"الاعتدال والتطرف".. محاولة للفهم والمواجهة

"الاعتدال والتطرف".. محاولة للفهم والمواجهة

مشاهدة

24/10/2019

يقول إريك هوڤر، في كتابة "المؤمن الصادق" (2010): إنّ المتطرف يعدّ أيّة قضية يعتنقها قضية مقدسة، وليس بالإمكان إبعاده عنها بالمنطق والنقاش.
هل نحن في حاجة اليوم، في ظلّ الكمّ الهائل من المشاكل والأزمات السياسية والاجتماعية والاحتجاجات والاضطرابات السياسية والحروب والنزعات المسلحة، التي تعمّ العالم العربي والشرق الأوسط والعالم، إلى كتبٍ حول الاعتدال والتطرف؟ وهل تشكّل مثل هذه الموضوعات من الدراسة والبحث الاهتمام ومشقة البحث؟ وهل تلقى هكذا كتب اهتمام الناس والمؤسسات والدول أصلاً؟

اقرأ أيضاً: هل ندرك حقاً الفرق بين التطرف والاعتدال؟‎
أعتقد أنّه؛ بالنظر إلى أنّ مشكلة التطرف بكافة أشكاله تقع في القلب من معظم مشاكل العالم وأزماته المستعرة حالياً، يغدو من المهم أن نبذل المزيد من الجهد والمتابعة في البحث والتنقيب والحفر، في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية، والحواضن الموضوعية المنشئة للتطرف، وكيف يتولّد التطرف العنيف المفضي إلى العنف والإرهاب.
التطرف مفهومٌ إشكالي ومُلتبس، ليس فقط التطرف الديني العنيف؛ بل كلّ أنواع التطرف، والتطرف الديني العنيف ظاهرة اجتماعية متخطية للزمكان، ومتخطية للأديان والمجتمعات، وقد أصبحت ظاهرة التطرف، والتطرف العنيف، وعلاقته بالإرهاب العالمي، كما سبق أن أشرت أكثر من مرة، "موجة" العلوم الإنسانية اليوم، ولا أظنّ أنّ هناك ظاهرة اجتماعية معاصرة في حقول الدراسات الإنسانية حظيت، وما تزال تحظى، بالاهتمام والدراسة في مختلف فروع العلوم الإنسانية، مثل ظاهرة التطرف الديني، خاصة بعد أن اقترنت بالإرهاب العالمي المعاصر.

اقرأ أيضاً: "العقول البيضاء".. خطة الإخوان لصناعة المتطرفين
من ضمن الكتب في هذا الحقل من الدراسة؛ صدر في العاصمة الأردنية، عمّان، كتاب جديد للباحث الأردني إبراهيم غرايبة، بعنوان "الاعتدال والتطرف، التكوين المعرفي في الفهم والمواجهة".

غلاف الكتاب
الغرايبة من الباحثين العرب المهتمين برصد ظاهرة التطرف والتطرف العنيف، خاصة التطرف الديني والإرهاب، وقد سبق لنا في "حفريات" أن عرضنا مراجعة لكتابه الأول، عام 2018، حول التطرف، الذي كان بعنوان "ما التطـــــــرف؟"، والذي نقّب فيه المؤلف عميقاً في" أركيولوجيا" الظاهرة في مختلف المصادر القديمة والحديثة العربية منها واللغات الأخرى بمراجع حديثة ومعتبرة في مختلف حقول المعرفة الإنسانية التي حاولت تفسير الظاهرة.

اقرأ أيضاً: هل مثلت جماعة الإخوان المسلمين حاجزاً في وجه التطرف؟
ولطالما أكد أنّ التديّن منتجٌ حضاري اجتماعي يعكس الحالة الاجتماعية والسياسية في المجتمع ويأخذ بالعادة أشكالاً مختلفة ومتعددة للمتدينين، وأنّ التطرف ذو طبيعة واحدة، مهما تعدّدت أشكاله وأسبابه، وأنّ "التطرف الديني العنيف" ظاهرة اجتماعية مُعقدة جداً، صعد منذ سبعينيات القرن العشرين، في الوقت نفسه الذي بدأت مكافحته بمقارباتٍ دولية "خشنة"، تعتمد التدخل العسكري والعمليات الأمنية الاستخبارية.

يواصل المؤلف عملية الحفر والتنقيب عميقاً في مجاهل الظاهرة وتتبع أصولها التأسيسية

أمّا في الكتاب الذي بين أيدينا، والذي يتكون من (297) صفحة، وتمّ تقسيمه إلى مقدمة و6 فصول؛ فقد ذكّر المؤلف على صفحته الشخصية في الفيسبوك؛ بأنّ كتابه هذا "يمثل الجزء الثاني من كتاب "ما التطرف؟"، سابق الذكر، وأنّه جاء ليركّز على "فهم الاعتدال والتطرف بمنظورٍ سيكولوجي وسوسيولوجي وشبكي وفردي، باعتبار الاعتدال والتطرف تشكلات وتكوينات مستمدة من البيئة المحيطة بالأمم والأفراد وفي سياق التقدم والفشل".
وفي هذا الكتاب؛ واصل المؤلف عملية الحفر والتنقيب عميقاً في مجاهل الظاهرة، وتتبع أصولها التأسيسية (جينولوجيا التطرف)، متكئاً على ذخيرة وافرة من الفهم العميق لروح الدين والرواسب الفكرية والفلسفية، المؤثرة في الظاهرة، من مختلف مشارب المعرفة الإنسانية؛ من التاريخ إلى السياسة، إلى علم الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس، إلى الفنون والمسرح والرسم والعمارة، بمقاربة كلانية معتبرة ومميزة، ليغوص في أعماق التطرف، ولماذا يتركز البحث حول التطرف وينحسر الحديث في المقابل عن الاعتدال؟

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة والحوثي والإخوان.. رباعي التطرف المتربص باليمن
وكعرض شمولي غير تقليدي لفصول الكتاب التي جاءت مرتبة على نحوٍ مميز، نلاحظ أنّ المؤلف افتتح الكتاب بالفصل الأول حول الاعتدال والتطرف، وفي الفصل الثاني سيكولوجيا الاعتدال والتطرف، والفصل الثالث حول الاعتدال والتطرف بمنظور اقتصادي اجتماعي، والفصل الرابع الاعتدال والتطرف بمنظور شبكي، والفصل الخامس الاعتدال والتطرف في سياق الفرد والفردية، أمّا الفصل الأخير؛ فكان في بناء الاعتدال ومواجهة التطرف.
الملاحظة الأولى على الكتاب: هي تركيز غرايبة على أولوية قيمة الاعتدال في مقابل التطرف، ولذلك نراه يُعنى بتقديم مفهوم الاعتدال على مفهوم التطرف في الفصول الستّة للكتاب، وذلك كي يعلي من قيمة الاعتدال، ويقلل من شأن التطرف، حتى إن كان جلّ الكتاب في نقد التطرف بكافة أشكاله وأنواعه، وليس فقط التطرف الديني، حتى إن كان أخطرها.
ولذلك نلاحظ أنّ المؤلف في مقدمة الكتاب يُجادل بأنّ الكراهية والتطرف هما الفشل (الاعتدال هو النجاح والازدهار)، وأنّ الاعتدال ليس عدم مخالفة القانون؛ لأنّ عمل جماعة مهما كانت وفق القوانين لا يعني أنّها معتدلة.
وفي ذلك إشارة عميقة وخطيرة من قبل المؤلف لا يمكن تأويلها إلا من خلال النظر ومتابعة   سلوك معظم جماعات الاسلام السياسي واليمين المتطرف في الغرب، والأحزاب الشعبّوية التي تنشط من خلال صناديق الاقتراع، والالتزام الشكلي بالقوانين والأنظمة لاختراق بنية المجتمعات المعاصرة".

كان جلّ الكتاب في نقد التطرف بكافة أشكاله وأنواعه، وليس فقط التطرف الديني
وينقل المؤلف عن (كاس. ر. سينشتاين)، أستاذ القانون بجامعة "هارفارد" الأمريكية، في كتابه "الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها" (2014)؛ أنّ "التشابه يؤدي إلى التطرف، والتنوع يؤدي إلى الاعتدال"، بمعنى أنّ "الجماعات عند اجتماعها تذهب إلى الحدود القصوى للتطرف، وهنا ينتهي أعضاء الجماعة الذين يتشاورون فيما بينهم إلى مواقف متطرفة داخل الاتجاه العام للجماعة نفسه، وبصورة أكثر مما كانت عليه قبل أن يبدأ هذا التشاور". وهذا الأمر، أي الميل إلى التطرف، يحدث عندما يكون الأفراد متشابهين في التفكير، وكذلك عندما يكونون في جماعة منعزلة"، ويضيف الغرايبة؛ المواجهة مع التطرف أصبحت بين حبّ الحياة وتقديرها، وحبّ الموت، وبين الكراهية والمحبة، والسؤال المفتاحي في التفكير والبحث عن الإجابات هو: كيف تختفي أو تنحسر الأفكار والمعتقدات والمشاعر المؤسسة للعنف والكراهية؟

التديّن منتجٌ حضاري اجتماعي يعكس الحالة الاجتماعية والسياسية في المجتمع

وهنا، ليس لدينا مجال للتفكير سوى عبر هذا السؤال، بما في ذلك من مواجهة مع الذات، فما لدينا من مؤسسات وبرامج وإستراتيجيات لم تعد كافية؛ لأنّها في فلسفتها وروايتها المُنشئة تنتمي إلى مرحلة الهرميّة الآفلة؛ أي عندما كانت قيادة الهرم باحتكارها للمطابع والمدارس والصحافة والحدود تقرّر للناس ماذا يعرفون، وماذا لا يعرفون، اليوم أصبح الناس يعرفون كلّ ما يريدون، ويسعون لمعرفته من أيّ مصدر في العالم، بلا استئذان، بسبب سيرورة العولمة التكنولوجية، ولم يعد "من حليفٍ في هذه المواجهة سوى الأفراد والأسر".
الملاحظة الثانية: إنّ المؤلف يدرك إدراكاً عميقاً الأدوار الواسعة والخطيرة التي تلعبها سيرورة العولمة، وتحطم السرديات الكبرى، وتطور أدوار جديدة للأفراد والجماعات بعيداً عن فضاء الدولة وهرمّية السيطرة والقيادة القديمة التي بات يعتريها الهرم والصدأ بتسارعٍ يتماهى مع التسارع التكنولوجي، والنتيجة الخطيرة في ذلك هي حتمّية فشل كافة المقاربات الرسمية التي تحتكرها السلطة في معركة المواجهة مع المتطرفين والإرهابين.
والملاحظة الثالثة: الدور الكبير الذي يعطيه المؤلف للتكنولوجيا أو آليات العولمة التكنولوجية، معبراً عنها بالشبكة (شبكة الإنترنت)؛ حيث يرى المؤلف أنّ الفردية هي عنوان "الشبكية"، وهي عنوان للمواجهة في المرحلة الانتقالية للحضارة الحالية التي يتوهم الناس أنّها راسخة ومهيمنة، بينما يعتريها التغير المتسارع، كما أنّ الحداثة نفسها صارت عبئاً على نفسها وأنتجت نقيضها.

التطرف الديني العنيف ظاهرة اجتماعية متخطية للزمكان ومتخطية للأديان والمجتمعات
وفي هذه الأجواء؛ يصبح التطرف هو الجواب الأكثر ملاءمة لظروف التهميش والتفكك الذي يعتري البنى الاجتماعية، بمعنى آخر؛ يبرز التطرف بأشكاله المختلفة، خاصة التطرف الديني، ليملأ الفراغ الناتج عن تهشّم البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة.

مواجهة التطرف والكراهية معركة مع من لم يكونوا في الحسبان عند بناء إستراتيجيات التعليم والتنشئة والإعلام والثقافة

والحال؛ أنّ النظر في مبتدأ المسألة، كما هي اليوم، يظهر، بحسب رأي المؤلف، أنّ "معظم المؤسسات القائمة، المعوَّل عليها في المواجهة، كالأجهزة الأمنية والعسكرية والمدارس والجامعات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، تبدو عاجزة عن المواجهة؛ بل غير قادرة على التفكير في مواجهة شخص غير معروف لها ابتداءً، يريد أن يقتل نفسه".
يؤكّد المؤلف أنّ التطرف بما هو أفكار ومعتقدات ومشاعر وتؤسس للعنف والإرهاب "لم ينحسر بعد إن لم يزد، الأمر الذي يعني أنّ الإستراتيجيات الثقافية والاجتماعية القائمة، إن لم تكن تساعد على التطرف، فإنّها فاشلة في مواجهته"، وما من ضمان أو مؤشرات ترجح ألا تحمل الأجيال الأفكار المتطرفة، وتنضمّ إلى الجماعات المتطرفة والإرهابية، أو أن تنتج ذئاباً منفردة.
ويرى المؤلف؛ أنّ المواجهة مع التطرف والكراهية هي "معركة المجتمعات والأفراد الذين لم يكونوا في الحسبان عند بناء إستراتيجيات التعليم والتنشئة والإعلام والثقافة، ولذلك يطالب بأن تعود السلطات إلى المدن والمجتمعات، التي هيمنت عليها، وأضعفت مؤسساتها وأدواتها ومواردها المستقلة".

الصفحة الرئيسية