الأصابع الروسية تعبث في مالي رغم أنف فرنسا والولايات المتحدة

الأصابع الروسية تعبث في مالي رغم أنف فرنسا والولايات المتحدة

مشاهدة

03/09/2020

تقوم روسيا، منذ عام 2013، بدور كبير في الأزمة السورية، ومع التعثرات المتتالية لفرنسا في دول الساحل وغرب أفريقيا، زادت التطلعات لتدخّل روسي في مالي تحديداً، خاصّة في إطار حملات تقوم بها منظمّات المجتمع المدني تدعو صراحة إلى تدخل روسي لحسم التوتر في البلاد.

اقرأ أيضاً: من ليبيا إلى مالي.. تركيا تطرق أبواب الساحل والصحراء

وكانت آخر تطورات التوترات السياسية في مالي، الانقلاب العسكري الذي حدث على الرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا، في الثامن عشر من آب (أغسطس) الماضي، والذي مثّل خسارة كبيرة لفرنسا، ووجه أصابع الاتهام نحو موسكو كمدبّر لهذا الانقلاب.

فتيل الانتخابات

على خلفية الانتخابات الأخيرة والمتنازع عليها في مالي، اندلعت احتجاجات شعبية في البلاد، أدّت في النهاية إلى الانقلاب الذي أعربت فرنسا عن استيائها منه، الذي ألقى قادته القبض على الرئيس كيتا، ووزراء حكومته، في مشهد معتاد في دول أفريقيا جنوب الصحراء، لكنّ الجديد هو أن يتمّ اتهام روسيا بتدبير هذا الانقلاب، الذي نزل الشعب إلى الشوارع احتفالاً واحتفاء بحدوثه.

الجديد هو أن يتمّ اتهام روسيا بتدبير هذا الانقلاب

 ويعزو الباحث في الشؤون الأمنية ودراسات الشرق الأوسط، والمدير التنفيذي لمركز الإنذار المبكر، أحمد الباز، هذا الاتهام لروسيا، كأحد تداعيات تعزيز النفوذ الروسي غرب أفريقيا، في العقد الأخير.

ويرى الباز، في تصريحه لـ "حفريات": "بشكل عام، بدأت موسكو خلال الأعوام العشرة الفائتة في الانتقال للمرحلة الثانية من مراحل تعزيز النفوذ في عدة مناطق إستراتيجية (بعد تأمين النفوذ الروسي في مناطق الجوار السوفييتي التقليدية والتاريخية)، وقد نجحت في ذلك بالفعل بالحصول على موطئ قدم بالمياه الدافئة، وأعني بذلك قاعدة طرطوس في سوريا، باعتبارها حلماً لطالما راود موسكو، وكان الانتقال الثالث هو البدء في التغذي على الأزمات الدولية، في أفريقيا والشرق الأوسط، وهو الأمر الحاصل في ليبيا بالفعل، والحاصل في مصر ومنطقة الخليج، خاصة مع كلّ حديث أمريكي عن فكّ ارتباط بالمنطقة، وهو الأمر الذي ينتج عنه ثغرة تحسب موسكو استغلالها لتثبيت النفوذ والحلول محلّ واشنطن، أو حتى منافسة النفوذ الأوروبي عموماً، والفرنسي الاستعماري التقليدي".

الشواهد بخصوص نمط التحول في السياسة الخارحية الروسية خلال الأعوام العشرة السابقة، لا تستبعد التدخل الروسي في انقلاب مالي، بما يحقق غرض تعزيز النفوذ في مناطق إستراتيجية

أما فيما يخص مالي، فرغم نفي مسؤولين روس الحديث عن تدخّل روسي في الانقلاب بمالي، تحت دعاوى أنّ "هذا الأمر لا يتوافق مع نهج روسيا في السياسة الدولية"، أو أنّ "ليس لروسيا مصالح كبيرة في هذا البلد"، ورغم أنّ هذه الادعاءات قد تبدو مقنعة للوهلة الأولى تحت تأثير الاعتقاد العام بأنّ الفاصل الجغرافي بين موسكو ومالي، يجعل من التدخّل الروسي في مالي أمراً غير منطقياً بالفعل.

اقرأ أيضاً: 5 محللين جزائريين يصرحون لـ "حفريات" بمخاوفهم من انقلاب مالي

ويعتقد الباز أنّ الشواهد بخصوص نمط التحول في السياسة الخارحية الروسية خلال الأعوام العشرة السابقة، تجعلنا لا نستبعد أبداً التدخل الروسي في انقلاب مالي، بما يحقق غرض تعزيز النفوذ في مناطق إستراتيجية أبعد من النطاق السوفييتي التقليدي، ومنافسة القوى الدولية، سواء الولايات المتحدة أو دول أوروبا، وعلى رأسهم فرنسا، وبمعنى آخر يتوافق الانقلاب في مالي مع أهداف السياسة الخارجية الروسية مؤخراً.

تعزيز النفوذ الروسي

في إطار فشل عملية مكافحة البؤر المتطرفة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، الملف الذي لطالما شغل فرنسا، وبررت به تدخلاتها في مالي، لكنّه باء بالفشل غير المتوقع، دخلت موسكو على خطّ التعاون الأمني مع مالي لمكافحة تلك البؤر، وهو ما فتح لها باباً لتدخلات على حين غفلة من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، هذا التدخل الأمني كان أهم المعطيات التي جعلت اتهام موسكو بتدبير الانقلاب أمراً أشبه بحقيقة؛ إذ يوضح "الباز"، أنّ هناك عدّة شواهد تجعل هذا الادعاء واقعياً للغاية، أهم هذه الشواهد برأيه، الحديث عن تواجد لبعض قادة الانقلاب في موسكو مطلع العام الجاري، عوضاً عن أنّ فاغنر الروسية بالفعل متواجدة بالقرب من مالي.

اقرأ أيضاً: سلطة الظل في مالي.. تعرف إلى الداعية محمود ديكو

وإذا كان القادة الجدد في مالي يتحدثون عن وجوب مكافحة التطرف؛ فإنّ موسكو تقدم نفسها كحليف جيد بسيرة ذاتية ناجحة في سوريا، عوضاً عن أنّ السلوك الروسي يمكن وصفه بأنّه إن لم يكن في منطقة النفوذ، لذا فإنّ موسكو سوف تصنع هذا الحليف في الداخل، وهو ما قد ينطبق على قادة الانقلاب في مالي، خاصة أنّها أجادت القيام بذلك في القرم وبيلاروسيا وكثير من دول شرق ووسط أوروبا.

نفى مسؤولون روس الحديث عن تدخّل روسي في الانقلاب بمالي تحت دعوى أنّه ليس لروسيا مصالح كبيرة في هذا البلد

ويوضح الباحث المتخصص في السياسة الأفريقية بمعهد الدراسات المستقبلية، الدكتور محمد عبد الكريم، أنّ مالي هي التجسيد الأمثل لفساد قصة نجاح؛ إذ بدت المستعمرة الفرنسية القديمة، كمشروع لأهم الديمقراطيات الأفريقية، لكن سرعان ما انهار هذا النموذج على أعتاب التدخلات الخارجية والاقتصاد شبه المنهار.

أمريكا وفرنسا خارج اللعبة

وكان المجلس العسكري الانتقالي في مالي أطلق سراح الرئيس كيتا، الموالي لفرنسا، بعد شجب الإدارة الفرنسية اعتقال قادة الانقلاب له، وهو ما عكس توتر فرنسا جراء شعورها بانفلات أحد أهم مستعمراتها، وهمزة الوصل بين الغرب والشرق الأفريقيين، وهو ما يعلّق عليه عبد الكريم في حديثه لـ "حفريات": " ظلّت فرنسا منخرطةً بقوةٍ في شؤون مالي (مستعمرتها السابقة) طوال عقودٍ حتى بعد حصول مالي على استقلالها، وبالنسبة إلى القوات الفرنسية التي تقاتل المسلحين في الإقليم؛ فإنَّ مالي جزءٌ مما تُطلِق عليه فرنسا "الحرب الأبدية" في الساحل التي تمتدّ بامتداد الصحراء الكبرى، كما يوجد لدى الولايات المتحدة مستشارون عسكريون في مالي، ويُعرب المسؤولون الأمريكيون عن اهتمامهم بحكومة مالية مستقرة تتوافق مصالحها مع الغرب".

الباحث الدكتور محمد عبد الكريم لـ"حفريات": مالي هي التجسيد الأمثل لفساد قصة نجاح؛ إذ بدت المستعمرة الفرنسية القديمة، كمشروع لأهم الديمقراطيات الأفريقية، لكن سرعان ما انهار هذا النموذج

 يتابع عبد الكريم: " بحسب  كبير محللين سابق بوكالة استخبارات الدفاع،  كييل ميرفي، الذي يعمل حالياً بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، فإنَّ تحديات الحُكم الداخلي والتحديات الأمنية هي ما تقود حالة عدم الاستقرار في أنحاء الساحل، وتلك مسألة تَهُمّ الولايات المتحدة؛ لأنّ عدم الاستقرار في الإقليم يسمح للمتطرفين المسلحين بالاعتداء على السكان وتحقيق تقدُّم في أهدافهم، وتشريد ملايين المدنيين، لكن يبدو أنّ قادة الانقلاب هذه المرة قد تعلموا من أخطائهم، بعد انقلاب عسكري سابق، عام 2012، استفاد المتمردون، وبعضهم ممن له صلات بالقاعدة، من الفوضى في الاستيلاء على مساحات واسعة من شمال البلاد، بما فيها مدينة تمبكتو العتيقة، وفي ظلّ حكمهم الوحشي اضطر الماليون، في ظلّ سيطرة المسلحين على اتباع تعاليم دينية صارمة أو التعرُّض لعقوباتٍ مشددةٍ، لكنَّ الجماعات المسلحة ما تزال تُرهّب المدنيين في المناطق الريفية، وتفاقم العنف، وتنتقل عبر الحدود إلى دولتَي بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين، لكن بعد استبعاد فرنسا تبدو الخريطة غير واضحة بعد".

الصفحة الرئيسية