التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟

3394
عدد القراءات

2018-12-18

تشكّل موضوعة المؤلّف والقارئ جدلاً لانهائياً؛ سواء تعلّق الأمر بالنقاش التقليدي حول صلاحية المؤلف، واكتسابها سلطة لتأويل نصوصه التي يكتبها، أكانت نصوصاً فلسفية أو أدبية، انتهاء بالتحول البنيوي الذي أحدثه رولان بارت، في مقاله الذكي "موت المؤلف" (عام 1967)، وبعده ميشيل فوكو، في مقاله "ما المؤلف؟" (عام 1979)، و"ما" هنا تدل على كمية الموت التي أصيب بها المؤلف، حتى غدا فوكو يسأل عنه بـ "ما" كشيء جامد، وليس بـ "مَن" الحيّة التي يُسأل بها عن الإنسان، باستعاضة القارئ كي يحلّ محلّ الكاتب؛ حيث إنّ المؤلف نفسه يتحول إلى توقيع بلا معنى، وصوت بلا سلطة، لكنّ المتفق عليه؛ أنّ تلك الموضوعة بين المؤلف والقارئ قد دخلت في أفق جدّ مفتوح ولا نهائي؛ حيث إنّ القارئ قد غدا طرفاً لا يمكن إهماله في المعادلة؛ أي أنّ العناية بالقارئ غدت لا تقل عن العناية بالمؤلف، إذا ما تبقى من هذا الأخير شيء.

عبارة "موت المؤلف" تثير حساسية لدى الكثيرين؛ لأنّهم يفهمونها في وجهها السالب دائماً

إنّ النص في المسرح النقدي والفلسفي المعاصر صار مشدوداً بين سلطتين؛ سلطة تنسبه إلى المؤلف بوصف النصّ؛ هو الابن الشرعي للمؤلف، وهو الوريث الميتافيزيقي والكتابي لما أراد أن يقول. وسلطة أخرى أقحمت، تريد أن تميت المؤلف وتزجّ بالقارئ بوصف النصّ هو وليد التأويل الحيّ الذي يمارسه القارئ عليه، فالنص، بالنهاية، ليس سوى جملة التأويلات التي ينتجها القارئ وفق أفق الرؤية المعيارية التي يتبناها القارئ عن الله والإنسان والعالم، فالتأويل هو عملية إنسانية مركبة، وليس مجرد نقاش لغويّ على حافة النصوص؛ بل هو اختبار هائل لكلّ التراث القابع في نفس القارئ، ومخزن مشحون بكلّ التصورات الميتافيزيقية له.

اقرأ أيضاً: درس بورديو: هل هناك رأي عام؟
إلا أنّ عبارة "موت المؤلف" تثير حساسية لدى الكثيرين؛ لأنّهم يفهمونها في وجهها السالب دائماً، ولا يهمني هنا أن أدافع عن تأويل ضدّ تأويل، بل فقط علينا أن نقلب العبارة، وهي ليست عبارة في الحقيقة، إنما هي اعتبار منهجي واسع، ونفهمها في شكلها الموجب؛ حيث يغدو موت المؤلف قضية جمالية تعيد الاعتبار للتأويل ضدّ النسق الذي يمسك بزمامه المؤلف، وتجعل النص مسرحاً لرغبات القارئ التأويلية، ليس على شكل عبثي، وإن كانت العبثية جيدة أحياناً في التأويل، لكن على شكل جمالي يعيد ترتيب ما خلفه النصّ، ويعيد "تقوّل" النص من جديد، ضمن آفاق لم يكن النصّ يفكر بها؛ حيث يتحوّل القارئ إلى سفير ميتافيزيقي بين النصّ كعالم متكامل من العلامات والرؤى وبين الحياة؛ يصالح بين ما استقر وما لم يستقر.

اقرأ أيضاً: الحداثة التي لم تهزم المتعالي
ومن اللافت؛ أنّ ميشيل فوكو، في مقاله: "ما المؤلف؟"، قد تبين عمق الإشكال الذي طرحه رولان بارت، وطرافته، على حدّ سواء، ويكفي أنّ فوكو لم يشر صراحة إلى بارت، وإن كان بارت هو مدشن تلك الخطة لموت المؤلف، فبالطبع هو مصدر صامت لمقال فوكو، بيد أنّ إشارة فوكو الذكية، هي أنّ الصخب الجاري حول "موت المؤلف"، وغيرها من "الموتات"، لا يهم كثيراً، ما يهمّ بالنسبة إلى فوكو؛ هو "أن نحدّد موقع الحيز الفارغ الذي تركه اختفاء المؤلف، ومن ثم نتبع توزيع تلك الفجوات والثغرات، ونترقب المساحات الخالية التي يكشف عنها هذا الاختفاء"، وذلك لسبب طريف يورده فوكو؛ حتى لا تصبح مقولة "موت المؤلف" سلطة أخرى استعضنا بها اختفاء المؤلف الذي أعلنه بارت؛ أي أنّ ذلك الاختفاء ينبغي تطبيقه عملياً بالتأويل، وليس بمجرد الإزعاج بتلك المقولة أو تلك، فالتأويل هو الاختبار المنهجي للمقولات.

اقرأ أيضاً: حوار مع فوكوياما: هل يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تنجو من سياسات الهوية؟
الفيلسوف الإيطالي والسيميائي الأشهر، أمبرتو إيكو، يتنزل تنزلاً مهماً في هذه الإشكالية الواسعة، والتي لم تقف فقط على أرضية الأدب والنصوص الروائية والشعرية؛ بل انتقلت، سراً وعلناً، إلى أرض الفلسفة، خاصة مع مجيء الفيلسوف الكبير، جاك دريدا، وسعيه في تفكيك ميتافيزيقا الحضور للفكر الغربي منذ أفلاطون، وذلك بتفكيك العلامات ودعوته لانفتاح النصّ اللانهائي، فاللغة، بحسب دريدا، هي ميتافيزيقا أخرى تمنح المؤلف سلطة لاحتكار النص واحتكار تأويله، وذلك ضمن إطار الميتافيزيقا الغربية عموماً.
لقد ابتكر أمبرتو إيكو وسيطاً جديداً في تلك العلاقة المستعرة بين المؤلف والقارئ؛ ذلك بتقسيمه المقاصد إلى ثلاثة مقاصد موجودة، هي: قصد المؤلف، وقصد النص، وقصد القارئ؛ فقصد النص تخلل المعادلة التي أقصاها المؤلف وعلى الطرف الآخر يقبع القارئ، والنص في تناحر وفي تجاذب بينهما.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل
إنّ قصد النص ليس قصداً مفارقاً لكلا القصدين السابقين، لكن، على العكس من ذلك، يتشكل وفق علاقات خفية للمؤلف والقارئ على السواء؛ فالنصّ، روائياً كان أم فلسفياً، يكتبه مؤلف ما، أي أنّ ذلك المؤلف قد اختار علامة دون علامة، ولغة دون لغة؛ فالمؤلف ليس وسيطاً إجرائياً بين اللغة والنصّ فحسب؛ بل هو سفير محمل بالتراث والرؤية المعيارية والتاريخ والدلالة، كما أنّ القارئ كذلك هو مخزون من المعنى، والمعنى المسبق كذلك، والنص يدخل معه في جذب وشدّ تأويليين، ينبني من خلالهما التأويل المفترض، الذي يسقطه القارئ على النص.
إن النص لغة، أي تاريخ وتراث ودلالات وعلامات، وهو بهذا المعنى أوسع من المؤلف؛ لأنّ اللغة تشمل المؤلف، والعلاقة بينه وبين اللغة ليست بديهية، بل ملتبسة دائماً، وتستوعبه؛ فاللغة لا تقول ما نريد فقط، إنّها تقول أوسع مما نريد، لأنّها بنية رمزية واسعة تتخلل علاقة الإنسان بالوجود؛ فالإنسان – في – الوجود هو في حالة مفهومية على الدوام، يبتكر المفهوم كي يفهم الصورة، ويصنع الوسائط كي ينخرط في الوجود، هذا إن لم يكن للغة وجود مستقل بنفسه؛ "فالوجود الأحقّ بالفهم، هو وجود اللغة"، كما يخبرنا غادامير.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
ويمكن أن نسمي تلك القصدي، التي أعطاها إيكو للنص "عالم النصّ"؛ فالنصّ له عالمه الذي هو أشبه بجهاز ينتج "حركة القارئ التأويلية"؛ فإنّ النصّ يسعى إلى إنشاء قارئ نموذجي وخلقه، قارئ يؤمن بأنّ التأويل الجيد في تفكيك النصّ؛ حيث تغدو العلامات لانهائية، وإنّما يجعل من اللاتناهي أفقاً للتأويل الجيد وليس للعب، والنص نفسه هو المختبر لهذا التأويل الجيد؛ فـ" فبإمكاننا أن نعرف ما هو التأويل السيئ، لكننا لا نعرف ما هو التأويل الجيد على وجه التحديد"، كما يشير إيكو نفسه.
كانت هذه الفكرة حلاً طريفاً من إيكو للمعضل التأويلي؛ بين من يدعون انغلاق النسق التأويلي عند حدود المؤلف، وبين التفكيكية التي تفتح العلامة بلا قوس، لكن، هل القوس يقف عند حدود تأويل المؤلف؟ أم عند حدود تأويل القارئ؟ أي بعبارة أخرى، هل أمات إيكو المؤلف على عادة أسلافه بداية من بارت؟

اقرأ أيضاً: التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"
لا شكّ في أنّ إيكو يدعو إلى احترام النصّ، فالنصّ نفسه يفرض سلطة هي المعيار التأويلي على ما سماه "قصدية النص"، وتلك السلطة يكتسبها من تكامليته كنص، فالانسجام الداخلي للنصّ؛ هو من يتحكم فيما سميته بالأعلى "حركة القارئ التأويلية"، بيد أننا لا بدّ من أن نعترف بموت "معين" للمؤلف؛ بالطبع، إيكو لم يقل هذا بنصّه، لكنّني أؤول خلاصة نظريته السالفة؛ إنّ هذا الموت المعين هو موت جمالي أكثر منه إماتة حقيقية، لا بدّ للنصّ من أن يتحرر جمالياً من أفق المؤلف، ولا بدّ من استعادة حيوية للنصّ وللقارئ معاً، كي يكون للنصّ تفكيراً وتأويلاً، يترك المؤلف كي يعود إليه مرة ثانية، لكن في صورة أخ، وليس في صورة ابن.

التحرّر الذي يقيمه المؤلف تجاه نصوصه هو تحرر أنطولوجي، وليس تحرراً تأويلياً في الأساس

إنّ العلاقة البطريكية بين المؤلف ونصّه؛ هي تلك التي أقول إنها ماتت بشكل ما، وليس المؤلف؛ فهذه العلاقة الأبوية ستجعل من تأويل النص لاهوتاً، ما يجعل الإحالة أبداً إلى المؤلف، وكأنّ النص غير قادر على التحرر الفائق والجميل والطريف من بنوته لأبيه المؤلف.
لقد كتب إيكو، مثلاً، روايته المشهورة "بندول فوكو"، ورغم تصريحه لاحقاً بأنه لم يعنِ بفوكو الفيلسوف الفرنسي، فإن كثيراً من قرّائه قد انخرطوا في تأويل كبير للرواية ضمن خطاطة فوكو "الفيلسوف"، وليس فوكو الذي "يقصده" إيكو، لكنّ الطريف هو هذا الدرس الرائع الذي علمنا إياه إيكو؛ حين علم بذلك، ولم يخطّئ أحداً من قرّائه، رغم أنه لم يقصد بفوكو الفيلسوف المعروف.

اقرأ أيضاً: المجال العامّ: مقدّمة قصيرة جداً

لقد تخلى إيكو عن الحميمية الصلبة بنصوصه الفذة، التي هي حميمية مريضة، يتلبس بها روائي أو فيلسوف ما، حتى يغدو حارساً لاهوتياً على نصوصه.
لكنّ التحرّر الذي يقيمه المؤلف تجاه نصوصه، في رأيي، هو تحرر أنطولوجي، وليس تحرراً تأويلياً في الأساس؛ فهذا التسامح الميتافيزيقي الذي يمنحه المؤلف للقارئ، لا بدّ من أن يكون نابعاً من تصوّر مبدئي بأحقيته في التأويل، وليس كمنة أخلاقية تجاه هذا اللقيط، الـذي يقبع هناك، أعني القارئ، علينا أن نتخلى قليلاً عن النصوص؛ فإنّ معنى أن نكتب هو أننا ننتمي إلى ترسانة مسبقة لموتنا؛ الكتابة هي الموت، أو لا تكون.

اقرأ المزيد...

الوسوم: