"إذا لم أسرقه أنا سيسرقه شخصٌ آخر"!

"إذا لم أسرقه أنا سيسرقه شخصٌ آخر"!

مشاهدة

26/05/2021

لا ينفصل العنف البشري عن حالات الظلم التي تقع على الأفراد والمجتمعات، وهذا يأخذنا إلى أنّ المروجين للعنف باعتباره طبيعة أصيلة في الإنسان، هم المستفيدون من غياب العدالة؛ فالعدالة لا تعني لجم الغرائز العنفية للأفراد، بل تعني رفع الظلم عنهم وتحقيق الكرامة الإنسانيّة، وهذا ما وضحه مقطع الفيديو الذي تم تناقله على وسائل التواصل الاجتماعي إبّان طرد الفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جرّاح المقدسي، وما دار من كلام بين امرأة فلسطينيّة ومستوطن صهيوني: ( ـــــ يعقوب أنت تسرق منزلي/ ــــ إذا لم أسرقه أنا سيسرقه شخصٌ آخر/ ــــ ليس مسموحاً لأي شخص سرقته/ ــــ ارجعي إلى حيفا/ ـــــ ارجع أنت إلى أمريكا)، ربما وضح هذا المقطع للمشاهد، من يقف وراء العنف، ولماذا يغذّيه.

كل التبريرات التي قدمها يعقوب هي تبرير للعنف، هذا التبرير الحاضر على حساب التعاطف الإنساني

إنّ الاستثمارات العالميّة في مناخ العنف العام، لا يمكن أن تجني أرباحها ما لم يعتقد الجميع بضرورة العنف، وهذا لا يتمُّ إلّا عبر جعله  يحظى بمقبوليّة عامة، يمكن أن توفرها العقائد التي تغذي وتتغذى على العصبيات باعتبارها الطريقة المُثلى لتبرير العنف وتدويره، كل التبريرات التي قدمها يعقوب هي تبرير للعنف، هذا التبرير الحاضر على حساب التعاطف الإنساني، حيث لم نتكمن من التماس أي تعاطف لا في جمله ولا في تعابير وجهه ولا حتى في حركات جسده، حقاً لقد أجادت أيديولوجيا المنظومات السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية تربيته، أو بالأصح تدجينه. ليصبح العنف وسيلةً ضروريةً لتحقيق الوجود، وغاية تملأ نقصه، فكيف يمكن أن نطلب من العقل المدجّن على التنافس والطموح والتملّك أن يكون متعاطفاً؟

اقرأ أيضاً: ما معنى "نحن لا نحلّ ولا نربط"؟

المناظرة الأشهر في الربع الأول من القرن العشرين، والتي جمعت كلاً من عالم النفس "سيغموند فرويد" وعالم الفيزياء "ألبرت أينشتاين"، خلُصت إلى أنّ العدوانية غريزة ترتكز على ميول ونوازع متجذّرة في الإنسان، وقد سبقهم إلى ذلك الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، حين ذهب إلى أنّ الإنسان ذئب الإنسان، لقد استرشد هؤلاء وغيرهم في الحكم على النفس البشرية من مجمل الآثار الناجمة عن السلوك الفردي والاجتماعي، إذ ما يزال العنف حتى الآن يتردد في جوانب المجتمعات الإنسانيّة كافةً، ويحتل الجانب الأكبر من طبيعة العلاقات التي تحكمها، وهذا ما جعلهم محقون فيما وصلوا إليه، ولكن بعينٍ أكثر تشككاً يظهر بوضوح أنّ خلاصاتهم بُنيت على نتائج السلوك الإنساني وليس على أسبابه، وهذا ما تمّ توظفيه من قبل القوى المهيمنة كذريعةٍ لحدوث ما يحدث من تدهورٍ متسارعٍ في المنحى الإنساني.

اقرأ أيضاً: ماذا فعلت بنا ثقافة الكمّ؟

يقول الكاتب المسرحي الإنجليزي "إدوارد بوند": "تمتلك الكلاب قدرةً على العوم ما إن نزلت إلى الماء للمرّة الأولى، لكنها لا تعتمد على العوم، لأنها لا تحتاج الخوض في الماء لتعيش، وعليه، يمكن اعتبار البشر كائنات عنيفة بقدر ما يمكن اعتبار الكلاب كائنات عائمة"، يمثّل هذا القول تياراً مغايراً لأنصار التصور الفرويدي، فهم يرون أنّ العنف البشري عنف طارئ وليس ضرورة، كما يحدث في مواقف معيّنة يمكن تحديدها وتجنبها، إنها المواقف التي يكون فيها البشر معرضين لخطر عاطفي أو فيزيائي كبير، فالعنف من وجهة هذا التيار ليس غريزةً علينا كبحها لأنها تهدد العلاقات الاجتماعيّة المتحضرة، بل نحن عنيفون لأننا لم نقم بعد بتحويل هذه العلاقات إلى علاقات حضارية.

المناظرة التي جمعت كلاً من عالم النفس "سيغموند فرويد" وعالم الفيزياء "ألبرت أينشتاين"، خلُصت إلى أنّ العدوانية غريزة ترتكز على ميول ونوازع متجذّرة في الإنسان

فعلى خلاف الحيوان الذي يلجأ إلى العنف في حالات خاصة للدفاع عن وجوده، فإنّ الإنسان يلجأ إلى العنف لأنه يشعر بنقصٍ في وجوده، وهذا النقص الذي ملأه العنف، هو من يحرّك عجلة الاقتصاد التي ترتكز في قوتها على استثمار المشاعر التنافسيّة والعدائية، بالنظر إلى الآخر على أنه تهديد محتمل لمصالحها الخاصة، فإريك فروم الذي رفض مقولة "هوبز"، بأنّ الإنسان بطبعه شرير وأناني، وعدو لأخيه الإنسان، ولم يتفق مع فرويد في دور الغرائز كمنتج للعنف، يرى أنّ "كل سلوك تدميري ليس نتاجاً عملياً لغريزة تدميرية في بنية الطبع البشري بل محصلة دوافع ونزعات ليست طبيعية بالضرورة وإنما لها علاقة وثيقة بالممارسات والطقوس الثقافية"، هذه الممارسات والطقوس التي تسيطر من خلالها النظم الشمولية على الفرد، جعلته فرداً خائفاً لا يمكن له سوى إنتاج العنف.

اقرأ أيضاً: كيف نصبح أرقاماً على عدّاد الوفيات؟

وإذا أردنا أن لا نذهب بعيداً عندما عارض الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" "توماس هوبز"، حيث اعتبر أنّ الإنسان لطيفاً ونقياً طالما كان بمنأى عن فساد النظام الطبقي الذي يفرضه المجتمع وما ينطوي عليه من ظلمٍ وجشع، يمكننا أن نكتفي بما بين أيدينا، أي بالنظر إلى أطفالنا، فإذا نظرنا لهم بحبّ واهتمامٍ، سنوقن أنهم ليسوا عدوانيين إلا بما  تقتضيه وظيفية انفعالاتهم التي ترافق مراحل نموهم، ولكن هذه الانفعالات نحن من يروق لنا أن نسميها عدوانية؛ فالعنف الذي قد يمارسونه ما هو في الحقيقة إلّا شحننا الدائم لانفعالاتهم بكل أنواع القمع، وهذا ما سيصنع منهم أفراداً يحصدون الخوف، ليأكل الجميع بعدها من رغيف العنف المرّ.

العنف من وجهة التيار الفرويدي ليس غريزةً علينا كبحها لأنها تهدد العلاقات الاجتماعيّة المتحضرة، بل نحن عنيفون لأننا لم نقم بعد بتحويل هذه العلاقات إلى علاقات حضارية

كلّ هذا قد حاول "أوشو" إيصاله لنا في كتابه "ثورة في التربية"، حيث التنافس والطموح يخلقان عالماً مليئاً بالمعارك والصراعات، فدول العالم تتقاتل لأنّ الأطفال لم يتعلموا شيئاً سوى القتال، لقد زُرعت في الأطفال بذور الحرب، بذور القتال مع الجميع، لقد تمّ إعدادهم للقتال وسحقهم تحت عبء ثقافة عمرها خمسة آلاف سنة، هذه الثقافة التي وقفت عائقاً أمام  تطور وعيهم وفرديتهم، مقابل الترويج للعنف، وتزايد الثروة المادية في العالم، وإرضاء لشهوة السيطرة والتملّك، لقد أنتجنا عالماً يضيق علينا ويتسع على الفناء.

الصفحة الرئيسية