التسامح والقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة

التسامح والقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة
1840
عدد القراءات

2019-08-06

جمال سند السويدي

ثمَّة ارتباط وثيق بين مفهومَي التسامح والقوة الناعمة بتعريفاتها المختلفة، فمصطلح القوة الناعمة الذي وضعه المفكر الأميركي جوزيف ناي، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، يشير إلى قدرة دولة ما على التأثير في سلوك الآخرين بأساليب تقوم على الجذب والإقناع، وليس عبر الإكراه، وذلك من خلال امتلاك الخصائص والقيم التي تجعل الآخرين ينظرون إلى هذه الدولة بصفتها نموذجاً يحتذون به، ويحاولون تقليده. وما من شك في أن قيمة التسامح هي من أعظم القيم التي تعلي مكانة الدول والمجتمعات في نفوس الآخرين، وتعزِّز قوتها الناعمة لديهم، فالدول أو المجتمعات التي يسودها التسامح والوئام والتعاون وقبول الآخر، وتلفظ كل أشكال العنف والتطرُّف والكراهية، هي مجتمعات أو دول ينظر إليها الآخرون بإعجاب وتقدير، ويرون فيها النموذج الجذاب الذي يمكن الاقتداء به واقتفاء أثره.
آليات القوة الناعمة
ومن المعروف لدى جمهور الباحثين أن القوة الناعمة لأي دولة تقوم في الأساس على آليات وأساليب معنوية، مثل ثقافة الدولة، بما تشمله من آداب وفنون وتراث وتقاليد ونظم تعليمية، ومنظومة القيم السائدة في هذه الدولة، كالتسامح والمحبة والتعاون والكرم وقبول الآخر والعدل والحكم الرشيد. لكن هذا المفهوم يتسع أيضاً ليشمل بعض الآليات المادية التي تخلق نوعاً من الجاذبية والإقناع لدى الآخرين، كالنموذج الاقتصادي والتنموي الناجح الذي تتبناه الدولة أو دورها في تقديم المساعدات التنموية إلى المحتاجين أو حتى بعض السياسات الخارجية التي تتبناها الدولة عندما يراها الآخرون مشروعة وأخلاقية، مثل الدفاع عن قضايا الحق والعدل، أو الدفاع عن حقوق الإنسان، أو غير ذلك. فمن خلال هذه الأساليب والآليات وغيرها تستطيع دولة ما أن ترسم صورة ذهنية إيجابية عن نفسها لدى أبناء شعوب الدول الأخرى ومجتمعاتها، وتجعلهم يحاولون الاقتداء بها، أو حتى تبنِّي قيمها وثقافتها ومبادئها وطريقتها في الكثير من أوجه الحياة.
«قوة النموذج الملهم»
ويمكن التعبير عن مفهوم القوة الناعمة ببساطة بأنها «قوة النموذج الملهم» الذي تقدمه الدولة، والذي يجذب الآخرين، ويؤثر فيهم، ويدفعهم إلى محاولة الاحتذاء به أو تقليده من دون أي وسائل إكراه. وتمثل دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من الدول القلائل التي تملك «قوة النموذج» في منطقتها، وحتى على المستوى العالمي، فهي تمثل نموذجاً تنموياً رائداً يشار إليه بالبنان، ليس بالنظر إلى حجم الإنجازات التي حققتها في مختلف المجالات من دون استثناء فقط، ولكن بالمعيار الزمني أيضاً، حيث استطاعت تحقيق هذه الطفرة التنموية في فترة قصيرة لا تُقَاس بعمر التجارب التنموية الأخرى، لتنتقل من دولة يعاني سكانها ندرة الموارد وشظف العيش إلى دولة تنافس على المركز الأول عالمياً في معظم المؤشرات التنموية. كما تقدم نموذجاً وحدوياً رائداً من خلال تجربتها الاتحادية الفريدة التي تُعَدُّ التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة، فضلاً عن كونها واحدة من أنجح التجارب الوحدوية وأقواها في المنطقة والعالم، لأنها قامت على الاختيار الطوعي والقناعة التامة من قبل الآباء المؤسسين، رحمهم الله، بحتميَّة خيار الوحدة لتحقيق نهضة الإمارات، والتغلُّب على التحديات التي تواجهها. وهي كذلك تقدِّم نموذجاً رائداً في الإدارة الحكومية الاستثنائية في فاعليتها، وفي طريقة إدارتها لشؤون الحكم، واعتمادها على التخطيط الاستراتيجي للمستقبل على أسس علمية، والابتكار في تقديم الخدمات بمعايير تنافس أعرق الدول المتطوِّرة عالمياً، والعمل الدؤوب على تحقيق سعادة المواطنين ورفاهيتهم. والأهم من ذلك كله امتلاك قيادتنا الرشيدة، حفظها الله، الرؤية والطموح والإصرار على وضع دولة الإمارات العربية المتحدة في المركز الأول بجميع المؤشرات التنموية عالمياً.
نموذج الإمارات
ويكفي هنا أن نشير إلى مثال واحد للقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة من خلال نموذجها القيادي، وهو تصريحات رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، عندما تحدث عن قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، ورؤيته لشعب بلاده وأجيالها المقبلة، حيث قال مخاطباً شعبه: «نحن بحاجة إلى تفكير ورؤية شبيهة بتلك التي يتبناها هؤلاء القادة الساعون إلى مستقبل الأجيال القادمة». كما يمكن أن نشير هنا إلى تمنيات كثير من المواطنين العرب التي يعبِّرون عنها في مقالات الرأي، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن يكون لديهم قادة مثل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، يعملون بدأب وبلا كلل من أجل خدمة شعبهم ووطنهم، وقبل ذلك القائد المؤسس المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، الذي كان ولا يزال يمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فأقوال زايد الخير وقيمه ومبادئه وأياديه البيضاء لا يزال صداها يتردَّد حتى يومنا هذا في مختلف أرجاء العالم العربي، وحتى على المستوى العالمي.
الإمارات مركزاً للثقافة العربية
وإذا كانت الثقافة تمثل أحد الأركان المهمَّة للقوة الناعمة، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم نموذجاً مهماً في الاهتمام بالبعد الثقافي والتحول لتكون مركزاً للثقافة العربية، وقبلة للمثقفين العرب والأجانب، من خلال معارض الكتب والفعاليات الفنية والثقافية والتراثية التي تنظمها باستمرار وتشكل جسوراً للتواصل الثقافي العالمي، والجوائز التي تقدمها لدعم الفنون والثقافة، مثل: جائزة البوكر للرواية العربية، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، إضافة إلى جهودها الرامية إلى نشر وترسيخ القيم الثقافية الإنسانية العالمية التي جسدها إنشاء متحف اللوفر أبوظبي، وغيرها الكثير من المظاهر والمؤشرات التي حولت الدولة إلى «منصة عالمية» للمبدعين والمثقفين من الشرق إلى الغرب، ومنحتها مساحة مهمَّة من النفوذ والتأثير في المجال الثقافي العربي وحتى العالمي.
إن «قوة النموذج» الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعكس قوتها الناعمة المتنامية في المنطقة والعالم، لا يقتصر على هذه النماذج التي أشرت إليها، فهناك مجالات أخرى كثيرة تشكل فيها الدولة نموذجاً وقدوة للآخرين، ولكن ما يهمني في هذا المقال هو النموذج الذي تقدمه الدولة في مجال التسامح والتعايش وقبول الآخر، والذي يمثل في تقديري العنصر الأهم من بين عناصر القوة الناعمة الإماراتية، وذلك بالنظر إلى مجموعة من الاعتبارات المهمة، أولها: أن النماذج الأخرى الرائدة التي تقدمها الدولة أسِّست على ثقافة التسامح المترسِّخة في المجتمع الإماراتي، فالنموذج الوحدوي الإماراتي أسِّس على قيم التسامح وقبول الآخر، والنموذج التنموي الإماراتي لم يكن له أن ينجح من دون سيادة هذه القيم التي وفرت أجواء التعاون والمحبة والاستقرار المجتمعي، وكذلك الحال في باقي المجالات التي شكلت فيها الدولة نموذجاً ملهماً. وثانيها أن ثقافة التسامح والوسطية والاعتدال، التي ميزت المجتمع الإماراتي كانت، ولا تزال، من أهم العوامل التي جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة قبلة للسائحين والزائرين والمقيمين من مختلف أرجاء المعمورة، فلم يكن من المتصوَّر أن تجذب الدولة هذه الملايين من الزائرين والسائحين من مختلف دول العالم سنوياً، إذا لم تكن ثقافة التسامح متجذِّرة فيها، كما أنه لم يكن من المتصوَّر أن تحافظ الدولة على حالة التعايش الفريدة بين أبناء أكثر من 200 جنسية يقيمون على أرضها في وئام وسلام في غياب ثقافة التسامح. والأهم من ذلك هو الصورة الذهنية الإيجابية التي يحملها أبناء هذه الجنسيات عن أجواء التسامح في المجتمع الإماراتي، والتي يعودون إلى أوطانهم وهم محمَّلون بها، ما يعزز جاذبية نموذج التسامح الإماراتي عالمياً.
والاعتبار الثالث أن ترسُّخ ثقافة التسامح في المجتمع الإماراتي جعل دولة الإمارات العربية المتحدة تبدو منارةً مضيئةً وسط ظلام دامس يخيِّم على منطقة الشرق الأوسط بسبب انتشار خطاب الكراهية وجماعات التطرف والإرهاب والعنف، وهو ما جعل شعوب المنطقة المختلفة تنظر إلى الإمارات بصفتها نموذجاً يتطلَّعون إلى الاقتداء به، أو يحاولون استنساخه للخروج من دائرة الكراهية والعنف التي تعصف بمجتمعاتهم. ويعزز من ذلك الخطابُ الرسميُّ الإماراتيُّ الذي يدعو ويعمل بقوة على نشر التسامح ومحاربة التطرف والإرهاب وخطابات العنف والكراهية على المستويَين الإقليمي والدولي، وليس على المستوى المحلي فقط، وهو الخطاب الذي يلقى ترحيباً إقليمياً ودولياً، ويضفي بعداً أخلاقياً مهماً على السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ويعزز من قوتها الناعمة.
«دولة تسامح»
وليس من باب المبالغة القول إن «نموذج التسامح الإماراتي» هو العنصر الأهم في تعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فالصورة الذهنية الإيجابية للدولة، بصفتها «دولة تسامح» تعمل على بناء جسور التعاون والتواصل بين الثقافات والأديان المختلفة، وتنبذ خطاب العنف والكراهية والتطرف، كانت من بين العوامل الرئيسية التي جعلت دول العالم المختلفة تشرع أبوابها أمام المواطنين الإماراتيين من دون خوف أو تردد مثلما يحدث مع دول أخرى كثيرة تعاني انتشار نزعات التطرف والكراهية في مجتمعاتها، حتى أصبح جواز السفر الإماراتي هو الأقوى في العالم، وحصَد المركز الأول عالمياً بجدارة واستحقاق، في ترجمة حقيقية وقاطعة لقوة الإمارات الناعمة المتنامية عالمياً.
إن «نموذج التسامح الإماراتي»، وغياب خطاب الكراهية والتحريض، الذي بدأ ينتشر حتى في الدول المتقدمة، أسهما بصورة كبيرة في أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة هي الدولة الأولى التي يحلم الشباب العربي بالسفر إليها والإقامة فيها، فوفقاً لنتائج استطلاع «أصداء بي سي دبليو» السنوي الحادي عشر لرأي الشباب العربي، الصادر هذا العام، حلَّت دولة الإمارات العربية المتحدة، للعام الثامن على التوالي، خياراً أولَ للدول التي يرغب الشباب العربي في الإقامة بها، متقدِّمةً على جميع الدول المتقدمة الأخرى، وأكد هذا الاستطلاع أن الشباب العربي ينظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها نموذجاً تحتذي به الدول الأخرى، والبلد المفضَّل للعيش فيه، في ترجمة أخرى مهمَّة لتنامي قوة الإمارات الناعمة إقليمياً وعالمياً، بفضل ما تتمتع به من رسوخ لقيم التسامح والعيش المشترك.
ولا شك أن هناك الكثير من الدول التي استطاعت، بنهجها المبني على التسامح وقبول الآخر ونبذ العنف، أن تمثل نماذج مضيئة للبشرية، وأن تعزز قوتها الناعمة لدى الدول والمجتمعات الأخرى، مثل نموذج جمهورية جنوب أفريقيا بقيادة الزعيم نيلسون مانديلا، ونموذج جمهورية الهند بقيادة المهاتما غاندي، وغيرهما من النماذج التي سنتناولها في مقال آخر لاحقاً، ولكن ما يميز «نموذج التسامح الإماراتي» أنه نموذج شامل يضرب بجذوره في عمق التاريخ الإماراتي، ويتغذَّى بالقيم الإماراتية الأصيلة التي تتوارثها الأجيال الإماراتية، ويتعزز ويترسخ أكثر فأكثر بسياسات حكيمة تضع القوانين التي تجرِّم أي مساس بثقافة التسامح، أو تحاول أن تنشر خطابات الكراهية والتطرف، وتنشئ أُطراً مؤسسية تحمي قيم التسامح وترسخها كثقافة مجتمعية لا ميل عنها، بالتوازي مع تحركات لا تهدأ للتصدِّي لجماعات التطرف والإرهاب، التي تمثل التهديد الأكبر لقيم التسامح والوسطية والاعتدال.
«وثيقة الأخوَّة الإنسانية»
فحينما تستضيف الدولة أكبر رمزين من الرموز الدينية في العالم، وهما قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وترعى إصدار «وثيقة الأخوَّة الإنسانية» التي ترسم خطوط التعايش السلمي، وتحث على نشر ثقافة التسامح والتعاون بين بني البشر، وتنشئ وزارة للتسامح لضمان استمرارية ترسيخ هذه القيم الإنسانية، ومراكز للتصدي لخطابات التطرف والكراهية، مثل مركزَي «صواب» و«هداية»، وغير ذلك الكثير من الجهود التي سبق أن ناقشناها في مقالات سابقة، فإنها بذلك تعزز من قوتها الناعمة وجاذبيتها للعالم كله بصفتها نموذجاً رائداً للتسامح والاعتدال يحاول الآخرون الاقتداء به.
إن مضيَّ دولة الإمارات العربية المتحدة قُدُماً في ترسيخ نموذجها الفريد في مجال التسامح، في وقت يشهد فيه العالم تنامياً ملحوظاً في نزعات الكراهية والعنصرية، حتى في بعض الدول المتقدمة، سيعزِّز بلا شك القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة على المستويَين الإقليمي والعالمي، وهو أمر يجب أن يستثمره بفاعلية «مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة»، الذي أسِّس عام 2017، في تحقيق أهدافه الرامية إلى تعزيز سمعة الدولة إقليمياً وعالمياً، وترسيخ احترامها ومحبتها بين شعوب العالم.

عن "الاتحاد الإماراتية"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



برلمان المواجهة مع روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

حسن فحص

اما وقد وضعت معركة الانتخابات البرلمانية في ايران أوزارها، ولم تفرز جديدا في ما يتعلق بالنتائج المتوقعة التي هندسها مجلس صيانة الدستور بآليات ديمقراطية ودستورية، ورسم الصورة التي ستكون عليها موازين القوى المسيطرة على المقاعد النيابية، فمن غير المجدي التوقف الآن عند توزيع المقاعد وحجم تمثيل القوى السياسية الاصلاحية والمحافظة ومدى تأثيرها على مواقف وسياسات البرلمان المقبل. باستثناء ما يمكن رصده من صراعات داخل البيت الواحد، أي التيار المحافظ والصراعات الداخلية بين اجنحته على نصاب اي منهما يكون صاحب المواقف الاكثر تشددا، من دون أن يكون له القدرة على التأثير في المسارات الاساسية والاستراتيجية للنظام والسلطة والاهداف التي يسعى لتحقيقها او تطبيقها.

وبناء على المؤشر الذي تقدمه نتائج انتخابات العاصمة طهران، والتي تؤكد اكتساح القائمة الائتلافية لأجنحة التيار المحافظ للمقاعد الثلاثين، فالتقديرات الاولية تشير الى سيطرة واضحة واكثر من مريحة للتيار المحافظ بواقع يتعدى 230 مقعدا وقد تتعدى عدد 240 مقعدا من اصل 290 المجموع العام للمقاعد، ما يعني ان التيار المحافظ بات يمتلك اكثر من الثلثين، وبالتالي لن يكون امام السلطة اي مسببات قلق او مخاوف في تمرير اي قانون او موقف تريده يتعلق بالسياسات العامة للدولة والسلطة التنفيذية.

النصر الذي حققه التيار المحافظ في السيطرة على البرلمان باكثرية اكبر من مطمئنة، لا يمكن اعتبارها حصرا بقدرته على حشد الشارع الايراني واقناعه بصوابية مواقفه وسياساته واستراتيجياته، بل ان العامل الاول في هذا الانتصار يعود الى حالة العزوف الواسعة والكبيرة التي سادت المعسكر الشعبي المعارض او المؤيد للتيار الاصلاحي والمستقلين والمعتدلين وحتى تلك الشرائح التي تقف في المنطقة الرمادية بين هذه القوى الا انها ترجح خيار التصويت لصالح المعارضة اذا ما وضعت امام خيار امكانية التغيير، فضلا عن ان القوى الاصلاحية والتغييرية بجميع اطيافها، وجدت ان العمق الاجتماعي لها غير مقتنع بامكانية احداث هذا التغيير وصعوبة تكرار التجربة التي خاضتها قبل اربع سنوات في الانتخابات السابقة، خصوصا بعد ان شاهدت صعوبة اقناع هذه الشرائح بقدرة الاشخاص الذين نجوا من مقصلة مجلس صيانة الدستور على لعب دور مؤثر في الحياة البرلمانية والسياسية.

بناء على هذه الحقائق، فان ما يمكن ان تشهده المرحلة المقبلة من تطورات سياسية في ظل هذا المجلس المرتقب، سيكون محورها التعامل وطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اي بين البرلمان المحافظ برئاسة الجنرال محمد باقر قاليباف على الارجح من جهة، والحكومة برئاسة حسن روحاني من جهة اخرى، والامور ستتجه الى مزيد من التصعيد والسلبية على العكس من التعايش النسبي الذي كان سائدا مع البرلمان المنتهية صلاحيته وامتلاك القوى الاصلاحية بمختلف اطيافها كتلة برلمانية مريحة ساهمت في تخفيف الضغط والعبء على الحكومة في السنوات الثلاث الماضية.

المجلس الجديد بتركيبته المحافظة لن يتأخر في اشهار سيف المواجهة مع الحكومة وروحاني، مستفيدا من الدور الرقابي الذي يقع في صلب مهمات العملية التشريعية والبرلمانية، ما يعني ان روحاني سيواجه مرحلة صعبة في عمله التنفيذي والحكومي، ان كان في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، الاقتصادية والمالية والادارية، وان كان في السياسات الخارجية خصوصا ما يتعلق بالتعامل مع المجتمع الدولي وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار الاقليمي الذي يستهدف النفوذ الايراني في المنطقة.

المحافظون الذين رفعوا شعار الهجوم ومعارضة كل السياسات الداخلية والخارجية لروحاني وحكومته، ستكون الفرصة سانحة امامهم لممارسة المزيد من هذه السياسات من دون معارضة جدية، وهذه المواجهة لن تبقى من خارج مؤسسات النظام وتعتمد على المنابر الاعلامية وغير الرسمية، بل ستنتقل وبشكل فاعل الى داخل المؤسسات الرسمية من بوابة البرلمان، وبالتالي لم يعد الاعلام والخطابات والمواقف المتفرقة ساحة الانتقادات للسياسات الاقتصادية وتحميل الحكومة مسؤولية الازمات والاخفاقات التي عانت منها ايران في المرحلة السابقة، ما يعني امكانية ان يعمد هذا المجلس للعودة الى تفعيل الهجوم على الحكومة وآلية استجواب الوزراء وطرح الثقة بهم، خصوصا الوزراء الذين يمثلون القوى الاصلاحية بوضوح والذين حققوا انجازات حقيقية خلال توليهم مواقعهم التنفيذية، وذلك في اطار ما يمكن اعتباره سياسة استباقية يعتمدها المحافظون باستبعاد اي مصدر قد يشكل تهديدا لمسار وجهود تقديم انفسهم المنقذ والقادر على تقديم الحلول في حال توليه السلطة والادارة.

البرلمان الجديد وهويته المحافظة الطاغية ستسمح للتيار الذي يمثله بان يتملص من كل الاتهامات الشعبية والرسمية التي تعتبره العائق والمعرقل الاساس امام السلطة التنفيذية في تطبيق سياساتها الاقتصادية والمالية والخارجية، وبالتالي فان هذا البرلمان سيكون امام مهمة إلقاء المسؤولية على روحاني وفريقه في كل الاخفاقات والتردي الاقتصادي والتضخم والبطالة والفساد، والتأكيد على أنه يشكل "باب النجاة" للشعب الايراني، خصوصا وان هذه الحكومة لن يكون لها خطوط دفاع عن سياساتها داخل البرلمان الذي يمثل "ارادة الشعب والطبقات الفقيرة"، وان رئيس البرلمان الجديد لن يدخل في دائرة دعم سياسات الحكومة كما كان الامر في عهد الرئيس السابق علي لاريجاني.

من المفترض ان يؤسس هذا البرلمان ان كان في اليات العمل التشريعي او في التعامل مع السلطة التنفيذية، لتعزيز الجهود التي تبذلها السلطة والنظام من اجل العودة الى السيطرة على كل مراكز القرار الدستورية، وان يشكل عمل البرلمان الجديد المنصة التي تسمح لهذا التيار في تمهيد الطريق للمنافسة على رئاسة الجمهورية بعد نحو سنة ونصف السنة وايصال مرشح هذا التيار الى هذا الموقع، وبالتالي استكمال عقد السلطات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية في يده، من اجل خلق حالة من الانسجام وعدم احداث اي قلق لدوائره اتخاذ القرارات الاستراتيجية والمصيرية المتعلق بمستقبل النظام وسلطته.

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا لا يمكن الوثوق بالحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خيرالله خيرالله

يخطئ من يعتقد أن الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تغيّروا. يخطئ أكثر من يتخيّل أن في استطاعتهم أن يتغيّروا أو أنّه يمكن أن يتغيّروا في غياب تبدّل حقيقي وجذري في موازين القوى العسكرية على الأرض. تؤكد ذلك المحاولات الأخيرة التي قاموا بها من أجل إطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه الأراضي السعودية، مستهدفين مواقع مدنية على وجه الخصوص. كشفت هذه الصواريخ مدى عدوانية الحوثيين من جهة، وصدق الذين أكّدوا منذ البداية أنّ ليس في الإمكان الوثوق بهم من جهة أخرى.

المسألة، في نهاية المطاف، في غاية البساطة. المسألة أن القرار الحوثي قرار إيراني ولا شيء آخر غير ذلك، تماما مثل قرار “حزب الله” في لبنان. توجّب على الحزب في مرحلة معيّنة المشاركة المباشرة في الحرب المستمرّة على الشعب السوري منذ العام 2011. لبّى الطلب الإيراني من دون تردّد. ليس “حزب الله” سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، عناصره لبنانية. وليس “أنصار الله”، الذين يمتلكون علاقة قويّة إلى أبعد حدود بـ”حزب الله”، سوى لواء آخر في “الحرس الثوري”، عناصره يمنية.

هذه حال “أنصار الله” الذين تظاهروا في مرحلة معيّنة بأنّهم مستاؤون من القرار الإيراني بضرب منشآت “أرامكو” السعودية في أيلول – سبتمبر الماضي عن طريق صواريخ انطلقت من الأراضي الإيرانية. لم يكن الاستياء، الظاهري، من ضرب إيران لمنشآت سعودية، بل من إلباس طهران الحوثيين عملية إطلاق الصواريخ وجعلهم يتبنونها.

تبيّن مع مرور الوقت أن لا استياء من أيّ نوع. هناك فقط سيناريو متفق عليه بين الحوثيين والإيرانيين من أجل تمكين “أنصار الله” من التفاوض مع السعودية بهدف الحصول على مساعدات، هم في حاجة شديدة إليها، في ظلّ تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية.

ليس صدفة أنّ تأتي المحاولات الحوثية الأخيرة لإطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه المملكة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للرياض.

في تلك الزيارة التي قابل فيها بومبيو الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما أجرى محادثات مع وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حصلت نقلة نوعية على صعيد التقارب السعودي – الأميركي في اتجاه موقف مشترك أكثر عمقا وثباتا في مواجهة الخطر الإيراني بكلّ أبعاده.

كشفت الزيارة مدى استيعاب الإدارة الأميركية الحالية لخطورة المشروع التوسّعي الإيراني من جهة، ومدى استعدادها للتصدّي له. جاءت تصفية قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني لتظهر أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب تعرف تماما أنّ لدى الولايات المتّحدة حسابات قديمة في حاجة إلى تصفية مع “الجمهورية الإسلامية”. حسابات تعود إلى العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانية 52 دبلوماسيا أميركيا، كانوا يعملون في سفارة طهران، لمدّة 444 يوما. هناك تذكير أميركي دائم باحتجاز الدبلوماسيين هذه الأيام. هذا ما فعله ترامب لدى تهديده بالرد على أيّ عدوان إيراني يستهدف الأميركيين عن طريق ضرب 52 هدفا في الداخل الإيراني. يرمز كلّ هدف من هذه الأهداف إلى أحد الدبلوماسيين الأميركيين الذين احتجزتهم إيران…

جاء إطلاق الصواريخ من صنعاء بمثابة ردّ إيراني على زيارة بومبيو، والنتائج التي يبدو أنّها أسفرت عنها. أرادت إيران توجيه رسالة فحواها أنّ لديها قاعدة في اليمن، وأنّ الحوثيين ليسوا سوى أداة من أدواتها.

تكفي مراجعة سريعة لكلّ الاتفاقات التي توصّل إليها الحوثيون مع خصومهم في السنوات الست الأخيرة، أي منذ وضع يدهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، كي لا تعود هناك أي أوهام في شأن كيفية التعاطي معهم واللغة التي يفهمونها.

تخلّل المرحلة التي سبقت السيطرة الحوثية على صنعاء تمدّد حوثي في اتجاه محافظة عمران انطلاقا من صعدة. في سياق هذا التمدّد، استطاع “أنصار الله” تصفية وجود آل الأحمر، أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (توفي في العام 2007)، زعماء قبيلة حاشد. كان ذلك تطهيرا لعمران من نفوذ حزب التجمّع اليمني للإصلاح الذي تحوّل بعد وفاة الشيخ عبدالله حزبا يسيطر عليه الإخوان المسلمون كلّيا.

طمأنت خطوات الحوثيين الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الذي لم يتردّد في التوصّل إلى تفاهمات مع “أنصار الله” في وقت كانوا في طريقهم إلى صنعاء. أخذوا بدربهم مواقع مهمّة كان يسيطر عليها اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي، المحسوب بدوره على الإخوان المسلمين وعلى اللواء علي محسن صالح الأحمر نائب رئيس الجمهورية حاليا، وهو من أقرباء علي عبدالله صالح وأحد الذين انقلبوا عليه في العام 2011.

فتح التخلّص من اللواء 310 أبواب صنعاء أمام الحوثيين الذين نسوا، فجأة، كل التفاهمات مع عبدربّه منصور هادي الذي أراد ممارسة لعبة التوازنات مع الإخوان المسلمين. ما إنْ وقّع الحوثيون في صنعاء “اتفاق السلم والشراكة” برعاية الأمم المتحدة ممثلة بجمال بنعمر، حتّى انقلبوا على الرئيس الانتقالي وأجبروه على الاستقالة بعد وضعه في الإقامة الجبرية. ما لبث عبدربّه أن استطاع الفرار من صنعاء إلى عدن في شباط – فبراير 2015.

يمكن الحديث طويلا عن الأخذ والردّ بين الحوثيين في مرحلة ما بعد “اتفاق السلم والشراكة” الذي لم تكن له علاقة لا بالسلم ولا بالشراكة من جهة، وعلي عبدالله صالح الذي ائتمنهم من دون أن يأتمنهم من جهة أخرى. لكن الثابت في كلّ مرحلة من المراحل التي تلت يوم 21 أيلول – سبتمبر 2014 أنّ الحوثيين طرف يمتلك حساباته الإيرانية. كلّ ما عدا ذلك مضيعة للوقت لا أكثر وتفاصيل يمكن التوقف عندها للتأكد فقط من أمر واحد. هذا الأمر هو أن لا فائدة من أي حوار مع الحوثيين على الرغم من أنّه لا يمكن تجاهل أنّهم جزء من المعادلة اليمنية، وأن لا مجال لتجاهلهم متى باتت الأجواء جاهزة لتسوية ما على صعيد البلد ككلّ.

لم يوقّع الحوثيون يوما اتفاقا والتزموا به. كان اتفاق ستوكهولم في أواخر السنة 2018 من أجل كسب الوقت ليس إلا. نجحوا وقتذاك، مستخدمين مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في وقف المحاولة الجدية الوحيدة من أجل إبعادهم عن ميناء الحديدة الاستراتيجي.

لا جديد على الأرض في اليمن حاليا. المأساة اليمنية مستمرّة. ضحيتها كلّ يمني، بما في ذلك أهل صنعاء الذين عليهم العيش في ظلّ نظام متخلّف لا يمتلك أي مشروع حضاري من أيّ نوع.

كلّ الأبواب تبدو مغلقة أمام أيّ تغيير حقيقي في صنعاء… ما دامت إيران موجودة فيها أكثر من أيّ وقت.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فصول أردوغانية مآلها الاندثار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خالد رستم

التصريحات المتلونة التي أطلقها أردوغان حيال موسكو بشأن إدلب تثير كثيراً من التساؤلات حول الأهمية الاستراتيجية لهذه المدينة بالنسبة لتركيا وما يحشد لها من عمليات التدعيم العسكري لجبهة النصرة والفصائل المسلحة.

وثمة تساؤلات أيضاً مبعثها الدور المريب الذي يتلاعب به رئيس النظام التركي بمخاطرته إذا أصر على الدخول في مواجهة مباشرة ضد الحليف الروسي بغية الحفاظ على مرتزقته ونقاط المراقبة التابعة لأنقرة وأن لا تراجع أو انسحاب عن مواقع انتشار قواته، حينها قد تغدو المدينة مسرحاً لعمليات عسكرية بين حليف الأمس وعدو اليوم وملامح التفكك بمؤشراتها واضحة للعيان بتقويض أنقرة كل بنود الاتفاقيات المتعلقة بالسيادة السورية على أراضيها.

أردوغان يتشبث بنقاط المراقبة في إدلب ويعلم تماماً أن الطريق إليها مع مرتزقته لن يكون سهلاً بدليل اندحار التنظيمات المسلحة المتمردة التي جمعتها تركيا بتشكيلة واحدة تحت راية الجبهة الوطنية للتحرير وضمت في صفوفها فصائل مسلحة عديدة أبرزها "أحرار الشام" و"نورالدين الزنكي" و"فيلق دمشق" و"حماية الدين" و"فصائل جيش الأحرار"، فضلاً عن الخلايا المسلحة النائمة والمدعومة من أنقرة والقريبة من مناطق الحدود الشمالية، وهذه الفصائل على تنسيق دائم مع جبهة النصرة الذراع السابقة لتنظيم القاعدة في سوريا.

وبعد هزائم متلاحقة للتنظيمات المسلحة المدعومة أردوغانياً في الميدان، كانت دعوة وزير الحرب التركي خلوصي أكار وبشكل رسمي وعلى هامش اجتماعات الناتو في بروكسل كلاً من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو إلى تعزيز دعمها لتركيا في ظل تصعيد التوتر في إدلب.

مطالب خلوصي كانت من نظيره الأمريكي مارك إسبر للمساعدة الملموسة لوقف التحولات التي طرأت لصالح الجيش السوري في الشمال السوري وسيطرتها على عشرات المدن والبلدات التي كانت فصائل جبهة النصرة مهيمنة عليها.

وتنطوي دعوة خلوصي على نزعة عدوانية، إلا أن دول الناتو لن تقدم دعماً استناداً لتفعيل البند الخامس بسبب مقتل عسكريين أتراك في إدلب الشهر الماضي، والناتو لا ينظر إطلاقاً لتقديم مساعدة عسكرية لأنقرة في حال قيامها بعملية عسكرية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن في مؤتمر صحفي، أنه لم تتمخض مباحثات موسكو عن أي نتيجة مُرضية، واعتبر أن موقف الناتو والحلفاء من الأوضاع في إدلب لا يكفي وهم يكتفون بالثناء على الموقف التركي وتشجيعه، وإذا استمر الأمر فإن إدلب ستذهب غداً.

وبالمقابل، فإن إنذار الكرملين يأتي رداً على كلمة أردوغان أمام البرلمان وفي أعقاب انفضاض المباحثات بين الجانبين في موسكو دون التوصل إلى جوانب مقنعة بينهما، وإن تحذيراته النهائية للحكومة السورية حول تشدقه بعملية عسكرية مرتقبة مسألة وقت وتفضي بشكل أو بآخر إلى انهيار مجموعاته المسلحة وستكون إدلب وبالاً عليه وطامة كبرى ضد سياسته الحمقاء.

وبالمحصلة، فإن المباحثات التركية مع موسكو لم تستجب لطموحات أردوغان في الشمال السوري ولم تحقق النتائج المرجوة لصالحه، فالخريطة الجديدة التي قدمها الجانب الروسي لتوزع مناطق السيطرة تظهر فيها المناطق الحدودية تحت سيطرة فصائل المعارضة.

وفي مجلس الأمن، رفضت موسكو إعلاناً يطالب بوقف إطلاق النار شمال سوريا، مؤكدة دعمها لدمشق في حربها ضد الفصائل المسلحة المدعومة تركياً، ويتمسك الروس بدعم الدولة السورية عسكرياً إلى أن تتحقق السيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية.

فهل يدرك أردوغان مغبة ما يذهب إليه في معترك الاندحارات التي تشهدها فصائله المتطرفة؟ وهل يعي ما يطرحه من مواقف عنصرية ستلقي باندفاعاته في جحيم لا ينطفئ والويل والثبور لأهوائه؟

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:



الكويت والبحرين تسجّلان إصابات بالكورونا.. كيف وصل إليهما؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أعلنت الكويت والبحرين، اليوم، تسجيل أول الإصابات بفيروس كورونا المستجد، لعدد من الأشخاص العائدين من إيران.

وقالت وزارة الصحة الكويتية في بيان: "الفحوصات الأولية التي أجریت لقادمین من مدينة مشھد الإيرانية أسفرت عن اكتشاف 3 حالات تحمل نتائج مؤكدة".

 

 

الحالة الأولى ھي لمواطن كویتي یبلغ من العمر 53 عاماً، والثانیة لسعودي (61 عاماً)، والثالثة لشخص لم تحدّد جنسیته (21 عاماً)، وقالت وزارة الصحة السعودية في بيان؛ إنّ "مواطنها سيبقى في الكويت لحين شفائه"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

3 مصابين بالكورونا في الكويت وفي البحرين إصابة واحد وجميعهم عائدون من إيران

بدورها، أعلنت وزارة الصحة البحرينية تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بالفيروس، لمواطن بحريني قادم من إيران "حيث تمّ الاشتباه بإصابته وظهور أعراض الفيروس عليه، فتمّ نقله فوراً للعلاج والعزل في مركز صحي."

كما قامت السلطات باتخاذ التدابير "الضرورية لمن خالطهم المريض"، حيث استدعي هؤلاء، وعددهم غير معروف، لتطبيق "إجراءات العزل المعتمدة عليهم".

ويسافر آلاف الكويتيين والبحرينيين الشيعة إلى إيران لزيارة أماكن مقدسة، خصوصاً في قم ومشهد.

مؤسسة الموانئ الكويتية تحظر دخول السفن الإيرانية وتوقف رحلات الطيران

وفي قطر؛ ذكرت قناة "الجزيرة" أنّ الخطوط الجوية للإمارة "ستخضع الركاب القادمين من إيران وكوريا الجنوبية للحجر الصحي مدة 14 يوماً".

وارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" في إيران إلى 12، وهي أعلى حصيلة خارج الصين، ما دفع الدول المجاورة الى إغلاق حدودها مع الجمهورية الإسلامية لاحتواء الوباء.

وأعلنت مؤسسة الموانئ الكويتية حظر دخول جميع السفن من الجمهورية الإسلامية، كما أوقفت السلطات رحلات الطيران، باستثناء رحلات خاصة بنقل المواطنين المتواجدين في إيران.

وأغلق العراق، الذي يدخله ملايين الإيرانيين سنوياً لزيارة العتبات الشيعية المقدّسة في كربلاء والنجف، منفذ سفوان الحدودي مع الكويت، بطلب من الأخيرة، وفق وسائل إعلام عراقية محلية.

وكان العراق قد أعلن، الأسبوع الماضي، منع دخول الوافدين الإيرانيين إلى أراضيه باستثناء الدبلوماسيين.

العراق يعلن منع دخول الوافدين الإيرانيين إلى أراضيه، باستثناء الدبلوماسيين

وإلى جانب الكويت والبحرين؛ سجّلت الإمارات ظهور 13 إصابة، تمّ شفاء 3 منها، بينما تعود حالتين منها لزائر إيراني يبلغ من العمر 70 عاماً، حالته الصحية غير مستقرة، وزوجته البالغة من العمر 64 عاماً.

وظهر الوباء للمرة الأولى في سوق لبيع الحيوانات البرية في مدينة ووهان الصينية، في أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وانتشر في سائر أنحاء الصين بداية، ثمّ توسع انتشاره ليشمل أكثر من 25 دولة ومنطقة حول العالم.

وازدادت حصيلة الوفيات في الصين القارية، اليوم، حيث بلغت 2592 حالة، بعد أن سجّلت الساعات الأربع والعشرين الأخيرة 150 وفاة بالفيروس، جميعها، باستثناء حالة وفاة واحدة، في مقاطعة هوباي، وسط البلاد، وهي بؤرة الوباء.

 

للمشاركة:

تنظيم القاعدة يكشف خليفة الريمي..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أكّد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أمس، مقتل زعيمه، قاسم الريمي، بعد أسبوعين من إعلان الولايات المتحدة مقتله في غارة بطائرة مسيرة أمريكية في اليمن.

ونقل مركز "سايت"، الذي يرصد وسائل الإعلام الجهادية؛ أنّ المسؤول الشرعي في التنظيم، حمد بن حمود التميمي، أكّد في تسجيل بُثّ أمس مقتل قاسم الريمي، معلناً أنّ "خالد بن عمر باطرفي هو الزعيم الجديد للتنظيم في جزيرة العرب"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وأوضح "سايت"؛ أنّ "خالد باطرفي ظهر في عدد من فيديوهات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في الأعوام الأخيرة، ورغم عدم الكشف عن دوره، فقد بدا مساعداً للريمي ومتحدثاً باسم التنظيم".

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد أعلن، في 6 شباط (فبراير)؛ أنّ الولايات المتحدة "نجحت في القضاء على قاسم الريمي، أحد مؤسّسي وزعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب".

تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يعلن مقتل زعيمه، قاسم الريمي، ويكشف أنّ "خالد باطرفي" هو الزعيم الجديد للتنظيم

وقال ترامب: "في ظلّ قيادة ريمي ارتكبت القاعدة في جزيرة العرب أعمال عنف غير معقولة ضدّ المدنيين في اليمن، وسعت إلى شنّ وإلهام العديد من الهجمات ضدّ الولايات المتحدة وقواتنا".

هذا وكان التنظيم قد أعلن مسؤوليته عن إطلاق نار، في كانون الأول (ديسمبر)، في قاعدة بحرية أمريكية في فلوريدا أدّى إلى مقتل ثلاثة بحارة بيَد ضابط سعودي.

وتعدّ الولايات المتحدة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يتّخذ من اليمن مقراً له، أخطر فروع القاعدة، لذلك عززت ضرباتها ضدّ التنظيم بعد تولي ترامب الرئاسة الأمريكية، عام 2017.

بدوره عزز التنظيم، بقيادة الريمي، نفوذه في جنوب وجنوب شرق اليمن، مستغلاً الفوضى الناجمة عن الحرب بين الحكومة اليمنية والمتمرّدين الحوثيين.

وتبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عدة هجمات، أبرزها اعتداء استهدف صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة في باريس، عام 2015، أسفر عن مقتل 12 شخصاً.

والريمي أول قائد عسكري للتنظيم، وقد عيّن زعيماً بعد مقتل سلفه ناصر الوحيشي في اليمن، في ضربة أمريكية بواسطة طائرة من دون طيار، عام 2015.

 

 

 

 

 

للمشاركة:

المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أعلن وزير الداخلية الإيراني، عبد الرضا رحماني فضلي، أمس؛ أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية، التي جرت يوم الجمعة الماضي، بلغت 42.6%.

 

 

وهي بذلك أضعف نسبة إقبال في الانتخابات منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 197، وفق "فرانس برس."

الانتخابات التشريعية الإيرانية، التي جرت الجمعة، سجلت أضعف نسبة إقبال في تاريخ الجمهورية الإسلامية

وقال رحماني فضلي، في مؤتمر صحفي: "أجرينا هذه الانتخابات في ظروف شهدت فيها البلاد العديد من الحوادث، من بينها: سوء الأحوال الجوية، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، وأضاف: "بالنظر لهذه الظروف نسبة المشاركة بالنسبة إلينا مقبولة".

وكان ضعف المشاركة متوقعاً؛ إذ إنّ لجنة تنظيم الانتخابات التي يسيطر عليها المحافظون أقصت نصف المرشحين، البالغ عددهم 16 ألفاً، وأغلبهم معتدلون وإصلاحيون.

ويتقدم المحافظون على الإصلاحيين، بحسب النتائج الأولية غير الرسمية، التي أعلن عنها، أمس.

وتعدّ نتائج الانتخابات البرلمانية، إذا تأكدت رسمياً، ضربة موجعة للرئيس، حسن روحاني، الذي لم يبقَ من فترة رئاسته الثانية والأخيرة سوى 18 شهراً، إذ يواجه مجلساً يسيطر عليه المحافظون، وهو الأمر المرجَّح، ما يعني أنّه سيواجه المزيد من الضغوط والانتقادات.

وبحسب وكالة "فارس" للأنباء؛ فإنّ "المحافظين فازوا بعدد 191 مقعداً، من أصل 290 مقعداً في البرلمان، بينما لم يحصل الإصلاحيون إلا على 16 مقعداً، وفاز المستقلون بـ 43 مقعداً".

فاز المحافظون بـ 191 مقعداً في البرلمان، والإصلاحيون حصلوا على 16 مقعداً، وفاز المستقلون بـ 43 مقعداً

ونوّه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، بمشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات التشريعية "وإفشاله مخططات الأعداء وحملاتهم الإعلامية للحيلولة دون مشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات"، على حدّ قوله.

وقال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر، أمس: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخّها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر، وكثّفته مع اقتراب موعد الانتخابات، ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة، وجعلوا مرض وفيروس كورونا حجة من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

وجرت الانتخابات في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة، بسبب العقوبات الأمريكية على إيران، وبعد أشهر قليلة من اندلاع احتجاجات كبيرة ضدّ رفع أسعار الوقود والتوتر المتزايد مع الولايات المتحدة، بسبب قتل الأخيرة لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في العراق أوائل العام الجاري.

 

 

للمشاركة:



لماذا لا يمكن الوثوق بالحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خيرالله خيرالله

يخطئ من يعتقد أن الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تغيّروا. يخطئ أكثر من يتخيّل أن في استطاعتهم أن يتغيّروا أو أنّه يمكن أن يتغيّروا في غياب تبدّل حقيقي وجذري في موازين القوى العسكرية على الأرض. تؤكد ذلك المحاولات الأخيرة التي قاموا بها من أجل إطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه الأراضي السعودية، مستهدفين مواقع مدنية على وجه الخصوص. كشفت هذه الصواريخ مدى عدوانية الحوثيين من جهة، وصدق الذين أكّدوا منذ البداية أنّ ليس في الإمكان الوثوق بهم من جهة أخرى.

المسألة، في نهاية المطاف، في غاية البساطة. المسألة أن القرار الحوثي قرار إيراني ولا شيء آخر غير ذلك، تماما مثل قرار “حزب الله” في لبنان. توجّب على الحزب في مرحلة معيّنة المشاركة المباشرة في الحرب المستمرّة على الشعب السوري منذ العام 2011. لبّى الطلب الإيراني من دون تردّد. ليس “حزب الله” سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، عناصره لبنانية. وليس “أنصار الله”، الذين يمتلكون علاقة قويّة إلى أبعد حدود بـ”حزب الله”، سوى لواء آخر في “الحرس الثوري”، عناصره يمنية.

هذه حال “أنصار الله” الذين تظاهروا في مرحلة معيّنة بأنّهم مستاؤون من القرار الإيراني بضرب منشآت “أرامكو” السعودية في أيلول – سبتمبر الماضي عن طريق صواريخ انطلقت من الأراضي الإيرانية. لم يكن الاستياء، الظاهري، من ضرب إيران لمنشآت سعودية، بل من إلباس طهران الحوثيين عملية إطلاق الصواريخ وجعلهم يتبنونها.

تبيّن مع مرور الوقت أن لا استياء من أيّ نوع. هناك فقط سيناريو متفق عليه بين الحوثيين والإيرانيين من أجل تمكين “أنصار الله” من التفاوض مع السعودية بهدف الحصول على مساعدات، هم في حاجة شديدة إليها، في ظلّ تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية.

ليس صدفة أنّ تأتي المحاولات الحوثية الأخيرة لإطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه المملكة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للرياض.

في تلك الزيارة التي قابل فيها بومبيو الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما أجرى محادثات مع وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حصلت نقلة نوعية على صعيد التقارب السعودي – الأميركي في اتجاه موقف مشترك أكثر عمقا وثباتا في مواجهة الخطر الإيراني بكلّ أبعاده.

كشفت الزيارة مدى استيعاب الإدارة الأميركية الحالية لخطورة المشروع التوسّعي الإيراني من جهة، ومدى استعدادها للتصدّي له. جاءت تصفية قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني لتظهر أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب تعرف تماما أنّ لدى الولايات المتّحدة حسابات قديمة في حاجة إلى تصفية مع “الجمهورية الإسلامية”. حسابات تعود إلى العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانية 52 دبلوماسيا أميركيا، كانوا يعملون في سفارة طهران، لمدّة 444 يوما. هناك تذكير أميركي دائم باحتجاز الدبلوماسيين هذه الأيام. هذا ما فعله ترامب لدى تهديده بالرد على أيّ عدوان إيراني يستهدف الأميركيين عن طريق ضرب 52 هدفا في الداخل الإيراني. يرمز كلّ هدف من هذه الأهداف إلى أحد الدبلوماسيين الأميركيين الذين احتجزتهم إيران…

جاء إطلاق الصواريخ من صنعاء بمثابة ردّ إيراني على زيارة بومبيو، والنتائج التي يبدو أنّها أسفرت عنها. أرادت إيران توجيه رسالة فحواها أنّ لديها قاعدة في اليمن، وأنّ الحوثيين ليسوا سوى أداة من أدواتها.

تكفي مراجعة سريعة لكلّ الاتفاقات التي توصّل إليها الحوثيون مع خصومهم في السنوات الست الأخيرة، أي منذ وضع يدهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، كي لا تعود هناك أي أوهام في شأن كيفية التعاطي معهم واللغة التي يفهمونها.

تخلّل المرحلة التي سبقت السيطرة الحوثية على صنعاء تمدّد حوثي في اتجاه محافظة عمران انطلاقا من صعدة. في سياق هذا التمدّد، استطاع “أنصار الله” تصفية وجود آل الأحمر، أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (توفي في العام 2007)، زعماء قبيلة حاشد. كان ذلك تطهيرا لعمران من نفوذ حزب التجمّع اليمني للإصلاح الذي تحوّل بعد وفاة الشيخ عبدالله حزبا يسيطر عليه الإخوان المسلمون كلّيا.

طمأنت خطوات الحوثيين الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الذي لم يتردّد في التوصّل إلى تفاهمات مع “أنصار الله” في وقت كانوا في طريقهم إلى صنعاء. أخذوا بدربهم مواقع مهمّة كان يسيطر عليها اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي، المحسوب بدوره على الإخوان المسلمين وعلى اللواء علي محسن صالح الأحمر نائب رئيس الجمهورية حاليا، وهو من أقرباء علي عبدالله صالح وأحد الذين انقلبوا عليه في العام 2011.

فتح التخلّص من اللواء 310 أبواب صنعاء أمام الحوثيين الذين نسوا، فجأة، كل التفاهمات مع عبدربّه منصور هادي الذي أراد ممارسة لعبة التوازنات مع الإخوان المسلمين. ما إنْ وقّع الحوثيون في صنعاء “اتفاق السلم والشراكة” برعاية الأمم المتحدة ممثلة بجمال بنعمر، حتّى انقلبوا على الرئيس الانتقالي وأجبروه على الاستقالة بعد وضعه في الإقامة الجبرية. ما لبث عبدربّه أن استطاع الفرار من صنعاء إلى عدن في شباط – فبراير 2015.

يمكن الحديث طويلا عن الأخذ والردّ بين الحوثيين في مرحلة ما بعد “اتفاق السلم والشراكة” الذي لم تكن له علاقة لا بالسلم ولا بالشراكة من جهة، وعلي عبدالله صالح الذي ائتمنهم من دون أن يأتمنهم من جهة أخرى. لكن الثابت في كلّ مرحلة من المراحل التي تلت يوم 21 أيلول – سبتمبر 2014 أنّ الحوثيين طرف يمتلك حساباته الإيرانية. كلّ ما عدا ذلك مضيعة للوقت لا أكثر وتفاصيل يمكن التوقف عندها للتأكد فقط من أمر واحد. هذا الأمر هو أن لا فائدة من أي حوار مع الحوثيين على الرغم من أنّه لا يمكن تجاهل أنّهم جزء من المعادلة اليمنية، وأن لا مجال لتجاهلهم متى باتت الأجواء جاهزة لتسوية ما على صعيد البلد ككلّ.

لم يوقّع الحوثيون يوما اتفاقا والتزموا به. كان اتفاق ستوكهولم في أواخر السنة 2018 من أجل كسب الوقت ليس إلا. نجحوا وقتذاك، مستخدمين مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في وقف المحاولة الجدية الوحيدة من أجل إبعادهم عن ميناء الحديدة الاستراتيجي.

لا جديد على الأرض في اليمن حاليا. المأساة اليمنية مستمرّة. ضحيتها كلّ يمني، بما في ذلك أهل صنعاء الذين عليهم العيش في ظلّ نظام متخلّف لا يمتلك أي مشروع حضاري من أيّ نوع.

كلّ الأبواب تبدو مغلقة أمام أيّ تغيير حقيقي في صنعاء… ما دامت إيران موجودة فيها أكثر من أيّ وقت.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فصول أردوغانية مآلها الاندثار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خالد رستم

التصريحات المتلونة التي أطلقها أردوغان حيال موسكو بشأن إدلب تثير كثيراً من التساؤلات حول الأهمية الاستراتيجية لهذه المدينة بالنسبة لتركيا وما يحشد لها من عمليات التدعيم العسكري لجبهة النصرة والفصائل المسلحة.

وثمة تساؤلات أيضاً مبعثها الدور المريب الذي يتلاعب به رئيس النظام التركي بمخاطرته إذا أصر على الدخول في مواجهة مباشرة ضد الحليف الروسي بغية الحفاظ على مرتزقته ونقاط المراقبة التابعة لأنقرة وأن لا تراجع أو انسحاب عن مواقع انتشار قواته، حينها قد تغدو المدينة مسرحاً لعمليات عسكرية بين حليف الأمس وعدو اليوم وملامح التفكك بمؤشراتها واضحة للعيان بتقويض أنقرة كل بنود الاتفاقيات المتعلقة بالسيادة السورية على أراضيها.

أردوغان يتشبث بنقاط المراقبة في إدلب ويعلم تماماً أن الطريق إليها مع مرتزقته لن يكون سهلاً بدليل اندحار التنظيمات المسلحة المتمردة التي جمعتها تركيا بتشكيلة واحدة تحت راية الجبهة الوطنية للتحرير وضمت في صفوفها فصائل مسلحة عديدة أبرزها "أحرار الشام" و"نورالدين الزنكي" و"فيلق دمشق" و"حماية الدين" و"فصائل جيش الأحرار"، فضلاً عن الخلايا المسلحة النائمة والمدعومة من أنقرة والقريبة من مناطق الحدود الشمالية، وهذه الفصائل على تنسيق دائم مع جبهة النصرة الذراع السابقة لتنظيم القاعدة في سوريا.

وبعد هزائم متلاحقة للتنظيمات المسلحة المدعومة أردوغانياً في الميدان، كانت دعوة وزير الحرب التركي خلوصي أكار وبشكل رسمي وعلى هامش اجتماعات الناتو في بروكسل كلاً من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو إلى تعزيز دعمها لتركيا في ظل تصعيد التوتر في إدلب.

مطالب خلوصي كانت من نظيره الأمريكي مارك إسبر للمساعدة الملموسة لوقف التحولات التي طرأت لصالح الجيش السوري في الشمال السوري وسيطرتها على عشرات المدن والبلدات التي كانت فصائل جبهة النصرة مهيمنة عليها.

وتنطوي دعوة خلوصي على نزعة عدوانية، إلا أن دول الناتو لن تقدم دعماً استناداً لتفعيل البند الخامس بسبب مقتل عسكريين أتراك في إدلب الشهر الماضي، والناتو لا ينظر إطلاقاً لتقديم مساعدة عسكرية لأنقرة في حال قيامها بعملية عسكرية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن في مؤتمر صحفي، أنه لم تتمخض مباحثات موسكو عن أي نتيجة مُرضية، واعتبر أن موقف الناتو والحلفاء من الأوضاع في إدلب لا يكفي وهم يكتفون بالثناء على الموقف التركي وتشجيعه، وإذا استمر الأمر فإن إدلب ستذهب غداً.

وبالمقابل، فإن إنذار الكرملين يأتي رداً على كلمة أردوغان أمام البرلمان وفي أعقاب انفضاض المباحثات بين الجانبين في موسكو دون التوصل إلى جوانب مقنعة بينهما، وإن تحذيراته النهائية للحكومة السورية حول تشدقه بعملية عسكرية مرتقبة مسألة وقت وتفضي بشكل أو بآخر إلى انهيار مجموعاته المسلحة وستكون إدلب وبالاً عليه وطامة كبرى ضد سياسته الحمقاء.

وبالمحصلة، فإن المباحثات التركية مع موسكو لم تستجب لطموحات أردوغان في الشمال السوري ولم تحقق النتائج المرجوة لصالحه، فالخريطة الجديدة التي قدمها الجانب الروسي لتوزع مناطق السيطرة تظهر فيها المناطق الحدودية تحت سيطرة فصائل المعارضة.

وفي مجلس الأمن، رفضت موسكو إعلاناً يطالب بوقف إطلاق النار شمال سوريا، مؤكدة دعمها لدمشق في حربها ضد الفصائل المسلحة المدعومة تركياً، ويتمسك الروس بدعم الدولة السورية عسكرياً إلى أن تتحقق السيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية.

فهل يدرك أردوغان مغبة ما يذهب إليه في معترك الاندحارات التي تشهدها فصائله المتطرفة؟ وهل يعي ما يطرحه من مواقف عنصرية ستلقي باندفاعاته في جحيم لا ينطفئ والويل والثبور لأهوائه؟

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الجزائر والأزمة الليبية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

بوبي جوش

وسط تعالي الأصوات الدولية المتنافرة بشأن الحرب الأهلية في ليبيا، كان من السهل تجاهل صمت الجزائر، خاصة أن هذا البلد الأكبر في شمال أفريقيا كان جد منشغلاً بشؤونه الداخلية حتى يسهم في الحوار بشأن النزاع المتواصل إلى الشرق.
اليوم، تحاول حكومة جديدة في الجزائر إسماع صوتها وسط هذه الجلبة.
ولنلق نظرة هنا على كل البلدان التي لها مصلحة في الحرب الأهلية الليبية. فكل واحد من الطرفين الرئيسيين – «حكومة الوفاق الوطني» المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس، والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر – لديه عدد من الداعمين. ف«حكومة الوفاق الوطني» تتلقى دعماً عسكرياً مهماً من تركيا، ومساعدة مالية من قطر، وبعض الدعم الدبلوماسي من إيطاليا. هذا في حين تشمل قائمة داعمي حفتر كلا من روسيا وفرنسا. كما تتميز ساحة المعركة بتشكيلة متنوعة من المرتزقة والإرهابيين.
كل هذا مزعج جداً للجزائر، التي تواجه عواقب انعدام الاستقرار السياسي في البلد المجاور – تدفق للاجئين، ليس لليبيين فقط ولكن أيضاً للأفارقة من جنوب الصحراء وتسلل الإرهابيين. وقد ارتفعت تكاليف تأمين حدود الجزائر مع ليبيا منذ هجوم إرهابي على محطة للغاز في 2003 أسفر عن مقتل أكثر من 40 من العمال، معظمهم أجانب. ويعتقد أن العديد من الإرهابيين المنتمين إلى «القاعدة» تسللوا إلى البلد من ليبيا.
الجزائر، التي تعتبر نفسها ذات أهمية مركزية في شمال أفريقيا، كانت تاريخياً مرتابة في أي وجود أجنبي في جوارها. وكان النظام في الجزائر سيكون الوسيط المنطقي في النزاع الذي اندلع عقب سقوط معمر القذافي في أواخر 2011.
بيد أن اعتلال صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي لعب دوراً مهماً في شؤون منطقتي المغرب العربي والساحل لوقت طويل، كان يعني أن الجزائر لا تستطيع فرض نفسها على الشؤون الليبية. وحتى في الوقت الذي تدخلت فيه دول أخرى، ضعف سعي الجزائر وراء الصدارة الإقليمية – وكذلك اقتصادها المدعوم بالنفط والغاز والحكومة المستقرة.
والواقع أنه حتى قبل أن ترغم حركة شعبية بوتفليقة على الاستقالة الربيع الماضي، كان أبطال الدراما الليبية يتجاهلون تحذيرات الجزائر بشأن انعدام الاستقرار. فالجزائريون اعترفوا بـ«حكومة الوفاق الوطني»، ولكنهم حاولوا الإبقاء على الحياد، فشجعوا الطرفين المتناحرين على إيجاد حل سلمي. هذه الجهود التي تستهدف الدبلوماسية لم تكن تضاهي الأسلحة والأموال التي ينفقها اللاعبون الآخرون.
وفي الأسابيع الأخيرة، حاولت الحكومة الجديدة في الجزائر العاصمة إعادة تأسيس المساعي الحسنة للبلاد كحَكم إقليمي. وفي هذا الصدد، استضافت الجزائر الشهر الماضي وزراءَ خارجية الدول التي لها حدود مع ليبيا من أجل بحث الوضع. الاجتماع أثمر مناسبة لالتقاط الصور، ولكن سرعان ما غطى عليه بسهولة مؤتمران أكثر أهمية حول ليبيا في موسكو وبرلين.
والحقيقة أن الزعيم الجزائري الجديد الرئيس عبد المجيد تبون لديه أولوياته الآن، وهي معالجة المشاكل التي كانت وراء خروج المحتجين إلى الشارع وولادة «الحراك» العام الماضي، وليبيا ليست واحدة منها. وفي هذا الإطار، أفرج تبون عن كثير من السجناء ووعد بإصلاحات دستورية، وبتطهير الحكومة من عناصر النظام القديم، وباستعادة الأموال المختلسة من قبل شخصيات من النخبة الحاكمة السابقة.
ويمكن القول إن التحدي الأكبر بالنسبة لـ«تبون» هو إعادة إحياء الاقتصاد الجزائري، وهي مهمة لا يساعد عليها انخفاض أسعار النفط. وقد وصف رئيس وزرائه عبد العزيز جراد صحةَ الاقتصاد بـ«الدقيقة»، لافتاً إلى أن الدين العام ارتفع من 26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 45 في المئة خلال العامين الماضيين.
جراد قد يكون محقاً في أن كل هذا هو «التركة الكارثية» لبوتفليقة، ولكن إصلاح الضرر سيكون صعباً بشكل مضاعف بسبب انخفاض أسعار النفط، ذلك أن عائدات المحروقات التي بلغت 30 مليار دولار خلال الـ11 شهراً الأولى من 2019 مثّلت انخفاضا قدره 14.5 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها قبل عام. كما انخفضت احتياطات النقد الأجنبي بـ10.6 مليار دولار خلال التسعة أشهر الأخيرة. غير أن خفضاً كبيراً للإنفاق يظل مستبعداً: ذلك جراد لا يستطيع لمس المواد الغذائية، والوقود، والأدوية تجنباً لاضطرابات اجتماعية، وذلك خشية اندلاع موجة أخرى من الاحتجاجات.
وبالنظر إلى هذه الأزمات الداخلية، سيتعين على آمال الجزائر في لعب دور في إنهاء الأزمة التي يتخبط فيها البلد الجار أن تنتظر.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية