أنور السباعي: هل علينا إقامة خلافة إسلامية علمانية لنرضي الجميع؟!

أنور السباعي: هل علينا إقامة خلافة إسلامية علمانية لنرضي الجميع؟!

مشاهدة

04/01/2021

أجرت الحوار: أنجيل الشاعر

قال الكاتب والروائي السوري أنور السباعي إنّ الدولة الوطنية العربية لم تكن يوماً "وطنيّة" بالمعنى الكامل للكلمة، مؤكداً أنّ انفجار الفقاعة القومية التي غطت على باقي الهويّات بعد سقوط الدولة العثمانية أخلى الساحة أمام الانتماءات ما قبل الوطنية الدينية والمذهبية.

وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّ فصل الدين عن السياسة في الإسلام مسألة في غاية الصعوبة، وأنّه لا يمكن للباحث أن يقرأ تاريخ الإسلام دون أن يقرأ تاريخ الدولة الإسلامية، "فتاريخ الدولة الإسلامية هو تاريخ الإسلام نفسه، وهذه هي المعضلة".

يجب أن نعيد تعريف الهويّة باعتبارها مزيلاً للحدود بيننا وبين الآخر

ورأى السباعي أنّ التطرف في النهاية ظاهرة إجرامية، ولكنها تلبس لبوساً دينياً، وتأخذ مشروعيتها من أحكام ماتزال تدرس على أنّها الإسلام نفسه، داعياً إلى إيجاد مؤسسة دينية ديمقراطية تعبر عن متطلبات الناس واحتياجاتهم، و"تقوم بنزع الألغام الفكرية في تراثنا حتّى لا يعاني أطفالنا من "داعش" وأخواتها".

والسباعي، المولود في حمص العام 1981، حاصل على الماجستير في الاقتصاد والدبلوم العالي في الفقه وأصول الفقه، وله عدة مقالات في الفكر والسياسة، صدر له رواية بعنوان "الأعراف: برزخ بين جنتين" عن دار كتابنا للنشر العام 2017 ومجموعة شعرية بعنوان "اغتيال امرأة الظل الأسود" عن دار الفارابي العام 2006.

وهنا نص الحوار:

سؤال المصير

جميع الأديان جاءت بفكرة الثواب والعقاب، ووعدت البشر بالحياة بعد الموت، لكنّها قلّصت الخيارات إلى اثنين فقط؛ إما جنة وإما نار، لكنك تطرح خياراً ثالثاً في روايتك "الأعراف"؟

هذا الرأي ورد على لسان إحدى الشخصيات في الرواية، وليس رأياً لي بالضرورة، فهو يرى لامنطقية الخلود، خاصة في العقاب، فمهما عظمت جريمة الإنسان فإنها تبقى محدودة، فلا يمكن -برأيه- أن يكون عقاب الجريمة لانهائياً، وحتّى رياضيّاً، فلا يوجد رقم محدّد يساوي اللانهاية.

استنقاذ الإسلام يكون بالاعتراف بتاريخية الفقه الإسلامي وبشرية أصوله المؤسِّسة

هنا تتدخل شخصية أخرى وتطرح رأي ابن تيمية القائل بفناء النار، ومن ثم يطرح رأي جلال الدين الرومي، وأقتبس هنا من الرواية: "أهل النار في النار أسعد منهم في الدنيا؛ لأنهم في النار يكونون متذكّرين للحق، أما في الدنيا فيكونون غافلين عن الحق، ولا شيء أحلى من تذكر الحق"، لا يوجد نار يا غياث، إنهما جنتّان، والأعراف بينهما، أعرافك التي ستسكنها وحدك يا غياث)، لطالما كان سؤال المصير هاجساً للفلاسفة والمفكرين، لكنه أحياناً يتحول إلى وسواس مرضي خاصةً عن بعض المتدينين الذين لا شغل لهم إلاّ تصنيف البشر إلى ثنائيات صلبة (إيمان وكفر، جنة ونار).

وأنا أدعي أن تلك الثنائيات لم تكن بتلك الصلابة في الإسلام المبكر، بل إنّ المسألة بقيت غير محسومة في الفكر الإسلامي، ومن العجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يُعتبر بحقٍ المرجعية الفكرية للجماعات السلفية، كان يقول: "بفناء النار وأن الجنة مصير البشرية جمعاء، مؤمنهم وكافرهم"، وهذا الرأي الثوري فصّله تلميذه ابن القيّم وسرد الأدلة عليه.

نعم قد تكون الأعراف خياراً ثالثاً، لكنها مصير رجل واحد كما تقول الرواية في خاتمتها.

صدر له رواية بعنوان "الأعراف: برزخ بين جنتين" عن دار كتابنا للنشر العام 2017

التعصب والطائفية

نرى اليوم نكوصاً فكرياً في المجتمعات العربية والإسلامية، وطغيان الهوية الدينية على الوطنية، ما سبب هذا النكوص برأيك، وهل ترجّح استمراريته، أم هناك نظرة مستقبلية للتحول الديمقراطي في تلك المجتمعات؟

في الحقيقة لا يمكن اعتبار ما حصل نكوصاً؛ فالهوية الوطنية لم تكن متبلورة بعد في الوعي الشعبي، فبعد سقوط الدولة العثمانية ونشوء الدولة الوطنية ظهرت الفقاعة القومية التي انتفخت حتّى غطت على باقي الهويّات، ولكن ذلك الانتفاخ تبعه انفجار مدوٍّ أخلى الساحة أمام الانتماءات ما قبل الوطنية (دينية ومذهبية).

لا يمكن قراءة الإسلام بمعزل عن التاريخ فتاريخ الدولة الإسلامية هو تاريخ الإسلام نفسه

فضلاً عن أن الدولة الوطنية لم تكن "وطنيّة" بالمعنى الكامل للكلمة، بل كانت في الغالب الأعم دولة الفئة أو الحزب القائد للدولة والمجتمع كما في المصطلح السوري مثلاً.

وللأسف فإن ذلك النكوص سيبقى مستمراً حتّى نعيد إنشاء الدولة "الوطنية"، وأضع كلمة (وطنيّة) بين قوسين لأني كحسن سامي يوسف، لا أحبها، وأفضل مصطلح دولة العقد الاجتماعي.

وأيضاً علينا أن نعيد تعريف الهويّة، وأنا هنا أخالف أمين معلوف الذي قال "إنّ هويتي هي التي تعني أنني لا أشبه أي شخص آخر"،  فأنا أرى أنّ الهوية يجب أن تزيل الحدود بيننا وبين الآخر، فاللغة هي مجرّد وسيلة للتعبير عما يعتمل في أنفسنا، والدين ما هو إلا أفكار منفصلة عن الذات الإنسانية، فالهوية بالنسبة لي هي ما يجمّع لا ما يفرّق.

أما فيما يخص التحول الديمقراطي فيجب علينا أن نستفيد من التجربة البريطانية في مقابل التجربة الفرنسية، صحيح أن التجربة الإنكليزية بطيئة، ولكنّها أكيدة، بعكس التجربة الفرنسية ذات الأثمان الباهظة فضلاً عن أنّها غير مضمونة العواقب.

السلفية الجهادية

هل ترى أن السلفية والجهادية مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً بالسياسة، إذا كان الأمر كذلك، ما السبيل الأمثل لفصل الدين عن السياسة؟

تبدو مسألة فصل الدين عن السياسة في الإسلام مسألة في غاية الصعوبة، بعكس باقي الأديان السماوية (أو الأرضية)؛ فالإسلام بشكله الحالي هو سياسي بطبعه، وهو سلفيّ بالضرورة، مثلاً، لا يمكن للباحث أن يقرأ تاريخ الإسلام دون أن يقرأ تاريخ الدولة الإسلامية، فتاريخ الدولة الإسلامية هو تاريخ الإسلام نفسه، وهذه هي المعضلة.

لذلك لا بد من استنقاذ الإسلام كدين سماوي من تاريخه الأرضي، وذلك يكون بالاعتراف بتاريخية الفقه الإسلامي وبشرية أصوله المؤسِّسة (علم حديث، قواعد فقهية وأصولية... الخ).

في روايتك "الأعراف"، نرى تلميحاً على لسان إحدى الشخصيات أنّ "داعش" ضحية وجلاد في الوقت نفسه، برأيك هل يتحمل الدين أو المجتمع أو السياسة مسؤولية هذه الظاهرة؟

نستطيع إرجاع الظاهرة الداعشية لأسباب سياسية واجتماعية، ولا شك أن تلك الأسباب تعزّز الظاهرة وتضخمها، ولكن ماذا عن الأوروبي الذي يعيش في دولة القانون والحريات، ومع ذلك يذهب إلى "داعش" للقتال معها؟

لذلك يمكنننا القول إنّ "داعش" هي "اللحظة النموذجية" للإسلام التاريخي باصطلاح عبد الوهاب المسيري، ولكي نكون منصفين ولا نمارس جلد الذات، فإن جميع الأمم -بلا استثناء- في يوم من الأيام كانوا "دواعش".

لكي نكون منصفين ولا نمارس جلد الذات فإن جميع الأمم في يوم من الأيام كانوا "دواعش"

فنحن حين نقرأ التاريخ لا يجوز بحال من الأحوال أن نستخدم قيمنا الحاليّة كمعيار، وهو ما يسمى في مناهج البحث بـ (chronocentrisme).

والفعل المعاكس أيضاً خاطئ؛ فلا يجب أن نستمد قيمنا من التاريخ، أي علينا أن نفرق بين ما هو سماوي (متجاوز للتاريخ) وما هو أرضي (تاريخي)، أو باختصار ما هو دنيوي وما هو ديني.

المفارقة أنّه رغم صعوبة هذا التفريق إلا أنّ الإسلام يحمل بذور ذلك الفصل أكثر من أي دين آخر، فهو الدين الوحيد الذي فيه مفهوم النسخ (الأحكام التي طبقت في بداية الدعوة أصبحت غير قابلة للتطبيق بعد عقد واحد من الزمن، أي في حياته).

وفي هذا السياق يأتي تصرّف عمر بن الخطاب رضي حين اعتبر حكم إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم حكماً تاريخياً غير صالح للتطبيق في وقته، ولم يكن قد مضى على وفاة النبي عليه السلام إلا بضع سنوات فقط.

بالعودة إلى روايتك "الأعراف"، تقول إحدى الشخصيات: "كلكم داعش يا شيخي.. هم يكبّرون، وأنتم تكبرّون، القاتل والضحية يصرخان: الله أكبر". هل ترى علاقة سببية بين الدين المشيخي والجماعات المتطرفة والإرهابية؟

تلك من المسائل التي حاولت أن أعالجها في الرواية، وذلك بوضع الآراء المتناقضة في مقابل بعضها البعض، فغياث يقدّم رأياً متطرفا ًحين يقول: "ففي النهاية لم نر انتحاريّاً يخرج من خمّارة، كلهم يخرجون من المساجد يا شيخ"، أما الإمام البلقيني فيرد عليه بحجّة بالغة قائلاً: "وماذا عن الداعشيّ الأشقر الذي يذبح بجهاز التحكم"!

حين نقرأ التاريخ لا يجوز بحال من الأحوال أن نستخدم قيمنا الحاليّة كمعيار

التطرف في النهاية ظاهرة إجرامية، ولكنها تلبس لبوساً دينياً، وتأخذ مشروعيتها من أحكام مازالت تدرس على أنّها الإسلام كما أنزله الله، لا كما فسّره البشر وفق معطياتهم التاريخية والواقعية.

كطالب في الشريعة كنت أدرس أنّ جهاد الطلب من الإسلام، وأنّ العالم مقسم إلى دارين (دار إسلام ودار حرب).

تلك الأحكام تتوافق تماماً مع الظرف التاريخي لتلك الأمم، حيث كان القانون الدولي الوحيد هو (تنتهي حدود الدولة عند حدود قوتها).

الغرب تقدّم لأنّه أوجد المؤسسة التعليمية في مقابل الشيخ أو المعلم في الحضارتين الصينية والإسلامية

باقي الأمم تقرأ تاريخها وتفتخر به، برغم ما فيه، ولكنها تنظر إليه كلوحة في متحف، كما شبّهه غياث حين قال: "أنتم تنظرون للتاريخ نظرة مطلقة، نظرة جامدة، كأنّكم تتحدثون إلى صنم، بينما نحن معشر الكفار ننظر إليه نظرة نسبيّة، كأنّنا ننظر إلى لوحة، لوحة في متحف، ننظر إليها في مكانها في التاريخ، هي مرتبطة بزمانها ارتباط الثغر بالابتسامة، أنتم تريدون أخذنا إلى ذلك العصر، بينما نحن نريد "ربما" أن نأتي بذلك العصر إلى اليوم، لا يجادل عاقل ­-مهما كان يبغض الإسلام ويحقد على نبيّه- بأنّ محمداً، صلى الله عليه وسلم، قد جاء بثورة على كافة الأصعدة.. تلك المفاهيم كانت ثورية في عصرها، فقط في عصرها، هي لوحة جميلة، لوحة جميلة في متحف".

فكرة الأعراف توحي بتعليق الحكم أو إرجائه، في الحياة الدنيا على الأقل، فتنفي منطق التكفير، الذي درج عليه الإسلاميون؛ هل ترى أنّ الخطاب الديني الحالي والفقه الإسلامي يمكن أن يتّجها بهذا الاتجاه؟

ليس فقط ممكناً بل هو واجب أيضاً، فإذا كان الحكم على البشر يعود إلينا فلماذا أوجد الله يوم القيامة؟

من مظاهر انفصامنا قولنا إنّ الإسلام حضّ على تحرير العبيد وعجزنا عن إصدار فتوى فقهية بتحريم الرق

الحكم على الآخر بأنّه كافر ينبغي أن يكون حكماً صلباً، يقينيّاً، لا يقبل التأويل مهما كان بعيداً، ونحن كبشر فاقدون لقدرة إصدار هذا النوع من الأحكام من حيث الأصل بسبب نسبيتنا المعرفية، ومحدودية أدواتنا الإدراكية، وهنا نرى غياث يطرح هذه الفكرة وينزلها على رؤية الإنسان لله، كأنّه يرى أنّ الإنسان ينصب نفسه إلهاً حين يكفّر إنساناً آخر: "حتى أنا لا أجرؤ على الادعاء بأنّي أمتلك الحقيقة الكاملة، أنا فقط أعرف ألا أحدَ يملكه؛ فالحقيقة يا شيخي هي غيمة كبيرة تملأ الأفق، كلنا يراها وفق هواه، كطفل يرى فيها آماله وأحلامه وكوابيسه، الحقيقة غيمة من المرايا، كل إنسان يراها كما يرى نفسه، والإله الذي تؤمن به، هو أنت في قمّة تطرفك، هو أنت في الصيغة المثلى، في الحد الأقصى، هو أنت حين تملك الكون وتجلس على عرش الإله".

الإيمان والإلحاد

يرى بعضهم أن تطرف سدنة الدين "الوضعي" من أبرز أسباب الإلحاد، فهل ترى علاقة بين التطرف والإلحاد؟

لا شك أنّ الدين بشكله الحالي يؤدي إلى إبعاد الناس عن التدين، أو على الأقل العيش في حالة من الإنكار تشبه الانفصام في الشخصية، وهذا ما نراه عند البعض، فنرى أحدهم ينكر العبودية مثلاً، ويقول إنّ الإسلام حضّ على تحرير العبيد، لكنه اليوم بعد أن تم تحرير العبيد لا يزال عاجزاً عن إصدار فتوى فقهية بتحريم الرق، لا لشيء سوى أن الإسلام التاريخي كان يقرّ العبودية.

مثل هذا الانفصام إما أن يؤدي إلى الإلحاد، أو إلى التطرف (على مستوى الكمون في أقل ّ تقدير).

صدؤت له مجموعة شعرية بعنوان "اغتيال امرأة الظل الأسود" عن دار الفارابي العام 2006

لاهوت التحرير

باستثناء نماذج قليلة، لماذا لم نر، في سياق الثورة السورية، نوعاً من لاهوت تحرير إسلامي، يتبنى قضايا الحرية والكرامة الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان؟

أنا أظن أن إحدى مشاكلنا هي فكرة (المهدي/ المجدِّد)، هذه الفكرة التي تسربت إلينا من أحاديث المهدي، أو من الحديث الذي ينسب للنبي الكريم "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها".

النموذج الثالث للديني والدنيوي هو نموذج "المؤسسة"، فنحن إلى اليوم لم نستطع مأسسة الدين، هذه الفكرة الثورية التي يقدمها الأستاذ في جامعة هارفرد Toby E. Huff صاحب كتاب "فجر العلم الحديث" كإجابة عن سؤال (لماذا تقدم الغرب ولم تتقدم الحضارة الصينية أو الحضارة العربية الإسلامية رغم وجود الظروف الموضوعية فيهما؟).

من مظاهر انفصامنا قولنا إنّ الإسلام حضّ على تحرير العبيد وعجزنا عن إصدار فتوى فقهية بتحريم الرق

فالغرب تقدم لأنّه أوجد المؤسسة التعليمية في مقابل الشيخ أو المعلم في الحضارتين الصينية والإسلامية.

ومن الغريب أنّنا عاجزون حتّى اليوم عن فعل ذلك، فلا يجوز بحال من الأحوال أن نسمع حديثاً ينسب للنبي، عليه السلام، يصححه البخاري (فرد واحد)، أو فتوى يصدرها شيخ مهما كان عالماً.

يجب أن نوجد مؤسسة دينية ديمقراطية تعبر عن متطلبات الناس واحتياجاتهم، وتقوم بنزع الألغام الفكرية في تراثنا حتّى لا يعاني أطفالنا من "داعش" وأخواتها.

ربما تشكل فكرة إيجاد مؤسسة كهنوتية إسلامية حلاً للكثير من الاختناقات التي نعيشها، ولكنه يجب أن يكون كهنوتاً منظّماً يمكن التعامل معه، ويمكن التأثير عليه ديمقراطياً.

أو ربما يكون الحل كما اقترح غياث في الرواية، إقامة خلافة إسلامية علمانية، وبذلك نرضي الجميع.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية