أشهر أفلام عالجت صراعات الصحافة والسياسة

السينما

أشهر أفلام عالجت صراعات الصحافة والسياسة

مشاهدة

04/11/2018

كتب صحفي أمريكي: "النخبة تعطينا وهم حرية الاختيار لكنها تتحكم في كل الخيارات. إنها تُخيرنا بين خمسمائة قناة تلفزيونية لكنها جميعاً تُعيد الكلام نفسه، إنها تُخيرنا بين مئات المرشحين السياسيين لكن اختيارنا لا يؤثر في شيء لأنّ كلا الطرفين (الجمهوري والديمقراطي) جرى شراؤهما وتمويلهما من نفس الأشخاص..".

في هذا السياق ظهرت مؤخراً مجموعة من الأفلام التي تعالج هذه القضية الجدلية بين الإعلام والسياسة من بوابتي التواطؤ أحياناً أو الاصطدام في أحيان كثيرة، وهي تكشف في معظمها وهم حرية الإعلام حتى في أهم الديمقراطيات المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعرض (حفريات) أبرز الأعمال التي عالجت هذه القضايا استناداً إلى قصص حقيقية معروفة.

نقطة ضوء على الحقيقة

تدور أحداث فيلم الدراما الوثائقي (Truth 2015) أثناء الحملة الانتخابية لبوش الابن لفترة رئاسية ثانية، في 2004، عندما يخفق فريق برنامج (60 دقيقة) على شبكة CBS في إثبات صحة وثيقة تشير إلى أنّ الرئيس بوش الابن حظيَ بمعاملة خاصة في الجيش عندما كان برتبة ملازم في بداية السبعينيات. كتب الفيلم وأخرجه جيمس فاندربيلت عن كتاب ماري مابس، واشترك في بطولته كيت بلانشيت في دور ماري مابس وروبرت ريدفورد في دور دان راذر.

في الفيلم يوجه الصحفي الشاب مايك سؤالاً لدان: "ما الذي جعلك تدرس الصحافة؟" يجيب دان: "الفضول". يعيد دان طرح السؤال نفسه على مايك فيجيب: "أنت- الذي جعلني أدرس الصحافة". بسبب غياب الوثيقة الأصل يفشل الفريق في إثبات الحقيقة، لكن الحقيقة ظاهرة في عنوان الفيلم وفي الأحداث التي توحي بثبوت التهمة لولا الأيادي الخفية التي حالت دون ظهور الوثيقة الأصلية.

ظهرت مؤخراً مجموعة من الأفلام جدلية العلاقة بين الإعلام والسياسة من بوابتي التواطؤ أو الاصطدام

لم يتطرق الفيلم إلى دوافع الفريق، هل كان البحث عن الحقيقة، أم أنّ جهة ما كانت تقف وراء التحقيق؟ ولماذا تم تحريك القضية أثناء الحملة الانتخابية الثانية وليس الأولى؟! وبعد مرور أربعة عقود على وقوعها؟! الإجابات عن بعض هذه الأسئلة مضمَّنة في الفيلم بلغة فنية، في إشارة إلى علاقة الصحافة بالمنافسة السياسية وإلى تبعية الصحافة للسياسة وإلا لكانت القضية قد أُثيرت في حينه.

وتدور أحداث الفيلم الدرامي الوثائقي (Spotlight 2015) في العام 2001، عندما ينجح فريق سبوتلايت في جريدة بوسطن جلوب – أقدم وحدة صحافة استقصائية في الولايات المتحدة- في الكشف عن أكبر فضيحة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، ينجز الفريق تحقيقاً حول الاعتداءات الجنسية المرتكبة بحق الأطفال من قبل عدة قساوسة كاثوليك في أبرشية بوسطن، وهي الفضيحة التي أدت إلى استقالة الكاردينال برنارد لو.

تشير أحداث القصة إلى محاولات سابقة للكشف عن هذه القضية في الصحافة لكن الكتابات عنها لم تجد الاهتمام الكافي، يعترف والتر روبنسون لزملائه في فريق سبوتلايت أنّ المحامي إريك ماكليش سبقَ أن أرسل له في العام 1993 قائمة تضم عشرين قسيساً يتحرشون بالأطفال لكنه، أي الصحفي روبنسون، لم يتابع القضية! هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لم يتابع روبنسون القضية في 1993 وتحمس لها العام 2000؟ أين كانت حرية الصحافة والمسألة الأخلاقية وقتها؟ وما الذي جعل محاولة سبوتلايت تنجح هذه المرة؟ أهو التوقيت أم أنّ هناك ظروفاً أخرى وصراعات خفية أسهمت في إثارة القضية ونجاحها، الظاهر، كما تشير أحداث الفيلم، أنّ فتح الملف بشكل موسع وحذِر أتى في سياق المنافسة مع الصحف الأخرى وتولِّي مدير تحرير جديد للفريق.

يلمح فيلم (truth) إلى علاقة الصحافة بالمنافسة السياسية وإلى تبعية الإعلام للسياسة أحياناً

وفي فيلم السيرة والدراما التاريخية (The Post 2017) إخراج ستيفن سبيلبرغ وبطولة ميريل ستريب بدور مالكة صحيفة واشنطن بوست كاي جراهام، وتوم هانكس بدور الصحفي بن برادلي، تدور أحداث العمل في أوائل السبعينيات، عن خداع الحكومة للشعب الأمريكي حول حقيقة الوضع في فيتنام. كان وزير الدفاع روبرت ماكنمارا 1966 يدرك أنّ الحرب في فيتنام ميئوس منها، وقد كتب دراسة طويلة حولها، دانييل ايلسبرغ -وهو محلل عسكري في وزارة الخارجية الأمريكية أثناء الحرب في فيتنام- كان يعلم بهذه الحقيقة أيضاً، وقد شاهد تضليل ماكنمارا للصحافة وقتها، لكنه لم يسعَ لكشف الحقيقة إلا بعد أعوام حين قام بتصوير تقارير سرية عن تورط أمريكا في الحرب في فيتنام وتسريبها لصحيفة نيويورك تايمز أولاً ثم لصحيفة واشنطن بوست.

وسبب تردد كاثرين غراهام في نشر الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة، عبر ايلسبرغ، هو خوفها من عواقب النشر ومن توجيه تهم جنائية كما تشير إلى ذلك صراحة قصة الفيلم، لكن جراهام تقرر النشر؛ لأنّ عدم النشر كان سيضعها في موقف حرج مع منافستها نيويورك تايمز التي سبقتها، وقبل ذلك مع جمهورها في حال عَلِمَ أن الصحيفة حصلت على الوثائق ولم تنشرها، بحسب ما ألمحت إليه قصة الفيلم.

يطرح فيلم(Spotlight)  تساؤلات عن تأخر الكشف عن أكبر فضيحة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية

ينتهي الفيلم لصالح حرية الصحافة، بعد أن أخذت القضية بُعداً أكبر وتضامنت الصحف في جميع أنحاء البلاد بإعادة نشر القصة، مما دفع القضاء للحكم لصالح الصحافة في هذه القضية، وهو ما يشير إلى الدور الذي يحققه تضامن الصحف مع بعضها من أجل حرية الصحافة.

المثال الأبرز لتوضيح علاقة السياسة بالصحافة والتنافس الحزبي والوظيفي هو فيلم السيرة والدراما الوثائقية (مارك فليت – الرجل الذي أسقط البيت الأبيض) 2017، يتحدث الفيلم عن مارك فليت (ليام نيسون)- المدير المساعد لمكتب التحقيقات الفيدرالي- وتسريبه معلومات للصحفيَين بوب وودوارد و كارل بيرنشتاين، عن تجسس الرئيس نيكسون على منافسه الحزب الديمقراطي 1972، وهي المعلومات التي كانت وراء فضيحة (ووترجيت) وأدت إلى الإطاحة بنيسكون واتهام أكثر من 24 شخصاً في إدارته.

اقرأ أيضاً: السينما السورية: كيف واجه الفن سطوة السياسة؟

أشارت قصة الفيلم إلى أن مارك فليت، باسمه المستعار (الحنجرة العميقة)، لم يقم بالتسريب لدواعٍ أخلاقية ولا لإيمانه بحرية الصحافة، بل بسبب تدَخُّل البيت الأبيض في شؤون مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي كان حتى ذلك الوقت مستقلاً. كما أنّ مارك كان يطمح لتولي إدارة المكتب، بعد وفاة المدير السابق، لكن البيت الأبيض فرض مديراً آخر وبذلك أفقد المكتب استقلاليته وهذا ما أزعج مارك فليت ودفعه لتسريب المعلومات.

ويكيلكس يستفز السينما

تسريبات جوليان أسانغ المثيرة للجدل عبر موقعه الشهير ويكيليكس يمكن اعتبارها من الاستثناءات القليلة لحرية العمل الصحفي بأشكاله المختلفة، ومنذ شيوع هذه التسريبات تم إنتاج عدة أعمال عن حياة أسانج، منها الفيلم الوثائقي، Mediastan – 2013، يتحدث عن إرهاصات التسريبات، وفيلم Risk - 2016، وثائقي يتحدث عن رئيس تحرير ويكيليكس جوليان أسانغ كما تراه مخرجة الأفلام الوثائقية لورا بويتراس، ومنها الأفلام الدرامية الوثائقية، مثل Underground: The Julian Assange Story ، فيلم سيرة بقالب درامي عن حياة جوليان أسانج المبكرة، وفيلم The Fifth Estate ، فيلم دراما وإثارة يستند إلى أحداث حقيقية تكشف السعي نحو فضح خداع وفساد السلطة.

اقرأ أيضاً: كيف تناولت السينما المصرية تأثيرات هزيمة 67؟

في فيلم ميدياستان يُبدي أسانج استغرابه من حذف صحيفة الغارديان لكمية مهمة من برقيات الحكومة الأمريكية التي قدمها أسانج للصحيفة، ويجيب المخرج يوهانس واهلستروم: "إن النقطة التي أراها هي أنّ هناك حدوداً لحرية التعبير بالطريقة نفسها التي توجد حدود لأفكارنا ولغتنا، هذه الحدود تبدو مختلفة من بلد لآخر، لكنها موجودة دائمًا بطريقة أو بأخرى، وتسمى إما الرقابة على المطبوعات أو الامتثال أو الرقابة الذاتية أو أياً ما تكن، ونحن لدينا فرصة فريدة لإظهار مكان هذه الحدود".

وفي فيلم The Fifth Estate يقول أسانغ: "إذا أردت الحقيقة فلن يقولها لك أحد، سيقولون لك نسختهم المعدلة، لذلك إذا كنت تريد الحقيقة فعليك أن تبحث عنها بنفسك.. لا يمكنك الذهاب بعيداً في هذا العالم بالاعتماد على الناس، الناس أوفياء للسلطة حتى تسنح لهم الفرصة كي لا يكونوا كذلك.. إن منحت المرء قناعاً سيقول لك الحقيقة، لكن إن استطعنا العثور على رجل واحد أخلاقي، مخبر واحد على استعداد لكشف كل هذه الأسرار، يمكن لهذا الرجل إسقاط أقوى وأكثر الأنظمة قمعاً... يلزمنا شيئان لتغيير العالم، وسوف تتفاجأ بعدد الأشخاص الذين لديهم أفكار جيدة. لكن، الالتزام الحقيقي، هذا أمر شاق يتطلب التضحية". وفي الفيلم يفتح نِك ديفيس باباً للأمل فيقول مُحذراً: "على طغاة العالم أن يحترسوا، لدينا القدرة على المطالبة بالمعلومات التي ستجرفهم قريباً ذات يوم".

سنودن وصحوة الضمير

وفي فيلم السيرة والدراما (سنودن) 2016، من إخراج أوليفر ستون ويقوم جوزيف جوردان ليفيت بدور سنودن. يتحدث الفيلم عن تسريبات الموظف في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن لصحيفة الغارديان وواشنطن بوست العام 2013.

قام سنودن بتسريب آلاف الوثائق السرية عن تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكية على مواقع التواصل وعن استعمال الوكالة لبرنامج (بريزم) لجميع بيانات المستخدمين من مايكروسوفت وجوجل وفيسبوك وسكايب وغيرها من الشركات الكبرى، والتجسس على دول أخرى وعلى حوالي 122 من زعماء العالم، الفيلم عنوان لصحوة الضمير ولقدرة الفرد على تقويض منظومة السلطة، يقول سنودن: أعتقد أنّ أعظم حرية نلتها هي حقيقة أنني لن أكون مضطراً للقلق عما سيحدث غداً، لأنني سعيد بما قمت به اليوم".

الصفحة الرئيسية