إياد غالي: ثائر يساري صادقَ القذافي وتحالف مع القاعدة

3636
عدد القراءات

2017-10-14

بعد سقوط نظام العقيد الليبي معمر القذافي، فرّ المقاتلون "الطوارق" الذين قاتلوا في ليبيا إلى إقليم أزواد بشمال مالي، محمّلين بترسانة من الأسلحة، أغرتهم لإعلان التمرد على الحكومة المركزية في باماكو، فقد طمحوا في الاستيلاء على كامل أراضي البلاد.
كان في استقبالهم الزعيم التاريخي "إياد أغ غالي"، ابن القبيلة الطوارقية العريقة "الإيفوغاس"، الذي قادهم نحو الحرب تحت لواء "القاعدة" ليس فقط في مواجهة الحكومة المالية الهشّة؛ بل في مواجهة الجيش الفرنسي، الذي خشي ضياع نفوذه ومصالحه هناك.
أطلق "غالي" على جماعته "أنصار الدين" ورفع راية القاعدة السوداء، مطالباً بتطبيق الشريعة الإسلامية، وباتت جماعته من أكبر الجماعات المتشددة والمسلحة في الصحراء الكبرى، بعد أن أمدّته "القاعدة" الأم بالمال والرجال، حتى استطاع السيطرة في وقت من الأوقات على مدينة "تمبكتو" الأثرية، شمال غرب مالي، وشرعت بعدها الجماعة السلفية في هدم الأضرحة، والعتبات الدينية، التي أدرجتها اليونسكو على لائحة التراث العالمي العام 1988 فأتت على 7 مزارات من أصل 16 وهو ما لاقى ردود فعل دولية غاضبة.
لم يكتفِ "غالي" بالسيطرة على شمال مالي، حتى طمح في التمدّد داخل الجنوب في تحدي للقوى الغربية، فخاض بمليشيا "أنصار الدين" معارك ضارية في "كونا" ختمها بهجوم شرس على معسكر أُعدّ للتدريب الجنود الماليين على أيدي عسكريين فرنسيين وأوروبيين، مخلفاً في صفوفهم عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، فجعل من نفسه الهدف الأول للقوات الفرنسية الخاصة التي دخلت الأراضي المالية، بعد العملية بأيام لحماية دولة مالي من الانهيار حسبما ادعت "باريس".
عندما دارت رحى المعارك بين "أنصار الدين" والقوات الفرنسية المالية، بدأت أفواج الجهاديين تترى على " أزواد" قادمة من الجزائر والمغرب وتون وليبيا ومصر ومن تخوم الصحراء الكبرى؛ لنصره "أقرانهم" الذين حملوا لواء القاعدة، لكنهم قرروا في نهاية المطاف الانسحاب والتحصن في جبال " تغرغارت" قرب "كيدال" في أقصى الشمال الغربي لمالي عند الحدود مع الجزائر.

غرّت حركة "أنصار الدين" قوتها بعد أن بلغت أعدادها الآلاف من المقاتلين، فشرعت في التوسع في وسط مالي

اتّخذ "غالي" وجماعته، من تلك الجبال نقطة انطلاق، ليس فقط للقيام بعمليات ضد الحكومة المركزية في مالي، والقوات الفرنسية الداعمة لها، بل كمعسكرات لتدريب العناصر التابعة للقاعدة، وامداد أفرع القاعدة في إفريقيا بالمال والسلاح.
وشكلت مالي مركز المنتصف للقاعدة في إفريقيا وملاذاً آمناً للقاعدة في بلاد المغرب العربي، يستطيعون من خلالها تقديم الدعم اللوجستي لأفرع القاعدة المتواجدة في شمال إفريقيا وصولاً إلى مصر.
فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أدرجت "غالي" وجماعته على قوائم الإرهابيين المطلوبين لديها باعتباره يشكل خطراً على أمنها القومي، فلاشك أنّ الرجل شكّل بالفعل خطراً على دول الشمال الإفريقي باعتبارها الأقرب جغرافيّاً إلى تنظيمه من واشنطن.
"غالي" المثير للجدل، عرف من خلال بروزه قائداً يسارياً لحركة تحرير أزواد بداية التسعينيات، حين قاد حركة "الطوارق" في حرب مع مالي انتهت بتوقيع اتفاقية سلام لم تنفذ، وبقي متنقلاً بين العاصمة المالية باماكو التي تقلد فيها عدة مناصب، وبين دول الجوار لا سيما ليبيا؛ حيث عقد صداقة وثيقة مع العقيد معمر القذافي استمرت حتى مقتل الأخير خلال الثورة الليبية.
وأثناء عقد من الزمن سافر "غالي" إلى باكستان عدة مرات؛ إذ تأثر بجماعات التبليغ في باكستان التي عقد معها صلات واسعة، فأطلق لحيته وانعزل عن الناس ملازماً منزله في معقله "كيدال"، ثم أنهى الرجل حقبته اليسارية، عندما ساقت له الأقدار الوساطة بين الأوروبيين وبين خاطفي الرهائن في مالي.
ورغم ثناء الأوروبيين عليه ووصفه بالصديق، إلا أنّهم لم يدركوا أنّ تلك الوساطة حوّلت "غالي" من زعيم يساري قبائلي إلى قائد في تنظيم القاعدة بعد اقتناعه خلال المفاوضات مع عناصر القاعدة الخاطفين بالفكر السلفي الجهادي، وانتزاعه مئات الملايين من جيوب الأوروبيين ليلقيها في حجر القاعدة في بلاد المغرب.
وبعد انهيار اتفاقية السلام الهشّة التي توسط فيها بين السلطات المالية وبين حركة الطوارق، التي عادت وحملت السلاح العام 2005، تمّ تعيين "غالي" من قبل الحكومة المالية قنصلاً في مدينة جدة، وما لبث أن طردته السلطات السعودية بعد فترة وجيزة من عمله بعد الاشتباه في دوره وصلاته بعناصر دينية متشددة.
بيْد أنّ الغموض ألقى بظلاله على علاقة هذا السلفي الجهادي، بالعقيد معمر القذافي، فكيف له أن يدفع بمقاتلين طوارق للقتال بجانب العقيد ضد ثوار ليبيا الذين يشكل قادة عدد من كتائبهم قادةً في الجماعة الليبية المقاتلة، وهي جماعة وثيقة الصلة بتنظيم القاعدة.
وبعد سقوط "القذافي" واشتعال الثورة الأزوادية بقيادة "حركة تحرير أزواد" ضد السلطات المالية، فوجئ المتابعون بإعلان "غالي" حركة "أنصار الدين" التي أعلنت هي الأخرى الحرب ضد الحكومة المالية، لكن تحت علم القاعدة الأسود، والمطالبة بتطبيق الشريعة.
وكي يخلق "غالي" نوعاً من التميز بينه وبين حركته الأم التي انشق عنها، رفض بدوره الاستقلال بشمال مالي والإصرار على الاستيلاء على كامل أراضي البلاد، مما اعتبرته حركة تحرير أزواد "اليسارية" كسراً لأحد أهم الثوابت التي نادت بها الحركة خلال تاريخها.
لم يكتفِ "غالي" بالانشقاق عن الحركة الأم؛ بل ذهب للتحالف مع أخطر تنظيمات القاعدة في الصحراء الكبرى "التوحيد والجهاد" وقاما معاً بطرد حركة "تحرير أزواد" التي يقودها الطوارق من المدن الشمالية الثلاث "تينبكتوا وجاوا وكيدال". أعلن "غالي" هناك تطبيقه للشريعة الإسلامية، على منهاج القاعدة، وأخذ في التضييق على الحريات الشخصية للمواطنين.
غرّت حركة "أنصار الدين" قوّتها بعد أن بلغت أعدادها الآلاف من المقاتلين، فشرعت في التوسع في وسط مالي واقتحمت مدن دوانزا وكونا وهمبري التي لم تكن تحظى بحماية من الجيش المالى المتهالك، ما وسّع أطماع "غالي" وجعله يزحف مع أنصاره إلى هذه المدينة القريبة من موبتي حيث القاعدة العسكرية الفرنسية.

المدقق في رسائل إياد غالي،على قلّتها، يلاحظ تشديد الرجل على أنّ جماعته تتبنى مشروع إقامة الخلافة الإسلامية

استنجدت الحكومة المالية بحليفتها فرنسا لتشنّ حرباً على مليشيات القاعدة وحركة أنصار الدين، وليفرّ "غالي" وجماعته حيث الجبال والصحراء، بكامل عتاده ورجاله، ويظل يشكل خطراً على دول الجوار.
هذه الحركة أضحت خطراً على أمن دول الشمال الإفريقي برمّتها، عبر تشكيل شبكات لتهريب الأسلحة والمقاتلين عابرة الحدود. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى المصادر التي أكدت على الصلة التي تجمع بين حركة "أنصار الدين" والتنظيمات القاعدية المتحالفة معها بتنظيم الشريعة في ليبيا الموالي لتنظيم القاعدة، فبعد الضغوط الأمنية التي تعرضت لها جماعات السلفية الجهادية في الجزائر، والاقتتال فيما بينها، اتّجه عدد من قياداتها نحو صحراء وجبال مالي، متخذين منها ملاذاً آمناً. ومع مضيّ الوقت انخرطوا في علاقات مصاهرة مع قبائل الطوارق الأمازيغ نقل على إثرها فيروس التكفير إلى المنطقة برمتها.
كان من بين هؤلاء الجزائري مختار بن مختار، أمير كتيبة "الملثمون"، وبعدها كتيبة "الموقعون بالدماء"؛ إذ تحقق نجاح في إقامة علاقات اجتماعية، وفّرت له البيئة الحاضنة التي مكنته من شن هجمات متتالية على كل من دول الجزائر والنيجر ومالي وتشاد.
وعرّف المتحدث الرسمي السابق لـ "أنصار الدين"، سنده ولد بو عمامة الحركة بقوله: إنها جماعة إسلامية مسلحة، ذات توجه سلفي، تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية على كامل التراب المالي، لكن لا تطالب باستقلال شمال البلاد على عكس حركة "تحرير أزواد" التي تسعى إلى انفصال الشمال لإقامة دولة أزواد.
خلت أدبيات "أنصار الدين" من مناهج فكرية ممسوكة يمكن من خلالها تحديد الأيديولوجيا الدينية لها، فقد أعلن تشكيل الجماعة سريعاً دون التنظير الشرعي لها، وخلت أيضاً من منظرين لحركتها وعملها.
لكن المدقق في رسائل إياد غالي، على قلّتها، يلاحظ تشديد الرجل على أنّ جماعته تتبنّى مشروع إقامة الخلافة الإسلامية وتطبيق الحدود وإيمانه بالجهاد العالمي في سبيل تحقيق ذلك.
ويرجع البعض عدم وجود أدبيات تنظيرية لـ "أنصار الدين" بسبب تسرع الجماعة في الإعلان المبكر عن نفسها في كانون الأول (ديسمبر) العام 2011، ويقول بوعمامة "إن الظروف لم تسمح بتأسيس التنظيم إلا بعد اضطراب الأوضاع في شمالي مالي، ودق طبول الحرب في المنطقة".
جذور منهج جماعة التبليغ والدعوة، التي تربّى في كنفها مؤسسها إياد غالي، تتجلى حاضرة على جسد "أنصار الدين" التي يعرف عنها أنّها ليست غارقة في الأصول المنهجية والإشكالات الفقهية، التي وسمت بقية الجماعات السلفية الجهادية .
ومع ذلك فالجماعة أعلنت في أكثر من موضع أنّها تتبنى أفكار السلفية الجهادية على العموم، فشرعت وفقاً لذلك، في تطبيق الحدود الإسلامية من قطع ليد السارق وجلد الزاني وشارب الخمر وقصدت تصوير ذلك ونشره على مواقع الإنترنت.
أفضى الحال بــ "غالي" وجماعته، مطلع العام 2017، إلى عقد تحالف جديد، مع أربع جماعات تنتمي للسلفية الجهادية، ويظهر هو في المنتصف، ليؤكد على زعامته، ويواصل درب الإرهاب، وترويع المدنيين وتفتيت السلم الأهلي، بذريعة الدفاع عن الدين وأنصاره!

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: