الخروج من عباءة الممول: هل تقتدي قطر بتركيا في ليبيا؟

الخروج من عباءة الممول: هل تقتدي قطر بتركيا في ليبيا؟

مشاهدة

26/08/2020

بوصول وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، ونظيره القطري، خالد بن محمد العطيّة، إلى طرابلس، لبحث ترتيبات تشغيل قاعدة مصراتة البحرية، وإعادة تشغيل قاعدة الوطية التي تمّ قصفها من طيران أجنبي، في حزيران (يونيو) الماضي، أصحبت قطر لاعباً أساسياً في الحرب الليبية، وخرجت من ثوب المموّل الذي يدفع دونما تواجد عسكري، على غرار الأتراك.

الساحة المفتوحة

أثمرت هذه الزيارة عن توقيع اتفاقية ثلاثية بين حكومة الوفاق الإخوانية، وتركيا وقطر، بإنشاء مركز تنسيق عسكري في قاعدة مصراتة البحرية، وهي قاعدة ذات أهمية قصوى.

 وبحسب الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، عمرو فاروق، فإنّ الدوحة ستتكفّل بإعادة تأهيل كافة المراكز الأمنية ومقرات التدريب في طرابلس، والتي دُمّرت خلال الحرب الأخيرة، فضلاً عن التعاون العسكري والأمني، وبرامج بناء القدرات الأمنية والدفاعية لقوات حكومة الوفاق، يأتي هذا ضمن مخطط استمرار محاولاتهم في السيطرة على التراب الليبي بإطار شرعي سياسي.

وأضاف فاروق، في تصريح لـ "حفريات": "تركيا أدخلت قطر رسمياً بما يضمن لها شرعية التواجد والدعم في تحركاتها الآنية داخل الجغرافيا الليبية، ما يحقّق لها تحويل ميناء مصراتة لقاعدة عسكرية بحرية، فضلاً عن دعم قاعدة الوطية الجوية في إطار مواصلة خططها التوسعية في ليبيا، وتثبيت وجودها العسكري والتجاري في شمال أفريقيا وجنوب البحر المتوسط".

اقرأ أيضاً: ما سرّ الولع القطري بدعم الجماعات المتطرفة؟

وأوضح فاروق؛ أنّ دخول قطر بشكل رسمي من خلال اتفاقية ثلاثية، يؤكد أنّ الاتفاقية تمّت برعاية التنظيم الدولي للإخوان، إلى جانب الاتفاق على التوسع في نقل المرتزقة السوريين واليمنيين والصوماليين لمواجهة الجيش الوطني الليبي، ما يعني احتياج تلك العناصر الإرهابية للمزيد من التدريبات المسلحة والتخطيط لمعارك جديدة تستنزف من خلالها مقدرات الشعب الليبيي، إضافة  إلى أنّ البلدين لديهما شراكة تاريخية في صناعة وتجارة السلاح، سواء في الداخل الليبي، أو في سوريا، أو في اليمن، أو في دعم الحركات المتطرفة في الصومال، وغيرها .

أصبح الغرب الليبي مكاناً لكلّ الدول الاستعمارية، وانتقل من مرحلة الحرب بالوكالة، إلى دول تحتل الأرض بشكل واضح،  تتّخذ شكل اتفاقيات غير قانونية، ولا تعرض على مجلس النواب

تمت هذه الشراكة من خلال تأسيس شركة صناعات دفاعية مشتركة، في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، باسم "برق"، كمشاركة بين شركتَي "برزان القابضة" التابعة لوزارة الدفاع القطرية بنسبة 51%، ومؤسسة "أسيلسان" للصناعات الدفاعية التركية بنسبة 48%، وشركة "SSTEC" التركية لتقنيات الصناعات الدفاعية بنسبة 1%، وتملك "أسيلسان" مكتباً لها بالعاصمة القطرية.

وبحسب فاروق؛ فإنّ تركيا تبحث عن مخرج لها في ظلّ تضييق الخناق عليها في التنقيب والاستيلاء على غاز شرق المتوسط، لا سيما بعد إعادة ترسيم الحدود بين مصر واليونان وقبرص، فضلاً عن تدخّل فرنسا بقوة في المشهد لمنع تحركات أردوغان وعرقلتها .

هل من مخرج؟

يبدو أنّ تركيا تسعى إلى محاولة إيجاد شرعية لها، لتوسيع تحركاتها في شرق المتوسط من خلال تحويل ميناء مصراتة، لقاعدة عسكرية تستخدم في تمرير أطماعها، وتسمح لها بالتحكم في الهلال النفطي؛ لذلك يتوقع فاروق أن تشهد ليبيا صراعاً جديداً يتمّ من خلاله تحويلها لسوريا جديدة، في ظلّ تعنّت تركيا وقطر وتجاهلهما للأعراف والمواثيق الدولية، وإصرارهما على دعم التطرف واتخاذه وسيلة لتمرير مشاريعهما ومخططات تمزيق المنطقة العربية وإعادة هيكلتها.

ويرى المتخصص في الشأن الليبي، والكاتب الصحفي بجريدة الشروق المصرية، جرجس شكري؛ أنّ هذه الزيارة مهمّة جداً، لما ترتب عليها من اتفاق، وتكمن أهميتها بالنسبة إلى قطر أكثر من تركيا، والتي بحسب ما يروجه إعلام الإخوان، المرة الأولى التي تظهر فيها باتفاقيات عسكرية معلنة، إذ إنّ الاتفاق هو إعلان صريح لا يحتمل التأويل، عن رغبتها في الجلوس على طاولة المفاوضات كأحد أطراف النزاع في الأزمة الليبية.

الكاتب جرجس شكري لـ"حفريات": دلالات الاتفاق توضح أنّ الجانب القطري، تخلى عن صيغة الممول التي يظهر بها في الأزمة الليبية؛ إذ يرغب أن يصبح طرفاً إقليمياً كـ "تركيا"

ويتابع فكري، في تصريحه لـ "حفريات": "دلالات هذا الاتفاق توضح أنّ الجانب القطري، تخلى عن صيغة الممول التي يظهر بها في الأزمة الليبية؛ إذ يرغب أن يصبح طرفاً إقليمياً كـ "تركيا"، وهو تحوّل في السياسة القطرية، يجب أن تعي جيداً ما سيترتب عليه من عواقب لن يتراجع المعسكر الآخر عن تحميلها لقطر، كما تظهر تلك الخطوة أنّ المعسكرات بدأت تتضح أكثر فأكثر؛ إذ أجبرت الأزمة الجميع على الاصطفاف وتوضيح مواقفهم، وهناك طرف قطري يعلن وجوده، ويرغب في الانضمام للمفاوضات، وذلك عبر تواجده على الأرض.

الدائرة المفرغة

تعدّدت الاتفاقيات التي عقدتها تركيا مع حكومة الوفاق الوطني، وكذلك اتفاقيات الوفاق مع الأمم المتحدة وغير المعترف بها، ويرى فكري أنّ هذه الاتفاقية أيضاً لن يتم الاعتراف بها؛ إذ تخترق القانون الدولي، لأنّ العالم أصبح على يقين بأنّه بعد أزمة سرت، لا مستقبل للحكومة الحالية، وستتمّ إعادة هيكلتها سريعاً، ووفق المفاوضات الأمريكية مع عقيلة صالح، طرح خلالها إعادة هيكلة بحكومة جديدة، وذلك بسبب الصراعات الداخلية الموجودة داخل حكومة الوفاق نفسها، ويبدو أنّ الأزمة الليبية بعد انتهاء الحرب في سرت، ستتخذ منحنيات مختلفة.

تتعامل قطر بمنطق تركيا نفسه، وترفض أن تظلّ دائماً في موضع الصرّاف، لهذا عقدت اتفاقيات، ودخلت حلبة الصراع في ليبيا بشكل رسمي ومعلن، وتريد التواجد العسكري في قاعدة مهمة مثل مصراتة، حتى إنّ الجيش الليبي وصف هذه الخطوة بأنّها "إزعاج كبير"؛ إذ إنّه بوجودها على الأرض ستصبح صاحبة حقّ في التفاوض، على عكس وضعها كمموّل.

اقرأ أيضاً: %30 زيادة في رواتب المرتزقة في ليبيا.. ما علاقة قطر وتركيا؟‎

 ويضيف فكري أنّ قطر تحاول بتلك الخطوة أن تصبح طرفاً فعالاً ذا صوت في المنطقة، ومتحكماً في ذمام الأمور، وهذا حلمها القديم، وطموحها الزائد هو سبب خلافاتها مع الخليج ومصر.

 قطر معجبة، كما يقول المحللون، بنموذج تركيا التي خسرت الحرب في سوريا، وتحاول أن تعيد وجودها في المنطقة من جديد، من خلال ليبيا، التي أصبحت محطة طموح الدول ذات الأهداف التوسعية، فقطر تقلّد سياسات تركيا، المتمثلة في فرض سياسة الأمر الواقع والتواجد في المشهد السياسي، وتريد أيضاً كسب اعتراف دولي بها كطرف فعّال يدعى إلى المفاوضات الأممية، ويصبح له من النفوذ الإمبريالي ما حازت عليه تركيا، وبإعلانها عن المعسكر الذي تنتمي إليه؛ صرّحت  عن حربها ضدّ المعسكر الآخر، وعلى رأسه أوروبا، التي لا يجب على قطر أن تخسرها، بهذا السلوك المتهور، فشرق المتوسط لا يعني قطر في شيء، لكنّ التكالب على المصالح في البحر المتوسط، ينذر بالمزيد من الفوضى.

أصبح الغرب الليبي مكاناً لكلّ الدول الاستعمارية، وانتقل من مرحلة الحرب بالوكالة، إلى دول تحتل الأرض بشكل واضح،  تتّخذ شكل اتفاقيات غير قانونية، ولا تعرض على مجلس النواب، وتخترق القوانين الدولية بشكل لا جدال فيه.

الصفحة الرئيسية