أمير العمري: الكاميرات الرقمية خلصت المخرجين الشباب من التبعية، ولكن...

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
1819
عدد القراءات

2018-08-07

أجرت الحوار: منى يسري


قال الكاتب والناقد السينمائي أمير العمري إنّ السينما المستقلة في مصر والوطن العربي هي خطوة للأمام في تطور هذا الفن السابع الذي لازال خافت الحضور في البلدان العربية، إلّا أنّ تلك الخطوة متعثرة المضيّ بسبب افتقادها لمنهجية واضحة، والضباب الذي يواجه طريقها، بسبب علاقات الإنتاج القائمة والتي تتحكم في مصير وعي ووجدان شعوب بأكملها.

وأضاف العمري، الناقد ورئيس تحرير مجلة “عين على السينما” الصادرة من لندن في حواره  مع"حفريات" أنّ السينما المستقلة في عالمنا العربي لا زالت غير محددة اللغة والهوية، العديد منها منقول من تجارب غربية لا تستطيع التواصل مع الجمهور، وهو ما يفقدها فرص النجاح، غير افتقادها للقضية التي تشغل بال صناعها، ولأنّها لون من ألوان التمرد على الأنماط العتيقة، فبالأحرى على أصحابها أن ينشغلوا بهموم وقضايا مجتمعاتهم للتعبير عنها كما يحب أن يراها الجماهير، ومن هنا تبدأ الانطلاقة.

ليس كل ما ينتج من أفلام مستقلة جيد فنياً بل هناك أفلام ضعيفة المستوى فالانحياز يكون أساساً للفيلم الجيد

العمري كاتب وناقد سينمائي، حيث درس الصحافة والتلفزيون في لندن، ويحرر قسم السينما بصحيفة "BBC Arabic" ونشرت مقالاته في العديد من الصحف العربية (القدس العربي، الحياة، السفير، وغيرها) كما شغل مناصب رئيس جمعية نقاد السينما المصريين عام 2001، وترأسّ مهرجان الإسماعيلية الدولي للفيلم التسجيلي، وشغل عضوية لجان تحكيم العديد من المهرجانات الدولية والعربية كمهرجان كان السينمائي الدولي ومهرجان لوكارنو في سويسرا، كما نشرت له عدة دراسات بالإنجليزية والإسبانية، وله العديد من المؤلفات السينمائية باللغة العربية منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وكان آخرها "سينما الخوف والقلق" عام 2013، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية.

وهنا نص الحوار:


هل السينما المستقلة حديثة النشأة، أم أنّ لها جذوراً بعمر السينما؟ 

تعبير السينما المستقلة تعبير إشكالي؛ فأنا أرى أن هناك خلطاً بين الاستقلال عن التقاليد العتيقة التي تخضع لها "أفلام السوق" التجارية المصرية التي تُصنع بهدف التسلية وتحقيق الأرباح فقط (أفلام الحدوتة والمغامرة المفتعلة والقصص الهزلية) ولا تسمح لصانعيها بالبحث عن أسلوب جديد أو هامش من "التجريب"، وبين الاستقلال عن نظام الإنتاج والتوزيع السائد، وبمعنى ما، الاستغناء أيضاً عن السوق، بما يعني في النهاية -عملياً- الاستغناء عن الجمهور. فهل الإستقلال عن السوق الذي يفرض نظاماً للنجوم لترويج الفيلم وضمان درجة ما من الإقبال الجماهيري عليه هو عيب في حد ذاته؟ أم من الممكن الاستفادة منه في دعم تجارب السينما المستقلة، ودعم وجود نوع آخر من الممثل الذي لا يتمتع بالنجومية، إلى جانب الممثل النجم صاحب الجاذبية؟ من متابعتي لمعظم ما كتب عن "السينما المستقلة" أكاد لا أعثر على شيء يتجاوز ما سبق أن طرحته "جماعة السينما الجديدة" في مصر أواخر الستينيات من القرن الماضي.

كبار السينمائيين في هوليود يستخدمون كاميرا الديجيتال بأفلامهم دون أن يقال إنها مستقلة

ربما اختلف الأمر كثيراً عن الستينيات بفضل التكنولوجيا، أليس كذلك؟

بالطبع وكيف لا. فالجيل الحالي من صناع هذا النوع من الأفلام أسعد حظاً بوجود كاميرا الديجيتال الرقمي، لكن كبار السينمائيين (في هوليود أيضاً) يستخدمون اليوم كاميرا الديجيتال في تصوير أفلامهم دون أن يقال إنها مستقلة عن هوليود، لأنها تخلصت من عبء وتكاليف الكاميرا السينمائية. قد يكون هناك ما يجمع بين الأفلام "المستقلة" التي ظهرت خلال السنوات العشر الأخيرة في مصر، من إخراج مجموعة من شباب السينمائيين يتمثل هذا أولاً في محاولة تقديم قراءة سينمائية جديدة للواقع ولو عن طريق صنع "واقع آخر بديل"، وتصوير الفقر وسكان الهوامش والشباب المتمرد والمحبط.

إذاً، ما لب المشكلة التي تواجه هذا القالب السينمائي الجديد؟

إنّ مشكلة السينما المستقلة لا تكمن فقط في غياب الرؤية أو المشروع النقدي النظري الذي يقدم إطاراً نظرياً متماسكاً لها، بل في غياب منهج واضح في التعامل مع الصورة، مع الفيلم كشكل، كلغة تعبير، كأسلوب يستند إلى ثقافة مجتمع ذي ملامح خاصة مختلفة عن غيرها.
فكثير من أفلام المستقلين تبدو متأثرة تأثراً يقترب من النقل أحياناً، بتجارب سينمائية في بلدان أخرى شديدة الاختلاف: في اللغة التي يتحدث بها الناس، في العلاقة العضوية بين الأفراد والمجاميع، في طريقة النظر والحديث وإيقاع الحركة.

هذه المشكلات التي تواجه السينما المستقلة ما سببها، ولماذا أصبحت تحظى بحضور في المحافل الدولية أكثر من غيرها من الأفلام التجارية؟

الأفلام الجيدة هي التي تتخلص من التقليدية. وما تفيض به السينما المصرية عموماً من ميلودرامية ومبالغات ورقص وغناء وتهريج من دون أي مناسبة في خليط ساذج تجاري أقل مستوى من الفيلم الهندي الشعبي، هو ربما ما يجعل المهرجانات تقبل مثل هذه الأفلام الجيدة التي يصنعها بعض المخرجين الشباب الذين تخلصوا من هذه القيود التقليدية، مثل أحمد عبد الله إبراهيم البطوط وأبو بكر شوقي وهالة القوصي وعمرو سلامة وغيرهم.. لكن المشاركة في المهرجانات لا ترتبط فقط مستوى الفيلم بل بالقدرة على تسويقه في المهرجانات الدولية، وهي مسألة غير منظمة ولا تتم بشكل علمي، بل اعتماداً على المراسلات الشخصية.. لذلك فشل فيلم رائع مثل فيلم "خارج الخدمة" في الوصول الى المهرجانات الكبرى في العالم، ونجحت أفلام أخرى أقل مستوى في الوصول والحصول على بعض الجوائز أيضاً. وهذه هي المفارقة! المشكلة أن إغواء العرض في المهرجانات السينمائية أصبح متاحاً لأي صاحب فيلم يعرف كيف يستخدم الإنترنت، لكنه ليس بديلاً عن الوصول إلى الجمهور الحقيقي خارج نطاق دائرة الأصدقاء المحدودة في منتديات وسط العاصمة.

المخرجة المصرية المستقلة، هالة القوصي
وهل ترى أنّ ظهور هذا النوع المتمرد من السينما هو خطوة للأمام، أم أنّه فتح الباب كذلك أمام نوع آخر من الرداءة السينمائية ولكن بثوب مستقل؟

بالطبع هو خطوة إلى الأمام، لكن من المؤكد أنّ ليس كل ما ينتج من أفلام "مستقلة" جيد فنياً، بل هناك أفلام ضعيفة المستوى، فالإنحياز يكون أساساً، للفيلم الجيد حتى لو كان "تقليدياً" في بنائه، أو يعتمد على النجوم أو على ميزانية كبيرة نسبياً، وليس للفيلم "المستقل" حتى لو كان رديئاً. وهنا بالطبع أفلام مستقلة رديئة وفاشلة لكن التقييم يعتمد على وجود تيار نقدي واعٍ وحركة نقدية. والمشكلة أنّ هناك بعض النقاد، لكن ليست هناك حركة تواكب السينما المستقلة وتؤمن بقضيتها وتنير لها الطريق، والملاحظ أنه أصبح لدينا المخرج الذي يصنع الفيلم، ثم يطارد من ينتقدونه ويرد عليهم، وهي ظاهرة مضحكة بالطبع، كما أنّ المخرجين يكتبون عن أفلامهم، ويمدحون أفلام أصدقائهم، ويتهجمون على أفلام غيرهم بأسلوب سوقي، بعد أن يسرت وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وغيره، الكتابة للجميع وبلغة سوقية هابطة، وأحياناً مليئة بالشتائم.

فشل فيلم "خارج الخدمة" في الوصول للمهرجانات الكبرى ونجحت أفلام أقل مستوى

في ضوء ذلك، هل تستطيع الحركة النقدية الجيدة إصلاح ما أفسدته جهات الإنتاج ودفع استقلال السينما قدماً؟

بالطبع، إنّ أول ما نلاحظه في هذا المجال غياب ارتباط صناع الأفلام "المستقلة" بحركة نقد سينمائي تمتلك القدرة على وضع أساس نظري، أو حتى تسعى بشكل حقيقي إلى الدخول في جدل حقيقي نقدي مع الأفلام الجديدة التي تظهر، ومحاولة تقويمها بعيداً عن اللغة الاحتفالية المغالى فيها التي تغلب للأسف، على ما يكتب من نقد في هذا المجال، خصوصاً مع إغراء فكرة حصول بعض هذه الأفلام على جوائز المهرجانات المحلية والدولية، الأمر الذي يعده هؤلاء انتصاراً وطنياً.
هناك أيضاً خلط كبير في المفاهيم يسود ما يُطرح على استحياء أحياناً، سواء من خلال ما يكتب من نقد، أو من خلال أحاديث مخرجي هذا النوع من الأفلام، وهم يقدمون أفلامهم في الإعلام، أو في المهرجانات التي أصبحت تتهافت على إبراز أي فيلم يقال إنه ينتمي لـ"السينما المستقلة" للتباهي بدعم الجديد المختلف، وفي كثير من الأحيان بغض النظر عن مستواه الفني، وهي بالطبع مشكلة أخرى.

ولكن لماذا اتجه بعض مخرجي الواقعية الجديدة في منتصف وأواخر التسعينيات إلى تجارب مستقلة على الرغم من نجاحهم تجارياً مثل تجربة كليفتي لمحمد خان، لماذا اختاروا هذا المسار، وما هو أثره على الأجيال اللاحقة؟

السبب إحجام المنتجين عن تمويل أفلام متخلصة من التراث التقليدي العتيق وتعبيرها المستقل عن رؤية الفنان ونظرته للعالم.. ولاشك أنّ هذه التجارب شجعت الشباب على الاستقلال عن السوق في صنع أفلامهم لكن لا يجب أن ننسى أنّ هذا كله لم يكن ليحدث لولا ظهور وانتشار ورخص أسعار الكاميرات الرقمية، التي مثلت حلاً سحرياً أمام الفنانين الشباب لتحقيق أحلامهم، كذلك ظهور الجهات المانحة التي تدعم شباب السينمائين المستقلين، كانت طوق نجاة للكثيرين من قيود السوق وإشكاليات العرض والطلب.

محمد خان، مخرج سينمائي مصري بريطاني

هل ترى أن ظهور جهات مانحة هو أمر جيد أم ربما قد يزيد من تسليع الفن؟

كان رأيي الشخصي ولايزال، أنّ العبرة بما يتقدم به السينمائي وما يرغب في تحقيقه، فإذا قبلت أي جهة دعم فيلم ما دون أن تطلب أي تنازل من مخرجه ودون أن يكتب صاحب الفيلم مشروعه أصلاً ويتقدم به وعينه على أنماط معينة يعتقد أنها سترضي جهات التمويل وتسيل لعابها، فلا تثريب ولا حرج، ولكن المشكلة أنّ الكثير من السينمائيين العرب تحديداً يتقدمون طواعية بالتنازلات مسبقاً للحصول على التمويل. ورأيي أيضاً أنه لم يعد هناك تمويل من طرف واحد أو سينما "وطنية" تماماً مع وجود الأفلام التي تمول من جهات متعددة تشمل عدداً من محطات التلفزيون من اليابان وأوروبا ومن الداخل ومن شركات سينمائية وجهات حكومية، وهنا ليس من الممكن القول بتبعية الفيلم المنتج فكرياً لجهة ما واحدة محددة، بل ربما تتلاقى هذه الأطراف، وتتفق دون أي ترتيب، على شكل فني معين طموح تدعمه وتروج له كبديل لما هو سائد ومتخلف.

فيلم "كليفتي" للمخرج محمد خان

اقرأ المزيد...

الوسوم: