الخليل في مواجهة التهويد.. هل تقاوم وتحتفظ بذاكرتها وهويتها؟

3706
عدد القراءات

2018-02-11

لا يتوقف فعل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عند سلب الأرض، وطرد السكان، وجلب آخرين وإحلالهم مكانهم، وإنما يتعداه إلى محاولة مسح الهوية والذاكرة، وإحلال هوية أخرى غريبة عن المكان، وهذا هو فعل "التهويد" في سياق الصراع على أرض فلسطين، الذي يتم فرضه بقوة السلاح، وفي ظل صمت عالمي.
كريات أربع

منذ احتلال الخليل العام 1967، بدأ العمل على خطة التهويد في المدينة، وكانت البداية الفعلية في العام 1968 على يد عرّاب الاستيطان الحاخام موشيه ليفنغر؛ حيث قام ومجموعة من المستوطنين المتعصبين بتأسيس مستوطنة "كريات أربع"، وجاءت خطوتهم هذه انطلاقاً من معتقدات دينية توراتية، ترى في مدينة الخليل مكاناً مقدساً، نظراً لاحتضانها ضريح النبي إبراهيم وابنه يعقوب، بحسب معتقداتهم.

الحاخام موشيه ليفنغر، مؤسس الاستيطان الصهيوني في الخليل، بين مجموعة من أتباعه

بؤر استيطانية في قلب المدينة
بعد ذلك، تسلّل المستوطنون من مستوطنة "كريات أربع" إلى قلب مدينة الخليل، فاستولوا على مدرسة الدبويا في البلدة القديمة، واحتلوا 3 منازل حولها. وبعد "عملية الدبويا" التي قام بها فدائيون من منظمة فتح، في الثاني من أيار (مايو) العام 1980، استولى المستوطنون على جميع المنازل المحيطة بالمنطقة، بالإضافة إلى هدم عدد من المحال التجارية المقابلة لمبنى الدبويا.

قوات من جنود الاحتلال عند مدخل مستوطنة كريات أربع المشرفة على مدينة الخليل

في العام 1982 استولى المستوطنون على مدرسة أسامة بن المنقذ الملاصقة لمبنى بلدية الخليل القديم، لتصبح بؤرة استيطانية تحت مسمّى "بيت رومانو"، وبالتالي أصبح هناك امتداد استيطاني بين الدبويا ومدرسة أسامة بن المنقذ. ثم جرى الاستيلاء بشكل كامل على محطة الباصات المركزية وأُغلق شارع الشهداء بشكل كامل أمام حركة الفلسطينيين، ومن ثَمّ فُصلت المناطق الشرقية من الخليل عن الغربية، وقُسمت الخليل إلى قسمين.
تبع ذلك الاستيلاء على منطقة الحسبة (السوق التجارية) بشكل كامل، وأُغلقت كثير من شوارع البلدة، علاوة على الاستيلاء على العديد من منازلها وبناء شقق استيطانية بعد هدم المنازل.

المباني الاستيطانية الحديثة (البيضاء) تخترق وسط المدينة التاريخي

وبذلك أسس المستوطنون خمس بؤر استيطانية داخل المدينة، وهي: مستوطنة الدبويا، والحي اليهودي، وإبراهام أفينو، ومدرسة أسامة، وتل ارميدة، وذلك ما بين عامي 1980 و1984.
ويدّعي المستوطنون أنّ لهم حقاً توراتياً في الخليل، ويعتبر مستوطنو الخليل أنفسهم روّاداً يعيدون إنشاء مجتمع هجره أفراده بسبب مذبحة مات فيها 67 يهودياً على يد العرب العام 1929، ومنع السلطات البريطانية التي كانت تحكم فلسطين آنذاك اليهود من العودة.
مجزرة الحرم الإبراهيمي

فجر يوم الجمعة، الثاني من شباط (فبراير) العام 1994، وأثناء تأدية المصلين لصلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي، دخل عليهم يهودي أمريكي يدعى باروخ غولدشتاين، وفي يديه بندقيته الرشاشة وقنابل يدوية، وكانت المجزرة التي راح ضحيتها 50 مصلّياً، وزهاء 350 مصاباً، بعد أن أفرغ كل ما لديه من رصاصات وقنابل، مصحوبة بالحقد التوراتي، على المصلين، أثناء سجودهم.

كانت البداية الفعلية في العام 1968 على يد عرّاب الاستيطان الحاخام موشيه ليفنغر

وفي أعقاب المجزرة، أغلقت حكومة الاحتلال الحرم لمدة 6 أشهر، لتفرض عليه بعد ذلك التقسيم المكاني والزماني بين الفلسطينيين والمستوطنين؛ حيث بات يُسمح للمستوطنين بإقامة صلواتهم واحتفالاتهم، في حين حُرم الفلسطينيون من الوصول إلى كامل أجزاء الحرم.
بروتوكول "إعادة الانتشار"
فضّلت إسرائيل أن يكون اتفاق الخليل منفصلاً عن اتفاقات أوسلو، فكان ما أُطلق عليه اسم "بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل" أو "بروتوكول الخليل" اختصاراً، الذي تم توقيعه العام 1997.
تسلّمت السلطة الفلسطينية بموجب "بروتوكول الخليل" أجزاء من الخليل أطلق عليها "h1" وتشكل 80% من مساحة المدينة، ويقطنها نحو 220 ألف نسمة، فيما تواصلت السيطرة الإسرائيلية على القسم المتبقي "2h"، وفيه تقع البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، وشارعا الشهداء والسهل ومنطقة تل الرميدة التاريخية، وعشرات الحارات، وآلاف الدونمات الزراعية، يضاف إليها التجمع الاستيطاني "كريات أربع".

خريطة تقسيم الخليل إلى منطقتي h1 وh2 بحسب بروتوكول "إعادة الانتشار في الخليل" العام 1997

مخطط التهويد الكامل
اليوم، تستمر الاعتداءات شبه اليومية التي يقوم بها المستوطنون، بالإضافة إلى التضييق والتشديد على سكان البلدة القديمة في الخليل، ما أجبر عدداً من العائلات الخليلية على مغادرة بيوتها بحثاً عن الأمان.
وفي آب (أغسطس) 2011 شارك نحو 20 ألف مستوطن في احتفال بضم مسجد الحرم الإبراهيمي لقائمة "الميراث الإسرائيلي"، وجرى الاحتفال في الحرم بمشاركة أعضاء في الكنيست ونواب وزراء من الأحزاب اليمينية بما فيها حزب الليكود.

مستوطنون يحتفلون بضم الحرم الإبراهيمي إلى قائمة "الميراث الإسرائيلي"

واليوم، توجد مخططات لربط مستوطنة "كريات أربع"، والكتل الاستيطانية الأخرى المحيطة بالبلدة القديمة من خلال هدم المباني الفلسطينية وإزالتها من المنطقة لتهويد شامل وكامل للمنطقة الممتدة من مستوطنة "كريات أربع" إلى كامل البلدة القديمة ثم تل الرميدة. وجاء القرار الأخير لسلطات الاحتلال بإنشاء مجلس محلي خاص بالمستوطنين وفصل المنطقة عن امتياز بلدية الخليل ليؤكد على استمرارية التهويد وتصاعده، وأن الإعلان عن التهويد الكامل للخليل القديمة مجرد وقت ليس إلاّ.. فهل نشهد إعلاناً خلال السنوات القادمة عن ضم الخليل القديمة، كما أُعلن عن ضم القدس الشرقية؟

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: