الإسلام في فرنسا بين مرجعية الهُويّة والهوس الديني

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
5722
عدد القراءات

2018-05-21

ترجمة وإعداد:

الإسلام، من حيث عدد أتباعه، هو الدين الثاني في فرنسا، ومع ذلك ما تزال الثقافات الإسلامية الفرنسية المختلفة غير معروفة.

أكل الحلال، وشرب مكة كولا، وارتداء اللباس الإسلامي الكلاسيكي، إنّنا نشهد صعود عصر "البيزنس العرقي" الذي يسائل في معنى التوسع الحالي للإسلام في المجتمع الفرنسي: هل هو مرجعية هُوية، أو هوس ديني حقيقي؟

عاشت الأجيال الأولى من المهاجرين المسلمين في فرنسا إسلامها بطريقة جماعية وغير مرئية

وفق نتائج استطلاع المعهد الفرنسي للرأي العام "Ifop"، المنشور عام 2009؛ يبدو أنّ بُعد الهُوية هو السائد، يتجسّد التوسّع الديني في الزيادة فيما يسمَّى "الممارسات الجماعية": صلاة الجماعة في المسجد، صيام رمضان، وارتداء الحجاب، وقد تضاعف معدل الحضور في أماكن العبادة لأداء صلاة الجمعة، في خمسة عشر عاماً 12٪ في عام 1994، مقابل 23٪ في عام 2007، وهذه النسبة في ارتفاع، وكبار السنّ هم الأكثر اهتماماً وإقبالاً 41٪ ممن هم أكثر من 55 عاماً، مقابل 23% للذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، وبصفته ممارسة "اجتماعية" بامتياز، فإنّ رمضان هو الممارسة الأكثر فأكثر استقطاباً إذ إنّ 70٪ من الذين تم استجوابهم، ما بين 2001 و 2009، يزعمون أنّهم يصومون (كانت النسبة 60٪ في 1994)، وهذه النسبة هي نفسها تقريباً عند الشباب والكبار.

ومع ذلك؛ فإنّ ممارسة الصلاة الفردية مستقرة منذ 1990، لكنّها تُقسّم الأجيال بحدّة، 28٪ من الشباب يقولون إنهم يُصلّون يومياً، مقابل 64٪ ممن تجاوزوا الـ 55 عاماً.

مواطنون عاديون

تتباعد وتختلف الممارسات الدينية إلى حدّ كبير حول انقسامات الأجيال؛ لقد عاشت الأجيال الأولى من المهاجرين المسلمين في فرنسا إسلامَها بطريقة جماعية وغير مرئية؛ حيث لم تكن تطمح إلّا إلى العودة إلى ديارها، وتجنّب، إنْ أمكن، الآثار المُعدية للمجتمع المُضيف، وكان لهذا التحفظ دلالته على صعيد المشاركة السياسية والمدنية.

انتماء مزدوج

مع ظهور أجيال من المسلمين المولودين والمندمجين اجتماعياً في فرنسا تغيرت الأمور، واليوم، من دون تابوهات، لكن في الغالب دون ضجيج، يعلن الآلاف من المواطنين العاديين انتماءهم المزدوج "المواطن والمسلم"، ويجعلون هُويّتهم الدينية مرئيةً في الفضاء العام: ارتداء الحجاب، صوم رمضان، الصلاة..إلخ، هؤلاء المواطنون موجودون في جميع الفئات الاجتماعية والقطاعات المهنية، بما في ذلك الخدمة العامة.

المرأة المسلمة عملت واندمجت مع المجتمع العالمي وتقاسمت المسؤوليات

الإسلام وأزمة الهُويّة الفرنسية

على سبيل المثال: المسلمون الفرنسيون الشباب، خاصة سكان المدن، يتزايد عددهم في الجيش: سواء مع، أو دون، شهادة يقدّم لهم الجيش الاستقرار المهني، والوضع الاجتماعي، ورخصة القيادة! لكن الطابع ذا الأكثرية في هذا التوفيق المتناغم بين الفرنسيين والإسلام، لا يمنع استمرار التحيزات والصور الكاريكاتورية للنساء المحجبات، والرجال المُلتحين المتعصّبين، من الاستمرار في المشهد الوطني، ناهيك عن شبح تهديد الجمهورية والديمقراطية الذي لا يتردّد السياسيون الذين يعانون من أزمة الشرعية، في إثارته على فترات منتظمة، سيما من خلال مختلف مشكلات الحجاب، وتلك ممارساتٌ سياسية يربطها عالم الاجتماع أوليفييه روي، بأنّه "من خلال الإسلام، تعيش فرنسا أزمة هُويتها".

الإسلام وسياسة السلطات العامة

بعد "إسناد" إدارة الإسلام في فرنسا إلى دول أجنبية (المغاربة)، بدأت عملية إضفاء الطابع المؤسَّسي على هذا الدين، عام 1989، تحت قيادة بيير جوكس، وزير الداخلية لتلك الفترة، سياقُ صعود الحركة الإسلامية في المنطقة المغاربية (انتصار جبهة الإنقاذ في الجزائر)، وتفاقُم ظهور نموّ الإسلام في المشهد الوطني، هما اللذان حفّزا هذه الرغبة في تنظيم الإسلام، وصارت الأهداف، إذاً، إبراز إسلام فرنسي معتدل، ومحاربة وضع التمييز الفعلي للإسلام (سوء ظروف العبادة، وعدم وجود تمثيل مؤسسي، وما إلى ذلك).

عام 2003 فقط؛ عندما كان نيكولا ساركوزي وزيراً للداخلية، ولِد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية

المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية

عام 2003 فقط؛ عندما كان نيكولا ساركوزي وزيراً للداخلية، ولِد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، على المستوى الوطني (CFCM)، والإقليمي (CRCM)، تتكفل هذه المؤسسة بجميع الأمور المتعلقة بإدارة العبادة: (تدريب الأئمة، الإرشاد، بناء أماكن العبادة، التجارة الحلال، الساحات الإسلامية في المقابر)، لكنّ الإسلام في فرنسا ما يزال يعاني من أجل الظهور، ويظلّ حكراً لكلٍّ من السياسيين والقنصليات المغاربية؛ ففي عامي 2003 و2005، ورغم النتائج الضعيفة، تمّ اختيار مسجد باريس على رأس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، من قبل وزير الداخلية نفسه. وهناك مثال آخر: في مونبيلييه، يقع المسجدان الكبيران في المدينة تحت قانون قاعات البلدية متعددة الأغراض، وهو ما يسمح لعُمدة المدينة بتعيين (ورفض) القادة المسلمين الذين يختارهم هو بإرادته، وهذه الممارسات المنافية للعلمانية، إلى حدّ كبير، تفسّرها الرهانات المتعلقة بالسيطرة على ديانة توصف بانتظام بأنها تهديد للدولة.

يعلن الآلاف من المواطنين العاديين انتماءهم المزدوج؛ المواطن والمسلم، ويجعلون هُويّتهم الدينية مرئية في الفضاء العام

لقد سجلت السلطات العامة قلّة أماكن للعبادة (2000 في فرنسا لـ 5 ملايين مسلم، مقابل 2500 في ألمانيا لـ 3.5 مليون من المؤمنين)، وافتقارها للتمثيل، وبعد أعوام من التردّد، قام المسؤولون المنتخَبون المحليون بتطوير سياسات استباقية في مجال بناء المساجد؛ حيث طرحوا مشروع بناء ما لا يقل عن 150 من المساجد الكبيرة والمتوسطة، وقد تم تصميم هذه المراكز كمراكز ثقافية وترفيهية (مكتبات، وقاعات شاي، ...إلخ)، وتم تمويلها جزئياً من قبل البلديات (فيما يتعلق بالجوانب الثقافية)، ويساعد هذا التمويل في الحفاظ على بعض السيطرة على هذه الأماكن، وموظفي الإدارة. أمّا التحدي الذي يواجه المسؤولين المنتخبين اليوم، هو تزويد المساجد بالكوادر الدينية؛ كممثلين لتطورات الإسلام في فرنسا، والمهيَّئين لاستقطاب اهتمام الشباب الأصغر سناً، لكن أيضاً لإرضاء الناخبين المحتملين الذين قد يملكون حسّ الاحترام لدينهم.

التيارات الرئيسة

من المتعذر تحديد تعدد تيارات الإسلام في فرنسا، ومع ذلك، دعونا نحاول تقديم لمحة عامة عن أولئك الذين يغذّون النقاش العام أكثر من غيرهم.

الإسلام القنصلي

اندرج "الإسلام القنصلي" تقليدياً في المشهد القومي الفرنسي مع الأجيال الأولى من المهاجرين الجزائريين والمغاربة والأتراك، ويتصل بالتدين الذي نشأ بحكم العلاقة القوية ببلد المنشأ، والذي سمح في كثير من الأحيان بتمويله، وضمان السيطرة على أعضائه، إنّ الإسلام "الجزائري"، الذي يمثله مسجد باريس المرتبط بالقيم العلمانية، لطالما تم اختياره من قبل السلطات العامة الفرنسية على رأس الإسلام في فرنسا، رغم ضعفه في المجال الترابطي الاجتماعي.

أمّا الإسلام "المغربي"؛ فهو السائد بين المسلمين المُمارسين (أكثر من 40٪ من الأئمة ومعظم مدراء أماكن العبادة هم مغاربة)، وهو الواقع الذي جعله على رأس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، منذ عام 2008، لإضفاء الطابع المؤسسي لوجود هذا الدين في المشهد الوطني. إلا أنّ إسلام القنصليات هذا، رغم تواجده بأغلبية في إدارة المساجد والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية "CFCM"، ما يزال قليل الترسخ في التطورات الاجتماعية للإسلام في فرنسا.

مسجد باريس الكبير

إسلام الإخوان المسلمين

لقد حاولت إسلاموية الإخوان المسلمين أن تملأ العجز في التمثيل القنصلي للإسلام منذ الثمانينيات، هذه الحركة المنبثقة بشكل أساسي عن هجرة الإسلاميين التونسيين والسوريين والمصريين، تتجسد الآن في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF)، القويِّ هيكلياً، وفي مجموعات قريبة من عالم الإسلام السويسري طارق رمضان، هذا الاتحاد النشط جداً في المجال الاجتماعي، والذي أنشِئ في فرنسا منذ عام 1983، يضمّ أكثر من 200 جمعية، و60 مسجداً، لكنّ مواقف ولائِه السياسي ودخوله إلى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ""CFCM، أدى إلى عزوف أعضائه من الشباب الأكثر مُطالبية (أي الأكثر احتجاجاً)، هؤلاء تحالفوا أحياناً مع طارق رمضان، مثل تجّمع مسلمي فرنسا (CMF)، الذي تم إنشاؤه في عام 1993، تجمّع مسلمي فرنسا هذا، الضعيف مؤسّساتياً، يقدّم زعماء منخرطين اجتماعياً في فرنسا، يسعون إلى إضفاء شرعيتهم، بتنديدهم السياسي للقانون الذي يُصنّف الإسلام والمهاجرين في فرنسا في الدريجة الثانية، وإذا كان طارق رمضان يظلّ مرجعاً للشباب المسلم، فقد كبر في السن (تجاوز الخمسين من العمر)، كما هو حال تجمع مسلمي فرنسا "CMF"؛ الذي يعاني في إيجاد بدائل لنضاله السياسي-الديني، بين شباب اليوم. فإلى هذا الفضاء الشاغر، الناتج عن فشل الإسلام السياسي، يتسلل الأصوليون في التبليغ وفي السلفية.

السلفيون الشيوخ يسيطرون على حوالي 30 مكان عبادة من أصل 2000 في فرنسا

التبليغ

التبليغ حركة طائفية، غير سياسية، لاعنفية وذات تقاليد صوفية، وقد حقّقت نجاحاً كبيراً في فرنسا منذ السبعينيات، لدى الشاب من مُغنّي الراب أو الرياضيين ذوي المستوى العالي، هؤلاء متمسّكون بممارسات دينية محافظة قوية للغاية، وبطقوس تكرارية، وتهميشية واستلابية يمكن أن تتسبّب في حدوث حالات قوية وعميقة من الاكتئابات النفسية الشديدة، لكنّ "تقشفهم المتناقض للغاية مع القيم الاستهلاكية التي تسيطر على الأحياء" تجعلهم أكثر تعرضاً للمنافسة من قبل الشيوخ السلفيين.

السلفيون الشيوخ

السلفيون الشيوخ يسيطرون على حوالي 30 مكان عبادة من أصل 2000 في فرنسا؛ أي ما يمثل 5000 إلى 10000 تابع، وهو رقم في ارتفاع، وفق المتخصصين، وخلافاً للجِهاديين السلفيين، المقرّبين أيديولوجياً من تنظيم القاعدة، ورغم أقليتهم فإنّ الشيوخ السلفيين يدافعون عن رؤية إسلامية غير سياسية وغير عنيفة. وبمتوسط ​​عمر 25 عاماً، يشكلون أقلية نشطة ومتشددة، سيما في الأحياء الصعبة، ضالة السلفي الأعلى هي أن يضبط حياته على فتاوى العلماء السعوديين، وأن يقوم بالهجرة؛ أي الإقامة في الأراضي المقدسة السعودية، بعيداً عن الكفار.

خلافاً للجِهاديين السلفيين المقرّبين أيديولوجياً من "القاعدة" فإنّ الشيوخ السلفيين يدافعون عن رؤية إسلامية غير سياسية وغير عنيفة

تقع السلفية في الوقت نفسه، في قلب العولمة مع استخدامها للإنترنت، واتصالاتها مع علماء الدين السعوديين (فتاوى عن طريق الهاتف وغيره من الوسائل، والتهديد الحقيقي الذي تطرحه السلفية لا يكمن في تعميم السلفية، أو في ممارسة العنف، بل في الرغبة في القطيعة مع المجتمع العالمي). ولكنْ، بعد بضع سنوات من التطور في فرنسا، وميلاد برجوازية سلفية تقية، ظهر تيارٌ أكثر واقعية، وعلى استعداد لتقديم تنازلات للمجتمع المضيف.

التبليغ حركة طائفية حقّقت نجاحاً كبيراً في فرنسا منذ السبعينيات

مسلمة وأوروبية

عام 2008، على سبيل المثال، نشرت عالمة الاجتماع سارة سيلفستري دراسةً حول حوالي خمسين مقابلة مع نساء مسلمات أوروبيات (تتراوح أعمارهن في الغالب بين 20 و40 عاماً، ويعشن في المناطق الحضرية)، وفيها شهدن جميعهنّ على تديّن قائم على أساس الاختيار الحرّ والفردي. الإسلام يظهر في هذه المقابلات على أنّه "مصدر أخلاق شخصية يكون الفرد فيه حراً في ممارسته"، فهذا الجيل الشاب يرفض النهج العرقي والعرفي للإيمان، الذي يعدّ أمراً تمييزياً للغاية بالنسبة إلى المرأة، والممارسات البطريركية القديمة التي ما تزال تؤثر في التحرر الداخلي للكثير من النساء المسلمات في أوروبا، كما قرّرت بعض النساء في بعض الأحيان عزل أنفسهن عن نمط الحياة الغربية، وتبني نمط مخالف كالذي تمارسه مئات السلفيات في فرنسا، ممن يرتدين النقاب (الحجاب الكامل).

لكن بين جيل الشباب، هناك الكثير من النساء اللواتي يبرزن كأفراد مستقلين وثابتي العزم، وهي استقلالية مكتسبة بطريقة غير مسبوقة: التعليم المدرسي المتزايد باستمرار، إلى جانب الوصول المستقل إلى المعرفة الدينية؛ فسواء كانت ترتدي الحجاب أم لا، فإنّ المرأة المسلمة اليوم تعمل، وتندمج في انسجام مع المجتمع العالمي، وتفضل الزواج القائم على الألفة والارتباط القائم على تقاسم المسؤوليات والمهام المنزلية، أو حتى حقّ امتلاكها الجسدي، وهي ممارسات تميّزها كثيراً عن النساء الأكبر سناً، وقليلاً عن مواطنيهن من العمر نفسه.

عن scienceshumaines

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

إرهاصات داعش بين الحرب والخيال والفوضى

2019-10-15

ترجمة: علي نوار


ظهر تنظيم داعش إلى النور بفضل الترويج لنبوءات خيالية مروّعة، ونما هناك في منطقة تسودها جيواستراتيجية الفوضى ويعيش حالة من انعدام الاستقرار وشيوع أجواء الاستقطاب وانهيار الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والثقافية، يغذّي كل ذلك تدخلّات عسكرية أجنبية. ورغم إجهاض الأهداف الإقليمية لهذه الجماعة الإرهابية، لا تزال أفكارها وقدرتها على القتل والتكيّف ضمن الإطار العام قائمة.

اقرأ أيضاً: صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

ركّز مشروع الشر المُلقّب بتنظيم "الدولة الإسلامية" في البداية على بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي كانت تشمل المنطقة الواقعة بين الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- وحتى خراسان- إيران وأفغانستان والهند وإلخ. لكن تقويض التطلّعات التوسعية لهذا التنظيم الإرهابي جاء متمثّلًا في خسارته المدن والقرى التي كانت تخضع له على الأراضي السورية والعراقية واحدة وراء الأخرى. وقفت قرية الباغوز السورية الصغيرة شاهدة على الانهيار الرمزي لـ"الخلافة" في آذار (مارس) 2019، بعد تحرير القرية على يد تحالف (قوات سوريا الديمقراطية) الذي تقوده وتشكّل أغلب قوامه فصائل كردية.

أطلال مسجد النوري في الموصل حيث أعلن البغدادي خلافته عام 2014

ويدين "داعش" بالفضل في ظهوره لما يُعرف باسم "جيواستراتيجية الفوضى": في مسرح تتضارب وتتقاطع فيه مصالح القوى العظمى والمتوسطة حيث تعتاد الدول الكبرى التدخل عسكرياً في دول ذات مقدرات عسكرية أضعف، وصولاً إلى تدمير البنية التحتية العامة- مثل الكهرباء والصحة والتعليم وإلخ- وإحداث خسائر كبيرة بين المدنيين بين قتيل وجريح. لذا لم يكن من قبيل الصدفة إعلان التنظيم الإرهابي قيام "الخلافة" المزعومة في هذا الإقليم. إنّ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والطائفية الدينية المتفشية في كافة أرجاء المنطقة- التي تسكب السياسة النار عليها- وفشل وقمع ثورات الربيع العربي عام 2011 في سوريا وليبيا، لهي أحداث لعبت دوراً رئيساً في تجذير الخلافة الزائفة.

تقترن بداية داعش بصورة زعيمه البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في الموصل بالعراق في حزيران 2014

وتقترن بداية "داعش" بشكل متكرّر بصورة زعيمه أبو بكر البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في مدينة الموصل بالعراق في حزيران (يونيو) عام 2014. لكن من أجل الوصول لجذور هذه الجماعة الإرهابية يجب أن نرجع للوراء عدّة أعوام، وتحديداً مع ظهور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة الجهادي الراحل أبو مصعب الزرقاوي. يُعتبر "داعش" تأصيلًا للأفكار والمنهجية التي قام على أساسها تنظيم القاعدة، بخلق آلة رعب وتضخيمها إعلامياً بشكل يؤدّي لتلطيخ سمعة الإسلام بهدف وحيد هو تبرير ممارسات التنظيم الدموية، وكذلك تنصيب نفسه حامياً للإيمان بينما يفرّغه من أي معنى، الأمر الذي ينعكس في حقيقة كون 85% من ضحايا أعمال "داعش" هم من المسلمين.

والآن وبعد تجريد "داعش" من أي أراض كان يسيطر عليها، هل نجحنا بالفعل في إنزال الهزيمة بالفكر الجهادي وتجاوز الأسباب الهيكلية والاجتماعية الثقافية التي ساهمت في صعوده؟ الحقيقة أنّ الإجابة أبعد ما تكون عن الإيجاب.

حرب أهلية في صفوف القاعدة

يعتبر تنظيم القاعدة طليعة الإرهاب الجهادي منذ عقد التسعينيات وعلى رأسه زعيمه الراحل أسامة بن لادن، ويضمّ خلايا وأفرع تعمل على مستوى محلّي في كل مكان يكون له تواجد فيه ويتّسم نشاطه بالعالمية، رغم أنّ كل خلية أو مجموعة فرعية تتميّز بنوع من الاستقلالية. لكن الخلافات الداخلية بين صفوف التنظيم الأم أسهمت في نشوء "داعش".

اقرأ أيضاً: هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟

وفي 1999 أسّس الأردني أبو مصعب الزرقاوي تنظيم (التوحيد والجهاد) بهدف إقامة دولة إسلامية في البلد العربي، رغم أنّ الأمر انتهى به نشطاً بشكل أساسي في العراق المجاور. كانت رؤية الجهادي الأردني تجاه صور الجهاد أكثر أصولية إلى حد بعيد من تلك التي كان يتبنّاها بن لادن وقيادات القاعدة، ما أدّى لظهور خلافات ونزاعات فكرية مع هذا التنظيم منذ 1999. ورغم ذلك وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2004 أقسم الزرقاوي الولاء لبن لادن، وظهر تحت قيادته (تنظيم القاعدة في العراق).

عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم لنشر جميع صور العقاب والإعدام بجودة ذات بصمة سينمائية احترافية

قبل قيادته لتنظيم القاعدة في العراق، كان الزرقاوي قد أمر ونفّذ أعمالًا إجرامية ضد المدنيين المسلمين، الشيعة منهم على وجه الخصوص. كانت هذه الممارسات تتستّر بغطاء أيديولوجي من منطلق فكرة أنّه من أجل إقامة الخلافة فيجب القيام بتطهير الأمّة من الداخل. وبعد تولّيه زعامة القاعدة في العراق، استمرّ الزرقاوي في هذه الأفعال، الأمر الذي جلب عليه وبال التوبيخ من قيادات تنظيم القاعدة. فقد بعثوا إليه برسائل يطالبونه فيها بالتخفيف من حدّة أسلوبه والتركيز على جمع الدعم الشعبي من أجل إقامة الخلافة لاحقاً على المدى البعيد، وهو الهدف الذي كان من الواضح أنّ القيادي الجهادي الأردني لم يكن يتبنّاه تماماً؛ حيث كان يعتبر أنّ الخلافة يجب أن تقوم في أقرب وقت ممكن ثم سيأتي التأييد الشعبي فيما بعد عن طريق السيطرة الشديدة على المجتمع وحملات التطهير.

الطموحات الأولية الخيالية للخلافة التي أرادها داعش

وفي حزيران (يونيو) 2006، وقبيل نجاح أبو مصعب الزرقاوي في تحويل فكرته الخاصة بإعلان قيام "دولة إسلامية"، جرى قتله على يد القوات الأمريكية. لكن قبل مصرعه بأشهر، كان تنظيم القاعدة في العراق قد اندمج مع خمسة تنظيمات أخرى لينشأ ما يُسمّى بـ(مجلس شورى المجاهدين). وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل الزرقاوي، تحوّل التنظيم إلى ما سيصبح فيما بعد (الدولة الإسلامية في العراق) تحت قيادة أبو عمر البغدادي- وهو ليس الزعيم الحالي أبو بكر البغدادي- وأبو أيوب المصري. وبدءاً من هذه اللحظة، نشأت توتّرات كثيرة بين تنظيم القاعدة الأم وفرعها العراقي، رغم عدم انفصالهما رسمياً بعد. وباءت محاولة (الدولة الإسلامية في العراق)- الذي كان بالكاد يسيطر على أراضي- بإنشاء خلافة في 2010 بالفشل حين أسقطت الولايات المتحدة زعيميه الاثنين. وفي نفس ذلك العام تحديداً قفز إلى الصورة زعيم "داعش" الحالي أبو بكر البغدادي.

اقرأ أيضاً: واشنطن بوست: مخيم الهول السوري قد يسقط في يد داعش

مع وجود البغدادي على رأس تنظيم مستقلّ عملياً عن (القاعدة)- رغم أنّ قيادات الأخيرة كانوا ما زالوا يعترفون بالبغدادي زعيماً لـ(الدولة الإسلامية في العراق)- واستغلالًا لحالة الفوضى التي حدثت عام 2011 جراء الحرب الأهلية في سوريا، حاول (القاعدة في العراق) توسيع نطاق نفوذه إلى سوريا. كانت الذريعة هي الانضمام إلى فرع (القاعدة) في سوريا المعروف باسم (جبهة النصرة) بحيث تصبح قيادة التنظيم في العراق تسيطر أيضاً على فرع التنظيم في سوريا، وبالتالي إعلان إنشاء "دولة إسلامية" في العراق وسوريا. رفض قادة تنظيم القاعدة فكرة الدمج هذه، ورأوا أنّ كل فرع يجدر به العمل بصورة مستقلة، كما أنّ زعيم (جبهة النصرة) محمد الجولاني رفض هو الآخر هذه الفكرة. إلّا أنّ تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق) نجح في توسيع نطاق نفوذه إلى الداخل السوري، وصولاً حتى إلى إدماج عناصر من (النصرة). وفي عام 2014 وبعد أعوام من التوتّر والنزاع مع الفرع العراقي وعبر رسالة، أعلن زعيم (القاعدة) أيمن الظواهري انشقاق (داعش) عن تنظيمه. وفي ذلك العام خرج البغدادي ليذيع للعالم نبأ قيام دولته ونصب نفسه خليفة.

احتراف دعاية الرعب

تستهدف كل جماعة جهادية إقامة دولة إسلامية. لذا لا يزال تنظيم (القاعدة) يسير على أفكار منظّرين مثل أبو مصعب السوري- الشهير بلقب مصطفى ست مريم-. ففي كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية)، يعتبر السوري أنّ الخط الذي يجدر بتنظيم القاعدة السير عليه يجب أن يكون إقامة دولة إسلامية، مروراً قبل ذلك بالجهاد المدعوم شعبياً. ورغم أنّه يشترك في هدف إنشاء دولة إسلامية، لكن تنظيم داعش لا يتبنّى استراتيجية السوري في تحقيق الأهداف.

أراد الزرقاوي إقامة الخلافة في أقرب وقت ثم ضمان التأييد الشعبي لاحقاً عن طريق السيطرة على المجتمع وحملات التطهير

فبتصعيده لوتيرة العنف والرعب، يتبيّن أنّ "داعش" يرتكز في أفكاره إلى مسار القيادي الإرهابي الأردني الزرقاوي والمنظّر الجهادي أبو بكر ناجي وكتابه (إدارة التوحّش). والأخير يرى الكثير من المحلّلين أنّه بمثابة كتاب (كفاحي) الذي ألّفه الزعيم النازي الراحل أدولف هتلر، بالنسبة للجهاديين.

ورغم إبراز ناجي أهمية اكتساب التأييد الشعبي عن طريق توفير الخدمات العامة، لكن كتابه يؤكّد أنّ الاستراتيجية الواجب اعتمادها لإقامة دولة إسلامية تعتمد على الهيمنة عن طريق الاستخدام غير المحدود للعنف. وخلافاً للقاعدة، فإنّ "داعش" لم يكترث لمسألة إذا كان يحظى بدعم المسلمين المحلّيين، وكان جلّ ما يهتم به هو غزو الأراضي وإعلان إقامة خلافة في أقرب وقت ممكن اعتماداً على العنف. وانطلاقاً من هذا الأساس، أقدم "داعش" وأفرع أخرى وتنظيمات موالية للقاعدة على تحدّي قياداتها بمحاولات فاشلة لإعلان دول إسلامية وأهم الأمثلة على ذلك هو جماعة الشباب بالصومال عام 2008، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية باليمن عام 2012، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بمالي عام 2013.

أراضي العراق وسوريا التي سيطر عليها داعش حتى عام 2016

سار "داعش" على أفكار ناجي والزرقاوي، لينجح منذ إعلان خلافته عام 2014 في التمدّد وإثارة الرعب على مستوى العالم عن طريق نزاع مسلّح كان يُبثّ أحياناً بشكل مباشر عبر الإنترنت. ووصل الأمر لدرجة أن سيطر داعش خلال عامي 2014 و2015- الفترة الذهبية بالنسبة له- على أراضي تفوق مساحة دولة مثل النمسا، وتشمل مدناً يقطنها 100 ألف نسمة مثل الرقة في سوريا، أو حتى مليون نسمة مثل الموصل بالعراق. في هذه الأراضي ارتكب "داعش" كافة أنواع الفظائع سواء الصلب أو بتر الرأس أو الإغراق أو بتر الأطراف. كانت هذه العقوبات القاسية توقّع بحق من يُضبط بينما يدخّن أو يحتسي الكحول أو يستمع للموسيقى أو يشاهد مباريات لرياضات غربية. بينما عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم بنفسه، مثل مجلتي (دابق) و(رومية) ووكالة الأنباء (أعماق)، لنشر جميع صور العقاب والإعدام بتقديم وجودة سمعية بصرية رفيعة المستوى ذات بصمة سينمائية احترافية. يُضاف إلى كل ذلك الترويج ونشر دعاية جهادية عبر قنوات عدة على تطبيق (تيليجرام) وشبكة (تويتر) للتدوينات المصغّرة ومواقع اجتماعية أخرى.

اقرأ أيضاً: الإخوان وداعش.. أيهما أخطر على أوروبا؟

ولعل الدافع وراء إضفاء هذا القدر من الاحترافية على قنوات بث الرسائل الجهادية ظهرت منذ العدد الأول من مجلة (دابق)، الصادر في تموز (يوليو) 2014. فقد أفرد هذا العدد مساحة كبيرة منه لتعديد مميزات العيش تحت إدارة الخلافة، بما فيها رواتب مغرية والسبايا اللاتي سيكنّ تحت طوع المقاتل. وهنا تبرز النبوءات الخيالية التي أرسى عليها "داعش" خلافته: الرؤية الكوارثية التي تتكهّن بقرب نهاية الزمان. وقبلها سيأتي المهدي المنتظر لإنقاذ المسلمين ويقودهم في مواجهة الصليبيين بمنطقتي دابق (سوريا) وأعماق (تركيا)، لذا دعا التنظيم هؤلاء الذين يرغبون في النجاة يوم الحساب بالانخراط في صفوفه. ولأجل منح الأمر مزيداً من الملحمية، حملت أولى مطبوعات "داعش" تحديداً اسمي هاتين المنطقتين.

غزو العراق: جيوسياسة الفوضى

لا يعُد توسّع "داعش" في الأراضي السورية والعراقية وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في دول أخرى مثل ليبيا- حيث تمكّن التنظيم عام 2015 من الاستحواذ على ما يزيد عن 200 كلم من السواحل الليبية- من قبيل الصدفة على الإطلاق. فقد حافظ التنظيم على أراضٍ واسعة؛ حيث استفاد بشكل كبير من الفرص التي أتيحت كنتيجة لجيوسياسة الفوضى، أو بمعنى آخر، الدول الفاشلة الغارقة في بحور العنف والطوارئ الإنسانية. وكانت حالة غياب الاستقرار هذه راجعة في جانب إلى التدخّلات العسكرية التي حدثت بداعي "إحلال السلام" في الدول التي تشهد وجود أنظمة استبدادية، الأمر الذي استوجب بالتالي وضع خطط للإغاثة الإنسانية والدعم الاجتماعي السياسي من قبل الفاعلين الديمقراطيين المحليين خلال الفترة التالية للعمليات العسكرية.

الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش

وفي السياق ذاته، فإنّ الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بنيويورك، بدأت حرب إعلامية تقودها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، الذي دأب على التأكيد بوجود أسلحة دمار شامل في العراق. وتحت هذه الذريعة الزائفة، سقط نظام الدكتاتور العراقي الراحل صدام حسين بعد أسابيع قليلة من دخول القوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة إلى البلد العربي. حوّل هذا التدخّل العراق إلى دولة فاشلة، ليسهّل بالتالي توافر الظروف كي يجد الزرقاوي، وبعده البغدادي، تربة خصبة للصعود. بعدها بأعوام، تسبّبت الفوضى في ليبيا إثر التدخّل العسكري الغربي ومقتل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، في تكرار نفس المشهد بالدولة المغاربية.

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

خلال مرحلة غزو العراق- التي شهدت مصرع آلاف المدنيين- حفلت السجون بوسائل تعذيب بشعة كانت تُمارس بشكل مُمنهج. التحق الكثير من السجناء الذين تعرّضوا لسوء المعاملة والإهانات داخل السجون العراقية فيما بعد بصفوف "داعش" أو تنظيمات جهادية أخرى مثل "القاعدة". يُعتبر (أبو غريب) و(بوكا) أشهر السجن العراقية؛ حيث هيمن شعور الإحباط والإذلال والذي زرع بذور الكراهية والتي تحوّلت بدورها إلى أصولية جهادية لدى الكثير من المُعتقلين. كان سجن بوكا، الذي يلقّبه الكثير من الجهاديين بـ"المدرسة"، يضمّ عدداً كبيراً من قيادات والمتعاطفين وعناصر الجماعات الجهادية، والذين نجحوا خلال فترة حبسهم في تجنيد أفراد آخرين وبناء ما سيصبح لاحقاً تنظيم داعش. كان أبو بكر البغدادي نفسه محبوساً في هذا السجن، حيث أجرى اتصالاته لوضع الهيكل الذي سيقوم على أساسه التنظيم.

أمسى الاستياء الشعبي الذي تلا الغزو الأمريكي، صراعاً طائفياً بين السنة والشيعة، تغذّيه القرارات السياسية التي تتّخذها القوات المحتلّة التي جاءت عقب التدخّل العسكري الكارثي بنوري المالكي- شيعي المذهب- على رأس السلطة عام 2006. تُرجم ذلك إلى أوضاع أسوأ بالنسبة للسنّة من العراقيين، الذين اضطروا للتخلّي عن السلطة وعانوا انقطاعات مستمرة في التيار الكهربي فضلًا عن غياب الخدمات العامة وصعوبات أخرى. على جانب آخر، تزايدت وتيرة الهجمات التي تستهدف الشيعة والتي كان ينفذّها تنظيم القاعدة- سنّي المذهب-. ومن شمال العراق تحديداً، مسقط رأس صدام حسين وحيث يسيطر شعور بالظُلم، انبثق تنظيم داعش. نظراً لأنّ الكثير من سكّانه تعرّضوا للتعذيب والإهانة داخل السجون الأمريكية على الأراضي العراقية، وليس مستغرباً أنّ عدداً كبيراً من كبار مسؤولي نظام صدام راودهم السخط تجاه فقدان السلطة ليقرّروا الانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية، بل وتولّوا مناصب قيادية فيها.

سوريا أرض خصبة لداعش

مع بداية الثورة السورية عام 2011، ومع قُرب إسقاط الأسد- خاصة بعد رؤيته لرؤساء إقليميين آخرين يغادرون الحُكم مثل بن علي في تونس ومبارك في مصر-، نفّذ الرئيس السوري مناورة من أجل الحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي كخيار أقل سوءاً، وصولاً إلى النجاح في الحصول على دعم روسيا. وفي مستهل الاحتجاجات، أطلق رئيس سوريا سراح مئات السجناء الأصوليين، الذين انخرطوا في صفوف تنظيمي "جبهة النصرة" و"داعش" للقتال. هذا السياق، وعلاوة على قمع المعارضة الديمقراطية السورية، كان سلاحاً ماضياً استغلّه تنظيم البغدادي في العراق كي يمدّ هيمنته إلى سوريا حيث تمكّن من السيطرة على مدن بأهمية تدمر والرقة.

خلال مرحلة غزو العراق حفلت السجون بوسائل تعذيب كانت تُمارس بشكل مُمنهج حيث التحق الكثير منهم فيما بعد بصفوف داعش

قد يكون "داعش" قد انهزم بحرمانه من آخر معاقله في الباغوز، لكن لا ينبغي الخلط بين انتزاع الأراضي منه وبين الهزيمة النهائية. من الخطير للغاية هنا التقليل من شأن تنظيم نجح في استقطاب 50 ألف مقاتل ضمن صفوفه ينحدرون من مختلف الأماكن. كما أنّ زعيم التنظيم لا يزال حياً حتى لحظة كتابة هذا المقال، ما يعبّر عن قدرة "داعش" على التكيّف.

لقد كان التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان خلال الثمانينيات والغزو الأمريكي للعراق في 2003، كمدرستين للأصولية والإرهاب بالنسبة للقاعدة وداعش، على الترتيب، والدرس المُستفاد هنا هو مدى الخطر المحيق عند السماح بإطالة أمد نزاعات مسلّحة تعمّق حالة الاستقطاب وانعدام الاستقرار. ربما جرى شنّ الحرب على الإرهاب من المُنطلق العسكري، لكن يجب شنّها أيضاً على مستوى الفكر والثقافة والجوانب الإنسانية كذلك، بصورة تسهم في التعامل مع المشكلات التي تجابهها الدول الفاشلة التي لا تزال جذور وروافد الجماعات الإرهابية حاضرة فيها بعد.


تحليل لعوامل ظهور تنظيم داعش وأسباب انتشاره، لخابيير بلانكو الأستاذ في جامعة سالامانكا الإسبانية والمتخصص في الإرهاب السلفي الجهادي، نشرته مؤسسة (الأوردن مونديال)

مصدر الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2kQNmI7

للمشاركة:

هذه دوافع أردوغان من العدوان على سوريا

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-14

ترجمة: مدني قصري


شنّ الجيش التركي في الآونة الأخيرة هجومه الجوي والأرضي، شمال شرق سوريا، بهدف طرد المقاتلين الأكراد السوريين، حلفاء الولايات المتحدة أمس، ضدّ داعش، أنقرة تريد إنشاء منطقة عازلة على طول حدودها.
الجميع يدين هذه العملية، لكن من الواضح أنّ دونالد ترامب أعطى الضوء الأخضر في محادثته الهاتفية، يوم الأحد، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نحن هنا في قلب الفوضى الحالية في العالم: التراجع الأمريكي عن التزاماته يترك الأرض حرّة لقوة إقليمية عدوانية، تعمل وفق جدول أعمالها.

اقرأ أيضاً: أكاديميون أتراك: عدوان أردوغان على سوريا "جريمة ضد الإنسانية"
إذا كانت إدارة ترامب تقول اليوم إنّها لا تدعم العمل التركي؛ فالواقع يقول إنّ الجنود الأمريكيين قد انسحبوا بالفعل، منذ بداية الأسبوع، من المناطق التي تعرضت للهجوم، الرئيس لا يدين، فهو يهدّد "بتدمير الاقتصاد التركي" إذا ذهبت أنقرة بعيداً، وهو وحده من سيحكم على ذلك، فقط الكونغرس، بناءً على مبادرة من منتخبين جمهوريين، يبرزون من رئيسهم، في محاولة منهم للضغط على أنقرة.
صراع حليفين
في الواقع؛ يتصارع في هذه الحرب حليفان للولايات المتحدة: تركيا، وهي عضو مهم في الناتو، والمقاتلون الأكراد الذين لعبوا دوراً رئيساً، بمساعدة الغرب، في استعادة المناطق التي يسيطر عليها جهاديو داعش؛ لذلك يتطلب الأمر كثيراً من السخرية؛ أن يترك جيش أردوغان يلاحق الفائزين في الرقة، ولكن بعد كلّ شيء، كما قال ترامب بجدية كبيرة مؤخراً، لم يساعد الأكراد كثيراً أثناء نزول نورماندي..

يتصارع في هذه الحرب حليفان لأمريكا: تركيا، عضو مهم في الناتو، والأكراد الذين لعبوا دوراً رئيساً بالحرب ضد داعش

هذه العلمية ليس لها من دافع سوى إرادة الرئيس التركي للقضاء، أو على الأقل إبعاد وجود هؤلاء المقاتلين الأكراد؛ إنه يريد إنشاء منطقة عازلة مستدامة على الجانب السوري، على طول حدودها.
تصف تركيا المقاتلين الأكراد السوريين بأنّهم "إرهابيون"؛ بسبب علاقاتهم مع حزب العمال الكردستاني، عدوّها الكردي في تركيا نفسها، فهذه الروابط حقيقية، لكنّها ليست سوى القليل من دورها وخسائرها، في المعركة الحاسمة ضدّ داعش.
في البداية؛ يريد الأتراك مطاردة الأكراد، الذين قد لا يجدون خياراً آخر سوى اللجوء إلى نظام دمشق، بدعم من روسيا وإيران، إذا كان الأمر كذلك، فسيكون ذلك نتيجة متناقضة للانسحاب الجزئي الأمريكي.
في خطوة ثانية؛ أعلنت تركيا رغبتها في تثبيت ملايين اللاجئين السوريين الموجودين حالياً على أراضيها، وهو مشروع ذو جدوى مشكوك فيها، قابل للنقاش إنسانياً؛ لأنّ مسألة إعادة هؤلاء السوريين إلى وطنهم الأصلي، ذات تكلفة باهظة، لا أحد سيتولاها، فلعله يأمل في دفع أوروبا إلى دفع هذا الثمن.

أردوغان يكرس هيمنته من أجل بقائه السياسي
إنّ الإدانة العامة في العالم، كما يمكن التنبؤ بها، تقترن بعجز أو بعدم وجود إرادة لوقف تركيا.
ناشدت فرنسا مجلس الأمن الدولي، وهو نهج رمزي إلى حدّ كبير؛ لأنّ هذه الهيئة مشلولة بسبب حقّ النقض المتكرر للقوى العظمى لحماية "زبائنها"، لقد أصبحت الأمم المتحدة مرادفاً للعجز الجماعي.
تعرف تركيا تحت تصرف من يوجد سلاح اللاجئين الرهيب، الذي يروّعون به الأوروبيين، ومن يحمل سلاحاً آخر مع مئات الجهاديين الأجانب، أسرى الأكراد، الذين قد ينتهي بهم المطاف بين يديه.

اقرأ أيضاً: أردوغان يكمّم أفواه معارضي هجوم شرق الفرات
لذلك؛ فهي حلقة شريرة جديدة من هذه الحرب السورية التي استمرت لمدة سبعة أعوام بالفعل، والتي تزرع الموت والمعاناة، ومن علامات هذا الزمن، فإنّ رئيس القوة العالمية الأولى هو الذي يضيف الحرب إلى الحرب، ويغسل يديه من عواقبها المشؤومة.
أما بالنسبة إلى باتريس فرانسيسكي (Patrice Franceschi)، مؤلف كتاب "الموت من أجل كوباني"؛ فإنّ ترك أردوغان حراً ضدّ الأكراد هو "خطأ أخلاقي وسياسي"، حول هذا الموضوع أجرت معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية هذه المقابلة:
"ما يحدث اليوم ليس على الإطلاق صداماً بين الغرب والشرق (...)؛ إنه صدام بين العالم الحرّ والشمولية" ما هو الوضع على الأرض؟
باتريس فرانسيسكي: الأكراد في حالة ذهنية تماماً، كما كان الحال أثناء معركة كوباني ضدّ داعش، عام 2015، إنهم على استعداد للقتال حتى النهاية، الأمر يتعلق ببقاء شعبهم، إنّهم يقاتلون من أجل أسرهم وكرامتهم، وهم يعرفون أنّ أردوغان موجود هنا لإنهاء الشعب الكردي، والتخلص منه نهائياً! هذا هو هدفه بالضبط، إذا استطاع، فإن هو استطاع سيفعل ما فعله المسؤولون الأتراك مع الأرمن في بداية القرن الماضي، لقد بدأ بالفعل التطهير العرقي في عفرين بشرق سوريا؛ حيث طارد أردوغان الأكراد، إنّه ليس صراعاً حدودياً، ولكنه حرب وجودية يريد أردوغان أن يخرج منها منتصراً.
كيف يمكن للأكراد مقاومة الهجوم التركي؟
تماماً كما في كوباني ضدّ داعش! سيقاتلون حتى النهاية إذا لزم الأمر؛ لأنّهم محاصرون من هذا الجانب وذاك، إنّهم عالقون بين سوريا وتركيا، في غضون ذلك، سيقاومون أطول فترة ممكنة؛ أي إلى أن يستيقظ المجتمع الدولي ويتفاعل معهم، تركيا لديها سيارات مدرعة وطيران، والأكراد لديهم شجاعتهم الخاصة، منذ بضعة أسابيع، كانوا يستعدون لهذا الهجوم، لقد أدركوا أنّ دونالد ترامب، الذي أعطى الضوء الأخضر لتدخل أردوغان العسكري، لا ينبغي الوثوق به.
ماذا يمكن للمجتمع الدولي أن يفعل؟
لا بدّ من إجبار دونالد ترامب على تحمل المسؤولية، إضافة إلى ذلك؛ ففي الولايات المتحدة، يتعرض الكونغرس للفضيحة: ما يفعله أردوغان ليس مجرد انتهاك صارخ للقانون الدولي، إنّه يهاجم حلفاءنا، والأشخاص الذين حاربوا داعش لمدة ستّة أعوام على الأرض، بينما لم نكن نريد، نحن الغربيين، إشراك قواتنا على الأرض.

اقرأ أيضاً: المسماري يحذر: أردوغان سينقل آلاف الإرهابيين إلى ليبيا
يجب على مجلس الأمن ألا يدين العدوان التركي فقط؛ يجب عليه أن يقرر العقوبات المشدّدة ضدّ أنقرة، العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي تؤلم، أردوغان لا يفهم سوى هذا، عندما دخلت القوات التركية عفرين، عام 2018، لم نقل نحن أي شيء، دعونا لا نضيف الخزي والعار إلى اللامبالاة، من الخطأ الأخلاقي والسياسي ترك أردوغان يقتل الأكراد.
ترامب تخلى عن الأكراد ومنح تركيا حرية التصرف

لماذا؟
إنّه خطأ أخلاقي؛ لأنّه لا يجوز أن ندع حليفاً يسقط، حارب الأكراد داعش من أجلنا، لسبعة أعوام، دفعوا ثمناً باهظاً من خلال التضحية لمحاربة داعش، بهذا السجل الرهيب: 36000 قتيل أو جريح في صفوفهم.
أخلاقياً: هذا عمل غير محتمل، أن نخذل من قاموا بالعمل ضد داعش من أجلنا، لكنّه أيضاً خطأ سياسي: الأتراك سيشجعون داعش على إعادة ترتيب أوضاعهم وإعادة بناء الخلايا لإضعاف الأكراد، لطالما استخدمت تركيا الجهاديين لإضعاف أعدائها، في عفرين، يستخدمون الآن مقاتلي القاعدة السابقين أو مقاتلي داعش، إنّه في النهاية خطأ سياسي؛ لأنّه ليس صراعاً بعيداً صغيراً، إنّه يتعلق أيضاً بمصداقية الغرب في الساحل، أو في أفغانستان، من خلال التخلي عن الأكراد، يرسل الأمريكيون إشارات مقلقة إلى جميع الذين يحاربون الجهاديين، نحن لا نسيء معاملة حلفاء يقاتلون أعداءنا.
فرنسا لم تقلل دعمها للأكراد؛ هناك حالياً قوات خاصة ترافق الأكراد، هل ما يزال لفرنسا رأي في المنطقة؟
بالتأكيد! والأكراد يعرفون أنّهم يستطيعون الاعتماد على فرنسا، لقد عززت باريس أجهزتها على الأرض في الأشهر الأخيرة، ورحّب إيمانويل ماكرون، رسمياً أو بسريّة، بعدة وفود كردية في الأشهر الأخيرة، وقاد مؤخراً ألمانيا وبريطانيا للانضمام إلينا على الخط نفسه في مجلس الأمن.

من الخطأ الأخلاقي والسياسي ترك أردوغان يقتل الأكراد؛ فالأتراك سيشجعون داعش على إعادة ترتيب أوضاعهم وإعادة بناء الخلايا

لفرنسا موقف مشرف، لكنّ وسائلنا العسكرية محدودة، يجب على فرنسا أن تدفع شركاءها الأوروبيين إلى فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، تركيا في حاجة إلى أوروبا أكثر من العكس.
على الأقل، يمكن أن يستدعي الاتحاد الأوروبي سفراءه غداً، لا يكلف الأمر سوى 28 تذكرة، لكن ميزة هذا الإجراء أنّه سيجعل الأتراك يفهمون غضبنا على الفور، إنّه أمر غريب، ولكن عندما ضمّ بوتين شبه جزيرة القرم، وجد الأوروبيون الموارد لمعاقبة بوتين، عندما تقطع تركيا الحدود وتذبح حلفاءنا، نبقى هادئين، إذاً، سنخاف من بوتين أقل مما نخاف من أردوغان؟

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!
أعتقد أيضاً أنّ بإمكان فرنسا طرد جميع الأئمة الذين تموّلهم تركيا ويعملون في فرنسا، فبعد كلّ شيء؛ نحن لسنا ملزمين بقبول هذا التدخل أمامنا، لدينا نوع من هتلر البوسفور، يجب ألا نرتكب الأخطاء نفسها، كما حدث في الثلاثينيات، فلنطرد تركيا من حلف الناتو، وفوق كلّ شيء، يجب أن نحمي أفضل حلفائنا في المنطقة، ما يحدث اليوم ليس صداماً بين الغرب والشرق على الإطلاق؛ لأنّ العديد من الدول العربية غاضبة أيضاً من عدوان أردوغان، إنّه صدام بين العالم الحرّ والشمولية.
نعم، في هذه المعركة، لدينا رأي نقوله بوضوح.
هل يمكننا تخيل مفاوضات مع أردوغان، خاصة إذا جاءت إدانة من مجلس الأمن؟
لم يعد هناك وقت للثرثرة والتملق واللغو، يجب أن نُظهر لأردوغان أنّ أمامه أشخاصاً لن يتخلوا عن الأكراد، لن يكون هناك ميونيخ ثانية في عام 2019، يريد أردوغان تثبيت مليوني لاجئ على الأراضي الكردية: إنّه تطهير عرقي، فلنُوقفه حالاً، وإلا انقلب هذا العدوان ضدّنا!
آلاف الأكراد يتحدون دكتاتورية أردوغان

التهديدات التركية
إضافة إلى العمل العسكري؛ يلعب رجب طيب أردوغان أيضاً لعبة كلامية ضدّ أوروبا، في مواجهة الانتقادات من الدول الأوروبية، هدّد الرئيس التركي بفتح الأبواب لإرسال "3.6 مليون مهاجر"، لقد تلاشى تدفق المهاجرين من تركيا إلى أوروبا بشكل كبير بفضل اتفاق أبرم عام 2016 بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، لقد أجابه رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، بحزم شديد؛ حيث قال للصحفيين: "لن نسمح أبداً باستخدام اللاجئين كسلاح للضحك علينا"، وقال دونالد تاسك، عقب اجتماع مع الرئيس القبرصي، نيكوس أناستاساديس: "يجب أن تفهم تركيا أنّ شاغلنا الرئيس هو أنّ تصرفاتها قد تؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة، وهذا أمر غير مقبول"، "عملية تركيا العسكرية الأحادية الجانب تثير مخاوف خطيرة، ويجب أن تتوقف، يجب حلّ المخاوف الأمنية التركية من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، أما التدخل العسكري فسيزيد الأمور سوءاً".
هدفان
لأردوغان هدفان متزامنان: دفع القوات الكردية إلى أقصى حدّ ممكن من الحدود، ومنعها من إنشاء دولة ملاصقة لتركيا، وإنشاء منطقة عازلة طولها 30 كيلومتراً يعتزم أن ينقل إليها، لا أحد يدري في أي ظروف، ما يصل إلى مليوني سوري، أكثر من نصف الذين لجؤوا إلى تركيا في الأعوام الأخيرة.
مغامرة خارجية ليست مصادفة
يوم الأربعاء، قصفت دولة عضو في حلف الناتو، المزودة بطائرات أمريكية من طراز "F-16"، القوات الديمقراطية السورية (SDF)، التي زود محاربوها من القوات الكردية (YPG)، أفضل حليف محلي للغربيين في الحرب ضدّ داعش، ويبدو أنّ الهدف الأول من الهجوم هو مدينة الأبيض، التي انسحب منها الجيش الأمريكي المنتشر في المنطقة منذ إعلان دونالد ترامب هذا الانسحاب، يوم الأحد.
زيادة زعزعة الاستقرار في المنطقة
وبهذه الطريقة، يسهم أردوغان في زيادة زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن خلال مهاجمة خصمه المحلي الرئيس؛ فهو يُسهّل إعادة تشكيل قوات داعش وهي، رغم ما أكّده دونالد ترامب يوم الأحد، بعيدة عن أن تهزم مئة بالمئة، العامل المجهول الرئيس في القضية هو مصير الآلاف من جهاديي داعش الذين احتجزتهم قوات سوريا الديمقراطية، ومن بينهم كثير من الفرنسيين، الذين يمكنهم اغتنام الفرصة للفرار، إضافة إلى ذلك، يُقوي أردوغان يد بشار الأسد وحليفتيه الرئيستين؛ روسيا وإيران، اللتين يدعمهما حلفاؤهما المحليون برحيل الأمريكيين، وضعف الأكراد.

لطالما غضّت أنقرة الطرف عن الجهاديين الأجانب وكان كثير منهم يسافرون عبر تركيا للقتال في سوريا بمن فيهم داعش

ليست المغامرة الخارجية لأردوغان بعد بضعة أشهر من الانتكاسات المريرة التي تعرض لها في الانتخابات البلدية قبل الصيف، بأيّ حال من الأحوال، مصادفة، في تحليل الدوائر الحاكمة التركية، فإنّ فقدان إسطنبول وأنقرة والمدن الرئيسة الأخرى التي انتقلت إلى أيدي المعارضة، يرجع إلى حدّ كبير إلى سخط السكان ضدّ حوالي 3.7 مليون من اللاجئين السوريين في البلاد، المطالبة بنقلهم إلى سوريا تهدف إلى تهدئة هذا الغضب، بالنسبة إلى أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، تشكل خسارة المدن الكبرى تهديداً خطيراً لنظام التمويل شبه المافياوي، المعمول به منذ 25 عاماً، للاستفادة من الصفقات العامة للبلديات وأسواق العقارات.
أردوغان يكرّس هيمنته من أجل بقائه السياسي
"إنّ إستراتيجية تركيا ليست مجرد تمرين جيوسياسي"؛ هكذا قال جونول تول، مدير مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن (magazine américain Foreign Affairs)، على موقع مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية على الإنترنت، الأربعاء: "بالنسبة إلى أردوغان؛ إنّه أولاً وقبل كلّ شيء مرتبط ببقائه السياسي".
تهدف سياسة أردوغان السورية بأكملها، وفق المحلل جونول تول، إلى تعزيز هيمنته على الساحة السياسية الداخلية التركية، بعد بدء الصراع السوري، عام 2011، دعم رجل تركيا القوي الإسلاميين ضدّ نظام بشار الأسد، ولطالما غضّت أنقرة الطرف عن الجهاديين الأجانب، وكان كثير منهم يسافرون عبر تركيا للقتال في سوريا، بمن فيهم أولئك الذين انضموا إلى صفوف داعش.

اقرأ أيضاً: أردوغان وسياسة "الذئب الرمادي": مشهدية استعراضية تخفي الواقع
كان الأمر بالنسبة إلى أردوغان، في ذلك الوقت، هو تعزيز الدعم الذي كان يتمتع به في صفوف الإسلاميين الأتراك، في الوقت الذي بدأ فيه عملية كبرى لأسلمة نظام التعليم التركي، عندما أجبرته الانتكاسات الانتخابية الأولى، عام 2015، على التحالف مع حزب قوميّ متشدد، انفصل عن الأكراد وهاجم الأكراد السوريين، من خلال توغّلين عسكريين أوّليين في شمال سوريا.
سرعان ما أصبحت انتصارات الأكراد العسكرية ضدّ داعش، بدعم من الغربيين، كابوساً لأردوغان، منعُهم من إنشاء شبه دولة كردية، من النوع الذي أنشؤوه في شمال العراق، أصبح أولوية أنقرة العليا، منذ عام 2017، اكتمل انقلاب أردوغان ضدّهم، بالتحالف مع القوات الموالية للأسد المدعومة من روسيا، ليظهر أردوغان، الذي نجح في إقناع ترامب بالتخلي عن الأكراد، كم هو غير مهتم الآن بالمصالح مع الأوروبيين.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lepoint.fr/monde

للمشاركة:



حصيلة قتلى ميليشيا الحوثيين خلال 7 أيام في "حجة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

أعلنت القوات الحكومية، أمس، مقتل أكثر من 100 من عناصر ميليشيا الحوثي، خلال ٧ أيام من المعارك، بمختلف المحاور في محافظة "حجة" شمال غرب اليمن.

وقال المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة، في صفحته على فيسبوك: إنّ "العشرات من عناصر الميليشيات الحوثية الانقلابية، قتلوا خلال المعارك التي استمرت 7 أيام في مختلف محاور الجبهة بمحافظة حجة.

القوات الحكومية تعلن مقتل أكثر من 100 من مسلحي الحوثي خلال ٧ أيام من المعارك في "حجة"

وقال رئيس المركز المقدم "بندر المهدي": إنّ "عدد قتلى المليشيات في اليومين الأولين للمعارك كان 84 قتيلاً وعشرات الجرحى، كما وقع عدد آخر من الأسرى في قبضة الجيش".

وأضاف: "المعارك أسفرت عن "انكسار  للميليشيات مخلفة قتلى وجرحى وأسرى".

وبحسب المهدي؛ فقد شنّ طيران التحالف عشرات الغارات على مواقع المليشيات ومعداتها مما ضاعف الخسائر في العتاد و الأرواح.

وفي سياق مرتبط بانتهاكات الحوثيين؛ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، أمس، وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام فقط، من الأول من تشرين الأول (أكتوبر) وحتى 10 من الشهر ذاته، في المحافظات اليمنية التي تقع تحت سيطرتها، أو المحافظات والمدن التي ما تزال تتعرض لهجمات المقذوفات المختلفة من قبل عصاباتها المسلحة.

الشبكة اليمنية للحقوق والحريات توثق وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام

وأفادت الشبكة، في تقرير ميداني لها، وفقاً لصحيفة "عكاظ" السعودية، أنّ الانتهاكات بحقّ المدنيين التي ارتكبتها ميليشيا الحوثي توزعت بين القتل والإصابة والخطف والقصف العشوائي على الأحياء الآهلة بالسكان، والقنص المباشر وزرع العبوات الناسفة، والتهجير القسري، وتقويض سلطات الدولة، وزراعة الألغام، ومداهمة المنازل، وترويع المواطنين، ونقل السلاح إلى الأحياء السكنية، وإغلاق دور العبادة، ونهب وتفجير المنازل، وغيرها من صنوف الانتهاكات.

 

للمشاركة:

"التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سلّطت صحيفة "التايمز" البريطانية الضوء على قصة الطفل الكردي محمد، البالغ من العمر 13 عاماً، الذي احترق جسده بشدة بمادة الفسفور الأبيض، وبات يصارع الألم والموت، جراء قصف تركي طال رأس العين، شمال سوريا قبل أيام.

وأكّدت الصحيفة؛ أنّ إصابة محمد دليل واحد وقوي على العديد من الأدلة المتزايدة، التي تؤكّد استخدام تركيا لأسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد السوريين.

حالة الطفل الكردي محمد دليل إضافي على أنّ تركيا تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد

وانتشرت مأساة الطفل الكردي على مواقع التواصل الأجنبية، وارتفعت الأصوات مناشدة بضرورة محاكمة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على جرائم الحرب المرتكبة وعمليات التطهير العرقي ضدّ الأكراد، في شمال سوريا، وفق ما نقلت "رويترز".

وأفادت الصحيفة، نقلاً عن مراسلها، أنتوني لويد، الذي غطى القصة "كانت حروق الطفل المتألم الذي أُحضر إلى المستشفى السوري الكردي في تل تمر كافية لجعل الطاقم الطبي يتصلب فزعاً مما شاهده؛ حيث تعرض الطفل لحروق مروعة بعد غارة جوية تركية على بلدته، فجر الأول من أمس.

ووفق ما قاله والده؛ فقد كانت "الجروح الرهيبة التي أصابت محمد حميد، البالغ من العمر 13 عاماً، من أكتافه واخترقت بعمق جسده تشير إلى أنّ إصاباته نجمت عن شيء أسوأ بكثير من الانفجار وحده".

وأضافت الصحيفة: "هذه الحالة تقدم دليلاً إضافياً على مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أنّ تركيا، العضو في حلف الناتو، تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد في هجومها الذي استمر ثمانية أيام على شمال سوريا".

وتابعت: "لقد كانت صيحات محمد لا توصف بين جرحى الحرب؛ بسبب جسده المحترق من حلقه حتى وسطه، حتى إنّ أحد الرجال انفجر باكياً عند رؤية الطفل."

إلى ذلك، أوضحت الصحيفة أنّ الذخائر التي أحرقت جسد محمد انفجرت خارج منزل عائلته في رأس العين، وسط قصف تركي عنيف، الأربعاء الماضي، محولة الشارع إلى بحر من اللهب والجثث المحترقة.

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ محمد يصارع الموت، لا سيما أنّه لا توجد أيّة وسيلة لنقله إلى مكان آخر لتلقي العلاج.

وأضافت أنّه "رغم أنّ والد محمد نجح في إخراجه من رأس العين ليلاً، مع زوجته وثلاثة أطفال آخرين، إلا أنّ الأطباء يقولون إنّه يعاني من حروق تزيد عن 70٪؜ من جسمه، ومن غير المرجح أن يعيش دون علاج متخصص."

من جهته، قال هاميش دي بريتون جوردون، خبير الأسلحة الكيميائية البريطاني، بعد أن فحص صور لحروق الطفل محمد: "يبدو أنّ هذه الحروق العميقة سببها الفوسفور الأبيض".

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ العديد من الصور ظهرت في الأيام الأخيرة، كاشفة مثل هذا النوع من الحروق.

يذكر أنّ الفسفور الأبيض، سلاح يمكن استخدامه عن طريق القصف الجوي أو المدفعي، ويتفاعل مع الرطوبة في الجلد بطريقة تزيد من احتراقه؛ حيث لا يستطيع الماء إخماده.

وقد اتهم عدة مسؤولين أكراد تركيا باستخدام المادة الكيميائية المحظورة ضدّ الأهداف المدنية بموجب اتفاقيات جنيف.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أكّدت، أمس؛ أنّ القوات التركية والفصائل الموالية لها ارتكبت جرائم حرب شمال سوريا.

 

 

للمشاركة:

بعد فشل إخوان الجزائر في ركوب الحراك.. ما هي خطتهم البديلة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

قال الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بالجزائر، عمار سعداني: إنّ التيارات الإخوانية في بلاده، تحاول في الوقت الراهن، مهادنة الحراك بعد أن فشلت في ركوبه وتسلق مطالبه.

سعداني: التيارات الإخوانية تحاول في الوقت الراهن مهادنة الحراك؛ لأنّها فشلت في ركوبه

وانتقد سعداني، في تصريحات نقلتها مواقع إلكترونية محلية، تلك التيارات الإخوانية بقياداتها الحالية، واتهمها بـ "مساندة مشروع المقاطعة الذي يصبّ في مشروع الدولة العميقة لا المشروع الوطني"، في إشارة إلى مقاطعة التيارات الإخوانية انتخابات الرئاسة المقبلة، مشدّداًعلى أنّ غالبية المتظاهرين يقفون ضدّ الحركة الإخوانية.

وأكّد أنّها "قاطعت الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ من هم في الحراك أغلبيتهم ضدّ "حمس" (التسمية المختصرة للحركة الإخوانية)".

وكشف سعداني، للمرة الأولى، العراقيل التي لطالما وضعها الإخوان في طريق التقريب بين الجزائريين، وذكر أنّه عندما كان أميناً عاماً لحزب جبهة التحرير الحاكم (2013-2016)، حاول التقريب بين "الوطنيين والإسلاميين (الإخوان) وقام بعدة خطوات، لكن، للأسف، باءت كلها بالفشل".

عمار سعداني

وأرجع ذلك إلى اعتقادهم بأنّهم "أصحاب الرأي، وهم على حقّ، ولا يمكنهم الاقتراب من الوطنيين"، وشدّد على أنّ مقاطعتهم للانتخابات لن "تأتيهم بالفائدة".

وزعمت حركة مجتمع السلم الإخوانية وجبهة العدالة والتنمية؛ أنّ قرار مقاطعتها للانتخابات يعود إلى "عدم توفر ضمانات لنزاهة الانتخابات"، على الرغم من أنّها كانت من أكثر الداعين إلى الإسراع في إجرائها، وتنصيب السلطة المستقلة للانتخابات.

الإخوان قاطعوا الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ معظم من في الحراك ضدّهم

وردّ القيادي البارز في الحزب الحاكم بالجزائر على التبريرات الواهية للإخوان، بالإشارة إلى أنّ بلاده تمرّ بمرحلة انتقالية صعبة، "لا توجد فيها مؤسسات، وبخلاف المؤسسة العسكرية، فإنّ بقية المؤسسات تعاني، فالرئاسة ضعيفة وكذلك البرلمان، دون أن ننسى المطالب برحيل الحكومة".

وأوضح أنّه "كان من المفروض أن تذهب هذه التيارات الإخوانية إلى الرئاسيات، ولو ناقصة، أحسن من ألا تذهب إليها"، مشدداً على أنّ "التيارات تعتقد بأنّها تريد ربح الحراك، لكنّها لا تستطيع ربحه، لأنّها غير موجودة في الحراك أو خارجه".

 

 

للمشاركة:



انقسامات جبهة الإنقاذ تنهي أسطورة الأحزاب الإسلامية في الجزائر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

صابر بليدي

انتقلت عدوى خلافات الإسلاميين في الجزائر، لأول مرة إلى أعرق الأحزاب الإسلامية جبهة الإنقاذ، وباتت بوادر الانشقاق غير المسبوق تلوح في صفوف جبهة الإنقاذ الإسلامية، تحت ضغوط التغيرات المتسارعة في البلاد.

وانقسمت القيادات لأول مرة في تاريخ الحزب المحظور، بين داعم لخيارات المؤسسة العسكرية ومحافظ على خط معارضة السلطة.

وظهرت خلافات عميقة في هرم قيادة حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، حول تقييم التطورات السياسية في البلاد، لاسيما منذ انطلاق احتجاجات الحراك الشعبي في شهر فبراير الماضي، بشكل يوحي بنهاية وشيكة للجبهة التي أنهكت السلطة الجزائرية طيلة العشريات الأخيرة، رغم منعها من النشاط الرسمي في البلاد.

وفيما يتمسك الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ علي بلحاج، بمواقفه المعارضة للسلطة والمؤيدة للحراك الشعبي، شقت قيادات أخرى على غرار علي جدي، عصا الطاعة وأعلنت ولاءها وتأييدها لقيادة الجيش، على خلفية ما أسمته بـ”التوجهات والعقيدة الجديدة للجيش الحامية لثورة الشارع السلمية، والمؤيدة لخيارات الأغلبية الشعبية”.

ورغم تفادي الطرفين الخوض في مسألة الخلافات غير المسبوقة، لمنع تمدد الانشقاقات، إلا أن التصريحات التي أدلى بها القيادي علي جدي، بخصوص وقوفه إلى جانب توجهات المؤسسة العسكرية في تنظيم الانتخابات، وتثمين مواقفها الحامية للحراك الشعبي من الانزلاقات العنيفة، عكس توجهات التسعينات التي فتحت أبواب الحرب الأهلية في البلاد، توحي بأن مراجعات سياسية عميقة تجري داخل أعتى أحزاب المعارضة الإسلامية في البلاد.

ويتمسك في المقابل، الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ، برفض الخيارات المطروحة من طرف السلطة، وما انفك يعرب عن دعمه للمعارضة وقوى الحراك الشعبي، ويشدد على ضرورة الاستجابة للمطالب السياسية المرفوعة منذ ثمانية أشهر، محاولا في كل مرة اختراق التحفظ الأمني المضروب عليه بغية الالتحاق بصفوف المحتجين في العاصمة.

وجبهة الإنقاذ الإسلامية هي حزب جزائري سابق تم حله بقرار من السلطات الجزائرية في مارس 1992، وشاركت في الصراع المسلح بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لها وللإسلام السياسي، وذلك خلال الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء في الجزائر عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر.

ويتفادى إسلاميو جبهة الإنقاذ الخوض في المسائل التنظيمية داخل الحزب بدعوى قرار الحظر الساري منذ تسعينات القرن الماضي، ويتعللون بعدم منح أولوية لمناقشة المسائل الداخلية للحزب في ظل الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد خلال الأشهر الأخيرة، لكن ذلك زاد من تعمق الخلافات العميقة التي أنهت أسطورة أكبر الأحزاب التي استحوذت على الانتخابات النيابية التي جرت في مطلع التسعينات.

ويرى متابعون أن وفاة عباس مدني الرجل الأول في الحزب شهر أفريل الماضي، أنهت حالة الإجماع الداخلي، وأن الخلافات باتت واضحة لدى الحلقات القيادية الحالية، لاسيما بين علي جدي وعلي بلحاج، خاصة حول التعاطي مع دور ونفوذ المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي القائم.

ولم تسمح المراجعات غير المعلنة في صفوف إسلاميي جبهة الإنقاذ بعد العشرية الدموية التي أدت إلى مقتل نحو ربع مليون جزائري بين 1990 و2000، بالحفاظ على الانسجام بين قيادات الحزب، فعلي بلحاج الذي تنازل عن تشدده ومعاداته للتيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى، وعلي جدي الذي صار مؤيدا لقيادة العسكر، صارا خصمين لدودين سيشقان الحزب الذي جمعهما منذ بداية التعددية السياسية في البلاد.

وعكس ما كان متوقعا لدى أنصار ومناضلي جبهة الإنقاذ، بخلافة علي بلحاج للراحل عباسي مدني، ولو بصفة مؤقتة باعتباره نائبا في قيادة الحزب منذ تأسيسه وإلى غاية حظره، إلا أن الأمر لم يتم بسبب رفض قيادات أخرى تريد زحزحة من تصفهم بـ”التيار المتشدد”، وعدم السماح لهم بالاستمرار في مناصب القيادة في أبعد السيناريوهات، وهو ما أدى إلى استمرار الشغور في منصب الرجل الأول، رغم مرور سبعة أشهر على وفاة عباسي مدني، في منفاه الاختياري بدولة قطر.

وإذا كان الانشقاق في جبهة الإنقاذ جديدا في المشهد الجزائري، فإنه يعتبر حالة عادية بالنسبة للأحزاب الأخرى، ففيما يلاحظ انسجام بين قطبي التيار الإخواني (حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية)، في مسألة الانتخابات الرئاسية والأوضاع السياسية السائدة في البلاد، فإن إسلاميين آخرين أو محسوبين عليهم انخرطوا في المسعى طواعية، ومنهم من ترشح لخوض الاستحقاق، على غرار رئيس حركة البناء الوطني عبدالقادر بن قرينة.

وتتجه أحزاب وشخصيات إسلامية إلى التخلص من عباءة التيار الإسلامي، والتلحف بثوب التيار الوطني (القومي)، تقربا من توجهات قيادة المؤسسة العسكرية، عبر ما بات يعرف لدى الموالين لها بـ”النوفمبرية الباديسية”، نسبة لرمزية ثورة التحرير التي انطلقت في شهر نوفمبر، وعبدالحميد بن باديس، الذي تزعم التيار الإصلاحي خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما يوحي ببروز معالم حلف بين العسكر وقوى سياسية لا تمانع في ممارسة السياحة الأيديولوجية.

وأمام ترشح بن قرينة عن حركة البناء الوطني، وهو أحد المقربين من الراحل محفوظ نحناح، مؤسس حركة حمس الإخوانية، انضمت قيادات وأحزاب في حركة النهضة والإصلاح وحتى جبهة الجزائر الجديدة، إلى قطب سياسي قومي لا يزال يبحث عن مرشح له في الانتخابات الرئاسية، ويتخذ من خطاب دعم قيادة الجيش، ومعاداة العلمانية والمخارج الانتقالية للأزمة السياسية مبادئ أساسية له.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

من هو عاصم عمر الذي "أخفى" أسامة بن لادن لسنوات في باكستان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

لقي عاصم عمر، أمير تنظيم القاعدة في جنوب آسيا، حتفه في عملية عسكرية أمريكية أفغانية مشتركة الشهر الماضي، بحسب مصادر استخباراتية أفغانية.

فقد لقي عمر حتفه في غارة على مجمع تابع لحركة طالبان في إقليم هلمند في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، وهي الغارة التي أسفرت أيضا عن مصرع 40 مدنيا على الأقل.

فمن هو عاصم عمر؟

في فيديو يرجع تاريخه لـ 9 سبتمبر/أيلول عام 2014 أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تولية الباكستاني "مولانا عاصم عمر إمارة التنظيم في جنوب آسيا"، كما قام بتسميته متحدثا باسم التنظيم في جنوب آسيا.

وكان قد عرف عن عمر قبل هذه الخطوة كونه منظرا وخطيبا مفوها من القطاع الباكستاني من كشمير، وكان عضوا بارزاً في القاعدة لسنوات عديدة.

وأشارت المعلومات إلى توليه رئاسة لجنة الشريعة داخل تنظيم القاعدة لسنوات قبل توليه قيادة التنظيم في جنوب آسيا.

وتقول التقارير إن عمر، الذي كان في أواخر الأربعينيات من عمره لدى مصرعه، قد قضى سنوات طويلة من عمره في أفغانستان وكان من المقربين من زعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن.

وكان ذات يوم من نشطاء مجموعة الجهاد الإسلامي في كشمير ذات الصلة بالقاعدة، وقد أشارت التقارير إلى علاقته الوثيقة بالمتشددين في كشمير لذلك تم تعيينه زعيما للقاعدة في جنوب آسيا.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر من المناطق القبلية في باكستان على الحدود مع أفغانستان القول إنه عقب مصرع بن لادن كان الظواهري يسعى لإعادة تنظيم القاعدة وركز اهتمامه على جنوب آسيا.

وتابعت المصادر قائلة: "بدأت القاعدة تجند مقاتلين في أفغانستان، وعين عاصم عمر أميرا للتنظيم في جنوب آسيا لصلته القوية بالإسلاميين داخل باكستان".

وقالت المصادر إن عمر هو الذي سهل انتقال بن لادن إلى ملاذ آمن في مدينة آبوت آباد الباكستانية حيث عاش لسنوات دون أن يعرف أحد بذلك إلى أن نجحت القوات الأمريكية في قتله.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر مطلعة القول إن عمر كان شديد التدين وألّف 4 كتب على الأقل تحرض على الجهاد أحدها عن شركة بلاك ووتر الأمنية الأمريكية وكان عنوانه "جيش المسيح الدجال".

كما أصدر العديد من الفيديوهات التي تحرض أهالي كشمير على الانضمام إلى المسلحين في حربهم ضد "الكفار"، وكان دائما ما يذكر متابعيه بأمجاد الهند الماضية في ظل الحكم الإسلامي الذي هيمن على الهند لقرون.

وتقول مصادر باكستانية إنه قضى 16 عاما على الأقل في أفغانستان، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها دوائر الجهاد عندما درس في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي.

كما درس عمر أيضا في مدرسة العلوم الحقانية الباكستانية التي كان يديرها مولانا سامي الحق المعروف بأبي طالبان لأنه قام بتدريس عدد كبير من قادة الحركة.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

قصة الدبلوماسي السوري سامي الدروبي مع دوستويفسكي وعبدالناصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سيد محمود 

يشعر كل القراء العرب من هواة الأدب الروسي أنهم مدينون بشكل شخصي للمترجم السوري الدكتور سامي مصباح الدروبي (27 نيسان 1921-12 شباط 1976)، الذي تولى تقديم علامات هذا الأدب، وورطهم في حب دوستويفسكي، وبعض أعمال تولستوي وبوشكين وميخائيل ليرمنتوف.

فعل الدروبي ما فعله انطلاقا من قناعة وإيمان بجدارة تلك النصوص، ولا يزال اسمه بعد سنوات من وفاته أقرب ما يكون إلى "علامة مميزة" أو "شهادة ضمان" تشير إلى جودة المحتوى.

كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين هو صاحب الوصف الأهم للدروبي، حين كتب "إن سامي الدروبي مؤسسة كاملة".

أنجز الدروبي مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، فقد عمل أستاذا جامعيا للفلسفة في حمص، ثم عميداً لكلية التربية بجامعة دمشق فوزيراً للمعارف، ثم سفيراً لسوريا في يوغسلافيا، مصر، إسبانيا، والمغرب، ومندوبا لسوريا في جامعة الدول العربية في القاهرة التي كانت أقرب المدن لمزاجه وقلبه.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة.

وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره.

وتحفل مذكرات زوجته إحسان البيات بالكثير من التفاصيل الكاشفة عن عمق العلاقة مع عبدالناصر وعائلته، لدرجة أن عبدالناصر كان يهتم بالحالة الصحية لسامي كما كان يدعوه بعد إصابته بمرض القلب، بل بعث إليه دواء يابانياً أرسل في طلبه خصيصا.

وتعرض سامي لفقد ابنته وهي طفلة، وكانت من الأزمات الكبيرة التي عاشها، وهاتفه عبدالناصر معزيا ودعاه للمكوث معه شهراً في الإسكندرية بعد تلك الأزمة في استراحة الرئاسة.

وحدث مرة أن طلب منه عبدالناصر أن ينقل رسالة لأحمد بهاء الدين، بأنه لن يعتقله رغم المقالات التي كان ينشرها وتدفع بمساعدي الرئيس للتحريض عليه، لأنه يعرف أن بهاء الدين "يكتب من دماغه".

وعُيِّنَ أول سفيرٍ لسوريا في القاهرة بعد الانفصال ومندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية في 1966/9/1 ثم اختير سفيراً للجمهورية العربية السورية في مدريد بإسبانيا في 1971/11/27، ثم سفيراً لدى الفاتيكان في تشرين الأول 1973، وفي 1975/10/12 طلب إعادته إلى دمشق لأسباب صحية وبقي سفيراً في وزارة الخارجية، وظل يعمل في أعماله الأدبية وفي حقل الترجمة وإنجاز مشاريعه الأدبية رغم ظروفه الصحية القاسية.

ولم يكن عبدالناصر يشعر بالغيرة مثل السيدة إحسان البيات، زوجة الدروبي التي كتبت كتابا فريدا عن زوجها، أشارت فيه على سبيل السخرية إلى شعورها بـ"الغيرة"، لأنها كانت تعرف أن زوجها يعطي فيودور دوستويفسكي أكثر مما يعطي لأي فرد من أفراد العائلة.

ففي إحدى الأمسيات دعيت أسرة الدروبي إلى عشاء في بيت السفير السوفيتي فينوغرادوف، فقال لها مندهشاً "عندما قيل لي إن السفير السوري أنهى ترجمة 18 مجلداً لدستويفسكي رغم أعبائه كسفير عربي بالقاهرة تعجبت، وقلت أسألكِ: كيف وجد الوقت؟"، فكانت إجابة إحسان أن زوجها يوزع وقته بدقة فائقة بين عمله الرسمي بالسفارة والبيت، وأن دستويفسكي ضرتها. وبعد أقل من شهر زارهما السفير السوفيتي في عيد رأس السنة وحمل لهما هدية، لوحة زيتية لدستويفسكي، وقال مازحا "أرجو من السيدة إحسان ألا تزعجها هديتي.. الضرة"، وانفجروا ضاحكين من تحول دستويفسكي لجزء من حياتهما.

يقول الدروبي في أحد لقاءاته "شعرت أن بيني وبين دوستويفسكي أنساباً روحية، ووجدت نفسي فيه، وصرت أتحرّك في عالمه كتحرّكي في بيتي، وأعرف شخوصه معرفة أصدقاء طالت صحبتي معهم، حتى لأكاد أحاورهم همْساً في بعض الأحيان".

كانت إحسان البيات شريكة العمر والتجربة والترجمة، فعندما تزوجت الدروبي طلب منها ترك عملها بالإذاعة والعمل معه كسكرتيرة وزوجة، وكان يترجمان معا، فهو يمسك بالكتاب في أصله الفرنسي يقرأ، وهي تكتب ما يمليه عليها.

وفي تجربة الدروبي الكثير الذي يفسر ولعه بدوستويفسكي، الذي يصفه الجميع بأنه أهم خبراء علم النفس، فالدروبي الذي جاء من مدينة حمص إلى القاهرة في الأربعينيات لدراسة الفلسفة وعلم النفس في جامعة القاهرة، قبل أن يحصل على دكتوراه في التخصص، جاء لمصر وأهّل نفسه للتعاطي مع مدينة كانت تعيش "سنوات الغليان" قبل ثورة 1952، وخلال سنوات دراسته بالقاهرة ارتبط بصلات وثيقة مع زملائه من الطلاب الذين مثلوا جيلا ضم أسماء مثل محمود أمين العالم ويوسف الشاروني ومصطفي سويف وبدر الديب ولطيفة الزيات، وكانوا جميعا من الأدباء الراغبين في التغيير، ولديهم طموح بكتابة إبداعية مختلفة تكسر السائد والمألوف.

وحين باشر الدروبي نشر ترجماته خلال حقبة الخمسينيات والستينيات وجد دعما وترحيبا من أقلام كبيرة، في مقدمتها أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وأحمد حمروش وآخرين كانوا يعرفون عنه ولعا استثنائيا بدوستويفسكي، الذي ترجم له أكثر من 11 ألف صفحة، وهو مريض في القلب مرضا لا يمكّنه من الاستلقاء على سريره أثناء النوم، كما أنجز 5 مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي يصل عدد صفحاتها إلى 5 آلاف صفحة، وهو في صراع بين الحياة والموت.

وعلى الرغم من أنه كان يترجم عن الفرنسية وليس عن الروسية إلا أن دقتها وعذوبة لغتها دفعت "دار التقدم" الروسية إلى اعتمادها بعد تنقيحها قليلاً في ضوء النصوص الأصلية، من خلال المترجم المصري الراحل أبوبكر يوسف، الذي رأى أن ذلك أفضل من إعادة ترجمتها عن الروسية مباشرة، ولا تزال هي الترجمة العربية الوحيدة والأكثر قبولا لدى القراء، الذين كانت مقدمات الدروبي لتلك الأعمال مداخلهم الأولى لاكتشاف دوستويفسكي والتعرف على عالمه الخصب.

ويمكن القول إن دستويفسكي خطف الأضواء من ترجمات الدروبي الأخرى ومن مؤلفاته أيضا، فقد ألف كتاباً بعنوان "الرواية في الأدب الروسي"، صدر بعد وفاته بـ6 سنوات 1982م عن دار الكرمل في دمشق.

وترجم رائعة تولستوي "الحرب والسلم"، وأهم عمل لليرمنتوف "بطل من هذا الزمان"، ولبوشكين "ابنة الضابط"، ومؤلفات الأديب اليوغوسلافي البوسني إيفو أندريتش ، منها "جسر على نهر درينا"، قبل أن يحصل صاحبه على نوبل.

بلغت ترجمات الدروبي 80 كتاباً، منها أيضا ثلاثية الكاتب الجزائري محمد ديب "الدار الكبيرة، الحريق، النول (عن اللغة الفرنسية)"، وترجمته المهمة لكتاب "الضحك" للفيلسوف هنري برجسون، لكن ما خلده حقا هو دوستويفسكي.

عن موقع "العين الإخباري"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية