التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟

التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟
5278
عدد القراءات

2018-12-18

تشكّل موضوعة المؤلّف والقارئ جدلاً لانهائياً؛ سواء تعلّق الأمر بالنقاش التقليدي حول صلاحية المؤلف، واكتسابها سلطة لتأويل نصوصه التي يكتبها، أكانت نصوصاً فلسفية أو أدبية، انتهاء بالتحول البنيوي الذي أحدثه رولان بارت، في مقاله الذكي "موت المؤلف" (عام 1967)، وبعده ميشيل فوكو، في مقاله "ما المؤلف؟" (عام 1979)، و"ما" هنا تدل على كمية الموت التي أصيب بها المؤلف، حتى غدا فوكو يسأل عنه بـ "ما" كشيء جامد، وليس بـ "مَن" الحيّة التي يُسأل بها عن الإنسان، باستعاضة القارئ كي يحلّ محلّ الكاتب؛ حيث إنّ المؤلف نفسه يتحول إلى توقيع بلا معنى، وصوت بلا سلطة، لكنّ المتفق عليه؛ أنّ تلك الموضوعة بين المؤلف والقارئ قد دخلت في أفق جدّ مفتوح ولا نهائي؛ حيث إنّ القارئ قد غدا طرفاً لا يمكن إهماله في المعادلة؛ أي أنّ العناية بالقارئ غدت لا تقل عن العناية بالمؤلف، إذا ما تبقى من هذا الأخير شيء.

عبارة "موت المؤلف" تثير حساسية لدى الكثيرين؛ لأنّهم يفهمونها في وجهها السالب دائماً

إنّ النص في المسرح النقدي والفلسفي المعاصر صار مشدوداً بين سلطتين؛ سلطة تنسبه إلى المؤلف بوصف النصّ؛ هو الابن الشرعي للمؤلف، وهو الوريث الميتافيزيقي والكتابي لما أراد أن يقول. وسلطة أخرى أقحمت، تريد أن تميت المؤلف وتزجّ بالقارئ بوصف النصّ هو وليد التأويل الحيّ الذي يمارسه القارئ عليه، فالنص، بالنهاية، ليس سوى جملة التأويلات التي ينتجها القارئ وفق أفق الرؤية المعيارية التي يتبناها القارئ عن الله والإنسان والعالم، فالتأويل هو عملية إنسانية مركبة، وليس مجرد نقاش لغويّ على حافة النصوص؛ بل هو اختبار هائل لكلّ التراث القابع في نفس القارئ، ومخزن مشحون بكلّ التصورات الميتافيزيقية له.

اقرأ أيضاً: درس بورديو: هل هناك رأي عام؟
إلا أنّ عبارة "موت المؤلف" تثير حساسية لدى الكثيرين؛ لأنّهم يفهمونها في وجهها السالب دائماً، ولا يهمني هنا أن أدافع عن تأويل ضدّ تأويل، بل فقط علينا أن نقلب العبارة، وهي ليست عبارة في الحقيقة، إنما هي اعتبار منهجي واسع، ونفهمها في شكلها الموجب؛ حيث يغدو موت المؤلف قضية جمالية تعيد الاعتبار للتأويل ضدّ النسق الذي يمسك بزمامه المؤلف، وتجعل النص مسرحاً لرغبات القارئ التأويلية، ليس على شكل عبثي، وإن كانت العبثية جيدة أحياناً في التأويل، لكن على شكل جمالي يعيد ترتيب ما خلفه النصّ، ويعيد "تقوّل" النص من جديد، ضمن آفاق لم يكن النصّ يفكر بها؛ حيث يتحوّل القارئ إلى سفير ميتافيزيقي بين النصّ كعالم متكامل من العلامات والرؤى وبين الحياة؛ يصالح بين ما استقر وما لم يستقر.

اقرأ أيضاً: الحداثة التي لم تهزم المتعالي
ومن اللافت؛ أنّ ميشيل فوكو، في مقاله: "ما المؤلف؟"، قد تبين عمق الإشكال الذي طرحه رولان بارت، وطرافته، على حدّ سواء، ويكفي أنّ فوكو لم يشر صراحة إلى بارت، وإن كان بارت هو مدشن تلك الخطة لموت المؤلف، فبالطبع هو مصدر صامت لمقال فوكو، بيد أنّ إشارة فوكو الذكية، هي أنّ الصخب الجاري حول "موت المؤلف"، وغيرها من "الموتات"، لا يهم كثيراً، ما يهمّ بالنسبة إلى فوكو؛ هو "أن نحدّد موقع الحيز الفارغ الذي تركه اختفاء المؤلف، ومن ثم نتبع توزيع تلك الفجوات والثغرات، ونترقب المساحات الخالية التي يكشف عنها هذا الاختفاء"، وذلك لسبب طريف يورده فوكو؛ حتى لا تصبح مقولة "موت المؤلف" سلطة أخرى استعضنا بها اختفاء المؤلف الذي أعلنه بارت؛ أي أنّ ذلك الاختفاء ينبغي تطبيقه عملياً بالتأويل، وليس بمجرد الإزعاج بتلك المقولة أو تلك، فالتأويل هو الاختبار المنهجي للمقولات.

اقرأ أيضاً: حوار مع فوكوياما: هل يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تنجو من سياسات الهوية؟
الفيلسوف الإيطالي والسيميائي الأشهر، أمبرتو إيكو، يتنزل تنزلاً مهماً في هذه الإشكالية الواسعة، والتي لم تقف فقط على أرضية الأدب والنصوص الروائية والشعرية؛ بل انتقلت، سراً وعلناً، إلى أرض الفلسفة، خاصة مع مجيء الفيلسوف الكبير، جاك دريدا، وسعيه في تفكيك ميتافيزيقا الحضور للفكر الغربي منذ أفلاطون، وذلك بتفكيك العلامات ودعوته لانفتاح النصّ اللانهائي، فاللغة، بحسب دريدا، هي ميتافيزيقا أخرى تمنح المؤلف سلطة لاحتكار النص واحتكار تأويله، وذلك ضمن إطار الميتافيزيقا الغربية عموماً.
لقد ابتكر أمبرتو إيكو وسيطاً جديداً في تلك العلاقة المستعرة بين المؤلف والقارئ؛ ذلك بتقسيمه المقاصد إلى ثلاثة مقاصد موجودة، هي: قصد المؤلف، وقصد النص، وقصد القارئ؛ فقصد النص تخلل المعادلة التي أقصاها المؤلف وعلى الطرف الآخر يقبع القارئ، والنص في تناحر وفي تجاذب بينهما.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل
إنّ قصد النص ليس قصداً مفارقاً لكلا القصدين السابقين، لكن، على العكس من ذلك، يتشكل وفق علاقات خفية للمؤلف والقارئ على السواء؛ فالنصّ، روائياً كان أم فلسفياً، يكتبه مؤلف ما، أي أنّ ذلك المؤلف قد اختار علامة دون علامة، ولغة دون لغة؛ فالمؤلف ليس وسيطاً إجرائياً بين اللغة والنصّ فحسب؛ بل هو سفير محمل بالتراث والرؤية المعيارية والتاريخ والدلالة، كما أنّ القارئ كذلك هو مخزون من المعنى، والمعنى المسبق كذلك، والنص يدخل معه في جذب وشدّ تأويليين، ينبني من خلالهما التأويل المفترض، الذي يسقطه القارئ على النص.
إن النص لغة، أي تاريخ وتراث ودلالات وعلامات، وهو بهذا المعنى أوسع من المؤلف؛ لأنّ اللغة تشمل المؤلف، والعلاقة بينه وبين اللغة ليست بديهية، بل ملتبسة دائماً، وتستوعبه؛ فاللغة لا تقول ما نريد فقط، إنّها تقول أوسع مما نريد، لأنّها بنية رمزية واسعة تتخلل علاقة الإنسان بالوجود؛ فالإنسان – في – الوجود هو في حالة مفهومية على الدوام، يبتكر المفهوم كي يفهم الصورة، ويصنع الوسائط كي ينخرط في الوجود، هذا إن لم يكن للغة وجود مستقل بنفسه؛ "فالوجود الأحقّ بالفهم، هو وجود اللغة"، كما يخبرنا غادامير.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
ويمكن أن نسمي تلك القصدي، التي أعطاها إيكو للنص "عالم النصّ"؛ فالنصّ له عالمه الذي هو أشبه بجهاز ينتج "حركة القارئ التأويلية"؛ فإنّ النصّ يسعى إلى إنشاء قارئ نموذجي وخلقه، قارئ يؤمن بأنّ التأويل الجيد في تفكيك النصّ؛ حيث تغدو العلامات لانهائية، وإنّما يجعل من اللاتناهي أفقاً للتأويل الجيد وليس للعب، والنص نفسه هو المختبر لهذا التأويل الجيد؛ فـ" فبإمكاننا أن نعرف ما هو التأويل السيئ، لكننا لا نعرف ما هو التأويل الجيد على وجه التحديد"، كما يشير إيكو نفسه.
كانت هذه الفكرة حلاً طريفاً من إيكو للمعضل التأويلي؛ بين من يدعون انغلاق النسق التأويلي عند حدود المؤلف، وبين التفكيكية التي تفتح العلامة بلا قوس، لكن، هل القوس يقف عند حدود تأويل المؤلف؟ أم عند حدود تأويل القارئ؟ أي بعبارة أخرى، هل أمات إيكو المؤلف على عادة أسلافه بداية من بارت؟

اقرأ أيضاً: التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"
لا شكّ في أنّ إيكو يدعو إلى احترام النصّ، فالنصّ نفسه يفرض سلطة هي المعيار التأويلي على ما سماه "قصدية النص"، وتلك السلطة يكتسبها من تكامليته كنص، فالانسجام الداخلي للنصّ؛ هو من يتحكم فيما سميته بالأعلى "حركة القارئ التأويلية"، بيد أننا لا بدّ من أن نعترف بموت "معين" للمؤلف؛ بالطبع، إيكو لم يقل هذا بنصّه، لكنّني أؤول خلاصة نظريته السالفة؛ إنّ هذا الموت المعين هو موت جمالي أكثر منه إماتة حقيقية، لا بدّ للنصّ من أن يتحرر جمالياً من أفق المؤلف، ولا بدّ من استعادة حيوية للنصّ وللقارئ معاً، كي يكون للنصّ تفكيراً وتأويلاً، يترك المؤلف كي يعود إليه مرة ثانية، لكن في صورة أخ، وليس في صورة ابن.

التحرّر الذي يقيمه المؤلف تجاه نصوصه هو تحرر أنطولوجي، وليس تحرراً تأويلياً في الأساس

إنّ العلاقة البطريكية بين المؤلف ونصّه؛ هي تلك التي أقول إنها ماتت بشكل ما، وليس المؤلف؛ فهذه العلاقة الأبوية ستجعل من تأويل النص لاهوتاً، ما يجعل الإحالة أبداً إلى المؤلف، وكأنّ النص غير قادر على التحرر الفائق والجميل والطريف من بنوته لأبيه المؤلف.
لقد كتب إيكو، مثلاً، روايته المشهورة "بندول فوكو"، ورغم تصريحه لاحقاً بأنه لم يعنِ بفوكو الفيلسوف الفرنسي، فإن كثيراً من قرّائه قد انخرطوا في تأويل كبير للرواية ضمن خطاطة فوكو "الفيلسوف"، وليس فوكو الذي "يقصده" إيكو، لكنّ الطريف هو هذا الدرس الرائع الذي علمنا إياه إيكو؛ حين علم بذلك، ولم يخطّئ أحداً من قرّائه، رغم أنه لم يقصد بفوكو الفيلسوف المعروف.

اقرأ أيضاً: المجال العامّ: مقدّمة قصيرة جداً

لقد تخلى إيكو عن الحميمية الصلبة بنصوصه الفذة، التي هي حميمية مريضة، يتلبس بها روائي أو فيلسوف ما، حتى يغدو حارساً لاهوتياً على نصوصه.
لكنّ التحرّر الذي يقيمه المؤلف تجاه نصوصه، في رأيي، هو تحرر أنطولوجي، وليس تحرراً تأويلياً في الأساس؛ فهذا التسامح الميتافيزيقي الذي يمنحه المؤلف للقارئ، لا بدّ من أن يكون نابعاً من تصوّر مبدئي بأحقيته في التأويل، وليس كمنة أخلاقية تجاه هذا اللقيط، الـذي يقبع هناك، أعني القارئ، علينا أن نتخلى قليلاً عن النصوص؛ فإنّ معنى أن نكتب هو أننا ننتمي إلى ترسانة مسبقة لموتنا؛ الكتابة هي الموت، أو لا تكون.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا جعلوا منك وحشاً؟!

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2020-02-23

في المقال السابق "ضروريات أم كماليات" أشرتُ إلى أنّ المجتمعات التي تُنتِج أنظمتها الفقرَ والجوعَ أو الوفرة المزيّفة، تنغلقُ الكماليات فيها على مضامين مخادعة، تُشتت الانتباه عن معناها الحقيقي، فتبتعد عن كونها ما يجب أن يكمل الوجود الإنساني ويرتقي به، إلى صياغةٍ عارضة، تنحصر في جملة الأشياء الماديّة، والتي لا يشكّل غيابها نقصاً في الحياة، وإنما نقص في كينونة الفرد. إنّ تعميم الفهم الضيّق للكماليات، هو الطريق المختصر للكسب أمام أيّة سلطة، ومهما كان نوعها، فحيث يمكن تحويل الإنسان إلى مستهلكٍ ومستهلكٍ فقط، يصبح بالإمكان بيعه حتى الأوهام والشعارات والكلام الفارغ، وعندما تتمكن القيم الاستهلاكيّة منّا، لن يسفر الوجود سوى عن الوجه العدائي، وهناك سيرافقنا شعورٌ دائمٌ بالخوف والاغتراب.

وهم التملّك يضع الجميع بحلبة صراع داخل فضاء استهلاكيّ كتعويض مجوّف لفراغ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات

كيف يصبح الوجود عدائياً عندما تطغى القيم الاستهلاكيّة على الفرد؟ قد تسعفنا اللغة في توضيح ذلك، فليس من قبيل المصادفة أنّ الاستهلاك الذي يسم وجودنا، يصبّ جذره الثلاثي (هلك) في الهلاك، وهنا تتضح الصورة؛ إذ إنّ هناك علاقة مع الوجود ولكنها تقوم على الموت، وهذا ما بيّنه "إريك فروم" في كتابه "الإنسان بين الجوهر والمظهر"، "ففي نمط الملكية لا توجد علاقة حيّة بيني وبين ما أملك، فأنا وما أملك أصبحنا جميعاً أشياء، أنا أملكها لأن لديّ القوّة على امتلاكها، ولكن ثمة علاقة عكسيّة أيضاً، فهي تملكني أيضاً لأن إحساسي بهويتي يتوقف على ملكيتي لها، إنّ نمط الملكيّة لا يقوم على صيرورة حيّة ومثمرة بين الذات والموضوع، وإنما هي علاقة تجعل من الذات والموضوع أشياء، والعلاقة بينهما علاقة موات وليست علاقة حياة".

اقرأ أيضاً: مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟
فنمط الملكيّة كما يذهب إليه "فروم" يتجه إلى تشجيع الجوانب الاستهلاكية والأنانية في الفرد، ويجعل من العلاقات التنافسيّة العلاقات الوحيدة التي تربط الأفراد ببعضهم، وهذا ما يتيح للجشع والغيرة والضغينة أن تطفو على وجه العلاقات كافةً، ليُفرد المجال كاملاً للعنف كي يصبح العملة الوحيدة المتداولة بين الجميع، لهذا لا يرى "فروم" فرقاً في تطور الشخصيّة التملكيّة من نمط الاكتناز في الماضي، إلى نمط الاستهلاك الواقع الذي يقوم على شراء الأشياء ليتخلّص منها بعد ذلك بوتيرة سريعة، فليس التناقض بين هذين النمطين، في رأي "فروم"، سوى تناقض سطحيّ، فإذا ما نظرنا إلى الأشياء في كلا النمطين، سنجدها تفتقر إلى الطابع الشخصي في علاقة المالك بما يمتلك، الطابع الذي يمنح الأشياء قابليّة الاستعمال ويحررها من الاستهلاك والنفاد، أو بعبارة أخرى: يعيد الوعي إلى العلاقة بين الذات والموضوع.

اقرأ أيضاً: ماذا ستطلب لو التقيت بجنيّة الأمنيات؟
إنّ وهم التملّك يضع الجميع في حلبة صراعٍ داخل فضاءٍ استهلاكيّ عام، لا يتعدّى كونه تعويضاً مجوّفاً لفراغٍ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات، كما يمكن أن يكون مؤشراً على إفلاسٍ روحيٍّ حاد، عندما لا تتحقق ذات الفرد إلّا من خلاله وبه؛ وهنا قد ندرك "لماذا  يعمل الأفراد لساعاتٍ إضافية، ثم  يشترون أشياء ليسوا بحاجتها وقد لا يحتاجونها"، هذا اللهاث المسعور خلف المادة سيضفي على الوجود سمة (الإنهاك)، فالكل يلهث خلف الشيء طالما رغبة التملّك تهرشهم، وبالطبع كلّما ازداد منسوب التملّك، سيزداد منسوب الفقر الإنساني والتوحش، وبهذا تشرّع الملكيةُ الأبواب على العنف، وكل الحروب منذ اللحظة تصبح مبرّرة وشرعيّة طالما أنّ أوهام السيطرة والتملّك تدغدغها وتغلّفها بنكهة العدالة.

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟
فتَرافق نمط التملّك، مع بدايات التاريخ الذي دُوّن بأسماء ملوكه، أسس لتراتبيات اجتماعيّة، استندت إلى تقسيماتٍ طبقيّة، حدّدت هويّة الفرد بحجم ملكيته، وبهذا  أخذ التاريخ شكل صيغٍ نهائية قررت بحزمٍ شكل العالم، لقد أصبح العالم عالمين؛ عالم الأغنياء وعالم الفقراء، عالماً مسوّراً بكماليات مزيّفة، وعالماً يرزح تحت وقع الضرورة، وبينما تصبح الملكية مفتاحاً لكل الأبواب لدى الأغنياء، تفقد الكماليات طابعها الجوهري في إكمال الوجود، وتُمسَخ إلى مجرّد صيغة محددة تنحصر في تملّك الأشياء والاستحواذ عليها، وهذا قد يوضح لماذا تحاول أي سلطة على الإطلاق تشييء أفرادها، فليس أسهل من السيطرة على من نُزعت عنه حريته وكرامته الإنسانية، الفرد الذي يمكن وضعه في أي علبة. 

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
في عالم الفقراء يأخذ الفرد صورة متسولٍ للحياة، وتصبح الضرورة  عالمه الوحيد، ففي هذا العالم لا يعني الفرد سوى البقاء على قيد الحياة؛ فالاحتياجات التي لا يميت غيابها وإنما تجعل الحياة أكثر مشقّة تتنحى جانباً، ولا ضير أن يتحمل الفقراء المشقات طالما مُنَّ عليهم بنعمة الحياة، بينما لا مشكلة بتاتاً في هكذا عالم، العيش من دون الكماليات التي تصبح من المنسيات، ويقتصر وجودها على حلمٍ يشطح به النوم. حقاً الحياة صعبةً هنا، ولكن هناك من يريدها كذلك، إنهم المستثمرون الكبار في عالم الخوف والجوع، الذين يعلمون أنّه لا يمكن ترويض الإنسان إلّا إذا أصبح وحشاً، وما الذي يمكن أن يحوّله إلى وحشٍ، أفضل  من صراعه على لقمة العيش؟

يوماً ما سيتفتح أطفالنا على ما قاله تشيخوف: في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه وروحه وأفكاره

قد تأخذ هذه القصة منحىً عدمياً إذا سلّمنا بأنّ هذه التقسيمات تقسسيمات نهائية ومطلقة، ستصبح كذلك فقط إذا صدقنا واستسلمنا لذلك، وهو ما أراده التاريخ لنا دائماً، ولكن التجربة الإنسانية تحمل إمكانات مفتوحة على احتمالات شتى، وقد يدعم حدوث الاحتمالات الجيدة وعيٌ جديد ومختلف، وهذا ما بدأ يتشكّل في مساحات واسعة من مجتمعاتنا، فقد تمكّن هذا الوعي من كشفٍ واقعيّ للتناقض الذي مارسته العقائد بفخرٍ وتبجح وغباء، وأنّ القيم الكاذبة التي تحرسها، هي المسؤول الأول عن انحطاط الإنسان وكرامته، لذلك فإنّ الصرخات التي دوّت في معظم ساحات مجتمعاتنا، جاءت لتأكيد هذا الوعي الذي بدأ يدرك ما قصده "فروم"، فما كان يتبنّاه من إرادة، ليست إرادته، ومن رغبات ومشاعر، ليست رغباته ومشاعره، وإنما فرضتها الأنماط الاجتماعية التي جعلت من رغباته رغبات مصنوعة ومكيّفة.
ما دامت رحلة الألف ميل  تبدأ بخطوة ، يوماً ما ستختفي مفاهيم كالضرورة والحاجة والكمالية من معاجم اللغة، هذه التقسيمات التي ترهق كاهل الفقراء ستزول وسيزول معها صيغ التفضيل، ليصبح كل ما يحافظ على الوجود وما يدعمه وما يكمله بنفس ذات الأهمية، فلن يكون هناك ما هو مهم وما هو أهم، الجميع سيحظى بفرحه الإنساني، فقلم حمرة لامرأة وزجاجة عطر لرجل ولعبة بين يدي طفل، ليست بأقل أهمية من لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو قصيدة، وجميعها ليست بأقل أهمية من رغيف الخبز، يوماً ما سيتفتح أطفالنا على أغصان ما قاله "تشيخوف" "في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه، وروحه، وأفكاره"، وإلى ذلك الحين ستولد كل صرخاتنا من الجملة الشهيرة  "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".

للمشاركة:

كيف زيّفت الجماعات الإسلامية وعينا بالتراث؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-02-23

لا يُمكن الفصل بين تراث أيّ أمّة وواقعها؛ فالماضي حاضر فينا ومن خلالنا، رضينا أم أبيْنا، غير أنّ الإشكالية في طريقة استدعاء التراث، وما يصحبها من محاولات تفكيك الحاضر وإعادة بنائه من جديد وفق صورة مثالية متخيلة عن الماضي، تكمن في تلك الأفكار التي تسرّبت إلى ثقافتنا من خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"، التي قدّمت الآخر على أنّه الضّال، المغضوب عليه، عدو الله ورسوله، الواجب على المسلمين إنزال الخزي به حتى تُشفى صدور المؤمنين، فاختزلوا سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في صورة المُحارب الذي يخرج من غزوة ليدخل في أخرى، محاولين منح مشروعية لأفكارهم الصدامية، متجاهلين الأدوار الاجتماعية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها أثر كبير في نشر قيم التسامح والعدل والحرية، وأنّ المواجهات العسكرية التي خاضها، صلى الله عليه وسلم، فُرضت عليه فرضاً، من قومٍ رفضوا حقّ المسلمين في الاختلاف، وسَعَوا إلى إبادتهم.

من الاستدعاء الخاطئ للتراث في خطاب جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية

ومن الاستدعاء الخاطئ للتراث، في خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"؛ تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية، حيث يرتهن انتشاره باستئصال الآخر واستعادة الأراضي التي حكمها المسلمون زمناً، فتبنّي مثل هذه الفكرة يُدخلنا في صراع ديني لا ينتهي؛ فإن كان للمسلمين، وفق هذا المنطق المغلوط، حقّ تاريخي في إسبانيا تبعاً لتدين أهلها بدين الإسلام في حقبة من الزمن، سيكون لأتباع الديانة البوذية حقّ تاريخيّ في إندونيسيا، أكبر دول المسلمين من حيث تِعداد السكان، استناداً إلى أنّ البوذية ديانتها السابقة على الإسلام.
وأنتج اعتماد الجماعات على الوعاظ في قراءة التاريخ، وعياً زائفاً به، فبدلاً من أن ينظروا بعين الناقد لتراث المؤرخين المسلمين، ساروا على خطاهم متخذين من أسفار العهد القديم والإسرائيليات مصدراً أصيلاً لحكاية التكوين وبداية الخليقة، منذ آدم، عليه السلام، وحتى القرون الأولى للميلاد، وما تخللها من قصص الأنبياء والصالحين والآثمين، بهدف الوعظ، مدفوعين بالفضول لمعرفة تفاصيل ما أجمله القرآن الكريم، ففتحوا باباً للأسطورة والخُرافة لم يُغلق حتى اليوم، فالهوّة كبيرة بين التاريخ الذي يُقدّمه وعّاظ الجماعات، والتاريخ الذي يكتبه الباحثون والعلماء.

اقرأ أيضاً: الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟
وإذا كان المؤرخون القدامى معذورين، بأنّ لغة العلم في عصرهم لم تعرف الحفريات والوثائق وغيرها من المعطيات العلمية، فلا عذر لوُعّاظ الجماعات اليوم، عندما أغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة؛ من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين، الناطقة بالكثير من الوقائع والأحداث، التي تناقض الرواية التوراتية للتاريخ، مكتفين بترديد ما نقله التراث من روايات العهد القديم دون تمحيص، فالتسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية، لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية.

لا عُذر لوُعّاظ الجماعات اليوم بأن يغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين

ولا تتوقف الجماعات عن الخلط بين تاريخ الإسلام "الوحي"، الذي بدأ وانتهى بحركة جبريل، عليه السلام، بين السماء والأرض، وتاريخ المسلمين الذي هو أحداث وتجارب بشرية تاريخية غير مقدّسة، فإطلاق الجماعات تاريخ الإسلام على تاريخ المسلمين، أكسبه مثالية وقداسة زائفة، تستعلي به على الدرس النقدي، والسياقات والملابسات التي صنعت أحداثه، وفي الوقت الذي استعلت "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين" بتراثنا عن النّقد، نجد تراثيين، من أمثال ابن خلدون، الذي شنّ حملة قوية على ما اكتنف التّراث من حكايات وأخبار وأنساب يُنكرها العقل، فيقول؛ "إلا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عن أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونها منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين كانوا بين العرب يومئذ، بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية، التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء؛ مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنّهم بعد صيتهم وعظمة أقدارهم لما كانوا عليه من المقدمات في الدين والملة فتلقيت بالقبول يومئذ" (1).

التسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية

لقد زيّفت الجماعات وعينا بالتراث عندما رسخّت في ثقافتنا أننا أمام تُراثٍ بوَجْه واحد، فأخفوا عن عمدٍ أوجه متعددة لتراث المسلمين، وقد التفّ القدامى حول ثوابت العقيدة متمثلة في الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وأركان الإسلام متمثلة في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا، إلا أنّ ذلك لم يمنعْهم من الاختلاف في الفهم والشرح والتأويل، فتنوَّعَ التّراثُ تبعاً لتنوع اجتهادات المسلمين الأوائل، فاختلفوا حول فهم طبيعة الإيمان، بين من يجعله قاصراً على إيمان القلب ومن يجعله متضمناً للعمل، وتنوّعت تصوّراتهم بين من يرى وجوب الفصل بين الذات الإلهية والصفات، وبين من يُوحّد بينهما، فلم يكن لمجال الاجتهاد في التراث سقف يحدّده، حيث قدّم التراث تفسيرات وتأويلات متعددة للقرآن الكريم، بين متأوّلٍ ينطلق من قواعد اللغة والبلاغة لفهم القرآن الكريم، وبين متمسكٍ بالمعنى الحرفي غير مُنكرٍ لما وراءه من معانٍ.
ولا تتوقف الجماعات عن التصنيف المستمر، والثُنائيات التي لا تنتهي؛ فهم حماة التّراث، المختلف معهم حداثيّ متآمر عليهم، مأجور من الغرب، والإسلام في جانبهم، وغيرهم المنحرف عن صحيح الدين، يُرددون دوماً أنّ الحقّ يُعرف بتضحيات أصحابه، وليس باختبار أفكارهم، حيث يرون التّقدم في تطوير عالم الأشياء، ويسكتون عن تطوير عالم الأفكار، وضرورة استرداد الإنسان المُنتج للأفكار.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
إنّ إحداث نهضة حقيقية، يبدأ من تطوير مناهج الدراسات الإنسانية، بما فيها دراسات الفكر الديني، لا الدراسات الطبيعية فحسب، فطريق تحقيق النّمو الحضاري ليس العمران فقط، بل بناء الإنسان، ولا أمل في استعادة الإنسان الذي يبني الحاضر، ونحن ندين بفكرة أنّ كلّ خير في الدنيا انقضى، وأنّ العصور الذهبية في كلّ شيء قد فاتت، وإذا أردنا أن نمضي إلى المستقبل ونعود إلى التاريخ، فنحن بحاجة إلى الوثوق بمنجزات الحاضر الثقافية والعلمية والفنية، لننطلق منها ونطوّرها.


هامش:

(1) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ج١، ص٤٤٠،٤٣٩.

للمشاركة:

من سيربح في حرب الديمقراطية؟

2020-02-20

أثناء حصار لينينغراد، في الحرب العالمية الثانية، كان فلاديميروفيتش يقاتل في الخطوط الأمامية عندما حصل على إجازة لمدة 24 ساعة للعودة إلى بيته. وهو يسير في الشارع شاهد كومة من الجثث، وكان منظراً شائعاً وقتها، فتعرَّف على زوجته وأخذ يصرخ: "هذه زوجتي، هذه زوجتي، أريد زوجتي." سُحبت زوجته من بين الجثث وأخذها إلى البيت وأجرى لها إنعاشاً فاستعادت صحتها وفي عام 1952 أنجبت ماريا إيفانوفنا طفلها فلاديمير بوتين. تُعلق هيلاري كلينتون بأنّ هذه الحادثة أثَّرت على شخصية فلاديمير بوتين إلى درجة أصبح يتصور نفسه المخلِّص وأنّ روسيا جثة يسحبها من تحت ركام التاريخ.

انتقام بوتين
يمكن أن ننظر إلى تدخل بوتين في سوريا من خلال هذا الجانب، لكنه هنا لا ينفخ الروح في الجثث. الحقيقة يمكن فهم تدخل بوتين في سوريا وتحالفه مع الأنظمة الديكتاتورية- إيران، كوريا الشمالية، بشار الأسد وأردوغان- من زاوية أهم وهي عداؤه للديمقراطية. وبوتين لا يكتفي بدعم الأنظمة الديكتاتورية فحسب وإنما يعمل على زعزعة الأنظمة الديمقراطية، ودعمه لدونالد ترامب يأتي على هذا الأساس.

يوضح التقرير السنوي لمجلة الإيكونوميست لعام 2016 التَّردي الذي بلغته الديمقراطية في 72 دولة؛ فالديمقراطية تعاني من أزمة

الحرب التي يخوضها بوتين هي حرب على الديمقراطية، والأطراف الديمقراطية لا يمكن أن تجاري بوتين في ميدانه، لأسباب عديدة أهمها أنّ الغرب الديمقراطي نفسه يعاني من تراجع في الديمقراطية. وصعود القوى اليمينية الشعبوية مؤشر على هذا التراجع. فالنظام الديمقراطي، كما يذهب علي الدين هلال في كتابه "الانتقال إلى الديمقراطية"، عالم المعرفة، كانون الأول 2019، "ليس مجرد فاعلين وانتخابات.. بل مدى تمثيل هؤلاء للمصالح الاجتماعية وقدرتهم على تحسين ظروف الحياة لأكبر عدد من الناس". والديمقراطية، كما كتب: "تنهض بجناحين: جناح إجرائي يتعلق بالترتيبات والمؤسسات الانتخابية ونزاهتها، وجناح موضوعي يتصل بنوعية الحكم وجودته ومضمون السياسات العامة وتمكين المجتمع".

أزمة الديمقراطية
يوضح التقرير السنوي لمجلة الإيكونوميست لعام 2016 التَّردي الذي بلغته الديمقراطية في 72 دولة. والنتيجة أنّ الديمقراطية تعاني من أزمة ومن مظاهرها، كما جاء في كتاب هلال: "انخفاض المشاركة في الانتخابات العامة، وتراجع عضوية الأحزاب والنقابات، وتدهور هيبة السياسيين ومكانتهم في المجتمع، وضعف الانتماء الحزبي، وعدم الثقة في المؤسسات العامة، وازدياد الشعور بأنّ السياسة هي نشاط يتسم بالخداع وخدمة المصالح الشخصية".

اقرأ أيضاً: هل يمكن لبوتين أن يُضحي بأردوغان؟

ملامح هذه الأزمة كان قد رصدها ديفيد غريبر في كتابه "مشروع الديمقراطية- التاريخ، الأزمة، الحركة"، عالم المعرفة، تشرين الثاني 2014. "حيث لا يُكلف نصف الأمريكيين أنفسهم عناء التصويت على أي نحو". ويذهب في تشخيص أزمة الديمقراطية في أمريكا إلى أنّ رؤساء مثل جورج واشنطن كانوا "يعارضون الديمقراطية صراحة" وأن ماديسون وهاميلتون وآدامز "كتبوا صراحة أنّهم يرغبون في إنشاء نظام بوسعه تجنب أخطار الديمقراطية والسيطرة عليها".

بوتين لا يكتفي بدعم الأنظمة الديكتاتورية فحسب وإنما يعمل على زعزعة الأنظمة الديمقراطية، ودعمه لترامب يأتي على هذا الأساس

وعن هذه الأزمة تحدث يورغ سورنسن في كتابه "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد" عالم المعرفة كانون الثاني 2020، قائلاً بأنّ الديمقراطيات الليبرالية تمر اليوم "بدرجة غير مسبوقة من التأزم، على المستويين؛ المحلي والدولي، من حيث الممارسات المرصودة ومن حيث القيم والغايات المنشودة. ويخلص إلى واقع "هشاشة جميع الدول المتخلفة والمتقدمة على حد سواء". وإلى نتيجتين محتملتين حول مستقبل الأنظمة الديمقراطية، الأولى متفائلة والأخرى تحذر من احتمالات انهيارها. وهذه كلها نقاط تسهم في تعزيز كفة مناهضي الديمقراطية.

سياسة التدابير النشطة
يشير مصطلح "التدابير الفعالة" إلى أعمال الحرب السياسية التي تقوم بها أجهزة الأمن السوفييتية سابقاً والروسية حالياً، (OGPU،NKVD ،KGB ، FSB) للتأثير على مجريات الأحداث العالمية. وتتنوع هذه الإجراءات والتدابير بداية من التلاعب بوسائل الإعلام والمعلومات المضللة والدعاية وتزوير الوثائق الرسمية... إلى الأعمال الخاصة التي تنطوي على درجات مختلفة من العنف والاغتيالات.

يذهب ديفيد غريبر في تشخيص أزمة الديمقراطية بأمريكا إلى أنّ رؤساء مثل جورج واشنطن كانوا يعارضون الديمقراطية صراحة

صعود بوتين إلى السلطة تم عبر هذه الرافعة من الإجراءات. ففي أواخر أعوام يلتسين، الذي فقد السيطرة على مفاصل الدولة، كان بوتين مديراً لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وهي الوكالة التي حلت محل الـ KGB. في تلك الفترة، عام 1999، حدثت سلسلة من التفجيرات الإرهابية دفعت بالشعب الروسي إلى البحث عن قائد أو مخلص، وهو ما ساعد بوتين في الفوز بالانتخابات الرئاسية، وتذهب الشواهد والاستنتاجات اللاحقة ونوع المتفجرات المستعملة إلى أنّ التفجيرات قامت بها الاستخبارات.

لكن هذه الإجراءات أو "التدابير الفعالة" ليست حكراً على روسيا فهي تمَارس في مختلف دول العالم "الديمقراطية"، ومنذ زمن أقدم. فعلى سبيل المثال يبحث الصحفي جون بيلجر والمخرج كريس مارتن في الفيلم الوثائقي "الحرب على الديمقراطية" 2007، دور واشنطن في التلاعب الأمريكي في سياسة أمريكا اللاتينية خلال الأعوام الخمسين الماضية. ويكشف الفيلم عن سياسات مماثلة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في العراق وإيران ولبنان.

وجوه متعددة لعقلية واحدة
بعد انتهاء ولاية بوتين الرئاسية الثانية تحايل على الدستور بأن عين ميدفيديف رئيساً وشغَل هو منصب رئيس الوزراء ثم عاد رئيساً بعد انتهاء ولاية ميدفيديف، وبأسلوب مشابه لتحايل أردوغان على الدستور العلماني ليظل في السلطة كرئيس بدلاً عن منصب رئيس الوزراء. أردوغان نسخة أخرى من بوتين، وبشار الأسد أتى إلى الحكم خلفاً لوالده عبر تعديل دستوري مفصل له شخصياً وهكذا أتى كيم خلفاً لوالده في كوريا الشمالية. وأغلب هؤلاء يمقتون الديمقراطية لكنهم مضطرون للتعامل معها كشكل لا كمضمون.

ديفيد غريبر: ماديسون وهاميلتون وآدامز كتبوا صراحة أنّهم يرغبون في إنشاء نظام بوسعه تجنب أخطار الديمقراطية والسيطرة عليها

تحت قيادة بوتين، أحرزت روسيا نتائج سيئة في مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية وشهدت تراجعاً في الديمقراطية. وفقاً لمؤشر فريدَم هاوس للحرية في العالم، سجلت عام 2017 رقماً قياسياً هو الأسوأ منذ عهد الاتحاد السوفيتي: 20/100. ويستشهد الخبراء بسجن المعارضين واغتيالهم، وتقليص حرية الصحافة، وغياب انتخابات حرة ونزيهة. وقد اتهمت منظمات حقوق الإنسان والناشطين بوتين باضطهاد الصحفيين والنشطاء السياسيين، فضلاً عن الأمر بتعذيبهم أو اغتيالهم.

بوتين يمقت الديمقراطية وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتجاوز الدستور ويريد شرعية دستورية تمكّنه من النظر في عيون نظرائه الأوروبيين بلسان حال يقول: أنا أيضاً أتيت عبر انتخابات ديمقراطية! وأردوغان يحلم باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، وهكذا تداس الديمقراطية تحت أقدام قادة يحلمون باستعادة أمجاد أو أوهام تجاوزتها الملكيات التاريخية- التي تحولت إلى ملكيات دستورية ديمقراطية- بينما ظلت عالقة في أذهان جيل من القادة مدفوعين بالغرور والحقد والطموح إلى استعادة الماضي بمنطق "بيت الطاعة"!

شكل آخر للقوة الناعمة
حرب ترامب على الديمقراطية والحريات الصحفية تُرجح كفة بوتين حتى الآن، فهل سيقوض أمريكا مثلما قوضت هذه الأخيرة الاتحاد السوفييتي، دون أن تطلق رصاصة واحدة؟ وهل سيكون دونالد ترامب المرادف الأمريكي لميخائيل غورباتشوف؟

اقرأ أيضاً: عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

يقدم الفيلم الوثائقي (التدابير النشطة Active Measures )،2018، العديد من الشواهد على تورط روسيا/بوتين في دعم ترامب في الانتخابات الأمريكية ويذهب إلى أنّ هذا الدعم تم منذ وقت مبكر؛ يوم أنقذ بوتين ترامب من الإفلاس ودعمته عبر عمليات غسيل الأموال الهائلة التي يتزعمها بوتين نفسه وتدر عليه مليارات الدولارات إلى الحد الذي جعلته من أغنى رجال العالم. ارتماء ترامب في حضن بوتين وصل إلى حد يصفه البعض بأنّه "دمية بوتين".

اقرأ أيضاً: البوتينية والترامبية في وطن عربي ممزق

ويوصف اختراق روسيا للانتخابات الأمريكية بأنه أكبر عملية اختراق في التاريخ، والأهم أنّ أمريكا والأنظمة الديمقراطية الأخرى لا تملك وسيلة حماية حتى اليوم من أي اختراق قادم. وفي المقابل لا يمكن لأمريكا ولا لأوروبا استعمال هذا السلاح مع روسيا؛ فهي نظام غير ديمقراطي في الأساس.

أردوغان أيضاً يحلم باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، هكذا تداس الديمقراطية تحت أقدام قادة يحلمون باستعادة أوهام تجاوزتها الملكيات التاريخية

في الفيلم الوثائقي تقول الدكتورة ألينا بولياكوفا، زميلة السياسة الخارجية في معهد بروكينجز، "يدرك الروس الفرق الهائل في موازين القوة التقليدية بين أمريكا وروسيا، ولكي يعادلوا هذا الميزان يخوضون حرباً من نوع آخر. وإحدى الطرق لفعل ذلك هو استثمار إجراءات أقل كلفة في محاولة لإضعاف المؤسسات الغربية وتقويض الديمقراطيات بدلا من إرسال الدبابات".

الاختراق الروسي للانتخابات الأمريكية هو أيضاً موضوع الفيلم الوثائقي (انتقام بوتين Putin's Revenge) الذي بثته قناة فرونت لاين في 2017، ويبحث الفيلم في سؤالين: لماذا يرى فلاديمير بوتين في أمريكا وهيلاري كلينتون عدوين؟ ولماذا قرر استهداف الانتخابات الأمريكية؟ ويصف الفيلم مدى التدخل الروسي عبر بوابة الانترنت والتدابير الفعالة، ويُظهر مدى تصميم بوتين على تدمير أمريكا وتقويض أهم عنصر فيها وهو الديمقراطية. هي حرب حول الديمقراطية بوسائل تقنية حديثة صنعتها في الأساس آلة الحداثة الغربية. وروسيا بهذا تحارب الغرب بسلاحه. ولأنّ أمريكا لا يمكنها استعمال السلاح نفسه فلا يُستبعد أن تقود حرب الاختراقات التقنية إلى حرب تقليدية، وربما إلى حرب بيولوجية كما يذهب بعض المحللين في سياق الحديث عن فيروس كورونا.

الغزو التقني
الاختراق التقني الذي يتم بإنشاء منصات على وسائل التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة بقصد دعم مرشح وتشويه سمعة المرشح المنافس هو شكل من أشكال الإرهاب وهو تهديد لا يقل خطورة عن اختراق الهاكرز للمنظومة الأمنية. ومن منظور المعايير الأمريكية لمصادر التهديد الحقيقية أو المحتملة فإنّ روسيا تمثل مصدر تهديد للقيم الديمقراطية التي تستدعي التدخل العسكري للدفاع عنها. لكن روسيا ليست العراق أو أفغانستان حتى يمكن التدخل في شؤونها عسكرياً بحجة نشر الديمقراطية أو الدفاع عنها، أو حتى لدواعي الدفاع عن النفس إزاء تهديد حقيقي يمكن تسميته بالغزو أو الإرهاب التقني. أمريكا نفسها تخوض مثل هذه المعارك في مناطق مختلفة من العالم بحجة الدفاع عن الديمقراطية. والمفارقة أنّ جميع التدخلات العسكرية والسياسية التي قامت بها أمريكا في مناطق مختلفة من العالم لم تكن للدفاع عن الديمقراطية إلا في الظاهر بينما كانت تخفي أهدافاً أخرى، أما في صراعها مع روسيا فيبدو أنّها لن تستطيع أن تستعمل السلاح الذي طالما أجادت استعماله. وهذا يقودنا إلى انتظار ما ستؤول إليه نتائج الحرب على الديمقراطية.

للمشاركة:



المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أعلن وزير الداخلية الإيراني، عبد الرضا رحماني فضلي، أمس؛ أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية، التي جرت يوم الجمعة الماضي، بلغت 42.6%.

 

 

وهي بذلك أضعف نسبة إقبال في الانتخابات منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 197، وفق "فرانس برس."

الانتخابات التشريعية الإيرانية، التي جرت الجمعة، سجلت أضعف نسبة إقبال في تاريخ الجمهورية الإسلامية

وقال رحماني فضلي، في مؤتمر صحفي: "أجرينا هذه الانتخابات في ظروف شهدت فيها البلاد العديد من الحوادث، من بينها: سوء الأحوال الجوية، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، وأضاف: "بالنظر لهذه الظروف نسبة المشاركة بالنسبة إلينا مقبولة".

وكان ضعف المشاركة متوقعاً؛ إذ إنّ لجنة تنظيم الانتخابات التي يسيطر عليها المحافظون أقصت نصف المرشحين، البالغ عددهم 16 ألفاً، وأغلبهم معتدلون وإصلاحيون.

ويتقدم المحافظون على الإصلاحيين، بحسب النتائج الأولية غير الرسمية، التي أعلن عنها، أمس.

وتعدّ نتائج الانتخابات البرلمانية، إذا تأكدت رسمياً، ضربة موجعة للرئيس، حسن روحاني، الذي لم يبقَ من فترة رئاسته الثانية والأخيرة سوى 18 شهراً، إذ يواجه مجلساً يسيطر عليه المحافظون، وهو الأمر المرجَّح، ما يعني أنّه سيواجه المزيد من الضغوط والانتقادات.

وبحسب وكالة "فارس" للأنباء؛ فإنّ "المحافظين فازوا بعدد 191 مقعداً، من أصل 290 مقعداً في البرلمان، بينما لم يحصل الإصلاحيون إلا على 16 مقعداً، وفاز المستقلون بـ 43 مقعداً".

فاز المحافظون بـ 191 مقعداً في البرلمان، والإصلاحيون حصلوا على 16 مقعداً، وفاز المستقلون بـ 43 مقعداً

ونوّه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، بمشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات التشريعية "وإفشاله مخططات الأعداء وحملاتهم الإعلامية للحيلولة دون مشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات"، على حدّ قوله.

وقال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر، أمس: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخّها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر، وكثّفته مع اقتراب موعد الانتخابات، ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة، وجعلوا مرض وفيروس كورونا حجة من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

وجرت الانتخابات في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة، بسبب العقوبات الأمريكية على إيران، وبعد أشهر قليلة من اندلاع احتجاجات كبيرة ضدّ رفع أسعار الوقود والتوتر المتزايد مع الولايات المتحدة، بسبب قتل الأخيرة لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في العراق أوائل العام الجاري.

 

 

للمشاركة:

غارة جديدة لدولة الاحتلال على سوريا..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

شنّ جيش دولة الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على مواقع لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة وسوريا، بعد وقوع اشتباك بين الحركة والقوات الإسرائيلية في محيط غزة، في وقت سابق أمس.

وأفاد الجيش الإسرائيلي؛ بأنّه ضرب أهدافاً للجهاد الإسلامي جنوب العاصمة السورية، دمشق، وقطاع غزة، أمس، وفق ما أوردت "بي بي سي".

جيش دولة الاحتلال يشنّ غارات جوية على مواقع لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة وسوريا

وفي اعتراف نادر بضربة على سوريا، قال الجيش الإسرائيلي إنّه استهدف "مركزاً لنشاط الجهاد الإسلامي".

من جهتها، صرّحت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، اليوم؛ بأنّ "اثنين من أعضائها قتلا في غارة جوية شنتها إسرائيل على دمشق خلال الليل".

واستهدف الهجوم الجوي في منطقة العديلية خارج دمشق، ما وصفه جيش الكيان الصهيوني بمركز لنشاط حركة الجهاد الإسلامي في سوريا، تجري فيه أبحاث لتطوير الأسلحة.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، عن مصدر عسكري قوله؛ إنّ طائرات إسرائيلية اخترقت المجال الجوي السوري واستهدفت مناطق في محيط دمشق بموجة من الصواريخ الموجهة.

وبثت قناة "الإخبارية" التلفزيونية الحكومية السورية، مشاهد لما وصفته "انفجارات في سماء ليل دمشق مع إسقاط الدفاعات الجوية لصواريخ".

وقال المصدر العسكري السوري: "تمّ تدمير معظم الصواريخ قبل أن تصل إلى أهدافها ويجري تفقد آثار الهجوم".

حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية تعترف بمقتل اثنين من أعضائها في دمشق في غارة جوية شنّتها إسرائيل

وبدأت الأعمال القتالية، أمس، حين أعلنت دولة الاحتلال أنّها قتلت أحد أعضاء الجهاد الإسلامي، بالقرب من السياج الحدودي مع قطاع غزة، لافتة إلى أنّ الرجل كان يحاول زرع عبوة ناسفة.

وأظهر شريط فيديو، جرى تداوله على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، جرافة إسرائيلية تنكّل بجثة الرجل، وهو ما أثار غضب الفلسطينيين.

ودعا بعض الفلسطينيين إلى الانتقام، وبعد ساعات أطلقت الصواريخ من قطاع غزة، وهو ما أدّى إلى إطلاق صفارات الإنذار.

وأعلنت حركة الجهاد مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ، قائلة إنّ ذلك "ردّ على قتل أحد مقاتليها على الحدود بين إسرائيل وغزة".

وتعدّ حركة الجهاد الإسلامي، المدعومة من إيران، إحدى أقوى الجماعات المسلحة في غزة.

 

 

للمشاركة:

إمام مسجد لندن المركزي يبدي تسامحاً مع الشخص الذي طعنه.. هذا ما قاله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أبدى إمام المسجد المركزي في لندن، رأفت مجلاد (70 عاماً)، في رد الفعل الأول حول محاولة طعنه، تسامحاً تجاه المتشرد دانييل هورتون، الذي طعنه خلال أداء صلاة العصر، الخميس الماضي، قائلاً: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه".

ووجهت محكمة بريطانية، أمس، اتهاماً إلى هورتون، الذي يبلغ 29 عاماً، بالتسبب بضرر جسدي بالغ، وحيازة سكين بشكل غير شرعي، وطعن إمام ومؤذن مسجد لندن، وفق "فرانس برس".

واستبعدت شرطة لندن، على الفور، أن تكون هناك دوافع إرهابية وراء حادثة الطعن، رغم عدم إعلانها دوافع شخصية أو اجتماعية أخرى.

رأفت مجلاد متحدثاً عن الشخص الذي طعنه: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه"

وتلقى مجلاد العلاج في مستشفى في لندن، وعاد الجمعة إلى المسجد للصلاة، ويده مضمدة، قائلاً: "بالنسبة لي كمسلم لا أحمل في قلبي أيّة كراهية".

وقالت المدعي العام، تانيا دوغرا، للمحكمة: "الرجلان يعرفان بعضهما، لأنّ هورتون اعتاد أن يرتاد المسجد المركزي في ريجينت بارك، شمال غرب لندن، خلال الأعوام الماضية".

وأبقي هورتون رهن التوقيف، قبل عقد جلسة استماع ثانية، مقررة في 20 آذار (مارس) المقبل.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية، لندن، قد أعلنت، الخميس الماضي؛ أنّها اعتقلت رجلاً بعد واقعة طعن في مسجد قرب متنزه ريجنتس أسفرت عن إصابة شخص.

وقالت الشرطة البريطانية في بيان: "عثر على رجل مصاب بجروح جراء حادث طعن، وتم اعتقال المتهم في مسرح الواقعة".

وأظهرت صور نشرت على موقع تويتر أفراد الشرطة وهم يقيدون رجلاً في ساحة الصلاة بالمسجد قرب متنزه ريجنتس قبل اقتياده.

للمشاركة:



ثوران البرلمان الإيراني الجديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

فريد أحمد حسن
لا يهم دول المنطقة من فاز في انتخابات مجلس الشورى الإيراني التي جرت الجمعة الماضية ومن خسر فيها، ولا يهمها تفاصيل ما جرى قبل وأثناء وبعد ذلك اليوم، ولا كيف فاز الفائزون، وكيف تم تخسير الخاسرين، تماماً مثلما أنه لم يهمها قبل ذلك من تأهل لخوض تلك الانتخابات، ومن قرر النظام الإيراني شطب اسمه وحرمانه من الترشح. كل هذا لا يهم هذه الدول. ما يهمها فقط هو أن ينشغلَ الفائزون والنظام الإيراني وأربابه جميعاً بأنفسهم ويخرجوها من رؤوسهم، فبلادهم لا يمكن أن تتقدم ولا يمكن للشعب الإيراني أن يعيش كما ينبغي له أن يعيش إن تركوا مسؤولياتهم وتفرغوا للتدخل في شؤون الآخرين واستمروا في توزيع التصريحات السالبة المليئة بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة بكرة وعشياً.

يكفي دول المنطقة أن ينشغل النظام الإيراني بالداخل الإيراني لتشعر بشيء من الأمان والاستقرار، فما يهدد المنطقة ويحرمها من الاستقرار هو أن النظام الإيراني ترك منذ استيلائه على الحكم في إيران الداخل الإيراني وتفرغ للخارج، معتقداً أنه بهذه الطريقة يضمن لنفسه الاستمرار في الحكم.

إيران تعاني اليوم من مشكلات كثيرة، وحري بمسؤوليها أن يعملوا على حلها، وأول خطوات حلها هو توقفهم عن التدخل في شؤون جيرانهم الذين من الطبيعي ألا يقبلوا بالتدخل في شؤونهم الداخلية فلا يتوفر لهم بعد ذلك سوى اعتماد مبدأ الرد على كل ما يستدعي الرد عليه، وهذا يعوق نمو إيران ويتسبب في أذى كثير للمنطقة التي لا يمكن أن تتطور إن لم يتحقق الاستقرار فيها.

أمر آخر يفترض ألا يفوت المسؤولين في النظام الإيراني وأن يضعوه في اعتبارهم هو أن المنطقة لا تتألف من الدول التي تشكل جغرافيتها فقط، فهناك دول تسكن بعيداً لكن لها مصالح هنا لا يمكن التفريط فيها وهي على استعداد دائم للدفاع عنها في كل الأحوال، والأكيد أنها لا تتردد عن القيام بأي عمل كي تضمن مصالحها بما في ذلك الدخول في حرب، ولا يهمها لو اشتعلت المنطقة وتخلفت.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني لا تريد من الذين وصلوا إلى مقاعد مجلس الشورى في إيران ومن سائر مسؤولي النظام الإيراني وأربابه سوى أمر واحد وهو أن يتركوا أحلامهم التي لا يمكن منطقاً وواقعاً أن تتحقق وأن يتفرغوا لبناء الداخل الذي أوله إخراج الشعب الإيراني من حالة الفقر والفاقة التي صار فيها منذ الساعة التي اختطف فيها الملالي ثورته وأن يتركوا عنهم تصرفات المراهقين التي تأكد أنها لم تسفر بعد أربعين سنة من تحرير شبر واحد من أرض فلسطين.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني كلها تعرف أن شيئا في إيران لن يتغير لا من خلال مجلس الشورى الجديد ولا من خلال أي مجلس آخر، فأرباب النظام الإيراني مسيطرون على كل شيء في هذا البلد ولا يمكن أن يسمحوا لا لأعضاء هذا المجلس ولا لغيرهم أن يحدثوا أي تغيير في سياسة إيران ومواقفها، لكن هذا لا يعني فقدان الأمل، فهناك من الإيرانيين من يعمل في الداخل وفي الخارج على إحداث تغيير يرغم أرباب النظام على تبديل سياستهم قبل أن يفوت الفوت فلا يسمع صوتهم أحد.

ربما كان من بين الذين فازوا بمقاعد البرلمان في إيران من يدرك كل هذه الأمور ويمتلك القدرة على إحداث تغيير ما في سياسة ومواقف النظام الإيراني وأربابه تنقذه من السقوط وترمم علاقته بجيرانه، فلا سبيل لتحقيق أية مكاسب للشعب الإيراني إن استمر النظام الإيراني في استراتيجيته وفي برامجه وأنشطته العدائية، واستمر في التدخل في شؤون جيرانه وتهديدهم بمناسبة ومن غير مناسبة.

عن " الوطن البحرينية"

للمشاركة:

القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

رضوان السيد

مرَّ مشروع «صفقة القرن» الذي طرحه الرئيس ترامب، من دون رفض قاطعٍ من الجهات الدولية والدول الكبرى، وباعتراضات من جانب الجهات العربية والإسلامية، إنّ أهمَّ أسباب الرفض من جانب السلطة الفلسطينية، أنّ المشروع مخالف للقرارات الدولية، والواقع أنّ المشروع ما بقي فيه من القرارات الدولية غير أمرين: القول بالدولة المستقلة للفلسطينيين، وعدم تعريض السكان الفلسطينيين للانتقال أو التهجير، وفيما عدا ذلك، مثل الحدود والقدس والأمن واللاجئين والمستوطنات، هناك تجاهُل للقرارات الدولية، فقد تقزمت القضية لتصبح تذاكياً في تقسيم الأرض والعقارات، وما عاد الأمر أمر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ونعود هنا إلى ردود الأفعال العربية والإسلامية، جماعاتٍ ودولاً وأفراداً، كانت هناك وجهة النظر التي تقول بقبول التفاوض، لأن انقطاع التفاوض لعشر سنوات رفضاً للمستوطنات، ما أفاد الفلسطينيين شيئاً، ويمكن لهم خلال التفاوض قبول هذا التفصيل أو ذاك أو رفضه، بل والشكوى للجنة الرباعية الدولية مثَلاً، إن لم يكن مسموحاً بالشكوى لغيرها، أما وجهة النظر الأخرى فترفض التفاوض كما رفضت المشروع، وترى أنّ قبوله قبول للمشروع وخضوعٌ لشروطه، وعادت السلطة الفلسطينية للدعوة لمؤتمر دولي، لكن لم تكن لذلك استجاباتٌ ملموسة، ولا نتائج لاجتماع مجلس الأمن.
وقد دفع ذلك كله عديدين للتفكير بأنه من الأجدى والأكثر إحراجاً لإسرائيل وللإدارة الأميركية، الإقدام على حلّ السلطة الفلسطينية، لتعود مناطق السلطة مناطق محتلة من جانب إسرائيل، وتخضع لإشراف المؤسسات الدولية، والتفكير على هذا النحو، على خطورته، له عدة أسبابٍ سبقت صفة ترامب، أولها الضيق المادي الذي نزل بالحكومة الفلسطينية، نتيجة إلغاء كل الدعم الأميركي، واحتجاز أموال السلطة من جانب إسرائيل، والسبب الثاني تراجع الدعم السياسي والمادي للسلطة الفلسطينية من جانب جهات عدة دولية وإقليمية، والسبب الثالث تفاقُمُ الانقسام بين السلطة و«حماس» في غزة، وإقبال إسرائيل على اللعب مع «حماس» بتوسط قطر وتركيا، والسبب الرابع عدم قدرة السلطة على تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية أو المادية تجاه الشعب الفلسطيني، وهذا الحل أو الخيار الثالث في زمن اللا حل، يرى فيه البعض شجاعةً تأبى استمرار الخضوع للأوهام، بعد أن انتهت أوسلو من زمان، وصارت السلطة بكل أجهزتها تعمل لتصبير الفلسطينيين على الاحتلال، بينما رأى بعض في هذا الخيار جبناً وتراجُعاً، لأنّ الفلسطينيين وبمساعدات دولية وعربية كثيفة، أقاموا هياكل جيدة وجهازاً للشرطة والأمن، وكل ذلك لدولة المستقبل.
ولنلتفت إلى النقاش العربي الداخلي، الذي دار على خلفيات سياسية أو أيديولوجية، وكان بالفعل وما يزال كلام سفاهة وابتزاز ومعذرة للنفس، من خلال إهانة الآخر أو اتهامه بما ليس فيه! أولى الجهات التي افتتحت هذه الجبهة المعتمة، هي دولٌ وتنظيماتٌ بحجة أنّ الدول العربية الأخرى تهاونت أمام أميركا وإسرائيل، والواقع أنّ أهل التعيير هؤلاء هم الأحسن علاقةً بإسرائيل وأميركا، أما «حماس» التي تفيد من ذلك، فانضمّت إلى موقف أبو مازن الرافض، لكنها مقيدة تجاه داعميها في السنوات الماضية، لذلك دخلت في حملات التعيير والابتزاز، وإنْ ليس بشكلٍ مباشر، بل من خلال محسوبين عليها من الكتّاب، أو من جماعات الإسلام السياسي.
وهكذا نشبت حروب وهمية، شاركت فيها عشرات المحسوبين على اليسار والقوميين و«الإخوان».. ومعظم ما كان له نشاط معروف تجاه القضية الفلسطينية، إنّ الشتائم المقذعة لا تحرّر فلسطين، وهو شأن جماعات الإسلام السياسي والمقاومات التي قتلت في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا عشرة أضعاف من قتلتهم إسرائيل على كل الجبهات وفي كل الأزمنة: والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية