الإخوان وداعش.. أيهما أخطر على أوروبا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
4658
عدد القراءات

2019-09-25

ترجمة: مدني قصري


تحت عنوان "جماعة الإخوان المسلمين.. ذئابٌ في السرّ وخِراف في العلن"، يكشف محلّلون في "ريفيرانس La Référence"، معهد الدراسات والآفاق حول الحركات الإسلامية، عن عمل التقويض الذي تقوم به جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، بعد زعزعة الاستقرار في العديد من دول الشرق الأوسط والمغرب الكبير.
تسلل إلى التعليم
في فرنسا، أضحى تأثيرُ جماعة الإخوان المسلمين على المدارس والكليات أمراً حقيقياً. أوّلاً من خلال فرعهم الفرنسي، UOIF، الذي يتحكم في التعليم الإسلامي. ثم إن UOIF تسيطر على المدارس الرئيسية بموجب عقد مع الدولة، ولكن أيضاً، بشكل غير مباشر، على نحو أربعين مدرسة خارج العقد، ومعظمها في المرحلة الابتدائية.

اقرأ أيضاً: هل تنجح ألمانيا في استحداث نسخة أوروبية من الإسلام؟
هذا الحبل السري يُغذّي الكثير من التساؤلات. وهو ما يلخّصه عالم الفلسفة الإسلامي جيل كيبل، على النحو التالي: "من الناحية القانونية، لا شيء يمنع بالطبع إنشاء مدارس إسلامية، على غرار المدارس اليهودية أو الكاثوليكية. لكنّ مشروع UOIF هو بناء مجتمع يتفاوض على اندماجه في الجمهورية. ويبقى السؤال الحقيقي هو: إلى أيّ مدىً تعزّز هذه الحركة منطق القطيعة مع المجتمع الوطني؟".

بين المعلن والمخفي

فكما كشف موقع لاريفيرانس La Référence، تثير هيمنة الإخوان المسلمين ردود أفعال في دول مجاورة أخرى، وسؤال المتخصصين في هذا الموقع: "هل بدأت ألمانيا تعلن الحرب على الإخوان؟".
منذ حوالي عامين، بدأت الاستخبارات الألمانية، في أعقاب المخاوف والشكوك، في مراقبة ومتابعة جماعة الإخوان المسلمين التي تعيش في ألمانيا، والتي يتراوح عددها من 1500 إلى 2000 شخص.
أصدر مكتب الاستخبارات الداخلية الألمانية، بعد فترة من مراقبة جماعة الإخوان المسلمين والجمعيات التابعة لها على الأراضي الألمانية، تقريراً يشير إلى أنّ جماعة الإخوان المسلمين تشكل تهديداً أكثر خطورة على البلاد من داعش.
أوضح التقرير أنّ المواقف التي تتبناها جماعة الإخوان المسلمين تتعارض إلى حدّ كبير مع الدستور الألماني، وأنّ عدم التوافق بين الاثنين بلغ مستوىً يستحيل معه التوفيق بينهما.

منذ حوالي عامين بدأت الاستخبارات الألمانية في أعقاب المخاوف والشكوك في مراقبة ومتابعة جماعة الإخوان

لقد واصلت الاستخبارات الألمانية الداخلية وصفَها لجماعة الإخوان المسلمين بعباراتها الشهيرة: "إنهم مثل الذئاب، سِرّاً، مثل الخرفان، علناً"؛ إنه وصفٌ يعكس تماماً درجة الخطر الذي تشعر به الحكومة الألمانية تجاه هذه المجموعة المحظورة.
لقد أجرت "لايرفيرانس" تحقيقاً في ألمانيا جاء فيه ما يلي: "صرح وزير الداخلية البافاري، يواكيم هيرمان، بأنّ جماعة الإخوان المسلمين لديها مواقف ضد الدستور الألماني، وأنّ الدولة يجب أن تكون متيقظة في هذا الصدد".
كما أشارت أجهزة الاستخبارات الألمانية من ناحيتها إلى أنّ مدينة كولونيا أصبحت مقرّ التجمع الإسلامي، ومقرّ أنشطة المجموعة المحظورة. علاوة على ذلك، دعا العديد من السياسيين الألمان إلى إغلاق هذه المؤسسة التي تشكل تهديداً للبلاد.
أشارت عدة صحف ألمانية، بدورها، إلى أنّ شعبية المنظمات والمساجد التي تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين تتزايد أكثر فأكثر، وأنّ هذا أمرٌ مقلق للأمن العام!

 مدينة كولونيا أصبحت مقرّ التجمع الإسلامي ومقرّ أنشطة المجموعة المحظورة

أيديولوجيا تتعارض مع الدستور الألماني
يعود لمعهد "ريفيرانس" الفضل في الكشف عن الجزء المرئي من الأخطبوط: "في الشهر الماضي، أغلقت السلطات الألمانية، ولأوّل مرّة، روضة أطفال تموّلها جمعية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين التي أنشئت قبل 10 سنوات، وبالتحديد في العام 2009.
روضة الأطفال هذه مُتّهَمة بتطبيق طريقة دينية متطرفة وفقاً لأيديولوجيا الجمعية التي ترعاها، والتي تعكس أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين، والتي تتعارض مع القيم الدستورية الألمانية.

مركز دراسات الشرق الأوسط: التهديد الإسلامي في ألمانيا يأتي أوّلاً وقبل كل شيء من جماعة الإخوان والتابعين لشبكتها

تجدر الإشارة إلى أنّ يوم السبت 16 آذار (مارس) 2019 يعتبر تاريخ أوّل ضربة فأس في قبر الإخوان المسلمين في ألمانيا؛ لقد قدّم حسين خضر، وهو عضو في الحزب الاجتماعي الديمقراطي، وهو من أصل مصري، طلباً إلى الجمعية العامة للحزب مُطالباً بالنقاط التالية: حظر الإخوان المسلمين في ألمانيا مع كل شعاراتهم الراديكالية والإرهابية، تعديل قانون التمويل الأجنبي، وإنشاء قائمة محلية بالمنظمات الإرهابية، حتى لا يظل الأمر مقتصراً على القائمة الوحيدة للاتحاد الأوروبي، وكافية للكشف عن تهديد الإخوان الذين بات يُثقل كاهل البلاد.
كما طلب خضر إنشاء لجنة تتكفل بتقديم تقارير دورية عن أنشطة جماعة الإخوان المسلمين ودرجة تهديدها وخطورتها، وكذلك طرق ووسائل مكافحة هذه الجماعة، وكل الخطر الذي تشكله. وتجدر الإشارة في الختام، إلى أنّه تمت إعادة انتخاب حسين خضر بالإجماع رئيساً لجماعة الهجرة والتنوع ضمن الحزب الاجتماعي الديمقراطي.

ألمانيا مركز عصبي للإخوان في أوروبا

مع وجودها القوي والمتنامي في ألمانيا؛ حيث تُسبب قلقاً كبيراً لأجهزة الاستخبارات، تتتهج جماعة الإخوان المسلمين استراتيجية للتوسع في أوروبا، مع إخفاء أهدافها الحقيقية -كإنشاء دُول إسلامية خاضعة للشريعة- وراء مظهر التعايش.

اقرأ أيضاً: منظمة إخوانية تخدع سياسيين بألمانيا بمبادرة تبرعات
تطوّرُ جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا يقلق أجهزة الاستخبارات الألمانية؛ هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة (Kölner Stadt-Anzeiger (KSA، نُشرت على موقعها على الإنترنت في 10 كانون الأول (ديسمبر) 2018، تقول إنّ جماعة الإخوان المسلمين، تحت ستار خطاب رسمي يدعو إلى اللاعنف، تتابع أهدافاً معادية للديمقراطية والقيم الغربية. لعبة مزدوجة تتيح للإخوان، بتمويل كبير من المانحين من شبه الجزيرة العربية، بأن يزدهروا في وضح النهار، مع النضال في دوائر مغلقة، من أجل التطبيق الصارم لمبادئ الشريعة داخل المجتمع المسلم في ألمانيا.
أخطر من القاعدة وداعش
بالإستناد على شبكة واسعة من المساجد والمدارس القرآنية والمنظمات التي تتخذ من الشوارع مقراً لها، تسعى "الجماعة الإسلامية في ألمانيا" (Islamische Gemeinschaft in Deutschland) (IGD) إلى تحقيق هدف إنشاء "دُولٍ إسلامية في أوروبا ذات طابع إلهي"، وفقاً لجهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية (BfV ) (Bundesamt für Verfassungsschutz)، وهو تهديد يؤخذ على محمل الجد؛ حيث يقدّر جهاز BfV أنّ هذه الجماعة أكثر خطورة من تلك التي تمثلها المنظمات الإرهابية، مثل تنظيم القاعدة أو داعش.
"إن المُحرّضين من الجماعة الإسلامية في ألمانيا  IGD ، يستهدفون من خلال خطبهم ومؤتمراتهم وعروضهم التدريبية، عشرات الآلاف من المسلمين، الذين يبثون فيهم خطاباً محافِظاً للغاية"، حسب BfV الذي يشعر بقلق كبير. إنّ إخوان ألمانيا الذين ينشطون بشكل خاص في ولايات ساكسونيا، حيث استثمروا ما لا يقل عن سبعة أماكن للاجتماعات، وفي منطقة شمال الراين - وستفاليا، حيث تضم نواتهم الصلبة ألف عضو نشط، كما يُجنّدون أيضاً أتباعاً جدداً بين اللاجئين الذين وصلوا مؤخراً إلى البلاد، والذين يعهدون إليهم بدور "الجواسيس"، حسب BfV.
توسيع نفوذهم إلى كامل المجتمع الألماني
يقول مركز دراسات الشرق الأوسط "إنّ التهديد الإسلامي في ألمانيا يأتي أوّلاً وقبل كل شيء من جماعة الإخوان المسلمين والجماعات التابعة لشبكتها.. إنهم ينشرون أيديولوجيتهم في إطار القانون الجرماني، ويفرضون على المسلمين تفسيرهم الخاص للشريعة. يحاول التجمع الإسلامي في ألمانيا توسيع نطاق حكمه ليشمل جميع المنظمات الإسلامية المعتدلة، التي تخوض حوارات بنّاءة مع السلطات ومع الكنيسة في ألمانيا، وعلى هذا النحو يصرّ الإخوان على توسيع نفوذهم إلى كامل المجتمع الألماني".

اقرأ أيضاً: تحركات الإخوان في ألمانيا تثير قلق الاستخبارات المحلية
بالنسبة للدكتور لورنزو فيدينو من جامعة جورج واشنطن، فإنّ "ما لا يفهمه غالبية السياسيين الأوروبيين هو أن الحوار مع الأصوليين يُقوّيهم ويمنحهم شرعية. إنهم (أي هؤلاء السياسيين) يَقبلون، بطريقة غير مباشرة، أيديولوجيا الإخوان عندما يجتمعون معهم. (...)، فهكذا وجد الأوروبيون أنفسهم في دائرة الأصولية المغلقة. لأنه كلما مُنح لهم المزيد من الشرعية وجدت جماعة الإخوان المسلمين فرصاً للانتشار والتوسع والحصول على المزيد من التأثير على المسلمين في المجتمعات الأوروبية".
إسلام فرنسا درع لجماعة الإخوان
في الواقع، إذا بقيت ألمانيا مركز الإخوان في القارة، فإنّ الدول الأوروبية الأخرى لن تنجو من تطوّرها. وهكذا، فبالنسبة للكاتبة سيلين بِينَا، في حوار أجرته معها صحيفة لو فيجارو الفرنسية، فإنّ فرنسا "تشهد محاولة غير مسبوقة لترويج مجتمع إسلامي معادٍ للمبادئ الديمقراطية، والتحرر والعلمانية"، لا سيما وأن "سذاجة حكوماتنا أعطت الإسلاميين قوة سياسية هائلة". وتضيف سيلين بِينَا التي تشعر بالقلق "الإسلاموية أصبحت مهيمنة في شبكة البنى التحتية، وتسيطر على العديد من المساجد والمراكز الثقافية والجمعيات، سواء في الشرق عن طريق الإخوان المسلمين الأتراك، في جميع البلاد عبر مسلمي فرنسا ( UOIF سابقاً)، وهي نمط آخر من الإخوان المسلمون"، وتخشى سيلين من أن يتحوّل إسلام فرنسا إلى درع لجماعة الإخوان المسلمين؛ "ماذا تنتظر فرنسا حتى تحذو حذو ألمانيا، وحتى تقضي على الأخطبوط الذي يتغذى على أرضنا، من خلال جميع اللاجئين السياسيين المصريين المقيمين على أرضنا؟".

يحاول التجمع الإسلامي في ألمانيا توسيع نطاق حكمه ليشمل جميع المنظمات الإسلامية المعتدلة

كما يحذر عالم الجغرافيا السياسية ألكسندر ديل فالي، من أنّ "تنظيم الإخوان الشمولي في جوهره، يشبه من حيث تعصّبه العقائدي، ونمط سيره الداخلي، الأوامرَ الاشتراكية القومية وأوامر الطوائف". ويذكر المتخصص أن "من المهم أن نضع في اعتبارنا أن هذه المنظمة، المعترف بها رسمياً في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة (حيث تسيطر على غالبية المساجد) كمحاور شرعي من قِبل السلطات العامة، وُلدت في الكراهية والعنف"، وأنها تتبع "استراتيجية حقيقية للتوسع" على مراحل "وتهدف للسيطرة على السلطة العليا من خلال تشكيل شبكة واسعة مهيكلة، ولكنها لامركزية، من خلال إنشاء أقسام منغلقة متعددة، تربط المجتمع المصري بأسره"، ومن الآن فصاعداً، المجتمع الأوروبي أيضاً.
جنيف البداية
يتهم النائب المصري عبد الرحيم، جماعة الإخوان المسلمين في جنيف بأنّها "هي التي صنعت داعش"، وقد تعرض لهجوم عنيف من قبل هاني رمضان، حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.
أصدر عبد الرحيم علي، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في باريس، كتاباً بعنوان "دولة جماعة الإخوان المسلمين: أوروبا وتوسع المنظمة الدولية"*. وفي حوار أجراه معه نادي الصحافة السويسري، ثم التلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية، أكد النائب المصري على الصلة بين جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات الإرهابية كتنظيم القاعدة وداعش، كما حذّر أوروبا من الأهداف التوسعية لهذه المنظمة الإسلامية التي أسسها حسن البنا عام 1928 في الإسماعيلية، على ضفاف قناة السويس.
دورات جهادية في المدارس
"يموّل الإخوان المسلمون أكثر من 250 جمعية في منطقة باريس وحدها، بدعم من قطر وتركيا. هل تعلمون أن المدارس الإسلامية الخاصة في فرنسا تُقدم دورات في الجهاد؟" هكذا قال الدكتور عبد الرحيم علي، وهو أشعل فتيل في نادي الصحافة السويسري، بدعوة من هاني رمضان، مدير المركز الإسلامي في جنيف، وحفيد حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، جاء ناشطون إسلاميون لدحض أقوال المتحدث عبد الرحيم علي، الذي وصفوه بـ "النائب العميل للجيش"، "من المخزي استضافة مثلِ هذا الشخص"، هكذا احتج الإخوان المسلمون وهم يقفون ساخطين.

عبدالرحيم علي: يموّل الإخوان المسلمون أكثر من 250 جمعية في منطقة باريس وحدها بدعم من قطر وتركيا

في جنيف العام 1958 أقام واستقر سعيد رمضان، صهر حسن البنا، ووالد هاني وطارق رمضان. قادماً من سوريا (كان قد غادر مصر هرباً من السجن) ، قام  سعيد رمضان بمهمة نشر مجال الإسلام في أوروبا، من خلال إنشاء شبكة من المساجد والمؤسسات الخيرية، والمراكز الدينية.
في غارة تفتيش جرت على ضفاف بحيرة سويسرية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001، لفيلا مصرفي إسلامي يشتبه في أنّ له صلات بتنظيم القاعدة، اكتشفت الشرطة وثيقة بعنوان "المشروع". يذكر هذا المشروع  بوضوح إلى غزو أوروبا، ثم الولايات المتحدة، من قبل جماعة الإخوان المسلمين "من أجل وضع حدّ لهيمنة  الحضارة الغربية".

شخصيتان مهمتان في المنظمة

رُوِيت الاستراتيجية السرية للإسلاميين في العام 2005 في كتاب "غزو الغرب"**. وفقاً لعبد الرحيم علي "يسعى الإخوان المسلمون إلى إقناع الغرب بشكل أفضل بموقفهم المعتدل الجديد". وقال "لقد اختاروا فرنسا، حيث تمكن ممثلوهم من إقامة روابط في الأوساط السياسية والثقافية والجمعيات"، مضيفاً أنّ الإخوان يمكنهم "نقل مقرهم من لندن إلى باريس".

اقرأ أيضاً: هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟
وقد ذكر مؤلف كتاب "دولة الإخوان المسلمين" بالاسم هاني وطارق رمضان على أنهما "شخصيتان مهمتان في المنظمة الدولية"، حيث يتكفل هاني بسويسرا الناطقة بالفرنسية، وشرق فرنسا، وخاصة ليون. أما طارق، فهو يلعب "دوراً مُهِماً في تحويل الإسلام للأجيال الشابة في أوروبا من خلال خطاب التشجيع على الاندماج الاجتماعي".

قطر.. حرب النفوذ على إسلام أوروبا

كشف تحقيق استقصائي في فيلم وثائقي/ أنجزه الصحافيان الفرنسيان؛ جورج مالبرونو وكريستيان تشيسنو، وبُثّ على قناة rtbf البلجيكية، مساء الخميس 5 أيلول (سبتمبر) الحالي، عمّا يجري في قلب شبكات التأثير في داخل قطر، عن تمويل مؤسسة قطر الخيرية غير الحكومية لمشاريع المساجد والمراكز والمدارس الإسلامية في أوروبا، وكلها مرتبطة بالإخوان المسلمين، وهي دراسة استقصائية راقية في قلب شبكات التأثير في الإمارة.
يتضمن هذا التحقيق، آلاف الوثائق السرية المسربة، والصادرة عن مؤسسة قطر الخيرية، وهي منظمة غير حكومية تأسست عام 1992، وحاضرة اليوم في سبعين دولة. وتضم هذه الوثائق قوائم الجهات المانحة (بما في ذلك أفراد عائلة آل ثاني الحاكمة)، والتحويلات المصرفية، ورسائل البريد الإلكتروني...: هذا التحقيق غير المسبوق يكشف عن الهجوم الدعوي في أوروبا، حيث تموّل المنظمة القوية حوالي مائة وأربعين مشروع مساجد ومراكز ومدارس الإسلامية، وكلها مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

تقرير استخباري يؤكد أنّ المواقف التي تتبناها منظمة الإخوان المسلمين تتعارض إلى حدّ كبير مع الدستور الألماني

على الرغم من نفي الدوحة فيما يتعلق بتورطها الديني، فقد حقق الصحفيان الفرنسيان جورج مالبرونو وكريستيان تشيسنو، لمدة عامين في هذا المجال للكشف عن تأثير قطر على إسلام القارة الأوروبية . فمن مركز النور الإسلامي في مولهاوس، أكبر ورشة بناء في أوروبا في المنطقة الحدودية التي تضم 200000 مسلم، إلى مباني استقبال المهاجرين في صقلية في قلب الأزمة السورية، إلى متحف الحضارات الإسلامية (Mucivi) في سويسرا، أو مركز تدريب الأئمة في شاتو شينون، تغوص هذه الوثائق في قلب هذه الشبكات، التي تتبنى نفس الأيديولوجيا الإخوانية.
ما هي الاستراتيجية التي تحاول قطر نشرها من خلال هذه المساعدات التي تقدّمها للمجتمعات المسلمة في أوروبا؟ ألا يخفي هذا التسلل السري رغبتها في فرض الإسلام السياسي الذي تدعو إليه جماعة الإخوان المسلمين في القارة الأوروبية، ,في عام 2018، في مؤتمر باريس "لا أموال للإرهاب" No money for terror، أعلنت الإمارة المتّهَمة، عن إجراءات للتحكم بشكل أفضل في مؤسساتها الخيرية. لكن هذا الاستطلاع يسلط الضوء أيضاً على كيفية قيام التمويل القطري لجماعات الإسلام السياسي في أوروبا بسد الفراغ الذي خلفته الدول المعنية، مما يفسح المجال لهذه الانحرافات المخيفة.


الهوامش :
* "دولة الإخوان المسلمين: أوروبا وتوسيع المنظمة الدولية" (بالإنجليزية)، بقلم عبد الرحيم علي، دار هرماتان، 2017، 260 صفحة.
** "غزو الغرب" لسيلفين بيسون، دار سُويْ، 217 صفحة.


المصدر عن الفرنسية: ripostelaique.com و fr.myeurop.info

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل حقاً أنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية؟

2019-11-10

ترجمة: إسماعيل حسن


يواصل زعيم حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، مشاورات مكثفة في محاولة لتشكيل حكومة ائتلافية في إسرائيل، وذلك بعد فشل بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود، في تحقيق ذلك؛ حيث هاتف غانتس كلاً من نتنياهو وغالبية رؤساء الكتل السياسية، لإقناعهم بالانضمام إلى حكومة وحدة موسعة؛ لتجنّب انتخابات تشريعية مبكرة ثالثة، لكنّ العقبات ما تزال تواجهه مع قرب انتهاء مهلة التفويض الموكلة إليه.

من السيناريوهات المتداولة تشكيل حكومة موسعة وطنية تضم أعضاء حزبَي "الليكود" و"أزرق أبيض"

ونتيجة لذلك؛ يعتزم بيني غانتس القيام بتشكيل حكومة أقلية بمشاركة أفيغدور ليبرمان والأحزاب العربية، التي شاركت، للمرة الأولى، في مشاورات تشكيل الحكومة، وتؤيد غانتس في تشكيل الحكومة الجديدة بدلاً من نتنياهو، لكن، رغم التأييد الواسع من قبل الإسرائيليين، لتشكيل حكومة أقلية لإنقاذ البلاد من الانزلاق السياسي، يعارض نتنياهو، وبشدة، طرح التوجه إلى تشكيل حكومة أقلية بمشاركة الأحزاب العربية، معلناً أنّه سيترأس قوائم المعارضة لمواجهة أيّ مخطط لإشراك القائمة العربية في الحكومة المقبلة.
زعيم حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس

أوشكت المدة الزمنية أن تنقضي
على صعيد غانتس؛ أوشكت المدة الزمنية التي تمّ منحه إياها لتشكيل الحكومة أن تنقضي دون إحراز أيّ تقدّم، إضافة إلى أنّ الفترة الزمنية التي تمّ تفويضه فيها، قد تشهد حسماً لقضايا نتنياهو المتهم فيها، خاصّة قضية الرشوة، تحت مسمى "قضية 4000"، ولا شكّ في أنّ غانتس وأعداء نتنياهو وشريحة كبيرة من الشعب الإسرائيلي، يتمنون بطبيعة الحال إدانته وإنهاء حياته السياسية، في حين أنّ مناصري نتنياهو لديهم قدر كبير من الثقة بأنّه ستتمّ تبرئته، لا سيما أنّ هناك بعض المؤشرات المسربة من داخل حزب الليكود، تقول إنّ نتنياهو استقطب عدداً من كبار المحامين الأمريكيين، وجلبهم لحضور جلسة الدفاع الأولى أمام مندلبليت، المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: هل ينجح بيني غانتس فيما فشل فيه نتنياهو؟
وبالتأكيد إذا نجح نتنياهو في النجاة من تلك القضية والبقاء على قيد الحياة السياسية، فقد تتاح له فرصة كبيرة لاستعادة ثقة الشعب الإسرائيلي، الذي لم يصوّت عدد كبير منه لنتنياهو، بسبب القضايا المشتبه بتورطه فيها، وهو من الطبيعي أن يسعى إلى انتخابات ثالثة، باعتبار أنّ موقفه سيكون أكثر قوة، وسيحصل على الأصوات التي فقدها في الانتخابات السابقة.
التقديرات السياسية ترى أنّ الرغبة الكبيرة من قبل مواطني إسرائيل في تشكيل حكومة أقلية بزعامة غانتس، تأتي نتيجة غياب أيّة بوادر إيجابية نحو تشكيل حكومة جديدة تتناصف فيها الأدوار بين الأحزاب الكبرى؛ فالعقدة استحكمت، ولا أحد يريد التنازل للآخر. الكتلتان اللتان تتصارعان على السلطة، وهما: "أزرق أبيض" و"الليكود"، لم تستطع إحداهما، حتى الآن، الحصول على الأغلبية التي تمكّنها من تشكيل ائتلاف حكومي مع الأحزاب الأخرى، والبلاد في حاجة إلى حكومة تدير شؤونها، في ظلّ المخاطر الحقيقية التي تحيط بها.
السياسة الإسرائيلية تطحن الماء
الكاتبة رويتل عميران تقول: "كلّما مرّ الوقت يظهر أنّ السياسة الإسرائيلية تطحن الماء، وبات المواطنون غير مبالين والحسابات الائتلافية تؤدي، المرة تلو الأخرى، إلى طريق بلا مخرج، وفي هذه الأثناء، تدير الدولة دائرة شؤون الموظفين، التي وإن كانت تحافظ على استقرارها، إلا أنها لا تستطيع اتّخاذ القرارات الحاسمة المهمة، العجز ازداد والميزانيات عالقة، والإصلاحات تذوي والعالم من حولنا يشتعل، وقضايا جديدة وقديمة تتوق لإيجاد حلّ لها، ولا توجد حكومة".

ليبرمان، الذي بنى نفسه على كراهية العرب، لن يكون مسروراً بالتعاون معهم، ومثله أشخاص في "أزرق أبيض"

في احتفال رسمي، وفّر للمواطنين فرصة لتخيله كرئيس للوزراء، أخذ غانتس على عاتقه التكليف الأسبوع الماضي، السماء لم تهوِ، وإسرائيل لم تسقط، ولكن بالقدر ذاته لم يصبح أحد متفائلاً على نحو خاص، واضح للجميع أنّه إذا واصل القيام بما كان يقوم به حتى الآن، فلن تتغير النتيجة، غانتس الذي شهد على نفسه بأنّه لن يخاف من اتّخاذ قرارات صعبة، مطالب بالفعل بخطوة دراماتيكية، تحطم الأواني والمفاهيم كي يُخرج إسرائيل من الطريق المسدود.
إنّ الخطوة الوحيدة التي يمكنها أن تخرج إسرائيل من العقدة، وفي الوقت نفسه أن تثبته كزعيم شجاع، هي خطوة حكومة أقلية برئاسة "أزرق أبيض"، والتعاون داخل الحكومة، أو بإسنادها من الخارج، حزب العمل، والمعسكر الديمقراطي، و"إسرائيل بيتنا"، والقائمة المشتركة، حكومة أقلية كهذه، باحتمالية عالية، لن تبقى لزمن طويل، ولكن لا يعني هذا أنّها لن تكون عديمة الغاية، العكس هو الصحيح؛ حكومة أقلية كهذه سيكون لها العديد من الفضائل، وهي أولاً: أنّها ستقطع دابر المؤامرة التي يرى كثيرون أنّها انعقدت بين نتنياهو والحكم، وتثبت أنّ إسرائيل لن تضيع، ثانياً: للمرة الأولى منذ زمن بعيد، ستساهم في شرعية المواطنين العرب، وتبدّد الخوف الذي نجحت دوائر عديدة في اليمين بإدخاله في عقول الإسرائيليين، وساهمت في شيطنة السكان العرب، ومنعت التعاون السياسي معهم. ثالثاً: حكومة أقلية ستتمكن من معالجة الشؤون المدنية المهمة لعموم الإسرائيليين، وتتخذ خطوات مهمة في المجالات الاجتماعية، مثل: المواصلات، والصحة، وبلدات المحيط، فإذا عارضت كتلة "الليكود"، من مكان جلوسها في المعارضة، مثل هذه الخطوات، فإنّها ستنكشف بكلّ عريّها، وتضعف فرصها للعودة إلى الحكم.
 أفيغدور ليبرمان

جدول الأعمال العلماني
وأخيراً؛ فإنّ جدول الأعمال العلماني الذي وقف في مركز الانتخابات الأخيرة، يمكن بمفاهيم عديدة أن يتحقق من خلال مواصلات عامة؛ في السبت، وزواج مدني، وقانون تجنيد على سبيل البداية، إنّ الشرط الذي طرحه رئيسا الحزبين الأصوليين، ليتسمان ودرعي، على نتنياهو، بأنّهما لن يدخلا الحكومة إلا إذا تمكّنا من سنّ قانون يمنع مواصلات عامة في السبت، هو مثابة تحدٍّ لغانتس، فحيال الروح الليبرالية التي تهبّ الآن من السلطات المحلية؛ فإنّ حزب الليكود بكتلته الأصولية والأصولية القومية، لم يكن ليسجل هدفاً ذاتياً في ملعبه أعظم من هذا، وبالتالي؛ إنّ حكومة الأقلية هي الأمر السليم، وليس الجوهري فحسب؛ بل السياسي أيضاً، فخلال استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، يبين أنّ 50% من المقترعين لحزب إسرائيل بيتنا، لن يصوتوا مرة أخرى لهذا الحزب، من ناحية غانتس أيضاً، فإنّ الفشل في تشكيل حكومة قد يمسّ بشدة بصورته، والخوف من أن تزيد حكومة أقلية تستند إلى أحزاب عربية من نزع الشرعية عن اليسار الإسرائيلي، وحملة تحريض اليمين ضدّه، ليس تخوفاً بلا أساس، إضافة إلى ذلك، من المهم أن نتذكر أنّ الأيام ليست أيام أوسلو، وما يزال الطريق طويلاً إلى المفاوضات السياسية، التي يمكن لليمين أن يجري على ظهرها جولة شيطنة أخرى لليسار في هذه المرحلة، فإنّ أهدافاً مثل تعزيز المعايير السلطوية وإشفاء الشروخ في الشعب، تقدم أجندة اجتماعية وجدول أعمال علماني، وهي مهمة بما يكفي، وتحقيقها سيثبت أحزاب الوسط واليسار، كأحزاب حكم للمدى البعيد.
استيعاب غانتس للقائمة العربية
وختمت الكاتبة رويتل مقالتها؛ رغم الحديث الدائر عن استيعاب غانتس للقائمة العربية المشتركة في الحكومة المقبلة، إلا أنّ غانتس سيحاول حصد أصوات تغنيه عن الأصوات العربية التي أضافت له 10 مقاعد، وذلك بسبب أنّه يدرك أنّ ائتلافه إذا اعتمد على أصوات القائمة العربية، سيكون في مخاطرة أو مجازفة، باعتبار أنّ أيّة مواقف يتخذها ضدّ مصالح الفلسطينيين، وهو متوقع بطبيعة الحال، قد يترتب عليه سحب الثقة من القائمة المشتركة، وبالتالي يفقد عدد المقاعد التي أعطت له الأغلبية؛ لذا سيحاول جذب عدد من أعضاء الليكود، أو حزب شاس الديني، ولا يستبعد بعض السياسيين الإسرائيليين تحالف شاس مع "أزرق أبيض"، إذا سقط نتنياهو، باعتبار أنّ شاس له مواقف سياسية توصف بالوسطية وتؤيد التفاوض مع الفلسطينيين.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
على صعيد القائمة العربية المشتركة، والتي حصدت 13 مقعداً، يعد ذلك إنجازاً تاريخياً وسياسياً لها، ويؤكد أنّ نواب القائمة المشتركة، بدؤوا يضعون مصالح فلسطينيي الداخل قبل مصالحهم أو طموحاتهم الشخصية، أما بالنسبة إلى الثقل السياسي للقائمة المشتركة، فهي قد تكون بداية لتحول مؤثر في الحياة السياسية الإسرائيلية، خاصة أنّ القائمة المشتركة هي ثالث أكبر حزب في الكنيسيت، وفق الانتخابات الأخيرة، إلا أنّ هذا الثقل يعتمد أيضاً على شكل الحكومة القادمة؛ فهي لن تدخل في تحالفات سواء مع اليمين أو الوسط واليسار، كما أنّه من المستحيل التصور أنّها يمكن أن تشارك في أيّ تحالف فيه ليبرمان، والذي قال إنّه لا يمكن أن يجلس مع حكومة وحدة وطنية موسعة، تستند لها أو تعتمد على الأصوات العربية.

اقرأ أيضاً: غانتس يرفض الشراكة مع نتنياهو: إسرائيل تحت نير الانسداد السياسي
القراءة الشاملة للمجريات لا تبشر بانفراج قريب يلوح في الأفق، فالمفاوضات بين اللاعبين الأساسيين فشلت، والمبادرات والصفقات التي يتم طرحها ترفضها الأطراف الأخرى، ونتنياهو يصرّ على البقاء حتى آخر نفس، حفاظاً على إرثه السياسي، وخوفاً من شبهات الفساد التي تطارده، وباتت السيناريوهات المطروحة والمعقدة تنحصر، فالسيناريوهات المطروحة حالياً تقوم على الآتي:
مناصرو نتنياهو لديهم قدر كبير من الثقة بأنّه ستتمّ تبرئته

السيناريوهات
السيناريو الأول: تشكيل حكومة موسعة وطنية تضم أعضاء حزبَي "الليكود" و"أزرق أبيض"، وهو ما حاول سابقاً رئيس "الدولة"، ريفلين، إقناع زعيمَي الحزبيَن، نتنياهو وغانتس، به، وبالتناوب على رئاسة الحكومة، إلا أنّ هذا الاقتراح مرفوض تماماً من غانتس، الذي يشترط أن ينسحب نتنياهو تماماً من "الليكود"؛ بسبب تورطه في قضايا فساد، وعدم استعداد غانتس للتعامل معه، وهو ما تعهّد به خلال حملته الانتخابية، أما نتنياهو؛ فلا شكّ في أنّه لن يتنازل، ومتمسّك بزعامته لليكود حتى آخر نفس.

اقرأ أيضاً: ردود عربية ودولية على تصريحات نتنياهو.. هذه أبرزها
السيناريو الثاني: حكومة وحدة وطنية تضمّ "الليكود" و"أزرق أبيض" و"إسرائيل بيتنا"، الذي يتزعمه ليبرمان، وإن كانت هذه المسألة ليست سهلة وتحتاج إلى تنازلات، خاصّة من نتنياهو، الذي لن يجد خياراً آخر إلا التضحية بالأحزاب الدينية، فليبرمان يصرّ على شروطه للتحالف مع الليكود، وأن يفرض على المتدينين التجنيد العسكريّ الإجباري، وهو ما ترفضه تماماً الأحزاب الدينية، وقد دعا ليبرمان أيضاً لتشكيل هذا الائتلاف الموسّع، مقترحاً تولّي نتنياهو الفترة الأولى من رئاسة الحكومة، لكنّه أصرّ على شروطه السابقة، هذا فضلاً عن أنّ غانتس يتمسك بشرط إبعاد نتنياهو عن أيّ ائتلاف يشارك فيه.

اقرأ أيضاً: نتنياهو وإيران.. وعسر الهضم
أما السيناريو الثالث، وهو الاحتمال الأضعف؛ فيقوم على تحالف أحد الحزبَين، "الليكود" أو "أزرق أبيض"، مع "إسرائيل بيتنا"؛ فالمحاولات السابقة لتحالف نتنياهو وليبرمان فشلت، وهو ما أدى إلى إعادة انتخابات نيسان (أبريل) الماضي، ويبدو أنّ الأمور لن تتغير، فليبرمان ما يزال متمسكاً بشروطه، وفي الوقت نفسه؛ لن يستطيع نتنياهو التخلي عن الأحزاب الدينية؛ لأنّه سيفقد 16 مقعداً للحزبَيْن الدينيَّيْن في الكنيسيت، وبالتالي حتى إذا تحالف مع ليبرمان فلن يحصل على الـ 61 مقعداً، أما تحالف ليبرمان مع غانتس، فهو أيضاً يواجه عدة عقبات؛ فرغم أنّ غانتس ليست لديه مصلحة مع الأحزاب الدينية، وتوجهاته تنسجم مع توجهات ليبرمان العلمانية، وكذلك قضية التعامل مع قطاع غزة، إلا أنّ ليبرمان يرفض أن تحسب في هذا التحالف أصوات القائمة المشتركة، التي يراها عدواً، على حدّ وصفه، بينما يقوم السيناريو الأخير على إعادة الانتخابات للمرة الثالثة، وهو أكثر السيناريوهات ترجيحاً، وهو خيار يتمنى الإسرائيليون تجنّبه، لتداعياته الاقتصادية، فضلاً عن أنّه سيزيد حالة التشتت والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وسيكون السابقة الأولى في تاريخ دولة إسرائيل، التي تعاد فيه الانتخابات للمرة الثالثة خلال عام واحد.
إسرائيل والعقلانية!
إلى ذلك، يقول الخبير في الشأن السياسي، حيمي شلاف: رغم الضجة التي سترافق تشكيل هذه الحكومة، فإنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية، على الأقل بشكل مؤقت، وسيقف على رأسها شخص يعدّ وظيفته مهمة جماهيرية، وليست ضيعة شخصية، وإلى جانبه قيادة حزبه وشخصيات قوية لها رأي، يتم فحصهم بحسب إنجازاتهم، بدلاً من المجموعة الحالية الضعيفة وغير المهمة، التي تمتاز بالأساس بالتملّق الأعمى، حكومة أقلية يمكن أن تدفع قدماً بخطوات مباركة؛ من زيادة الاندماج، ومزيد من المساواة للجمهور العربي، لكنّ احتمالية تحقّق ذلك، كما هو معروف، ضئيلة، ليبرمان، الذي بنى نفسه على كراهية العرب، لن يكون مسروراً بالتعاون معهم، وأشخاص في "أزرق أبيض"، مثل: موشيه يعلون، وتسفي هاوزر، ويوعز هندل، سيجدون صعوبة بالجلوس والتشاور مع القائمة العربية، هم سيفضلون عدم اليقين لانتخابات جديدة على ثغرة الهرب الآمنة التي هي أمامهم الآن، إذا لم ينحرفوا عن مواقفهم المتشددة، فقد يسجلهم التاريخ كمن فضلوا الرأي والموقف المسبق على تأييد حكومة إنقاذ.


صحيفة معاريف
مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-727473

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-726109

للمشاركة:

كيف يبدو الشمال النيجيري بعد 20 عاماً من تطبيق الشريعة؟

2019-11-09

ترجمة: محمد الدخاخني


في 27 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1999، أعلن حاكم ولاية زمفارا في نيجيريا، أحمد ساني يريما، تطبيق الشّريعة. وحذت 11 ولاية أخرى في شمال نيجيريا ذات غالبيّة مسلمة، بما في ذلك ولايتا كانو وكادونا، حذو زمفارا. وفي الوقت نفسه، احتجّ بشدّة العديد من المسيحيّين الّذين يعيشون في البلاد على هذه الخطوة. تلا ذلك أعمال شغب وتوفّي عدّة آلاف من المسيحيّين والمسلمين. ويتذكّر عطا باركيندو، الّذي يرأس "مركز كوكاه الكاثوليكيّ"، وهو عبارة عن منظّمة تعزّز الحوار بين الأديان، هذا الوقت المضطّرب جيّداً: "لقد شعرنا بقلق عميق. لم يُدرك أحد عواقب القرار. وكنّا قد خرجنا للتّوّ من حكم ديكتاتوريّ عسكريّ. والغضب كان هائلاً".

"صورة نمطيّة" للشّريعة
يتذكّر الإمام نور الدّين ليمو مدى خوف السّكان المحلّيّين لحظة صدور قرار العديد من الحكّام النّيجيريّين بتطبيق الشّريعة. ويقود ليمو قسم الأبحاث في "معهد الدّعوة النّيجيريّ" الّذي يتّخذ من مدينة مينا بولاية النّيجر مقرّاً له. يقول إنّ "النّاس كانوا يخشون ممّا تنطوي عليه الشّريعة الإسلاميّة، وخشي البعض هيمنة المسلمين وتعرّض المسيحيّين للاضطّهاد". ومع ذلك، يعترف أيضاً بأنّ "المسلمين في نيجيريا لم يؤدّوا واجباتهم للتّلطيف من هذه المخاوف".

حتّى يومنا هذا يُنظر للشّريعة بنيجيريا على أنّها موضوع مُسيَّس حيث قام الحكّام بإعلام تطبيقها بالشّمال تلبيةً لمطالب النّاخبين

ويشير ليمو إلى أنّه حتّى اليوم لا يزال لدى البعض صورة نمطيّة عن الشّريعة في أذهانهم والّتي لا علاقة لها بالواقع. ويقول "إنّ البعض من غير المسلمين يعتبرون الشّريعة الإسلاميّة شيئاً بربريّاً"، مضيفاً أنّ الصّور النّمطية الشّائعة تتضمّن "فكرة عقاب الأشخاص بقطع أذرعهم، وإجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام، وانتهاك حقوق الإنسان بشكل روتينيّ". وفي الوقت نفسه، يصرّ المسلمون على أنّ الشّريعة تُطبّق فقط على المسلمين. ولهذا السّبب يوجد لدى ولايات شمال نيجيريا أنظمة قانونيّة أخرى موازية للشّريعة الإسلاميّة.

الإمام نور الدّين ليمو

اقرأ أيضاً: مداهمة مدرسة تحولت لسجن تعذيب في نيجيريا.. هذا ما كان يحدث فيها
على كلّ حال، لدى الشّريعة تقليدها الطّويل في هذا الجزء من العالم. فقد كانت تُمارَس في خلافة سوكوتو وإمبراطوريّة كانيم-بورنو التّجاريّة الأفريقيّة قبل الحكم الاستعماريّ البريطانيّ في القرنين التّاسع عشر والعشرين. وكلا الكيانين كان مزدهراً وقويّاً، وبالتّالي ربط النّاس حينها صورة إيجابيّة بالشّريعة. يقول عطا باركيندو من "مركز كوكاه الكاثوليكيّ" إنّه بسبب رغبة شمال نيجيريا في "العودة إلى مجد العصور السّابقة"، كانت هناك دعوات لإعادة تطبيق الشّريعة منذ استقلال البلاد في عام 1960.

الشّريعة باعتبارها ورقة سياسيّة
لكن هذا لم يتحقّق إلّا عندما تركت نيجيريا وراءها عقوداً من الحكم العسكريّ في عام 1999 وعادت إلى نظامٍ ديمقراطيّ متعدّد الأحزاب. وفي العام نفسه، انتُخب أولوسيجون أوباسانجو - وهو مسيحيّ من جنوب غرب البلاد - رئيساً لنيجيريا. ولا يمكن اتّهامه بأنّه يريد فرض الإسلام على البلاد، كما قد يكون الحال لو وجد زعيم مسلم في سدّة الحكم. وعندما أعلنت ولايات شمال نيجيريا تطبيق الشّريعة، لم يتدخّل لوقف ذلك، ممّا أكسبه تأييد السّكان المسلمين في البلاد.

اقرأ أيضاً: آخر جرائم بوكو حرام في نيجيريا
لكن حتّى يومنا هذا، يُنظر إلى الشّريعة في نيجيريا على أنّها موضوع مُسيَّس، حيث قام الحكّام بإعلام تطبيقها في الشّمال تلبيةً لمطالب النّاخبين المحتملين. ويوضّح الإمام ليمو أنّه "في بعض الأحيان يستخدم السّياسيّون كلمة "الشّريعة" عندما يعلمون أنّ غالبيّة السّكّان من المسلمين، وأنّ غالبيّة النّاخبين سيدعمونهم، وأنّ العلماء المحلّيّين سيدعمونهم".

لم يحدث تحسّن كبير في الوضع الأمنيّ ونظام التّعليم والبنية التّحتيّة في شمال نيجيريا على مدار العشرين عاماً الماضية

لكن حليمة جبريل، الرّئيسة الحالية لـ "اتّحاد جمعيّات النّساء المسلمات في نيجيريا"، تقول إنّ الشّريعة أكثر من مجرّد سياسة، وفي الواقع تُنظّم طريقة تعايش النّاس. وتقول عندما تُطبّق القواعد بشكل صحيح، يكون لها فوائد عديدة. وتُثني على الحظر المفروض على بيع واستهلاك الكحول في شمال نيجيريا، قائلة إنّه "عندما تُطبّق القيود على المشروبات الكحوليّة، فإنّ أيّ شخص يريد أن يشرب، يجب أن يذهب بعيداً إلى ضواحي البلدات. وسَعِدَت العديد من الزّوجات بذلك".
وتقول حليمة إنّه نتيجة لذلك، أصبحت الأسر أكثر قرباً وأخذ الرّجال يعتنون الآن بزوجاتهم وأطفالهم بشكل أفضل - بالرّغم من أنّه لا تزال هناك طرق للحصول على الكحول في شمال البلاد، مع وجود حانات غير قانونيّة، على سبيل المثال، تبيع البيرة والمشروبات الرّوحيّة وتخفيها في أكياس تغليف شركة "تترا باك" للأغذية. وتضيف حليمة أنّ الشّريعة تدعو الولايات أيضاً إلى دعم السّكّان حتّى "يتمكّنوا من عيش حياة موافقة لمبادئ الإسلام". هذا، إذا مُدّ على استقامته، يعني، على سبيل المثال، أنّه يجب ضمان مستوى معيشة أساسيّ للجميع حتّى لا يضطّر أحد إلى السّرقة. ومع ذلك، لا يوجد حتّى الآن نظام للرّعاية الاجتماعيّة في شمال نيجيريا.

باركيندو يشعر أن تطبيق الشريعة قسم نيجيريا

تحسينات محدودة
مع ذلك، لم يحدث تحسّن كبير في الوضع الأمنيّ ونظام التّعليم والبنية التّحتيّة في شمال نيجيريا على مدار العشرين عاماً الماضية. وفي ولايات زمفارا وكاتسينا وكادونا، يتعرّض السّكان المحلّيّون لخطر الوقوع ضحايا قطاع الطّرق بشكل كبير. وهنا، أكثر من أيّ مكان آخر في نيجيريا، يقضي الأطفال في المدرسة أقلّ وقت. وعلاوة على ذلك، لم يمنع تطبيق الشّريعة الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة مثل بوكو حرام من اكتساب النّفوذ، ولم يساعد في الحدّ من الفساد المتفشّي في المنطقة.

اقرأ أيضاً: فتّشوا عن إيران حتى في... نيجيريا!
يشعر عطا باركيندو بخيبة أمل، قائلاً إنّ 20 عاماً من تطبيق الشّريعة في الشّمال جعلت الأمور أسوأ من ذي قبل. إنّه يريد أن يكون هناك نقاش حول الشّكل الّذي ينبغي أن تكون عليه نيجيريا علمانيّة، وكيف تعرّف نيجيريا نفسها كأمّة وكيف يمكن تعزيز التّعايش المتناغم بين المسيحيّين والمسلمين. ووفقاً لباركيندو، فإنّ "ما فعلته الشّريعة هو تقسيمنا أكثر في هذا البلد. فقد انسحب النّاس من مجتمعاتهم إلى رحم دياناتهم". وهذا، كما يقول، لأنّه اليوم يُحدِّد دين النّاس وعرقهم الوصول إلى السّلطة والموارد والامتيازات.


كاترين غانسلير، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.dw.com/en/nigeria-looks-back-on-20-years-of-sharia-law-in-th...

للمشاركة:

لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟

2019-11-07

ترجمة: كريم محمد


إن الروح التي تنكر أنّ الحبّ الحقيقيّ شعارها
كان من الأفضل ألّا تولد؛ لأن وجودها عار.
لذا اسكر بالحبّ، لأن الحب هو كل ما هنالك.
ما لم تختبر الحبّ، فإن الطريق إلى الله مغلق.

هذه الأبيات من ضمن مئات القصائد التي كتبها الرومي، رسول الحب الصوفي في القرن الثالث عشر. هكذا كانت مكانته في القرون الماضية؛ حيث سميت قصيدته المثنوي "القرآن في الفارسية". وبالنسبة لأولئك الذين قرؤوا شعره، فإنّه من الصعب عليهم استيعاب كيف يمكن لأي شخص أن يزدري جمال الإسلام الصوفي. مع النظر إلى أنّ الصوفيين قدموا أنفسهم على الدوام على أنّهم الورثة الأوفياء للنبي محمد، عليه السلام، فإنّه من الأصعب عليهم فهم سبب ازدراء المسلمين لهم. حتى إنّ الموجات المتتالية للإصلاح الإسلامي وحركات التجديد قد نبذت كل أشكال الإسلام الصوفي. إنّ "الدولة الإسلامية" في العراق والشام (داعش) -التي قضت سلطتها بالحكم بإعدام المتصوفة في سوريا وأزالت أضرحتهم في ليبيا- ليست سوى أحدث الحركات المناهضة للتصوف.

لماذا؟ هناك بعض من الأسباب لذلك.

يكتسبُ الولي الصوفيّ الولاية من خلال تجربة باطنية ومن خلال قرب من الإله. حقيقةً، يطمح الولاة الصوفيون لأن يصبحوا ورثة عائلاتهم الصوفية المتنفذة والتي احتلت مكانة اجتماعية بارزة منذ أجيال. فمثلها مثل العائلات الكنسيّة في أوروبا القديمة، شكلت هذه السلالات الروحيّة مؤسّسة دينيّة. ومنذ الإمبراطورية العثمانيّة في القرن الرابع عشر حتى القرن التاسع عشر، حتى ورثتهم الأوربيين في القرن العشرين والواحد والعشرين، فإنّ مكانة العائلات الصوفيّة الاجتماعيّة البارزة قد منحنتها غالباً علاقة بالدولة.

الأصوليّون الذين يسعون إلى إعادة المسلمين لأصول الإيمان ينظرون للصوفية كشكل مذهبي ظهر في وقت لاحق بعد النبي وأتباعه

حتى في حالة العراق وسوريا؛ حيث أطاحت داعش بديكتاتوريتين علمانيتيْن، تمتعت علائلات صوفية بارزة بعلاقات عمل مع هؤلاء الديكتاتوريين. فقط في بعض الحالات، تمت إدانة صوفيين بارزين بالتعاون مع الطاغية. وباختصار، بغض النظر عن ادعائهم تمثيل الإسلام في بداياته، مقارنةً مع المؤسسة الصوفيّة القديمة، فإنّ الدواعش هم مُحدثون راديكاليّون. وهذا يخدم مصلحتهم: حيث يمتلكون اتفاقاً وسجلاً فارغاً لتتبع القادمين الجدد.

تساعد اقتصاديّات الصوفية أيضاً في توضيح سبب كون داعش، والعديد من المسلمين غيرها، يعارضونها. بالرغم من خطاب الصوفية عن الفقر -"الفقر فخري" هو أحد أقوال النبي محمد المفضلة-، فإن العائلات الصوفية أكثر ثراءً من أتباعهم. عادة، يأتي هذا الثراء من خلال منح الأراضي والأعشار العرفيّة من قبل أتباعهم، غير أنّ الصوفية الحديثة توجب عليها أن تنوع في كسبها من خلال تقديم خدمات شجبها منتقدوها باعتبارها خرافات تتاخم الشعوذة؛ حيث إنّ الواقع اليومي هو أنّ العديد من الصوفيين يعدون بالمعجزات ويقدمون تمائم مقابل الحصول على أموال من قبل أتباع أو مسؤولين. يشارك كلّ مجدد علمانيّ داعش في عداوتها للصوفيين، باعتبارهم طفيليات تتغذى على سذاجة الفقراء.

اقرأ أيضاً: من يخطط لاستدراج الصوفية إلى ملعب الإسلام السياسي في تونس

لدى مجندي داعش الأوروبيين أسباب مختلفة لعدم الثقة في الصوفية؛ إذ إنّ نشأتهم بعيداً عن الأضرحة الصوفية وحلقات الشرق الأوسط، لم تجعلهم ببساطة يخبرون الإسلام الصوفيّ. إنّ الشباب المسلمين الأوروبيين الذين نشأوا على ثقافة الإنترنت التي كان الصوفيون أبطأ في التكيّف معها من السلفيين- الأصوليين الذين تمنوا العودة إلى الإسلام "الحقيقي" لأتباع النبي محمد الأُوَل، كانوا أقل وعياً بشكل رهيب بتنوعات الإسلام بما فيها الصوفية. من المحتمل أن يعرفوا القليل عن التصوف مثل يافع أمريكيّ نشأ في كنيسة خمسينيّة في كانساس.

اقرا أيضاً: هل الصوفية في إفريقيا مهيأة لمواجهة الإسلام السياسي والتطرف الديني؟

ليست الأسباب السوسيولوجية هي الأسباب الوحيدة وراء كراهية داعش للصوفيين، فالأصوليّون الذين يسعون إلى إعادة المسلمين لأصول الإيمان كما بلغها النبي محمد، عليه السلام، ينظرون للصوفية كشكل مذهبي ظهر في وقت لاحق بعد النبي وأتباعه الأُوَل. ربما يكونون على صواب في هذا الأمر، بالرغم من ادعاءات المتصوفة بأنّهم يمثلون المذهب الباطنيّ للنبيّ. وبالنظر لتعاليم التصوف على أنّها "ابتداع" أتت بعد عصر محمد، فإنّ داعش تتماشى مع خط السلفية، الذين يرون أنّ الإسلام الحق هو ما مارسه السلف الصلح، "الأسلاف الأتقياء" من الجيل الأول بعد النبي محمد، عليه السلام. وبهذا، فإنّ داعش تنتهج المنطق نفسه الذي رفض به مسيحيو القرن السادس عشر الممارسات الكاثوليكية بناءً على أنّهم لا يقرون بالإنجيل الذي صاغه أتباع يسوع الأوائل.

لدى مجندي داعش الأوروبيين أسباب مختلفة لعدم الثقة في الصوفية

إنّ الاتساق المذهبيّ ليس أولوية للأصوليين، بما فيهم داعش. فبالرغم من خطابهم عن العودة للإسلام المبكر، مثلاً، فإنّ الحركة تعتمد على مبدأ التكفير أو "الردّة"، والتي ظهرت في كتابات سيد قطب. وحسب التكفير، الذي لم يذكره النبي محمد، عليه السلام، قط، يمكن اعتبار المسلمين الآخرين مرتدين خائنين يستحقون الموت. إنّ هذا المذهب تكتيكٌ قويّ ضد الصوفية، وبالأخص أتباعهم المحتملين، الذين ثُنوا عن الجهر بتأييدهم لمذهبهم.

اقرأ أيضاً: توظيف العمل الصوفي في مواجهة الظاهرة الإسلاموية

أمّا السلاح العقائديّ الآخر الذي تستخدمه داعش ضد الصوفية،  فهو السحر أو "الشعوذة". هذه أيضاً جريمة من المحتمل أن يُعاقب عليها بالموت. وهنا تظهر داعش نفسها مرة أخرى بمثابة الرفيق الأصوليّ للسلفية، التي ترى وضع الصوفية بكونهم مرتدين يستحقون الموت أو مجرد "أصحاب خرافات" محلّ جدال.

يقودنا هذا الخط الرفيع بين الانتقاد والقتل إلى البعد الاستراتيجيّ لسبب كره داعش للصوفية. لأنهم يعيشون ضمن بعض المجتمعات التي تسيطر عليها داعش؛ إذ يعد الصوفية منافساً محصناً للغاية. وهذا يتضح أكثر في اصطلاحات تسمية المتصوفة، الذين يحمل الكثير منهم لقب "الخليفة" وهو اللقب الذي يحمله زعيم داعش، أبو بكر البغدادي.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الصراع بين الفقهاء والصوفية؟

وكما ذكرنا سابقاً، فقد شكلت العائلات الصوفية البارزة لقرون مؤسسة دينيّة في مناطق عدة في الشرق الأوسط. وبالرغم من أنّ هذه المكانة قد عورضت في القرن العشرين، إلا أنّ الولاء للسادة ورثة الصوفية في المجتمعات الريفيّة قد بقي متشابكاً مع القبيلة ومع البنى الاجتماعيّة الأوسع. وفي حالات أخرى في المدينة، كما في الريف، فقد بقيَ الحجّ للأضرحة الصوفية دعامة إسلام المرأة؛ حيث إنّ الأضرحة توفر مساحات عامة محترمة للنساء للتواصل الاجتماعيّ، وفي الوقت ذاته الحصول على بركات إعجازيّة.

وعلى إثر ذلك، فإنّ عنف داعش استهدفَ كلّاً من الصوفيين الأحياء ولأضرحة الموتى منهم. وبالرغم من أنّ المنافذ الإخباريّة الغربية قد أولت اهتماماً أكبر لتدمير المتطرفين لمواقع ما قبل الإسلام، مثل تدمر، إلا أنّ التركيز الأكثر شيوعاً "للديناميت الإسلامويّ" كان التراث المعماريّ للصوفيّة.

لدى مجندي داعش الأوروبيين أسباب مختلفة لعدم الثقة بالصوفية؛ فنشأتهم بعيداً عن الأضرحة الصوفية لم تجعلهم يخبرون الإسلام الصوفيّ

بهذه البشاعة، فإنّ هذه هي الإستراتيجية التي تجعل داعش جيدة. بالرغم من أنّه من الأكثر شيوعاً هو الاعتقاد في الغرب بأنّ الصوفية مسالمة، إلا أنّ القادة الصوفيين ومزاراتهم غالباً ما كانت نقاط حشد للانتفاضات والمقاومة. وعبر الحدود من أراضي داعش في تركيا، أظهر فوز حزب العدالة والتنمية التقليد النقشبنديّ الصوفيّ، وهو مجموعة ذات توجّه شرعيّ، كقوة فعّالة خلف كواليس صعود صناديق الاقتراع الإسلامويّة. فمن خلال الاقتراع أو الثورات، امتلكت المنظمات الصوفيّة إمكانية المنافسة التي لا ترغب بها داعش.

إذن، هناك إستراتيجيات، وأسباب عقائديّة واجتماعيّة، خلف كره داعش للصوفية. بينما المحافظون في حزب العدالة والتنمية التركيّ يشيرون إلى أنّ الإسلام الصوفي ليس النقيض الليبراليّ لداعش، وإنما هو بديل، وبالتالي فهو منافس. وهذا شيء لا تسمح به طموحات داعش الشموليّة.


نيل جرين
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://aeon.co/ideas/could-sufism-offer-an-alternative-to-isis-for-youn...

للمشاركة:



الإمارات تدعم المحتاجين في محافظة شبوة اليمنية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قدمت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، مساعدات غذائية تضم 350 سلة غذائية، تزن 28 طناً، في منطقة جول الريدة بمديرية ميفعة في محافظة شبوة اليمنية، استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والأشد احتياجاً، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعب، وفق ما نقلت وكالة "وام".

الهلال الأحمر الإماراتي قدّم مساعدات غذائية استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والمحتاجين بشبوة

وأعرب المستفيدون، عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على وقفتها الأخوية في محنتهم وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء شبوة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزعت، منذ بداية "عام التسامح"، 33 ألفاً و24 سلة غذائية، بمعدل 1888 طناً و480 كيلوغراماً، استهدفت 157 ألفاً و125 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني، من نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20.57 مليار درهم (5.59 مليارات دولار)، موزَّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزّعون على 12 محافظة.

 

 

 

للمشاركة:

إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم؛ أنّه اغتال القيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وزوجته، في قصف استهدف منزله في قطاع غزة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته

وقالت مصادر طبية في قطاع غزة: إنّ القصف الإسرائيلي أدّى إلى مقتل أبو العطا وزوجته، وإصابة 4 من أبنائهما، وفق شبكة "سي إن إن".

من جهتها، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقتل قائدها في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، وزوجته، في منزلهما بحي الشجاعية شرق قطاع غزة.

وقالت سرايا القدس، في بيان اليوم: إنّ "أبو العطا، البالغ من العمر 42 عاماً، قتل في عملية اغتيال"، معلنة "النفير العام في صفوف مقاتليها ووحداتها العسكرية المختلفة"، كما توعدت بالردّ، قائلة: "لن تكون للردّ على هذه الجريمة حدود، الاحتلال سيكون هو المسؤول عن هذا العدوان"، حسبما ورد في بيان للحركة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في بيان، أنّ "قتل أبو العطا لن يمرّ دون ردّ".

وبحسب بيان سرايا القدس، على الموقع الإلكتروني لحركة الجهاد؛ فإنّ "أبو العطا يعدّ أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، وتعرّض لمحاولات اغتيال عدة في أوقات سابقة".

سرايا القدس تعلن النفير العام في صفوف وحداتها العسكرية وتحمّل إسرائيل المسؤولية

من جهتها، دانت منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم، اغتيال الكيان الصهيوني للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي، محملة سلطات الاحتلال مسؤولية التداعيات.

وقال أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، في تصريح نقلته وسائل الإعلام الفلسطينية: "ندين بأشدّ العبارات جريمة الاغتيال الجبانة للقائد بهاء أبو العطا، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي وزوجته وإصابة أبنائه".

وأضاف عريقات: "نحمّل سلطة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن نتائج وتبعات هذه الجريمة النكراء".

هذا وقد أعلنت سرايا القدس استهداف مدينة تل أبيب بقذائف صاروخية، بعد فترة وجيزة من اغتيال أبو العطا.

 

 

للمشاركة:

الأردن يحبط مخططات إرهابية.. هذه أهدافها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أحبطت الأجهزة الأمنية الأردنية، مؤخراً، مخططات إرهابية كانت تستهدف عاملين في السفارتين؛ الأمريكية والإسرائيلية، إضافة إلى جنود أمريكيين متواجدين في قاعدة عسكرية في منطقة الجفر.

وخطّط متهمان لاستخدام الأسلحة النارية، أو الطعن، أو الدهس بالمركبات، لتنفيذ العمليات، لكنّ الأجهزة الأمنية حالت دون ذلك، وتمّ القبض عليهما، في نهاية تموز (يوليو) الماضي، وفق ما أوردت صحيفة "الرأي" الأردنية في عددها الصادر اليوم.

الخلية الإرهابية كانت تستهدف عاملين في السفارتَين الأمريكية والإسرائيلية وجنوداً أمريكيين في منطقة الجفر

وأحيل المتهمان إلى محكمة أمن الدولة، التي وجهت لكلّ منهما تهماً بجنايتَي؛ المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، والترويج لأفكار جماعة إرهابية.

وأشارت لائحة الاتهام من محكمة أمن الدولة إلى أنّ آلية تنفيذ المُتْهَمَيْن لعملياتهما الإرهابية لأهدافهما تمثلت بالأسلحة النارية، أو الطعن، أو الدهس بواسطة مركبات.

 وأشارت الصحيفة إلى أنّ "محكمة أمن الدولة بدأت، الأحد الماضي، بمحاكمة المتهمَين على التهم التي أسندتها لهما النيابة".

وكانت السلطات الأردنية قد أحبطت، الشهر الماضي، مخططاً لتنظيم داعش، كان يقضي بتنفيذ عمليات إرهابية في الساحة الأردنية.

وأعلنت السلطات؛ أنّ الخلية كانت تعتزم استهداف الحراسات الأمنية أمام منزل أحد رؤساء الوزراء السابقين والاستيلاء على أسلحتهم، وذلك كما وردت في لائحة الاتهام بمحكمة أمن الدولة.

كما تشمل قائمة الأهداف: دوريات الأمن العام الموجودة بشكل ثابت على طريق (السلط - السرو)، إضافة إلى "خطف أحد رجال المخابرات وقتله بمنطقة مهجورة وحرق جثته".

وأشارت إلى أنّ الشرطة ألقت القبض على أفراد الخلية، في الأول من تموز (يوليو) الماضي.

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية