التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟

4282
عدد القراءات

2018-12-18

تشكّل موضوعة المؤلّف والقارئ جدلاً لانهائياً؛ سواء تعلّق الأمر بالنقاش التقليدي حول صلاحية المؤلف، واكتسابها سلطة لتأويل نصوصه التي يكتبها، أكانت نصوصاً فلسفية أو أدبية، انتهاء بالتحول البنيوي الذي أحدثه رولان بارت، في مقاله الذكي "موت المؤلف" (عام 1967)، وبعده ميشيل فوكو، في مقاله "ما المؤلف؟" (عام 1979)، و"ما" هنا تدل على كمية الموت التي أصيب بها المؤلف، حتى غدا فوكو يسأل عنه بـ "ما" كشيء جامد، وليس بـ "مَن" الحيّة التي يُسأل بها عن الإنسان، باستعاضة القارئ كي يحلّ محلّ الكاتب؛ حيث إنّ المؤلف نفسه يتحول إلى توقيع بلا معنى، وصوت بلا سلطة، لكنّ المتفق عليه؛ أنّ تلك الموضوعة بين المؤلف والقارئ قد دخلت في أفق جدّ مفتوح ولا نهائي؛ حيث إنّ القارئ قد غدا طرفاً لا يمكن إهماله في المعادلة؛ أي أنّ العناية بالقارئ غدت لا تقل عن العناية بالمؤلف، إذا ما تبقى من هذا الأخير شيء.

عبارة "موت المؤلف" تثير حساسية لدى الكثيرين؛ لأنّهم يفهمونها في وجهها السالب دائماً

إنّ النص في المسرح النقدي والفلسفي المعاصر صار مشدوداً بين سلطتين؛ سلطة تنسبه إلى المؤلف بوصف النصّ؛ هو الابن الشرعي للمؤلف، وهو الوريث الميتافيزيقي والكتابي لما أراد أن يقول. وسلطة أخرى أقحمت، تريد أن تميت المؤلف وتزجّ بالقارئ بوصف النصّ هو وليد التأويل الحيّ الذي يمارسه القارئ عليه، فالنص، بالنهاية، ليس سوى جملة التأويلات التي ينتجها القارئ وفق أفق الرؤية المعيارية التي يتبناها القارئ عن الله والإنسان والعالم، فالتأويل هو عملية إنسانية مركبة، وليس مجرد نقاش لغويّ على حافة النصوص؛ بل هو اختبار هائل لكلّ التراث القابع في نفس القارئ، ومخزن مشحون بكلّ التصورات الميتافيزيقية له.

اقرأ أيضاً: درس بورديو: هل هناك رأي عام؟
إلا أنّ عبارة "موت المؤلف" تثير حساسية لدى الكثيرين؛ لأنّهم يفهمونها في وجهها السالب دائماً، ولا يهمني هنا أن أدافع عن تأويل ضدّ تأويل، بل فقط علينا أن نقلب العبارة، وهي ليست عبارة في الحقيقة، إنما هي اعتبار منهجي واسع، ونفهمها في شكلها الموجب؛ حيث يغدو موت المؤلف قضية جمالية تعيد الاعتبار للتأويل ضدّ النسق الذي يمسك بزمامه المؤلف، وتجعل النص مسرحاً لرغبات القارئ التأويلية، ليس على شكل عبثي، وإن كانت العبثية جيدة أحياناً في التأويل، لكن على شكل جمالي يعيد ترتيب ما خلفه النصّ، ويعيد "تقوّل" النص من جديد، ضمن آفاق لم يكن النصّ يفكر بها؛ حيث يتحوّل القارئ إلى سفير ميتافيزيقي بين النصّ كعالم متكامل من العلامات والرؤى وبين الحياة؛ يصالح بين ما استقر وما لم يستقر.

اقرأ أيضاً: الحداثة التي لم تهزم المتعالي
ومن اللافت؛ أنّ ميشيل فوكو، في مقاله: "ما المؤلف؟"، قد تبين عمق الإشكال الذي طرحه رولان بارت، وطرافته، على حدّ سواء، ويكفي أنّ فوكو لم يشر صراحة إلى بارت، وإن كان بارت هو مدشن تلك الخطة لموت المؤلف، فبالطبع هو مصدر صامت لمقال فوكو، بيد أنّ إشارة فوكو الذكية، هي أنّ الصخب الجاري حول "موت المؤلف"، وغيرها من "الموتات"، لا يهم كثيراً، ما يهمّ بالنسبة إلى فوكو؛ هو "أن نحدّد موقع الحيز الفارغ الذي تركه اختفاء المؤلف، ومن ثم نتبع توزيع تلك الفجوات والثغرات، ونترقب المساحات الخالية التي يكشف عنها هذا الاختفاء"، وذلك لسبب طريف يورده فوكو؛ حتى لا تصبح مقولة "موت المؤلف" سلطة أخرى استعضنا بها اختفاء المؤلف الذي أعلنه بارت؛ أي أنّ ذلك الاختفاء ينبغي تطبيقه عملياً بالتأويل، وليس بمجرد الإزعاج بتلك المقولة أو تلك، فالتأويل هو الاختبار المنهجي للمقولات.

اقرأ أيضاً: حوار مع فوكوياما: هل يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تنجو من سياسات الهوية؟
الفيلسوف الإيطالي والسيميائي الأشهر، أمبرتو إيكو، يتنزل تنزلاً مهماً في هذه الإشكالية الواسعة، والتي لم تقف فقط على أرضية الأدب والنصوص الروائية والشعرية؛ بل انتقلت، سراً وعلناً، إلى أرض الفلسفة، خاصة مع مجيء الفيلسوف الكبير، جاك دريدا، وسعيه في تفكيك ميتافيزيقا الحضور للفكر الغربي منذ أفلاطون، وذلك بتفكيك العلامات ودعوته لانفتاح النصّ اللانهائي، فاللغة، بحسب دريدا، هي ميتافيزيقا أخرى تمنح المؤلف سلطة لاحتكار النص واحتكار تأويله، وذلك ضمن إطار الميتافيزيقا الغربية عموماً.
لقد ابتكر أمبرتو إيكو وسيطاً جديداً في تلك العلاقة المستعرة بين المؤلف والقارئ؛ ذلك بتقسيمه المقاصد إلى ثلاثة مقاصد موجودة، هي: قصد المؤلف، وقصد النص، وقصد القارئ؛ فقصد النص تخلل المعادلة التي أقصاها المؤلف وعلى الطرف الآخر يقبع القارئ، والنص في تناحر وفي تجاذب بينهما.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل
إنّ قصد النص ليس قصداً مفارقاً لكلا القصدين السابقين، لكن، على العكس من ذلك، يتشكل وفق علاقات خفية للمؤلف والقارئ على السواء؛ فالنصّ، روائياً كان أم فلسفياً، يكتبه مؤلف ما، أي أنّ ذلك المؤلف قد اختار علامة دون علامة، ولغة دون لغة؛ فالمؤلف ليس وسيطاً إجرائياً بين اللغة والنصّ فحسب؛ بل هو سفير محمل بالتراث والرؤية المعيارية والتاريخ والدلالة، كما أنّ القارئ كذلك هو مخزون من المعنى، والمعنى المسبق كذلك، والنص يدخل معه في جذب وشدّ تأويليين، ينبني من خلالهما التأويل المفترض، الذي يسقطه القارئ على النص.
إن النص لغة، أي تاريخ وتراث ودلالات وعلامات، وهو بهذا المعنى أوسع من المؤلف؛ لأنّ اللغة تشمل المؤلف، والعلاقة بينه وبين اللغة ليست بديهية، بل ملتبسة دائماً، وتستوعبه؛ فاللغة لا تقول ما نريد فقط، إنّها تقول أوسع مما نريد، لأنّها بنية رمزية واسعة تتخلل علاقة الإنسان بالوجود؛ فالإنسان – في – الوجود هو في حالة مفهومية على الدوام، يبتكر المفهوم كي يفهم الصورة، ويصنع الوسائط كي ينخرط في الوجود، هذا إن لم يكن للغة وجود مستقل بنفسه؛ "فالوجود الأحقّ بالفهم، هو وجود اللغة"، كما يخبرنا غادامير.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
ويمكن أن نسمي تلك القصدي، التي أعطاها إيكو للنص "عالم النصّ"؛ فالنصّ له عالمه الذي هو أشبه بجهاز ينتج "حركة القارئ التأويلية"؛ فإنّ النصّ يسعى إلى إنشاء قارئ نموذجي وخلقه، قارئ يؤمن بأنّ التأويل الجيد في تفكيك النصّ؛ حيث تغدو العلامات لانهائية، وإنّما يجعل من اللاتناهي أفقاً للتأويل الجيد وليس للعب، والنص نفسه هو المختبر لهذا التأويل الجيد؛ فـ" فبإمكاننا أن نعرف ما هو التأويل السيئ، لكننا لا نعرف ما هو التأويل الجيد على وجه التحديد"، كما يشير إيكو نفسه.
كانت هذه الفكرة حلاً طريفاً من إيكو للمعضل التأويلي؛ بين من يدعون انغلاق النسق التأويلي عند حدود المؤلف، وبين التفكيكية التي تفتح العلامة بلا قوس، لكن، هل القوس يقف عند حدود تأويل المؤلف؟ أم عند حدود تأويل القارئ؟ أي بعبارة أخرى، هل أمات إيكو المؤلف على عادة أسلافه بداية من بارت؟

اقرأ أيضاً: التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"
لا شكّ في أنّ إيكو يدعو إلى احترام النصّ، فالنصّ نفسه يفرض سلطة هي المعيار التأويلي على ما سماه "قصدية النص"، وتلك السلطة يكتسبها من تكامليته كنص، فالانسجام الداخلي للنصّ؛ هو من يتحكم فيما سميته بالأعلى "حركة القارئ التأويلية"، بيد أننا لا بدّ من أن نعترف بموت "معين" للمؤلف؛ بالطبع، إيكو لم يقل هذا بنصّه، لكنّني أؤول خلاصة نظريته السالفة؛ إنّ هذا الموت المعين هو موت جمالي أكثر منه إماتة حقيقية، لا بدّ للنصّ من أن يتحرر جمالياً من أفق المؤلف، ولا بدّ من استعادة حيوية للنصّ وللقارئ معاً، كي يكون للنصّ تفكيراً وتأويلاً، يترك المؤلف كي يعود إليه مرة ثانية، لكن في صورة أخ، وليس في صورة ابن.

التحرّر الذي يقيمه المؤلف تجاه نصوصه هو تحرر أنطولوجي، وليس تحرراً تأويلياً في الأساس

إنّ العلاقة البطريكية بين المؤلف ونصّه؛ هي تلك التي أقول إنها ماتت بشكل ما، وليس المؤلف؛ فهذه العلاقة الأبوية ستجعل من تأويل النص لاهوتاً، ما يجعل الإحالة أبداً إلى المؤلف، وكأنّ النص غير قادر على التحرر الفائق والجميل والطريف من بنوته لأبيه المؤلف.
لقد كتب إيكو، مثلاً، روايته المشهورة "بندول فوكو"، ورغم تصريحه لاحقاً بأنه لم يعنِ بفوكو الفيلسوف الفرنسي، فإن كثيراً من قرّائه قد انخرطوا في تأويل كبير للرواية ضمن خطاطة فوكو "الفيلسوف"، وليس فوكو الذي "يقصده" إيكو، لكنّ الطريف هو هذا الدرس الرائع الذي علمنا إياه إيكو؛ حين علم بذلك، ولم يخطّئ أحداً من قرّائه، رغم أنه لم يقصد بفوكو الفيلسوف المعروف.

اقرأ أيضاً: المجال العامّ: مقدّمة قصيرة جداً

لقد تخلى إيكو عن الحميمية الصلبة بنصوصه الفذة، التي هي حميمية مريضة، يتلبس بها روائي أو فيلسوف ما، حتى يغدو حارساً لاهوتياً على نصوصه.
لكنّ التحرّر الذي يقيمه المؤلف تجاه نصوصه، في رأيي، هو تحرر أنطولوجي، وليس تحرراً تأويلياً في الأساس؛ فهذا التسامح الميتافيزيقي الذي يمنحه المؤلف للقارئ، لا بدّ من أن يكون نابعاً من تصوّر مبدئي بأحقيته في التأويل، وليس كمنة أخلاقية تجاه هذا اللقيط، الـذي يقبع هناك، أعني القارئ، علينا أن نتخلى قليلاً عن النصوص؛ فإنّ معنى أن نكتب هو أننا ننتمي إلى ترسانة مسبقة لموتنا؛ الكتابة هي الموت، أو لا تكون.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف انعكست إقالة بولتون على سياسات ترامب الخارجية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-09-19

قوبلت إقالة المستشار الثالث للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، التي تمّ الإعلان عنها عبر تغريدة، كما هو الحال بالنسبة إلى سلفَيه السابقَين، بوصفها تعكس مزاجية الرئيس الأمريكي، الذي يبدو أنّه لم يستقر بعد على التشكيلة النهائية لفريقه، رغم مرور ما يقارب الثلاثة أعوام على تسلّمه موقع المسؤولية الأولى في أمريكا، وقرب دخوله بمرحلة "البطة العرجاء"، في ظلّ التفرغ للانتخابات القادمة، والتي يبدو أنّها تشكل البوصلة الأساس في قرارات الرئيس، وتطلّعه لجمع أكبر كمّ من الصور التي يمكن استخدامها في الحملة الانتخابية، وإبعاد ومهاجمة كلّ ما يمكن أن يحول دون ذلك؛ من أشخاص، أو مؤسسات إعلامية وفدرالية مختلفة.

لم يكن بولتون راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي تجاه ملفات؛ كوريا الشمالية وإيران وحركة طالبان

ضمن هذا الفهم، يمكن تفسير القرار غير المفاجئ لترامب بإقالة بولتون، المعروف بأنّه "صقوري" ويقف على يمين ترامب، والذي لم يكن راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي، تجاه ملفات "كوريا الشمالية، وإيران، وحركة طالبان"، خاصّة ما يتردّد حول دور بولتون في إفشال اجتماع قمة أمريكية مع الفرقاء الأفغانيين "الحكومة وطالبان"، كانت ستعقد في أمريكا، وما يتردّد حول لقاء مرتقب بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، التي ستعقد قريباً في نيويورك، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مرجعيات سياسات ترامب وتكتيكاته في صناعة قراراته، وفيما إذا كانت فروقات بينه وبين بولتون.

اقرأ أيضاً: من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب
لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب، منذ تولّيه السلطة ومعالجته لكافة الملفات الخارجية، وهي مصطلحات مرتبطة بخلفيّته التجارية، والقطاعات التي عمل فيها، القائمة على المفاوضات، وصولاً للصفقات، وكان ترامب وفياً لمعتقداته، التي أسقطها على السياسة، وإذا كان في اتفاقاته الاقتصادية يستخدم أرصدته المالية؛ ففي السياسة استبدلها بالقوة العسكرية "الجبارة" لأمريكا، للتلويح بها أمام الخصوم، وصولاً إلى المفاوضات، ولاحقاً الصفقات، فيما "بولتون" القادم من خلفيّة أمنية وصقورية، يؤمن باستخدام القوة، لا التلويح بها لإخضاع الخصوم، وبأنّه لا وجود لصفقات أو مفاوضات، سواء مع كوريا الشمالية، أو مع طالبان، أو مع الحرس الثوري الإيراني، وميليشياته التي قتلت أمريكيين في لبنان والعراق وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضاً: بولتون و"العمل المستحيل" مع ترامب: كوريا وإيران أم شاربه الكث؟
لعلّنا لا نبالغ إذ نقول؛ إنّ تداعيات غياب "بولتون" عن مطبخ صناعة القرار الأمريكي، لن تكون ذات تأثير يذكر على السياسات الأمريكية، ارتباطاً بأسباب إقالته، فبوجود بولتون عقد الرئيس الأمريكي قمَّتَين مع رئيس كوريا الجنوبية، وعقدت أمريكا 11 جلسة حوار مع حركة طالبان في قطر، فيما تواصلت المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، مع طهران، والتي مهّدت للقاء محتمل بين الرئيسَين، ترامب وروحاني، ترتبط احتمالات عقده من عدمه بمخرجات المبادرة الفرنسية من جهة، وتطورات الصراع بين الإصلاحيين بقيادة روحاني، والمتشدّدين بقيادة المرشد خامنئي، والخلاف حول شروط إيران بأن تكون أيّة مفاوضات بعد رفع العقوبات، وهو الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة؛ حيث تتطلع لمفاوضات على غرار مفاوضاتها مع كوريا الشمالية؛ أي مفاوضات مع استمرار العقوبات، وربط إمكانية رفعها كلياً أو جزئياً بنتائج تلك المفاوضات.

لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب منذ تولّيه السلطة ومعالجته الملفات الخارجية وهي مرتبطة بخلفيّته التجارية

بعيداً عن المبالغات والرومانسية السياسية التي تعد أحد أبرز مظاهر الخطاب السياسي والإعلامي في الشرق الأوسط، وربط السياسات بالأشخاص، وتجاوز حقيقة أنّ هناك مؤسسية ودولة "عميقة" تحكم الولايات المتحدة، فإنّ أولى تداعيات غياب بولتون؛ هي أنّنا سنكون أمام فريق أمريكي أكثر تجانساً تجاه قضايا الشرق الأوسط، ورسالة لليمين المتشدّد في إسرائيل بضبط اندفاعاته، فيما غياب بولتون سيكون "عبئاً" جديداً على إيران، التي يفترض أن تلتقط رسالة هذه الإقالة بما يشكّل دافعاً لديها لبدء مفاوضات مع أمريكا، بعيداً عن "التشدّق" بأنّ "صمودها" كان سبباً بالإطاحة ببولتون، خاصة أنّ الطامحين بضربة ساحقة لإيران، لا يترددون بالاعتراف بأنّ غياب بولتون شكّل خسارة لهم.
وفيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط الأخرى (سوريا، والعراق، وتركيا، واليمن)، إضافة إلى القضية الفلسطينية و"صفقة القرن"، وقضايا الإرهاب؛ فمن غير المرجَّح أن تشهد تغييرات مهمّة، خاصة أنّها مرتبطة بسياسات ثابتة ومستقرة، قبل تولّي بولتون مسؤولياته، وهو ما يعزز احتمالات أن تكون شخصية مستشار الأمن القومي الجديد، شخصية من خارج اليمين الأمريكي، وأن تكون أقرب للفريق الأمريكي الحالي (الخارجية والبنتاغون)، والاستخبارات، خاصّة أنّ شخصية مثل بولتون أدّت الدور المطلوب منها؛ بإثارة "الرعب" لدى الخصوم، لإيصالهم إلى التفاوض، وربما عقد الصفقات لاحقاً، وهو ما كان يطمح إليه الرئيس ترامب في مرحلة سابقة، وقد انتهت تلك الحاجة بقرب تفرغه لإدارة حملته الانتخابية، وحاجته إلى أكبر كمٍّ من الصور التي يصافحه فيها الخصوم لعرضها على الناخب الأمريكي، وإقناعه بأنّه الأقدر على تحقيق متطلبات الأمن القومي الأمريكي، داخل أمريكا، وحفظ مصالحها الإستراتيجية من وراء البحار.

للمشاركة:

هل نجحت النخب الفكرية والدينية في اختبار العالم الرقمي؟

2019-09-19

لا زالت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمفاجآت في معرض تفاعلنا الجمعي معها، سواء تعلق الأمر بتفاعل الرأي العام أو من يُصطلح عليهم بالنخبة، ولو أنّ حضور الجميع في هذه العوالم الرقمية، أفضى للمفارقة، إلى جسر الهوة النظرية بين "العامة" و"النخبة"، كما لو أنّنا نعيش تطبيقات "إلجام العوام عن علم الكلام" لأبي حامد الغزالي، بشكل معاصر ورقمي.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
وما يهمنا أكثر في هذا السياق، التوقف عند بعض الدروس التي أفرزها هذا الواقع الرقمي، وتفاعل نخبة الساحة، مع تركيز مقصود وصريح على تفاعل النخبة الفكرية والدينية حصراً، حتى لا نتيه في كثرة التفاصيل مع باقي النخب، السياسية والفنية والرياضية والاقتصادية وغيرها.

لا زالت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمفاجآت في معرض تفاعلنا الجمعي معها

وبيان ذلك، أنّ خطاب الإصلاح والنهضة والديمقراطية، نجده بوتيرة أكبر لدى النخبة الفكرية والدينية، بل يتم خلع نوع من السموّ مع الخطاب النخبوي الفكري، مقابل نوع من القداسة مع الخطاب النخبوي الديني، بينما الأمر مختلف كلياً مع خطاب باقي النخب، ومن هنا أهم أسباب التوقف عند أولى نتائج تفاعل النخبة الفكرية والدينية مع مستجدات العالم الرقمي.
ونزعم بلا أدنى تردد، وانطلاقاً من معاينة هذه التفاعلات طيلة سنوات، موازاة مع إجراء مقارنات والانخراط في حوارات، أنّه من الصعب إحصاء الأوهام التي كشفت حقيقتها لشعوب المنطقة مواقعُ التواصل الاجتماعي، ونخص بالذكر، المشاريع الفكرية والدينية كما سلف الذكر، ومن شتى المرجعيات والإيديولوجيات، إلى درجة تخول لنا الجزم بأنّه لو كان هؤلاء على وعي بتبعات هذا التفاعل على صورتهم، ما كان لهم ليتورطوا في هذا التفاعل مع عوالم رقمية لا تحتمل الازدواجية أو الوصاية وما شابه ذلك.

اقرأ أيضاً: مخاوف أمريكية من عملة فيسبوك الرقمية.. ما الأسباب؟
نقصد بالازدواجية تلك الممارسة التي أصبحت تميز أداء العديد من النخب الفكرية والثقافية في تفاعلها مع العامة عبر المنصات الرقمية، ومنها الازدواجية التي تكرسها ثنائية القول والفعل، بين ما يصدر عنها نظرياً، وما تكرسه عملياً في هذه العوالم، ناهيك عن العالم المادي.
كما نقصد بالوصاية تلك الممارسة التي أصبحت تميز أداء العديد من النخب الدينية والدعوية في تفاعلها مع العامة عبر المنصات الرقمية، بما يُفسر حالة الدهشة الأقرب إلى الصدمة، التي تنتاب هذه النخب من فرط الأسئلة الدينية الحرجة التي يعج بها العالم الرقمي.

عدم الوعي بالفوارق بين العالمين المادي والرقمي يُساهم في تكريس عزلة النخب عن العامة والمجتمع

يبدو المشهد النقدي في العالم الرقمي أشبه بتطبيق وتفعيل المطرقة النقدية الشهيرة لنيشته على الجميع، بلا استثناء، بل إنّ هذه المطرقة النيتشوية تشتغل بحرية لا تضاهى، ولا تبالي بمكانة عمرو أو مقام زيد، ولكن لامبالاة هذه الأعلام وتلك الإيديولوجيات، وعدم تفطنها لآليات اشتغال العالم الرقمي، ونخص بالذكر عدم تفطنها لآليات اشتغال مواقع التواصل الاجتماعي، كانت هدية للمتلقي، لكي تتضح معالم وآفاق مشاريع هؤلاء جميعاً.
وبينما أفرزت العوالم الرقمية مجموعة من التحديات والإكراهات، بما فيها واقع الحيرة والتيه الذي يُميز أسئلة العديد من شباب المنطقة في التعامل مع أحداث الساحة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها، لا زالت هذه النخب تتصرف وتتعامل مع هذه العوالم على غرار تعاملها في العالم المادي.

اقرأ أيضاً: إطلاق أول خريطة رقمية للمكتبات ومراكز المعلومات العربية
كانت مواقع التواصل الاجتماعي مناسبة لنكتشف هذا التباين الجليّ بين القول والفعل، عند العديد من رجال الفكر والدين، كما كانت مناسبة لأخذ صورة أولية، حتى لا نقول شبه نهائية، عن حدود المشروع الإصلاحي الذي روّجه هؤلاء، وأثروا به على الشارع طيلة قرون أو عقود.
ويكفي تأمل تفاعل المشاريع الإسلاموية الحركية في الساحة المغربية مع العالم الرقمي، حتى نتأكد من طبيعة وحقيقة هذه المشاريع، خاصة أنّ سقف الحرية مرتفع في هذه المواقع، مقابل تراجع سقف ممارسة الرقابة.
والنتيجة، أنّ حضور هؤلاء في العالم الرقمي، كشف عن حقيقة الخطاب والمشروع، والأمر سيان مع باقي الإيديولوجيات، مع فارق أنّ معضلة الإيديولوجية الإسلاموية؛ أي مجمل الحركات الإسلامية، الدعوية والسياسية والقتالية [أو "الجهادية"]، تنهل من المقدس، وتدّعي تمثيل الإسلام وتزايد على العامة والخاصة في هذا المضمار، وتعتبر كل مَن سوّلت له نفسه نقد الإسلاميين، أنّه يتوجه بالنقد إلى الإسلام نفسه.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟
ولأنّ الزمن النقدي لا يرحم ولا يمزح، فإنّ تجميع تفاعل هذه النخب على مرّ السنوات، والاشتغال على تقييمها، كشف عدة نتائج تتطلب الكثير من التأمل والاعتبار، ويبدو الأمر كما لو أنّ العديد من هؤلاء كانوا ولا زالوا "خارج التغطية" حسب قاموس اللغة الرقمية ذاتها، بحيث لا زال خطاب بعضهم أو أغلبهم، يتكرر كما هو قائم عملياً في العالم المادي، على أساس أنّه لا توجد فوارق جوهرية بين الخطاب الموجَّه للعالم المادي (في الندوات والمؤتمرات والمحاضرات والإصدارات)، والخطاب الموجه للعالم الرقمي (في التدوينات والروابط والتفاعلات)، وواضح أنّ عدم الوعي ببعض هذه الفوارق، يُساهم في تكريس عزلة هذه النخب عن العامة وبالتالي المجتمع.
وهذا مقام واحد من الخلاصات، ويهمّ شكل الخطاب؛ أي عدم تفطن هذه النخب إلى هذه الفوارق النوعية بين طبيعة الخطاب المُوَجه للعالم المادي، مقارنة مع طبيعة الخطاب المُوَجّه للعالم الرقمي.

اقرأ أيضاً: "سلفنة" الفضاء الرقمي.. لهذه الأسباب يولي السلفيون مواقع التواصل أهمية كبيرة
وهناك مقام آخر، وهو الأهم، ويهمّ مضمون الخطاب، بحيث لا زالت العديد من هذه النخب تمارس الأستاذية على المتلقي الرقمي، كما لو أنّها في مؤسسة دينية أو حرم جامعي أو شيء من هذا القبيل، بينما يعجّ العالم الرقمي بالغث والسمين، كما يعج بجميع شرائح المجتمع، بما يقتضي الوعي برسائل وإشارات الخطاب الذي يجب ترويجه في هذا العالم، أقله الانتصار لأخلاق التواضع، وأخذ مسافة من خطاب الاستعلاء، والانخراط في التفاعل مع هواجس وأسئلة شباب المنطقة؛ لأنّ أي تقاعس في التفاعل مع تلك الهواجس، يساهم في تغذية قاعدة "الطبيعة لا تقبل الفراغ"، ومعلوم طبيعة الإيديولوجيات التي يروق لها وجود فراغ هنا أو هناك، من قبيل الإيديولوجية الشعبوية والعدمية والإسلاموية وغيرها.

لا زالت العديد من هذه النخب تمارس الأستاذية على المتلقي الرقمي كما لو أنّها في مؤسسة دينية أو حرم جامعي

هذا دون الحديث عن أمراض أخرى لا حصر من قبيل ثقافة الغِلّ والحسد وتصفية الحسابات وممارسات غير سوية من هذه الطينة. وما لا تنتبه إليه هذه النخب، أنّه لا يمكن توقع بصيص أمل في تفاعل المتلقي مع خطابها إذا كانت تعاني من هذه الآفات والأعطاب، ولو من باب احترام القاعدة الكونية التي تفيد أنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، ضمن قواعد أخرى.
ونرى أنّ عدم وعي هذه النخب بأبسط هذه المقتضيات الرقمية، يقف، ضمن أسباب أخرى، وراء انتشار "الإلحاد" المعرفي والديني، ونقصد بـ"الإلحاد" هنا، أخذ مسافة من المشاريع الفكرية والدينية على حد سواء، وهذا عامل واحد فقط، من العوامل المغذية للخطاب الشعبوي المضاد، والذي يزداد استفحالاً في الساحة.
هذه الوقفة الأولية مجرد إشارة أو تنبيه إلى رافعي شعار الإصلاح والنهضة والتقدم وما جاور هذه الشعارات المشروعة نظرياً على الأقل، إلا أنّ تفعيلها على أرض الواقع المادي والرقمي، ليست مسألة هينة؛ لأنّه يتطلب التصدي لهذه الآفات السلوكية الذاتية، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا السياق، قبل الاشتغال النظري والعملي على إصلاح المحيط القريب والبعيد، ومن ذلك إصلاح أحوال أوطان وشعوب المنطقة التي تمر من مرحلة حضارية حرجة.
نحن محاصرون أكثر من أي وقت مضى، وليست هذه الآفات التي كشفت عنها مواقع التواصل الاجتماعي والخاصة بأداء النخب الفكرية والدينية، سوى أمثلة تطبيقية على مدى استفحال هذا الحصار، الذي لا نشك أنّه سيطول، طالما لم ننتبه إليه، ولم نشتغل بشكل جماعي ومسؤول وصريح على مواجهته.

للمشاركة:

إيران والأحلام المستحيلة!

2019-09-18

لا يمكننا ونحن نتابع تداعيات الهجمات التي استهدفت مؤخراً منشآت نفطية كبرى في المملكة العربية السعودية، إغفال الأضرار الاقتصادية الهائلة التي نجمت عنها، إنْ على مستوى اقتصاديات دول الخليج العربي القائمة على تجارة النفط، أو على مستوى العالم كله، لكن في الوقت نفسه ماذا عن التبعات السياسية المربِكة على منطقة الخليج؛ بل والشرق الأوسط عموماً التي تشتبك بشكل كبير، عالمياً، مع مختلف ملفات المنطقة، وما يدور فيها من صراعات إقليمية ودينية وسياسية، يهتم بها العالم، كونها تتماسّ مع الأمن الدولي المرتبط بمناطق التأثير والنفوذ الجغرافي والإستراتيجي والاقتصادي على السواء!

اقرأ أيضاً: الهجوم على أرامكو في بقيق وخريص
وكانت ميليشيا الحُوثي اليمنية، التابعة لإيران، قد أعلنت السبت، 14 أيلول الحالي، أنّها شنّت "هجوماً كبيراً" بعشر طائرات مسيرة (درونز) على منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو السعودية الحكومية، هما (بقيق)، أكبر منشأة في العالم لمعالجة النفط، و(خريص) المجاورة التي تضم حقلاً نفطياً ضخماً شرق المملكة، ما أدى إلى توقف أكثر من نصف إنتاج المملكة من الخام.

التداعيات الاقتصادية

على المستوى الاقتصادي، تسببت تلك الهجمات في زيادة أسعار النفط عالمياً، وهي زيادة لم تتحقق منذ حرب الخليج، العام 1991؛ إذ ارتفعت أسعار النفط بنسبة 20%، بحيث ارتفع سعر البرميل الواحد من 5 إلى 10 دولارات، بعدما أدى الهجوم إلى توقف إنتاج ما يعادل 5% من الإمدادات العالمية، وتحتاج المملكة إلى بضعة أسابيع قادمة حتى تستطيع العودة إلى الطاقة الإنتاجية الكاملة إلى ما قبل تلك الهجمات، التي يبدو أنّها ستكون محور فصل حقيقي وفعّال في أزمة التهديدات الإيرانية، المباشرة وغير المباشرة، لمنطقة الخليج العربي على التخصيص.

تسببت هجمات الحوثيين في زيادة أسعار النفط عالمياً بشكل لم يحدث منذ حرب الخليج العام 1991

لعل أكبر مخاوف الاقتصاديين على مستوى دول العالم، خصوصاً الدول ذات الاستهلاك الكثيف من النفط، أن يصل سعر البرميل الواحد من النفط إلى حدود 100 دولار، في حال لم تتمكن السعودية من الوصول مجدداً إلى كامل طاقتها الإنتاجية لتصدير النفط بأسرع وقت ممكن.
وإذا نحن أخذنا في الاعتبار قلة المعلومات الرسمية المتداوَلة عن نتائج الحرائق، وحجم الأضرار الناجمة نتيجة الهجمات، فإنَّ ذلك يعني أنّ القلق سيخيّم لعدة أسابيع على أسواق الطاقة العالمية، وكلما زادت الشائعات والتخمينات حول ذلك، استبدّ القلق بأسواق النفط عالمياً، وارتفع نطاق عمليات المضاربة بالأسعار، وهو ما يعكس حجم وتأثير تلك الهجمات التي أثّرت تأثيراً بالغاً بالسلب على أسواق الأسهم الرئيسية الأخرى في دول الخليج ومصر، والتي انخفضت جميعها بنسب متفاوتة.

التداعيات السياسية وتراخي الدور الأمريكي

أما على المستوى السياسي، فيبدو بوضوح تورط إيران في تلك الهجمات؛ فمما هو معروف أنّ ميليشيا الحوثي تقوم بالتنسيق التام مع المسؤولين الإيرانيين، وتنال دعماً معنوياً ومادياً وعسكرياً من حكومة إيران، على الرغم من أنّ الخارجية الإيرانية وصفت، في أعقاب تلك الهجمات، اتهامات واشنطن لها بأنّها "واهية ولا أساس لها"، وأنّها ستعتمد على قوتها العسكرية وحلفائها في "محور المقاومة" للتعامل مع التهديدات.

اقرأ أيضاً: من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب
هذه التصريحات، بالفعل، تبدو غريبة للغاية، بل إنّها تحمل في طيّاتها اعترافاً ضمنياً من قِبَل المسؤولين الإيرانيين بأنّ ميليشيا الحوثي أحد حلفاء إيران وأذرعها العسكرية في منطقة الخليج، الأمر الذي يدلل على تورُّط طهران في تلك الهجمات، لسببين: الأول، ضرب الاقتصاد السعودي، خاصة، واقتصاد الخليج عامة، والإشارة إلى أنّها قادرة على الوصول إلى العُمق السعودي وتهديد اقتصادها، والثاني، الضغط على الولايات المتحدة للقبول بالتفاوض النووي معها والتفاهم حول مستقبل العلاقات الإيرانية معها ومع أوروبا، في محاولة لرفع العقوبات النفطية الثقيلة وإنهاء الضغط الاقتصادي المفروض عليها، ولا سيما أن إيران متأكدة من أنّ إدارة ترامب ليس لديها أي رد فعّال، فهي لا ترغب في الدخول في صراع عسكري معها.

يبدو واضحاً تورط الإيرانيين في الهجمات بحكم أنّ ميليشيا الحوثي تقوم بالتنسيق التام مع طهران

كما أنّ هذا الضغط لا يتعلق بالجانب الأمريكي فقط، بل بالجانب الأوروبي أيضاً، فمثل هذه الهجمات في وقت تضمن فيه إيران تراخي الرد الأمريكي أمر كفيل كي يجعل الأوروبيين يبذلون كل ما في وسعهم لإقناع كل جانب بالتخلي عن التصعيد، والتوسط للوصول إلى حلّ جديد يُرضي الجميع بمن فيهم المملكة العربية السعودية.
حالياً، تتجه أنظار العالم كلّه إلى الولايات المتحدة، ومتابعة ردود أفعالها إثر هذه الهجمات، وما إذا كان ترامب قادراً على اتخاذ قرار حيال ذلك، لكنه سيكون خياراً صعباً، فقد تضع واشنطن في اعتبارها أنّ هجوماً بهذا الحجم يطال أكبر مواقع إنتاج النفط السعودي يستدعي بالفعل رداً عسكرياً لردع إيران، ووأد أحلامها التوسعية في المنطقة.
لكن حتى الآن، يظهر أنّ ترامب غير متحمس ومستعد لاتخاذ أي إجراء من شأنه أن يورط بلاده عسكرياً في الشرق الأوسط، في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تحويل تركيزها ومواردها إلى غرب المحيط الهادئ وأوروبا، وهو أمر يبدو -في نظري- أقرب إلى التنفيذ؛ فعلى الرغم من أنّ ترامب قد ألمح إلى احتمال تورط إيران في هجوم أرامكو، بيْد أنه أكّد رغبته بتجنب الحرب معها، مؤكداً في الوقت نفسه أنّ الدبلوماسية لا تستنفد أبداً عندما يتعلق الأمر بإيران!
     بعد أربعين عاماً من اندلاع ثورة الخميني وإعلان "الجمهورية الإسلامية"، ماتزال إيران تسعى إلى تصدير نموذجها إلى محيطها الإقليمي من خلال أذرعها، وتحقيق أحلام التوسع لإعادة إنتاج وبناء إمبراطوريتها تحت غطاء ديني، لكنها ستظل، دوماً، أحلاماً مستحيلة، عصيّة على التنفيذ.

للمشاركة:



ماذا يحدث في مصر؟.. قرقاش يحذّر من مؤامرة إخوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الدكتور أنور بن محمد قرقاش: إنّ حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً.

وأضاف قرقاش، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر: إنّ "منصات الإعلام الموجَّه والمدعوم، يقابلها دعم شعبي حقيقي للدولة المصرية ومؤسساتها".

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية: حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً

وتابع: "مصر تتعافى وتواجه التحديات بإصرار يومياً، والواقع غير الذي يروّج له هذا الإعلام الحزبي المموَّل خارجياً".

وكانت مصر قد شهدت، أمس الجمعة، مظاهرات محدودة جابت الشوارع، تطالب برحيل الرئيس، عبد الفتاح السيسي، وتمكن المحتجون من الوصول إلى عدد من أبرز ميادين مصر، خصوصاً ميدان التحرير الذي ظلّ مغلقاً أمام المظاهرات والتجمعات الشعبية في الأعوام الماضية.

وتعاطت قوات الأمن مع المحتجين بطرق مختلفة؛ فالمتظاهرون السلميون لم يواجهوا أيّ عنف من قبل قوات الأمن؛ بل كانوا دائماً يتلقون تطمينات منهم بأنّه يحقّ لهم التظاهر السلمي، أما المتظاهرين الذين حاولوا الإخلال بالأمن؛ فقد واجهتهم قوات الأمن بقنابل الغاز المسيل للدموع.

وبحسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام المصرية؛ فإنّ المتربصين التابعين للجماعات الإسلامية حاولوا تصوير تلك المظاهرات، التي شارك بها بعض المواطنين، على أنّها ثورة جديدة ضدّ الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

للمشاركة:

هل يقود عربي المعارضة في برلمان دولة الاحتلال الإسرائيلي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

تترقب الأحزاب العربية في دولة الاحتلال الإسرائيلي المفاوضات الجارية بين حزب "الليكود" اليميني، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وحزب الوسط "أزرق أبيض" الذي ينتمي إليه بيني غانتس، لأنّ تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الحزبيين؛ يعني أن تقود الأحزاب العربية في إسرائيل أكبر كتلة معارضة في البرلمان.

وحصلت القائمة العربية المشتركة، التي تمثل السكان العرب داخل إسرائيل، على 13 مقعداً من إجمالي المقاعد، البالغ عددها 120 في الكنيست، مما يجعلها ثالث أكبر تكتل خلف حزب "الليكود" اليميني، الذي حصل على 31 مقعداً، وحزب الوسط "أزرق أبيض" الذي حصد 33 مقعداً، وفق "رويترز".

إذا تشكلت حكومة وحدة وطنية من نتنياهو وغانتس تصبح القائمة العربية أكبر كتلة معارضة في البرلمان

ومن شأن هذه النتيجة أن تجعل القائمة العربية المشتركة أكبر تجمع للمعارضة في البرلمان، في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو احتمال واقعي، رغم رفض غانتس دعوة مبدئية من نتنياهو بشأنها.

ولم يشارك أيّ حزب ينتمي إلى الأقلية العربية، التي تمثل 21٪؜ من سكان إسرائيل، في أيّة حكومة إسرائيلية من قبل. ولكن إذا أصبح رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة (44 عاماً)، زعيماً للمعارضة، فسوف يتلقى إحاطات شهرية من جهاز المخابرات (الموساد) وسيلتقي بزعماء الدول الزائرين.

ويتيح مثل هذا الوضع منصة للتعبير عن شكاوى العرب من التمييز ضدّهم، ومنصة أكبر للأحزاب العربية التي تختلف مع الأحزاب المنتمية إلى الأغلبية اليهودية في البلاد.

ويدعو أعضاء الكنيست العرب مراراً إلى إنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

 

للمشاركة:

ما طبيعة القوات والمعدّات التي أرسلتها أمريكا للسعودية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" إرسال قوات ومعدات إضافية إلى المملكة العربية السعودية، بعد إلقاء واشنطن اللوم على إيران بالوقوف خلف الهجوم الذي استهدف معملَيْن لشركة "أرامكو" النفطية السعودية في بقيق وخريص.

وقال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر: إنّ القوات والمعدات المرسَلة "ذات طبيعة دفاعية، وتركّز بالأساس على الدفاع الجوي والصاروخي"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأضاف إسبر: "الآن، نحن نركز على مساعدة السعودية لتطوير بنيتهم التحتية الدفاعية"، مضيفاً: "كما قال الرئيس (ترامب) بوضوح، الولايات المتحدة الأمريكية لا تسعى لصراع مع إيران".

إسبر: القوات والمعدّات المرسلة ذات طبيعة دفاعية وتركّز بالأساس على الدفاع الجوي والصاروخي

وألقى وزير الدفاع الأمريكي الضوء على أنّ هناك "خيارات عسكرية عديدة أخرى متوفرة إن دعت لها الحاجة".

من جهته؛ عبّر نائب وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، عن شكره لإدارة الرئيس ترامب "لمواجهتها لعدوان النظام الإيراني والجماعات الإرهابية، بشكل غير مسبوق"، كما أعرب عن "دعم بلاده و مواصلتها الوقوف مع الولايات المتحدة ضدّ قوى الشرّ والعدوان عديم المعنى"، على حدّ وصفه.

وتتهم المملكة العربية السعودية إيران بالضلوع في هجمات "أرامكو"، والتي تسبّبت في خفض إنتاج السعودية من النفط إلى النصف، فيما أعلن وزير الطاقة السعودية، مساء الثلاثاء الماضي، عودة إمدادات النفط واحتواء آثار هجوم "أرامكو".

وأعلن تحالف دعم الشرعية، على لسان المتحدث الرسمي، العقيد تركي المالكي، أنّ التحالف يملك أدلة تثبت تورط إيران في الهجوم على منشأتي النفط السعوديتين، وعرض تركي المالكي، في مؤتمر صحفي، الأربعاء، أجزاءً من صواريخ كروز وطائرات مسيرة إيرانية استخدمت في الهجوم.

 

للمشاركة:



وفاة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أكد محامي الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، وفاته في المملكة العربية السعودية، الخميس، عن عمر ناهز 83 عاماً، وذلك في اتصال مع "سكاي نيوز عربية".

وقال المحامي منير بن صالحة إن جثمان بن علي سيوارى الثرى في السعودية وليس في تونس.

وكان بن صالحة قد أعلن، الجمعة، أن بن علي نُقل إلى مستشفى في السعودية، بعد تدهور حالته الصحية.

وأوضح حينها لإذاعة "موزاييك" التونسية، أن ابنة زين العابدين بن علي اتصلت به، قائلة إن والدها "مريض جدا"، بعد سنوات من علاج سرطان البروستاتا.

وكان بن علي قد خرج من البلاد في يناير من عام 2011 في أعقاب الاحتجاجات التي أنهت حكمه.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية