه يعطي للقوة أولوية على الدبلوماسية، كما انتقد بشدة ما وصفه بـ"الميل إلى الاستبداد"، والذي يبدو  واضحاً في ظل نظام الرئاسة الجديد في تركيا، ولذلك؛ اتهم أوغلو حكومة بلاده بإساءة إدارة الأزمة المتصاعدة في شرق البحر المتوسط .وقال إنّ أنقرة لديها تظلمات جادة بشأن أحقيتها في عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة في البحر وصولاً إلى ساحل تركيا على المتوسط، لكنّ النهج الذي يتبعه أردوغان ينطوي على خروقات شديدة، مضيفاً أنّه "للأسف حكومتنا لا تقدّم أداء دبلوماسياً لائقاً".

وفيما يتصل بمحاولات أنقرة التقارب السياسي مع القاهرة، وتخفيض التوترات والخلافات بين البلدين، فقد شهدت بدايات العام الحالي أوج مراحل التقارب بينهما، كما أنّ المشاورات التي وسمتها  الدولتان بـ "الاستكشافية" لم تفلح في حلحلة ملفات تعد محور الاسقطابات العميقة، بل والجذرية، بين البلدين، كما يوضح أستاذ القانون الدولي؛ إذ تعد مسألة دعم تركيا لقوى الإسلام السياسي، وتوفير ملاذات آمنة لعناصر من جماعة الإخوان، بينهم متورطون في أعمال عنف وإرهاب، من بين أهم القضايا الرئيسية بين  البلدين، فضلاً عن تقاطع ملف تعيين الحدود البحرية مع الاتفاقية غير  النهائية لتعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان عام 2020.

الوضع الليبي

وبخصوص الوضع الليبي الذي يتاخم بأحداثه ومستجداته السياسية الإقليمية والدولية ملف الغاز  وثروات شرق المتوسط، يوضح الأكاديمي المصري أنّ ليبيا تمرّ بمرحلة حاسمة ومفصلية في تاريخها؛ فبعد أن تجاوزت، بفعل ثورة عام 2011، مرحلة المعركة المسلحة التي أفضت إلى انهيار نظام حكم العقيد معمر القذافي، وانتصار إرادة الشعب في التغيير، هي الآن تعيش واقعاً جديداً مفعماً بالتطلعات من أجل مستقبل جديد ومستقر طالما حلم به الليبيون. فقد قدم الشعب الليبي ثمناً باهظاً لجهة الوصول إلى هذه المرحله النهائية والقلقة، كما دفع في سبيل ذلك أرواح ودماء الكثير من أبنائه، غير أنّ حجم التحديات والعراقيل سيكون، بلا شك، كبيراً، خاصة فيما يتعلق بالتحول المنشود إلى دولة ديمقراطية، والسؤال الأبرز الذي يطرح نفسه، الآن: هل ستكون الانتخابات في حال حدوثها سبيلاً حقيقياً لتحول ديمقراطى سليم؟

ويختتم: "التدخلات الخارجية في ليبيا تعكس مخاطر جمة على الأمن القومي المصري، وقد تسببت حالة عدم الاستقرار في البلد الواقع بشمال أفريقيا إلى زيادة نشاط المجموعات الإرهابية عبر الحدود المشتركة، وتهريب كمية كبيرة من الأسلحة والمخدرات لمصر؛ الأمر الذي أدى لانتشار الجريمة، بأشكالها كافة، على نحو كبير. ويضاف لذلك، المشاكل الاقتصاديه التي قد تلحق بالاقتصاد المصري جراء الأحداث غير المستقرة في ليبيا، لا سيما مع انخفاض التبادل التجاري، أو فقدان مئات الآلاف من العمالة المصرية الموجودة هناك، بالتالي، يتعين على القاهرة أن تظلّ تؤدي أدوراً فاعلة ودقيقة في إدارة الملف الليبي، وألا تسمح بأن تتم أيّة عمليه تسوية في ليبيا بعيداً عنها، وذلك لأهمية الملف وارتباطه المباشر بالأمن القومي لبلادنا.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية