أطفال من غزة لـ"حفريات": كنا نتمنى استمرار ساعات النهار

أطفال من غزة لـ"حفريات": كنا نتمنى استمرار ساعات النهار

مشاهدة

27/05/2021

حياة سوداوية وظروف نفسية صعبة ما تزال تعيشها الطفلة رسل بركات (14 عاماً)، من حيّ أبراج الندى شمال قطاع غزة، بعد أيام على انتهاء الحرب الاسرائيلية على غزة، التي استمرّت أحد عشر يوماً، حيث ما تزال تعاني على إثرها أوضاعاً سلوكية ونفسية متأزمة، منذ فقدانها والدها وتدمير منزل عائلتها خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع عام 2014.

اقرأ أيضاً: جولة لوزير الخارجية الأمريكي لتثبيت الهدنة في غزة... وهذا رد نتنياهو

تقول بركات، في حديثها لـ "حفريات": "الحرب نذير شؤم، بعد أن تركت جرحاً غائراً لدي، حيث قصف جيش الاحتلال منزلنا، وهو ما اضطرنا للذهاب إلى إحدى مدارس وكالة الغوث، والمكوث داخلها اعتقاداً من والدي وقتها أنّها أكثر أماناً، ولن يجرؤ العدو على قصفها، إلا أنّ الحقيقة كانت مغايرة، فبعد عدة أيام فقط من لجوئنا إليها، وفي ساعات المساء، أثناء محاولتنا الخلود للنوم سقطت قذيفة على مدخل الفصل الذي نأوي بداخله وعائلتي، ما أدّى إلى استشهاد والدي، وإصابة والدتي بجروح متوسطة، وإصابتي أيضاً بشظايا بالرأس".

حياة سوداوية وظروف نفسية صعبة

ووفق إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة؛ فإنّ عدد الشهداء وصل إلى 253 شهيداً، منهم 66 طفلاً و39 سيدة و17 مسناً، فيما وصل عدد الإصابات إلى 1948، بجراح مختلفة.

اقرأ أيضاً: هل ستكون حرب غزة مقدمة لسلام حقيقي مع الفلسطينيين؟

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"؛ هناك 326 ألف طفل في قطاع غزة مسجلين لديها، وبّينت المنظمة أنّه قبل التصعيد الإسرائيلي الأخير على القطاع كان طفل من بين كلّ 3 أطفال في غزة في حاجة إلى الدعم النفسي لمساعدتهم في التعامل مع ما يتعرضون له في حياتهم اليومية من عنف وضغط وخوف، بسبب الوضع والحصار الإسرائيلي للقطاع، ولا شكّ في أنّ هذا العدد ازداد بشكل كبير خلال الأيام الماضية".

الطفلة رسل بركات لـ"حفريات": ما نزال نتخذ من إحدى مدارس الأونروا ملجأ لنا، لحين إعادة إعمار منزلنا للمرة الثانية خلال أقل من 7 أعوام

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، في 20 أيار (مايو)، إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين، معتبراً أنّ قطاع غزة بمثابة "جحيم على الأرض" للأطفال.

وقال غوتيريش: "إذا كان هناك جحيم على الأرض، فإنّه حياة الأطفال في غزة اليوم"، مضيفاً أنّه "سيطلق نداء إنسانياً للتمويل في أقرب وقت ممكن".

أوضاع نفسية صعبة

وتقول بركات "منذ فقدان والدي وإصابتي، والتي تطلبت متابعة صحية مكثفة، عانيت أوضاعاً نفسية صعبة؛ إذ إنني لا أستطيع النوم جيداً خلال ساعات الليل، وأعاني من تشنجات عضلية في الساقين واليدين، والصراخ اللاإرادي بشكل مستمر، بعد أن شاهدت بعيني الدماء والدمار والأشلاء التي كانت تتناثر في مختلف أركان المدرسة التي كنت أتواجد بها وعائلتي خلال الحرب الماضية".

غوتيريش: "إذا كان هناك جحيم على الأرض، فإنّه حياة الأطفال في غزة اليوم"

وأكدت بركات؛ أنّ "الحرب الأخيرة زادت وضعها النفسي سوءاً، بعد مشاهد الدمار والقتل التي جرت، والتي لم تستثنِ كبيراً أو صغيراً، حتى وصل الأمر إلى أنّها تخشى الذهاب إلى الحمام وحدها، إلا بصحبة والدتها، خوفاً من قصف منزل عائلتها وتدميره فوق رؤوسهم"، مبينة أنّها "لا تريد أن تموت، وتتمنى أن تعيش بسلام وأمان، حتى لا يكون مصيرها كالعديد من الأطفال الذين تمّ قصفهم، وهم يلهون في الشوارع والطرقات، أو الذين انتهت حياتهم تحت ركام منازلهم".

اقرأ أيضاً: هل أجبر التصعيد في غزة بايدن على إعادة ترتيب أولوياته في الشرق الأوسط؟

وأوضحت بركات: "كنت وأخوتي نتجهز للاحتفال بعيد الفطر كبقية أطفال العالم، واعتقدت للوهلة الأولى أنّ العيد سيمرّ بسلام، إلى أن خابت ظنوني بعد نشوب الحرب وسماع أصوات القذائف، والتي باتت تنهال على كافة مناطق القطاع، حيث عادت مشاهد القصف التي عايشتها خلال الحرب السابقة إلى ذهني مجدداً، بعد أن تمّ تدمير منزلنا والمنطقة المحيطة بشكل كامل، ونحن الآن ما نزال نتخذ من إحدى مدارس الأونروا ملجأ لنا، لحين إعادة إعمار منزلنا للمرة الثانية خلال أقل من 7 أعوام".

الخشية من الموت

نورس اليازجي، من حي النصر بمدينة غزة، تتحدث بصوت خافت عن معاناتها خلال الحرب، وتقول: "كنت جالسة بجوار والدتي مساءً، والتي كانت تحاول أن تهدأ من روعي وأشقائي، بعد موجة من القصف والانفجارات المتتالية، وإذ بصوت انفجار كبير يقع على مقربة من منزلي، نجم عنه تطاير زجاج النوافذ وبعض الحجارة بداخله، وعند خروجنا من المنزل كان الجميع يهرع مسرعاً، هرباً من أن يقصف المكان مجدداً".

اقرأ أيضاً: ما موقف حماس من إشراف السلطة الفلسطينية على إعادة إعمار غزة؟

وتضيف اليازجي (13 عاماً) لـ "حفريات": "طائرات الاحتلال قصفت منزل جيراننا على رؤوس ساكنيه، دون سابق إنذار، حيث كان سكان الحي يصرخون بصوت عالٍ، وكأنّ يوم القيامة قد حان، في محاولة لإنقاذ من يمكن أن يكون على قيد الحياة من تحت الركام".

الأطفال في غزة هم أكثر ضحايا الحرب، حتى إن لم يتعرضوا للإصابة الجسدية المباشرة

وتابعت: "كنت دائماً أدعو الله أن يطول النهار، وألا يأتي الليل، الذي كان لا يحمل معه سوى الدمار والقتل والخوف، وأصوات القصف العنيفة والتي كانت تتركز في ساعات الليل والفجر، حيث كنت أستلقي على فراشي وأنا أرتجف من شدة الخوف، ولا أستطيع أن أغمض عيني إلا بعد انقشاع سواد الليل والظلام، كي أستطيع أخذ قسط يسير من الراحة لا يتعدى بضع ساعات قليلة، قبل أن يعود مسلسل القصف من جديد".

استشاري الصحة النفسية محمود جحجوح لـ"حفريات": التأهيل النفسي للأطفال ليست مهمة مستحيلة، لكنّها تحتاج إلى المزيد من الوقت، نظراً لتكرار الأزمات والحروب

وأوضحت أنّه "في كلّ مرة كانت تسمع فيه صوت الطائرات، كانت تراودها الأفكار بأنّ القصف سيأتي على منزلها في هذه المرة، وأنّها سوف تموت، وأهلها، بعد أن أتى القصف على مناطق ومنازل واسعة في محيط بيتها"، مشيرة إلى أنّها "ما تزال تعاني من حالة نفسية صعبة، بعد أن أصبحت الكوابيس والأحلام المزعجة تلاحقها كلّ ليلة، من شدة الخوف والرعب الذي كان ينتابها وخشيتها من الموت".

الأطفال أولى ضحايا الحرب

بدوره، يرى استشاري الصحة النفسية، محمود جحجوح، خلال حديثه لـ "حفريات": أنّ "الأطفال في غزة هم أكثر ضحايا الحرب، حتى إن لم يتعرضوا للإصابة الجسدية المباشرة، إلا أنّ الإصابة النفسية تكون الأهم والأكبر أثراً عليهم، حيث ترافقهم نتائجها المأساوية طيلة فترات حياتهم"، موضحاً أنّ "انفصال الأطفال عن عائلاتهم بسبب ما تتركه الحروب عليهم، من شأنه جعلهم أكثر عرضة لمخاطر الاستغلال والاهمال، وسوء المعاملة، والتبني غير المشروع أو الاتجار بهم، إضافة إلى إصابتهم بالاكتئاب، واليأس والإحباط والتمرّد والعنف والتبول اللاإرادي، وكذلك تدنّي تحصيلهم الدراسي، وعدم شعورهم بالأمان".

محمود جحجوح

ولفت إلى أنّ "معاصرة الأطفال لأجواء الخوف والعنف ومشاهد القتل وقصف المنازل، يخلق في نفوسهم صدمة تفوق درجة استيعابهم لتلك الصدمات، والتي من شأنها أن تفقدهم الشعور بالأمان، وهو ذلك الشعور الذي يعدّ حاجة أساسية لنمو الطفل نفسياً ومعرفياً، حيث يجعل تكرار المعارك والقصف العلاج النفسي طويل الأمد، لتكرار المشاهد الصادمة ومعايشة ظروف الفقد مرة أخرى، تحديداً عند الأطفال الذين يفتقدون أسرة تعجز عن معالجة أزماتهم المركبة".

عمالة الأطفال

وتابع جحجوح: "خلال الأزمات والحروب تزداد عمالة الأطفال، الذين فقدوا عائلاتهم، للخروج نحو سوق العمل بحثاً عن الرزق، وذلك نتيجة لغياب أشكال الرعاية والحماية لهم بشكل كبير، وهو الأمر الذي يتطلب تكثيف الجهود لتوفير الحماية الشاملة لجميع الأطفال، لعدم جعلهم عرضة للاستغلال والابتزاز أثناء الحروب وبعدها".

اقرأ أيضاً: الأسئلة الصعبة المسكوت عنها لما بعد الحرب المدمرة على غزة

وبين استشاري الصحة النفسية؛ أنّ "التأهيل النفسي للأطفال ليست مهمة مستحيلة، لكنّها تحتاج إلى المزيد من الوقت، نظراً لتكرار الأزمات والحروب، وتشابه الذكريات المؤلمة والصادمة لديهم، وارتباط تقديم الخدمات النفسية والعلاجية والاجتماعية بالمؤسسات الدولية"، مؤكداً أنّ "الإسعاف النفسي الأولي ضروريّ ومهمّ لتحديد حجم الاضطرابات والمشكلات السلوكية عند الأطفال، للبدء في علاجهم وتجنّب تفاقم المشكلات النفسية لديهم".

الصفحة الرئيسية