الرصافي والحيدري: جسر بين كلاسيكية الشعر وحداثته

6078
عدد القراءات

2018-02-13

فترة من أجمل الفترات، ملأى بطموح فتى دون الخامسة عشرة من عمره، وقد أخذه هوس شديد بمطالعة كتب الأدب وحفظ الشعر، متلمساً نفسه في كل ما يثير العجب والإعجاب من شعر القدامى والمحدثين، فلا يفتح ديواناً من دواوينهم، إلا وقد أعدّ سلفاً دفتراً صغيراً يدوّن فيه ما يقع عليه من قصيدة تعجبه أو بيت شعر يستشعر به ما يعمّق وعيه بالحياة وينسجم مع نظرته القائمة إليها.

هذا مدخل يصف فيه بلند الحيدري (1926- 1996) بواكير رؤيته لجوهر الشعر عبر النظر  الذي لا يخلو من أساس نقدي إلى ثنائية الرصافي- الزهاوي والمعري- المتنبي، فهو "على مثل ما كنت أنتصر للمعري مدافعاً عن حياضه بما أحفظ من شعره وما أجمع من مآثره في حسن شمائله ورعايته وجه الحق في الذي يقوله، وفي نفرته من التكسب بالمدح الرخيص. كنت أنتصر لجميل صدقي الزهاوي (1862 – 1936) واتجاهه الفلسفي والاجتماعي ودفاعه عن حقوق المرأة ونزوعه للتجديد، ولو قيّض لي أن أتعلم الرسم، لما كان لي أن أرسم صورة للمعري إلا من خلال صورة للزهاوي، بوجهه الشاحب ولحيته الكثة، باستثناء نظارته وعينيه الذابلتين واللتين لا تذهبان بي بعيداً عن تمثلي لعيني المعري العمياوين، وعلى مثل ما كنت أنفر من شخصية المتنبي ولا أفهم أبعادها، ومن شعره، ولا أستطيع الغوص عميقاً فيه، كنت أنفر من الرصافي ( 1875 – 1945 )  وشعره ولا أحفظ منه إلا ما تعكّر صفوه وساء وصفه لأنال به منه عندما يتسنى لي أن أتحدث عنه أمام زملائي الطلاب وأساتذتي في المدرسة، فهو في نظري شاعر محافظ لا يخرج عن عباءة ما ترسّمه الأقدمون من شعرائنا الصغار وحكمهم. ولا تخرج صوره عن الصورة العينية لتتشكل في بعد رمزي يغري ويحفز على المشاركة في نيلها في الذي هو أكثر من ظاهرها. انها بلا شك أحكام مبشرة، ومجموعة انطباعات، كان بعض أثرها متأتياً من أهل بيتي وأصدقائهم ممن كانو يجلّون الزهاوي لنسبه وعفته وانسياقه معهم في تأييد الحكم، ولا يرون مثل ذلك في الرصافي اللاهي والمشاغب وابن العائلة الفقيرة والمناوئ لـ (الملك) فيصل الأول الذي كان فيهم من يحسب على بطانته"(1).

الشاعر جميل صدقي الزهاوي

في الفلوجة

لكن كل أحكام الحيدري ما لبثت أن انقلبت رأساً على عقب بعد  لقائه بالرصافي لأول مرة في قضاء الفلوجة، حيث كان يشغل فيه منصب قائمقام القضاء زوج عمته السيد شاكر محمود، والذي أتاه زائراً لقضاء شهر من فصل العطلة المدرسية في مدينة الفلوجة، وكان بيته مفتوحاً كل مساء جمعة لاستقبال زواره من الموظفين ورجال العشائر وبعض وجوه البلد المعروفين حيث كانوا يتحلقون بشكل دائري في فسحة الحديقة المطلة على نهر الفرات، وعلى كراس من الخيزران باستثناء عدد قليل من الكراسي الوثيرة التي خص واحد منها بالقائمقام، وتركت الأخرى لمن يريد أن يوفره من زواره، أو من يريد أن يحدثه حديثاً خاصاً، أو من يريد أن يسر إليه بنبأ سري، وما أكثر تلك الأنباء التي كانت تسري همساً من مكان إلى مكان في تلك الأيام.

كانت الحوارات بين جيلين: الرصافي آخر رموز الكلاسيكية الأدبية، بينما الحيدري فمن رموز الحداثة الشعرية والفكرية العراقية والعربية

ويوم أن وصل الحيدري إلى الفلوجة كان مجلس الجمعة منعقداً في دار زوج عمته الذي "هرع إليّ مرحباً بي وأخذني من يدي، ومن قبل أن أسلّم على عمتي وأولادها ليقدمني إلى ضيوفه، معرفاً بهم واحداً واحداً، ثم أدنى كرسي الوثير ايضا، من كرسيه، وفجأة يقف الجمع مرحبا بشيخ يرتدي اللباس البلدي والعباءة ويسير بتؤدة ووقار وهو يرفع يده ببطء مسلماً على الحاضرين، ثم يتخذ له كرسياً إلى جانب كرسي القائمقام، كما لو انه مكانه الأثير المعدّ له سلفاً، فلا حاجة لأن يسأله عمن يقدمه إليه، وظننته في البدء واحداً من علية القوم في المدينة، إذ لم يسبق لي أن رأيت صورة للرصافي بكوفية وعقال وعباءة. جلس وجلسنا، ودارت فناجين القهوة على الجالسين مصحوبة بالسجائر التي تكفل بأمرها إثنان من خدم البيت، وتوجه عدد ممن ضمهم المجلس بالسؤال عن صحته، وأمور دنياه، وهل من قصائد جديدة؟ ويرد بصوت أجش وهو يبتسم، "هذي الحكومة خلت عدنا شعر"؟ ويلتفت إليه شاكر محمود قائلاً: "ها بدينا (بدأنا) بعد ما كعدنا (ما جلسنا)" ثم يضحك الجميع.

مع من شغل العراق!

إذن هذا هو الرصافي الذي شغل العراق بقصائده وبأخباره وجرأته (هنا نتذكر عمله الضخم المثير للجدل: الشخصية المحمدية). هذا هو الرجل الذي "ظننت بأنني أكرهه، وها أنني مملوء الآن بمشاعر الاعتزاز لانني أحضر مجلسه، وما أكثر ما سأرويه لزملائي وأساتذتي عنه، سأقول لهم بان ليس بين كرسيه وكرسي غير كرسي القائمقام الذي ما إن يغادره للحظة حتى اتحين الفرصة لتأمله، من مسبحته الطويلة المتدلية من يده اليسرى، وإلى تجاعيد وجهه، حتى إذا ما أنتبه إليّ وإلى عيني المشدوهتين ابتسم لي بطيبة آخاذة، ثم انصرف لسماع حديث بدأه واحد من الحاضرين".

وعن نوادره مع الزهاوي وكان الرصافي يبتسم وهو يردد، "الله يرحمه، لقد شبع موتاً، يا ناس لماذا لا تتركونه ينام بسلام". فيتزلف له واحد من الجلوس بقوله: "وهل تركته بسلام لنتركه بسلام"، فيبدو على وجه الرصافي شيء من الامتعاض وهو يقول: "كان الرجل طيباً وكنت أحبه وما حدث بيننا يحدث في كل زمان ومكان"، ثم نهض مودعاً جلساءه، فمن عادته أن لا يمكث طويلاً في مثل هذه الزيارات، وينهض الجميع، و"بمشية متثاقلة يتوجه نحو الباب وبصحبته زوج عمتي، وسرت وراءهما، وعند الباب تصافح الاثنان، ثم مد يده إليّ مصافحاً وهو يسألني عن إسمي فأجيبه وانا أرتجف: إسمي بلند، فيضيف زوج عمتي، إنه إبن أكرم الحيدري.

ازداد إطراء الرصافي للحيدري، وهو يدير عينيه بالشبان الجالسين حوله: هذا شعر والله شعر.. اكتبوا مثله

* ولكنه اسم غريب، غريب جداً، لعله إسم تركي.

- عمته، أي زوجتي هي التي سمّته به.

وكانت يدي لا تزال في يده، عندما قلت له وأنا اتلعثم، بأنني أريد أن أريه أشعاري فأنا شاعر.

- شاعر، ما شاء الله، تعال لي غداً بعد الحادية عشرة صباحاً واحمل معك شعرك.

ويضحك ويضحك معه مجاملة زوج عمتي، الذي بدا لي وكانه لم يكن راضياً من الأمر، ومع ذلك قال لي إنّ البستاني محمد سيذهب معك وسيرجع معك، مع العلم أن بيته (الرصافي) على مدى أمتار قليلة من دار القائمقام ولم أدرك سبب إصراره على أن يصحبني محمد.

سهرت طوال الليل وأنا أختار من القصائد ما هو جدير بأن أحمله إليه، وكانت حقيبتي المدرسية ملأى بالعشرات مما كنت أظنه شعراً. بكرّت في الاستيقاظ وأعدت النظر في القصائد المختارة، وفي الموعد المحدد بعناية فائقة لأذهب مع محمد إلى دار الرصافي، كان في مثل لباسه الذي رأيته فيه يوم أمس، الغرفة بسيطة جداً بأثاثها. كراسٍ عدة وطاولة خشبية عادية ومشجب قديم علقت عليه ملابسه دون انتظام، وكان معه أحد معارفه الذي سرعان ما استأذنه بالانصراف، ولم يبق غير"عبد" القائم على خدمته وغير محمد الذي انتبذ زاوية من الغرفة وجلس فيها القرفصاء.

"أنت شاعر  ... ها  ... أرني ما معك"

مرت ثلاث سنوات عجاف قبل أن يقيض للحيدري أن يلتقي بالرصافي بعد أن اهتدى إلى مقهاه بحي الأعظمية

ومددت ما أحمل من الأوراق إليه راح يقلبها بعجل، ثم عاد إلى تقليبها مرة ثانية وأنا أنتظر متلهفاً أن يقول شيئاً ثم أخذ يقرأ بعض الأبيات بصوت خافت، ويقف ليعلق تعليقاً موجزاً: "هذا بيت جيد، موزون واللغة سليمة.. الأفكار جيدة" ثم يرفع عينيه إليّ وهو يقول: "عليك أن تحفظ من الشعر الكثير وعليك باللغة" الأخطاء كثيرة في الوزن وفي اللغة، ولكن لا بأس كلنا بدأنا هكذا.. من تحب من الشعراء؟

* طبعا أحب الرصافي العظيم، وأحب المعري وقيس بن الملوح.

هز رأسه مبتسماً وهو يعيد إليّ حزمة الأوراق: "اكتب غيرها وعد إليّ بعد غد"(2).

ورغم مشاعر الخيبة التي انتابت الفتى، فقد رأى في الذي قال به الرصافي إليه محفزاً على الاستمرار، وتواصلت زياراته ما بين يوم ويوم، وصار الرصافي يبدي اهتماماً أكثر بما يحمله الحيدري من شعر، فيقوّم وزن بعض الأبيات ويشطب على أخرى، ويصوّب بعض أخطائه في اللغة، وينصحه بان يقتني هذا الكتاب أو ذاك الكتاب وأن يقرأ ويقرأ. و"مدّ إليّ بجزء من "الأغاني" الذي كان مرصوفاً على الأرض "إنه يسليك ويعلمك خذه وأعده بعد غد"، تناولته من يده شاكراً، وكان بالفعل كتاباً مسلياً، أقف عند طرائفه، وأقفز منها إلى عيون ما فيه من شعر ومن خبر، ثم أطويه لأبدأ بكتابة القصيدة التي ينتظرها الرصافي مني.

وفوجئت بعد مكوثي أسبوعين في الفلوجة، بطلب من والدي بأن أرجع لبغداد، ولم ينفع رجاء عمتي وهكذا عدت لبغداد بعد أن ودعت الرصافي وشددت على يده، معبّراً عن جزيل شكري لنصائحه وما قوّم من شعري، ووعدته بأنني سأضبط موازين الشعر وسأقوّي لغتي"(3).

ما أكثر تلك الأنباء التي كانت تسري همساً من مكان إلى مكان في تلك الأيام

لقاء الرصافي سر لا يمكن البوح به؟

وعاد الحيدري إلى بغداد "فوجئت بما رأيت من علائم الغضب البادية على وجه والدي "الرصافي.. كيف تدخل بيته؟ لكن الذنب ليس ذنبك ذنب شاكر محمود وعمتك.. ألا تعرف من هو الرصافي؟.. رجل بلا أخلاق إنه.. إنه." وكان من الصعب عليّ أن أجابه غضبه حتى ولو بكلمة اعتذار. ثم هدأ قليلاً، وطلب مني أن لا أروي لأي من الطلاب والأساتذة شيئاً عن زياراتي لبيت الرصافي، وهكذا تحول ما كنت أريد أن أفتخر به أمام زملائي وأساتذتي إلى سر لا يمكن أن أبوح به لأحد".

ومرت ثلاث سنوات عجاف قبل أن يقيض للحيدري الفتى أن يلتقي بالرصافي مرة أخرى بعد أن اهتدى إلى مقهاه القريب من جسر حي الأعظمية، حيث تعود أن يجلس فيه، وقد أحاط به دائماً رهط من أصدقائه، أو رهط من الشبان "هش الرجل للقائي وأدناني من مجلسه وبادرني بالسؤال عن شاكر محمود وآله، فأخبرته بما وقعت عليه من كوارث أليمة بعد أن فقد ولديه، فأسف الرجل لذلك وتمتم بالدعاء بالخير لمن بقي حياً من أهل بيته، ثم سألني عما أكتب فقلت له بأنني مزقت كل الذي كتبته في السابق، ولدي الآن ديوان شعر كامل سميته  "القصائد السود"، وقد راجعه أستاذي في اللغة العربية بمدرسة التفيّض كمال الجبوري.. ورآه صالحاً للنشر وأنا أريد رأيك وإلا فإني سأمزقه".

أخذ الرصافي يقرأ بعض أبيات مخطوطة الحيدري الشعرية بصوت مرتفع ويثني على ما يقرأ "جيد.. شعر جيد"، وتشجع صاحب "خفقة الطين" ليمد يده إلى جيبه وليخرج ورقة صغيرة، حملت أبيات عدة من قصيدة جديدة جاء عنوانها "إلى أبي العلاء المعري"، وأخذ يقرأ:

شيخ المعرة قم وأصلح لنا فئة                الوهم أودى بها والذل والخور

موتى من الإثم قد شاهت ضمائرها          تأبى وتأنف من أشلائها الحفر

بيض المظاهر لكن على أضلعهم             رجس تسمم منه القلب والنظر

وازداد إطراء الرصافي للحيدري، وهو يدير عينيه بالشبان الجالسين حوله: "هذا شعر والله شعر.. اكتبوا مثله، ثم "أعاد إليّ الديوان وهو يقول لا حاجة بي إلى قراءته، اذهب ودبر أمر نشره".

أبو العلاء المعري (رسم)

يأنف الحديث عن شظف عيشه

"القصائد السود" لم ير النور ونسخته الخطية ظلت مودعة في "مكتبة الأخ الصديق الأستاذ خيري العمري كما أخبرني بذلك عام 1977"(4) يقول الحيدري الذي استمر لقاؤه بالرصافي في المقهى المعهودة، وهو بين مريديه وأصدقائه: و"تختلف بنا الأحاديث إلى مواضيع متعددة في السياسة والادب والذكريات، ويبتسم حيناً، ويدلهم وجهه في حين آخر، وقلّ إن شكا مما كان يعانيه من شظف العيش أو من مرضه أو من كبر معاناته مع أمور دنياه التي كنا نعرفها جيداً، وإن صرف أحدهم الحديث إليها، صرفها عنها بكبرياء الكبير الذي يرى في مثل هذا الحديث ما يجرح كرامته".

لم تطل تلك اللقاءات الودية بين جيلين مختلفتين بل بين نهجين، فالرصافي آخر رموز الكلاسيكية الأدبية، بينما الحيدري سيكون من رموز الحداثة الشعرية والفكرية العراقية والعربية، إلا فترة قصيرة من الزمن، حتى كانت صحة الرصافي قد اعتلت كثيراً، فانقطع عن المقهى ثم كان نبأ وفاته وموعد تشييعه في 16/3/1945 فـ"هرعت عجلاً لألتمس نفسي في لقاء أخير به، وهكذا كنت واحداً من الحشد الذي سار وراء جنازته وواحداً ممن هالوا التراب على تابوته وواحداً ممن قرأوا الفاتحة على روحه. وبكيت طويلاً في ذلك اليوم (المفارقة كانت في موت الرجلين عن عمر واحد: سبعون عاماً) وحاولت غير مرة أن أكتب فيه رثائي له، ولكن ماذا يمكن أن أقول بعد أن استمعت إلى الجواهري الكبير يقول بحق الرصافي في حفل تأبيني: ذئب ترصدني وفوق نيوبه/  دم أخوتي وأحبتي وصحابي"(5).

هوامش:

1و2و3: بلند الحيدري، تجديد ذكرى الرصافي، مجلة "المجلة" الأسبوعية اللندنية 1992.

4 و5: بلند الحيدري: نص نادر عن الرصافي، ملحق "ذاكرة عراقية"، صحيفة "المدى" البغدادية  25-12-2016.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



غنوصية إخوان الصفا: الرهان على المعرفة والخلاص الإنساني

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-16

في قلب الصعيد المصري، ومن مدينة "نجع حمادي" عام 1945 اكتشف علماء الحفريات، مخطوطات لجماعة غنوصية قبطية، دفنوا مدوناتهم لتبقى في مأمن من غارات الأرثوذكس.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
عاشت الغنوصية في المسيحية واليهودية، مطاردات دائمة مع الدين الرسمي للحكام، في حين أنّ الغنوصية الإسلامية كان لها من الحظ ما أتاح لها العمل في ظل الخلافة العباسية، ووصلت إلينا بعض مدوناتها حيث رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء، أبرز تجلياتها.
في طريق المعرفة
الغنوصية تعني المعرفة في معناها المباشر، وهي ليست ديناً يدين به الناس بقدر ما هي مذهب فضفاض غير قائم على إيديولوجيا دينية متحجرة، أو دوغمائيات مذهبية، ظهرت صورته بوضوح في القرن الأول الميلادي، وجمعت بين تأثير الفلسفة الأفلاطونية الوسيطة، والتعاليم الهرمزية المنسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، ويشار إليه في الأدبيات الإسلامية بالنبي إدريس، ومن خلال ثماني عشرة رسالة، تمّت كتابتها بواسطة رابطة أخوية مجهولة، جمعتهم المعرفة، تم ترسيخ مبادئ الغنوصية التي تدور حول الإنسان والإله الذي يسمونه بالأب الكلي؛ فالإنسان لدى الغنوصية هو جزء مادي، وجزء روحي يتحد مع الإله، ويتطلع إلى الكمال الروحي والسمو والتواصل مع الأب الكلي سعياً لانعتاق الروح، وبحسب كتاب "تأملات الوحي من المنظور الإسلامي"، للكاتب الإنجليزي "ريكي هوود"؛ فإنّ الغنوص لاهوت يختلف تماماً عن التيار المسيحي؛ فالمشترك بين الغنوص الإسلامي والمسيحي هو الخلاص؛ فالخلاص الغنوصي عند التيار المسيحي ليس عن طريق يسوع، وإنّما هو البحث والمعرفة وفهم المعنى الخفي لتعاليم يسوع، وهو المشترك مع تيار "إخوان الصفا وخلان الوفاء"، كأبرز ظهور للغنوصية الإسلامية.

تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني

يعزو الغنوصيون بؤس الإنسان إلى الجهل، وليس الخطيئة المتأصلة في البشر، لذلك فإنّ ما يرنو إليه أهل الغنوص هو المعرفة التي تنتشل الإنسان من بؤسه الأبدي، حتىّ أنّ يسوع الحي بالنسبة إليهم، ليس إلّا رمزاً للمعرفة، وذلك بحسب كتاب "الوجه الآخر للمسيح: مقدمة في الغنوصية المسيحية"، للباحث السوري فراس السواح، والذي يرى أنّ الجهل هو البؤس الحقيقي لأهل الغنوص من المسلمين والمسيحيين؛ فالمعلم فالينتينوس في إنجيل الحقيقة يشبّه الوجود بالكابوس، والمعرفة هي اليقظة من الكابوس، ويتشارك في مفهومه مع إخوان الصفا الذين يشبّهون الحياة دون المعرفة بنوم الغفلة ورقدة الجهالة، ويشير المستشرق الألماني"هاينس هالم"، في كتابه "الغنوصية في الإسلام"، إلى أنّ الباحثين العرب لم يلتفتوا إلى صياغة مصطلح الغنوصية إلّا بمطلع القرن العشرين، أمّا المستشرق الفرنسي"هنري كوربان"، والذي يظهر تأثره بالغنوصية كديانة عالمية جامعة للمعارف الإنسانية، يعزو تبلورها إلى اكتشاف النص الفارسي "أم الكتاب"، بالإضافة للتعاليم الإسماعيلية، التي تشكلت بفضل الجهد النظري لرسائل خلان الوفاء، ويرجع كوربان كل تلك التعاليم إلى غنوصية العصور القديمة، في اتصال بشكل غير مباشر بالتصوف الإسلامي.

الباحث والكاتب السوري فراس السواح

الخلاص والبعث 
في كتابه "طريق إخوان الصفا: مدخل إلى الغنوصية الإسلامية"، يوضح الباحث فراس السوّاح، إلى أنّ المعرفة والخلاص الإنساني هما محور الغنوصية في الإسلام؛ فالخلاص الغنوصي لن يأتي بالشكليات والطقوس التي يغرق فيها المتدينون، وإنّما عن طريق المعرفة والعلم، والبعث الأخروي للأجساد ينتفي لديهم، فالبعث إنّما هو للأرواح، والخلاص يأتي من الجسد والعالم؛ فالخطيئة الأصلية، إن وجدت لدى الغنوصيين، فإنّها سقوط الجسد البشري في عالم المادة، وبانعتاقه يكون التحرر الأبدي، وأمّا التوبة فهي إدراك الإنسان للقبس الإلهي في داخله، وبحثه عن الوحدة المفقودة، ومع انبعاث الوعي الإنسان بالوحدة، يبدأ في الانعتاق، ويتحول الموت من الفناء والزوال، إلى دورة كونية جديدة في تناسخ الأرواح، كما في الرسالة الخامسة لإخوان الصفا؛ إذ يشبهون فيها الروح بالدر، والجسد بالصدف، فأمّا الموت فهو استخراج الدر من الصدف، كما استخراج الجنين من الرحم؛ أيضاً تنشأ الأخلاق الغنوصية من معرفة الإنسان بذاته وبالأب الأعلى الذي وهبه الروح؛ فالأخلاق لديهم تنبع من الحرية الكاملة، حين يسمو الإنسان ويتلمس مكامن الخير والبر في نفسه، أما الشرائع والنواهي والأوامر فليست حقيقية؛ لأنّ الخوف هو محركها، وأما الخوف فيتلاشى بالغنوص وانغماس الإنسان في قبسه النوراني الداخلي.

غلاف كتاب "طريق إخوان الصفا" لفراس السواح

تغاير الغنوصية الإسلامية، غيرها من المسيحيين الغنوصيين، الذين يرفضون العالم كله ويدعون للانسحاب منه، فهو ليس سوى شر مطلق، أرسل الرب يسوع لتخليصهم منه، أمّا إخوان الصفا فلا يرونه شراً، بل هو منتقص، بحيث أنّه آخر حلقة في سلسلة الفيض الإلهي، أمّا الجسد فهو سجن لمن ينغمس في الشهوات ويهبط في عالم المادة؛ فالحياة برأي الإخوان أشبه بمدة الحمل؛ فالجنين لن يخرج من الرحم إلّا حين يكتمل نموه، كذلك الإنسان لن تنعتق روحه من هذا العالم المادي إلّا باكتمال المعرفة الحقيقية، فلا ينكر الإخوان ملذات الجسد، بل يفضلون الاقتصاد فيها، والانشغال بالروح ومعرفتها التي تسمو بالإنسان الكلي، ومن هذا التصالح الفكري مع طبيعة العالم؛ فإنّ إسلام إخوان الصفا كان الجامع المانع لكل الأديان والملل والنحل، فمحور الخلاف الرئيسي بين المذاهب الإسلامية هو الإمام علي، رضي الله عنه، وحقه في الخلافة، تبددّ فوق مذهب الإخوان الذين أخذوا من كل الأديان ما يتناسب مع طبيعة البشري، ويلائم الروح ويساهم في انعتاقها، ويتجلى هذا في بداية طريقهم للمعرفة الذي استهلوه بأكثر العلوم تجريداً "الرياضيات"، ثُمّ الحساب، ثم الموسيقى باعتبارها علماً رياضياً أيضاً، حتى بدأوا بدراسة الكون والفيزياء والكواكب وحساب زوايا الشمس والقمر.
هل تشيّع إخوان الصفا؟
بالرغم من أنّ معظم المستشرقين، يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية، إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة، لا يمكن أن تثبت ذلك، فهم لم يجزموا بانتسابهم لأحد مذاهب الشيعة بما فيها الإسماعيلية، لكنهم لم يتخفوا من حب آل البيت، ووصفهم بخزان العلم، وورثة النبوة، وهو ما يأخذه الباحثون في مقدمتهم كوربان، الذي يتبنى تشيعهم المعتدل، وليس المغالي، وأمّا مسألة الإمامة، فعلى الرغم من وجود الإخوان في قلب الصراع السني الشيعي على الخلافة، إلّا أنهم لم يتعرضوا لها إلّا لماماً، ولم يختصوا أحداً بها، وينفي السّواح العلاقة بين إخوان الصفا والإسماعيلية، معللاً أنّ رسائل الإخوان لم تتعرض للإسماعيلين مطلقاً، ولا يوجد لها ذكر كذلك في كتب الإسماعيلية الأوائل في القرن الرابع والخامس الهجري، مثل القاضي نعمان، والكرماني والنسفي والرازي، ويذكر السواح أيضاً، أنّ الإسماعيلية الطيبية التي أنشأت دولة لها في اليمن في القرن السابع الهجري؛ أي بعد سقوط الفاطميين في مصر، قد أعلنوا اتخاذهم لرسائل الإخوان مذهباً للحكم.

معظم المستشرقين يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة لا تثبت ذلك

في كتابه "حقيقة إخوان الصفا وخلّان الوفا"، يورد الكاتب السوري، الدكتور عارف تامر، أنّ إسماعيلية إخوان الصفا تتجلى في تماثل التعاليم، ويتبنى عارف في أطروحته رأي المستشرق الفرنسي "بول كازانوفا"، لكن تبقى كتب الإسماعيلية الأوائل خالية الذكر من قريب أو بعيد، من الإخوان، وهو ما يثبت عدم تشيعهم، بالإضافة إلى امتداحهم للخلفاء الثلاثة الأوائل "أبوبكر، وعمر، وعثمان"، رضي الله عنهم، وهو ما ينفي شيعيتهم تماماً، أمّا عن الإمامة فقد وقع إخوان الصفا في تناقضات بشأنها، برزت في إهمالهم أمرها وعدم اكتراثهم بها في بعض الرسائل، أمّا الرسائل المتأخرة، فتقدم رأياً إسماعيلياً بامتياز في الإمامة، ويعزى هذا التناقض إلى إقحام بعض المقاطع الإسماعيلية على النصوص في القرون اللاحقة على الإخوان، بحسب كتاب طريق إخوان الصفا، فبرزت الإمامة في الرسالة الأخيرة بوصفها منقذ العالم من الضلال، وهو ما يتنافى مع فكر الإخوان، الذي يهتم بالإنسان وخلاصه، فلم تكن الإمامة ما يشغلهم، وهو أيضاً دليل إضافي لنفي تشيعهم.
تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني، ويتصالح معه وينقحه، لا يرفض من تراث البشر شيئاً، رسائل تخلو من الكراهية، تتأمل العالم وتسمو بالنفس والعقل والجسد فوق ملذات المادة الفانية، وتبقى في رحابها روحُ الإنسان رهينة المعرفة والحرية المطلقة التي يعرف من خلالها الإنسان طريق الإله من داخله.

للمشاركة:

عبد الحميد بن باديس: إصلاحي ضدّ الخلافة ومولع بأتاتورك

2019-08-28

حين كان الأزهريون يحاصرون الشيخ علي عبد الرازق، ويحاكمونه على كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، عام 1925، إلى درجة أنّ الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية حينها، اتهم الكتاب بأنّه يهدد، ضمنياً، نظام العقيدة الإسلامية بكامله، وذلك بمحاولته هدم أحد أسس هذا النظام؛ "عقيدة الخلافة"، انبرى المجاهد الجزائري، عبد الحميد بن باديس، للدفاع، من وجوهٍ عدة، عن طرح عبد الرازق، وإن بشكل غير مباشر؛ عبر نقد الخلافة كما طُبقت في التاريخ، ومعارضة تحويلها إلى مشروع سياسي، يجري حشد المسلمين تحت ظلاله.
سيرة فكرية
من أجل فهم كيف وقف هذا الشيخ في وجه العاصفة التي جعلت من الدفاع عن عبد الرازق من موقع "إسلامي" شبه مستحيل، (وإن كان هناك دفاع من قِبل التيار العلماني في مصر، وقد أضعف في الواقع موقف عبد الرازق كعالم ديني)؛ يجب تتبع السيرة الفكرية لابن باديس، وهي السيرة التي تتموضع داخل المدرسة الإصلاحية، كما جسدها الإمام محمد عبده، وعبّرت عنها مجلة "المنار"؛ وهي المدرسة التي يضرب عبد الرازق بسهمٍ فيها؛ وتكمن المفارقة في هجوم أحد مؤسسي الإصلاحية الكبار، الشيخ رشيد رضا، على كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، واتهامه بأنّه "آخر محاولة يقوم بها أعداء الإسلام لإضعاف هذا الدين وتجزئته من الداخل".

 كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق
على كلٍّ، ولد ابن باديس، كما يقول كاتب سيرته الفكرية، محمد الميلي، في كانون الأول (ديسمبر) 1889، في أسرة عريقة، في قسنطينة بالجزائر، يمتد نسبها إلى عائلة مالكة؛ هي عائلة المعز الصهناجي الأمازيغية، وأتمّ حفظ القرآن الكريم في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية في صغره، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة؛ حيث درس في الفترة ما بين 1908 و1912.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
خلال دراسته اتصل بروافد الفكر الإصلاحي الآتي من المشرق، وهو الفكر الذي ظلّ بمثابة البطانة الثقافية؛ لإسهامه السياسي في تاريخ الجزائر، وكانت جمعية "العلماء المسلمين"، التي أسسها، قائمة على فكر "المنار"؛ لذلك اضطلعت الجمعية بالهجوم على الطرق الصوفية، وإحياء "الكتاتيب" في كافة أرجاء الجزائر، ولم يكن تأسيسه لصحيفة "المنتقد" سوى صدى لأيديولوجيته الإصلاحية في مواجهة شعار الصوفية "اعتقد ولا تنتقد".
معالم إصلاحية
مثل كلّ مفكري الإصلاح (وابن باديس هو آخر نسخة من مدرسة الإصلاح) لم يهتم ابن باديس بالاستعمار كظاهرة سياسية بحتة وطارئة؛ بل ربط بينه وبين تخلّف المجتمعات الإسلامية في شتى النواحي: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية، ورأى بين ظاهرتَي التخلف والاستعمار وشيجة قربى ينبغي فصم عراها.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
في سبيل ذلك؛ لم يكن هناك مفرّ من التثاقف مع الغرب، والأخذ بأسباب النهوض، وكذلك العودة إلى التاريخ، لا لاستلهام مرحلة ذهبيةٍ يمكن أن تُعاش مجدداً، كما فعل الإصلاحيون من قبله، بل من خلال القراءة النقدية لتجارب الأمة التاريخية شاملة ودون انتقائية (على عكس مفكري الإسلام الحركي)؛ وكانت هذه النظرة الشمولية بمثابة الرافعة المنهجية في هجومه على الخلافة، ونقده الحاد للتجربة التاريخية للمسلمين، أو ما يسميه "الإسلام الوراثي"؛ أي الموروث تاريخياً دون تمحيص أو نظر.

بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة بقرنهم بالأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء

وفي هذا تفوق ابن باديس على محمد عبده والأفغاني معاً، اللذين رأيا في الماضي مثلاً أعلى، من وجهٍ ما؛ إذ إنّ هذا الماضي، في نظره، ليس محلاً للتقديس والاستلهام، بقدر ما هو خبرة تاريخية يمكن الاستعانة بجوانبها الإيجابية في خوض المعركة ضدّ التخلف الذي يمثله "الإسلام الوراثي".
رأى ابن باديس؛ أنّ "الإسلام الوراثي" لا يمكن أن ينهض بالأمة؛ لأنّ الأمم لا تنهض إلا بعد تنبّه أفكارها، وتفتّح أنظارها؛ والإسلام الوراثي مبني على الجمود فيه، لا النظر، ومع ذلك امتلك إدراكاً حاداً للجوانب الإيجابية، على ضمورها في الإسلام التاريخي؛ إذ إنّه حفظ للأمة شخصيتها (وهو مشغول بالحفاظ على الشخصية الجزائرية في مواجهة المسخ الفرنسي الشامل للمجتمع الجزائري)، ولغتها، وشيئاً كثيراً من الأخلاق، ويتفق معه في هذا المفكر العربي، فهمي جدعان، في إنصافه للإسلام التاريخي في كتاب "أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، عام 1988.
ضدّ الأوهام المقدسة
أتى عبد الرازق، على حدّ قول ألبرت حوراني في "الفكر العربي في عصر النهضة"، عام 1961، "بنظرية تاريخية جديدة حول أمور كانت النظرة التاريخية المقبولة بشأنها بمثابة عقيدة دينية"، ومع ذلك لم يكن هذا ليبرر العاصفة ضدّه على كلّ حال، ولعلّ في العنف اللفظي لدى رشيد رضا؛ الذي أتم انقلابه على الإصلاحية العربية قبل صدور الكتاب بعقد على الأقل، وفي دفاع ابن باديس (سليل الإصلاحية) عنه، ما يؤكّد أنّ المسألة لا تتعلق بأصول الدين الإسلامي، بقدر ما تتعلق بتغييرات سياسية وفكرية حطمت محاولات عبد الرازق في استئناف القول الإصلاحي، بعد أن هدم رشيد رضا معبد الإصلاحية على من فيه.

كتاب  "الفكر العربي في عصر النهضة" لألبرت حوراني
على عكس عبد الرازق؛ كان ابن باديس يتخذ موقفاً إيجابياً من الخلافة (على المستوى النظري)؛ إذ عدّها بمثابة "المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحلّ والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة بالجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع"، إلّا أنّ هذا المنصب لم يظل على ذلك، في رأيه؛ إذ أوفى بمهمته السياسية في صدر الإسلام، ثم انهارت رمزيته ومركزيته السياسية، وتعددت مراكز الحكم في الشرق والغرب، وقد أتى هذا التعدد بالهدم على معنى وصورة الخلافة.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
إذاً، اختلف ابن باديس مع عبد الرازق في تقييمه السلبي الشامل للخلافة؛ إذ لم ينكر مبدأ الخلافة في ذاته، كما تبين، لكنه اتفق معه في الجوهر السياسي للمسألة؛ وهو استحالة قيامها، ووجوب عدم السعي إلى إحيائها مجدداً.
وبهذا المنطق استنكر ابن باديس دعوات شيوخ الأزهر المطالبة بعودة الخلافة التي دخلت طور الامتناع، والخلافة التي ألغاها أتاتورك لم تكن إلا نظاماً حكومياً خاصاً بتركيا الإمبراطورية، وإن كان قد اكتسب رمزيةً ما عند المسلمين، دونما أساس.

كان الفارق بين عبد الحميد بن باديس وعلي بلحاج كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج

شنّ ابن باديس هجوماً شرساً على دعاة الخلافة، على اعتبار أنّهم "يفتنون الناس ويمتهنون إلهاءهم بما ليس في الإمكان تحقيقه"؛ ولأنّ "قيام الخلافة لن يتحقق، والمسلمون سينتهون يوماً ما، إن شاء الله، إلى هذا الرأي".
في كتابه "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية"، عام 1997، حاول فهمي جدعان تفسير موقف ابن باديس المعادي لدعوات إعادة الخلافة، بالإحالة إلى البيئة السياسية الجزائرية؛ إذ إنّ نقد الخلافة يعني عملياً فصل الدين عن السياسة؛ وقد كان ذلك بمثابة الضمانة الوحيدة لمنع الإدارة الفرنسية من التذرّع بتدخّل علماء الدين في السياسة وبالتالي السيطرة على المؤسسات الدينية والثقافية.
إلا أنّ هذا لا ينفي القدر الكبير من المجازفة في الوقوف في وجه التيار المُتفجع من سقوط الخلافة، الذي أحيا القول الفقهي والسياسي فيها، في ظلّ الهيمنة الاستعمارية على العالم الإسلامي المُهشّم، ولا ينفي كذلك الصعوبة الناجمة عن محاولة العودة بالمسألة السياسية إلى رحاب الإصلاحية الإسلامية التي انقلب عليها أحد كبار مؤسسيها (رشيد رضا)، حتّى بات السائر في مسارها، المحفوف بالمكارِه، ملكياً أكثر من الملك المنقلب على نفسه.
ومع ذلك، يبقى السؤال: إذا كان ابن باديس يرفض الخلافة كمشروع سياسي، الآن وهنا، فأيّ شكل للنظام يمكن أن يرتضيه؟
كتاب "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية" لفهمي جدعان

في سبيل الدولة الوطنية
للإجابة عن سؤال بديل الخلافة؛ يؤكّد ابن باديس أنّ الشعب المستقل (لا الأمة برمتها)، هو صاحب القول الفصل في النظام السياسي الذي يريده، ولا يجوز أن يُستغل الدين في هذا؛ فمثل كلّ الإصلاحيين؛ لم يتناول ابن باديس الدولة كإشكالية نظرية (هذا شيء متأخر في الوعي العربي عموماً، بدأ مع المفكّر المغربي، عبد الله العروي)، لكنَّه عنيَ بتبيان علاقتها بالدين والأمة.
لذا فقد حدّد ابن باديس تصوّره للنظام السياسي الحائز للشرعية في الراهن في ثلاثة عشر أصلاً، ترتبط بجملتها بنموذج مغاير لنظام الخلافة التاريخي، ولشكل الدولة الإسلامية كما تجلّى في أدبيات الجماعات الدينية لاحقاً، وهي:
1- "لا حقّ لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة؛ فهي صاحبة الحقّ والسلطة في الولاية والعزل"، بالتالي؛ يكرّس ابن باديس لمرجعية الأمة على أساس أنّها مصدر السلطات.
2- "الذي يتولى أمراً من أمور الأمة هو أكفؤها، لا خيرها في سلوكه"، وبذلك يسحب بساط الشرعية من حكم "رجال الدين" أصحاب التفوق الأخلاقي الأبدي.
3- "لا يكون أحدٌ بمجرد ولايته أمراً من أمور الأمة خيراً من الأمة" في استهداف واضح لأكثر مبررات الاستبداد فاعلية.
4- "للأمة الحقّ في مراجعة أولي الأمر؛ لأنّها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم" في إقرار لمبدأ المراقبة والمحاسبة.
5- "هناك حقّ للوالي على الأمة إذا رأت استقامته؛ فهي شريكة في المسؤولية" وبالتالي ترتبط طاعة السلطة بسلامة سياساتها.
6- "حقّ الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده" وهو مبدأ استوحاه ابن باديس من خطبة الخليفة الأول؛ الصحابي الجليل "أبي بكر الصديق".
7- "للأمة حقّ في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم، وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه"؛ وهو مبدأ يجرّد الاستبداد من أيّة مشروعية محتملة.
8- "على من يتولى أمراً من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها؛ ليكونوا على بصيرة، ويكون [الحاكم] سائراً في تلك الخطة عن رضى الأمة"، وهو ما يعرف في الفكر السياسي الحديث بالبرنامج السياسي.
9- "لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيت به لنفسها، وما الولاة إلا منفّذون لإرادتها؛ فهي تطيع القانون لأنّه قانونها، لا لأنّ سلطة أخرى لفرد أو جماعة فرضته عليها" في تحدٍّ سابق لأوانه لكلّ نظريات الحاكمية الإلهية.
10- "الناس (وليس المسلمون وحدهم) أمام القانون سواء" وهو إقرار صريح بمبدأ المواطنة.
11- "من الواجب صون الحقوق؛ فلا يضيع حقّ الضعيف".
12- "من الواجب حفظ التوازن بين طبقات الأمة" كأثر لحساسية جديدة دشّنها المدّ الاشتراكي في العالم العربي.
13- "المسؤولية مشتركة بين الراعي والرعية".

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟
وتؤسّس الأصول الثلاثة عشر (في المجمل) لتصور عصري للسياسة ونظام الحكم، تَنَاسَل من تصور الإصلاحية التي أرسى جذورها محمد عبده؛ وفي قلب هذا التصور يكمن مبدأ مدنية السلطة، وفي منطقه؛ إنّ الأمة هي الأساس، وليس الحاكم (كما في فقه السياسة الشرعية)، أو الشريعة (كما في اللاهوت المصطنع لمنظري الإسلام السياسي).
كان مولعاً بمصطفى كمال أتاتورك

في مديح أتاتورك
بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة؛ بقرنهم بـ "الأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء [في إشارة إلى بريطانيا]"، وهو لا يتعجب من سعي بريطانيا إلى إحياء الخلافة من أجل خلق قيادة للشعوب الإسلامية، تسهُل السيطرة عليها، وإنما العجيب بالنسبة إليه؛ "أن يُدفع في تيارها [تلك الدعوات] المسلمون، وعلى رأسهم أمراء وعلماء".
ويشير إلى مساعي علماء الأزهر، ومن خلفهم الملك فؤاد، في إقامة خلافة في مصر، حيث يقول: "في هذا الاندفاع ما يُتحدث به في مصر، فيتردّد صداه في الصحف في الشرق والغرب، وتهتم به صحافة الإنجليز على الخصوص، يتحدثون في مصر عن الخلافة كأنّهم لا يرون المعاقل الإنجليزية الضاربة في ديارهم".

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
لكنّ المفاجأة التي تنتاب الباحث في سيرته الفكرية؛ كانت موقفه من مصطفى كمال أتاتورك "الشيطان الأكبر" عند الشيوخ الرسميين والحركيين الإسلاميين؛ إذ كتب عقب وفاة أتاتورك، عام 1938، ما صدم به الذين احتفوا بموت أتاتورك على سبيل الشماتة والتشفي: "الآن خُتمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق الذي يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب؛ فيحولون مجرى التاريخ، ويخلقونه خلقاً جديداً؛ ذلك هو مصطفى كمال أتاتورك، باعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعزّ والسمو".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
أما حيثيات هذا الاحتفاء؛ فيردّها ابن باديس إلى أنّه: "لو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها؛ لكنّ كمالاً جمع تلك الفلول المبعثرة فالتفّ به (حوله) إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول؛ حيث الأرومة التركية الكريمة، وحيث الشعب النبيل الذي قاوم الخليفة الأسير (يقصد تبعيته لقوات الحلفاء المحتلة) وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب، وفي مقدمتها إنجلترا من الخارج؛ فأوقف الغرب عند حدّه، وكبح جماحه، وكسر غلواءه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله، وضرب له المثل العالمي في المقاومة والتضحية؛ فنهض يكافح ويجاهد".

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟
أما الأمثلة التي ضربها الشيوخ كدليل على عداء أتاتورك للإسلام فقد جعل منها ابن باديس دليلاً على حُسن إيمانه، وعلى رأسها ترجمة القرآن بالتركية؛ إذ يقول: "لقد تُرجم القرآن إلى التركية، ليأخذ الأتراك الإسلام من معدنه، ويستسقونه من نبعه؛ ويتمكنون من إقامة شعائره [الإسلام]؛ فكانت مظاهر الإسلام في مساجد تركيا تتزايد في الظهور عاماً بعد عام، حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه".
بل يقيم ابن بايس مفاضلة بين تطبيق الشريعة وتحقيق الاستقلال السياسي لصالح الأخير، يقول: إنّ "مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية، وليس مسؤولاً في ذلك وحده (يشير إلى مسؤولية العلماء الذين تجمدوا على المدونة الفقيهة الموروثة)، وفي إمكانهم (الأتراك) أن يسترجعوها متى شاؤوا، ولكنّه أعاد لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع".
في المجمل؛ أُجهض مشروع ابن باديس الإصلاحي؛ إذ سارت الدولة الجزائرية الوليدة في درب القومية العلمانية، وسار الإسلاميون من بعده في مسار تحقيق الدولة الإسلامية، نحو التمايز عن العالم والانفصال عنه؛ فكان الفارق بينه وبين علي بلحاج، كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج، لكنّ هذا لا يمنع ضرورة العودة إلى مقدمات ونتائج المدرسة الإصلاحية، التي لا يبدو أننا تجاوزنا إشكاليتها كثيراً، رغم تبدّد شرعيتها التاريخية.

للمشاركة:

"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

للمشاركة:



تقرير حقوقي يكشف أبشع انتهاكات الحوثيين الحقوقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعتقلت ميليشيا الحوثي حوالي 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي، أثناء تنقلهم بين المحافظات، وأخفتهم في سجون بمدينتي ذمار والحوبان بتعز.

وكشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان؛ أنّ معظم عمليات الاعتقال كانت خلال مرور المدنيين العائدين من عدن إلى صنعاء، على نقاط أمنية يسيطر عليها مسلحون من جماعة الحوثي.

وأعرب المرصد الحقوقي الدولي، ومقره جنيف، في بيان نشره على موقعه الرسمي، عن بالغ قلقه إزاء توقيف المدنيين اليمنيين بشكل غير قانوني، أو إخفائهم قسراً، على يد جماعة الحوثي، واصفاً هذه الانتهاكات بأنّها "الأبشع في سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن".

ميليشيا الحوثي الإرهابية تعتقل 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي بشكل غير قانوني

وبحسب البيان؛ فإنّ عمليات التوقيف والاختطاف في الطريق بين صنعاء وعدن تجري على الهوية، ما يزيد من معاناة المدنيين وأسرهم، مع تزايد الأنباء حول طلب القوات المحتجزة فدية مالية من أجل إطلاق سراحهم.

ووفق معلومات وثّقها المرصد الأورومتوسطي؛ فقد نزح نحو 3163 شخصاً من عدن، إضافة إلى 1034 أسرة من المحافظات الشمالية المختلفة، بعد أن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، موضحاً أنّ الأطراف الدولية والأمم المتحدة لم توفّر مراكز إيواء للفارين أو أيّة مستلزمات تمكّنهم من بدء حياة جديدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي جماعة الحوثي بكشف مصير 455 مدنياً اعتُقلوا خلال الفترة الواقعة بين أيلول (سبتمبر) 2014 وكانون الأول (ديسمبر) 2018.

كما طالب بالتوقف فوراً عن توقيف واحتجاز المدنيين الفارين من جنوبي البلاد، والتصريح بأسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم، والسماح لذويهم بزيارتهم والاطمئنان عليهم، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي للعمل الجاد من أجل إنهاء عمليات الاحتجاز التي تنتهك المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.

وأفاد بأنّ ذوي المعتقلين يخشون على مصير أبنائهم مع انتشار أنباء عن تعرضهم لعمليات تعذيب، إضافة إلى استمرار منع الزيارات الدورية التي كفلها القانون الدولي للشهر الثالث على التوالي.

وكانت مؤسسات حقوقية محلية قد أفادت، خلال ندوة نظمت على هامش الدورة الـ 42 لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بمدينة جنيف السويسرية، بأنّ "170 مدنياً يمنياً قضوا تحت التعذيب في سجون تابعة لجماعة الحوثي، بينهم 9 أطفال وامرأتان و6 مسنين، خلال الأعوام الخمسة الماضية".

بدورهم، كشف ناشطون يمنيون في صنعاء، في وقت سابق، اشتراط مسؤولين من جماعة الحوثي دفع 700 ألف ريال يمني (1300 دولار أمريكي) كفدية للإفراج عنهم.

وفرّ آلاف اليمنيّين من مدينة عدن مع احتدام المعارك بين قوات الحكومة الشرعية وأخرى تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، للسيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

 

 

 

للمشاركة:

شاهد.. "الجزيرة" تعترف بفبركة فيديوهات عن مصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعترفت قناة "الجزيرة" القطرية ببثّ فيديوهات مفبركة وإذاعة مقاطع مصوَّرة قديمة على أنّها مظاهرات من مصر قبل أيام.

واعترفت مذيعة "الجزيرة" بفبركة مقاطع الفيديو والصور، التي نقلتها القناة القطرية عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي على أنّها مظاهرات من مصر، وفق ما أوردت قناة "إيكسترا نيوز".

وقالت المذيعة: إنّ الفيديوهات التي تمّ تناول بعضها في نشرات الأخبار والتغطيات والتي نشرها نشطاء هي تجمّعات لمشجعي المنتخب المصري في بعض الفعاليات الكروية، وبعضها فيديوهات مفبركة، تمّ دمج صوت متظاهرين فيها مع صور مظاهرات سابقة.

بدوره، عرض الإعلامي المصري، عمرو أديب، في برنامجه "الحكاية"، المذاع عبر فضائية "MBC مصر" فيديو يظهر زيف ادّعاءات قناة "الجزيرة" القطرية.

وعرض أديب فيديو عرضته القناة وادّعت أنّه من مظاهرات بمدينة المنصورة، ثم عرضته مرة أخرى مدّعية أنّه من ميدان التحرير في القاهرة.

ووصف أديب ما حدث بأنّه "تأليف"، مشدداً على أن ّتلك المظاهرات التي بثّتها الجزيرة ليست إلّا تجمعات لمشجعي النادي الأهلي.

وفي دليل آخر؛ نشر الفنان المصري محمد رمضان عبر "فيسبوك"  فيديو يظهر كيف استغلت "الجزيرة" فيديو لمحبيه، وأخذت مقاطع منه، وفبركتها على أساس أنّها مظاهرة في مصر ضدّ النظام المصري.

وتجمّع في وسط القاهرة وعدة مدن أخرى في ساعة متأخرة من مساء الجمعة الماضي مئات المحتجين مرددين شعارات مناهضة للحكومة في استجابة لدعوة على الإنترنت للتظاهر ضد فساد بالحكومة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" عن شهود وسكان، لكن سرعان ما عادت الأجواء هادئة وإلى حركتها المعتادة وفق ما أوردت شبكة "بي بي سي".

 

 

للمشاركة:

قمة أردنية مصرية عراقية في نيويورك.. ماذا بحثت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

بحثت قمة عربية، ضمّت كلاً من العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره العراقي، برهم صالح، ضرورة ترسيخ السلام في منطقة الشرق الأوسط، وإبعاد شبح الحرب عنها.

القمة تؤكّد ضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية ومواجهة كلّ من يدعمها

وأكّد القادة الثلاثة في القمة التي عقدت، أمس، في نيويورك، على هامش اجتماعات الـ 74 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ضرورة البناء على الانتصارات التي تحققت مؤخراً في المعركة على الإرهاب، وضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية، أينما وجدت، ومواجهة كلّ من يدعمها سياسياً أو مالياً أو إعلامياً.

وشدّدت مخرجات القمة الثلاثية على مضاعفة الجهود الدافعة باتجاه السلام والحوار، من أجل هدوء يشمل المنطقة كلّها؛ إذ لفتت الأطراف المجتمعة إلى أنّ الأمن مشترك، وأنّ التهديدات والثغرات الأمنية من شأنها أن تشمل الجميع.

كما أكّد القادة دعمهم للحلّ السياسي الشامل للقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، وأهمية حصول الشعب الفلسطيني على كلّ حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقّه في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة، وعاصمتها القدس الشريف، على أساس حلّ الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

ونوّهوا إلى أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصّة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يحفظ وحدة واستقلال هذه الدول وسلامتها الإقليمية ومقدرات شعوبها، ويتيح الحفاظ على الأمن القومي العربي ومواجهة التدخلات الخارجية التي تستهدف زعزعة اﻷمن القومي العربي.

القمة تؤكد أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن

وعبروا عن تضامنهم الكامل مع المملكة العربية السعودية، في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها منشآتها النفطية، مشدّدين على أهمية الحفاظ على أمن منطقة الخليج العربي، وتأمين حرية الملاحة في الخليج، كمكوّن أساسي من مكونات الأمن القومي العربي، ومؤكدين أهمية التهدئة وتجنّب المزيد من التوتر والتصعيد؛ لما لذلك من أثر سلبيّ على الاستقرار في المنطقة.

واتفقوا على مواصلة التشاور والاجتماع بشكل دوري والتنسيق المستمر لتعزيز الأمن القومي العربي، ومواجهة كلّ التحديات التي تتعرض لها المنطقة، ودعم التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري والثقافي بين الدول الثلاث، وبناء شراكات فعالة بين الحكومات والقطاع الخاص في الدول الثلاث لذلك الغرض.

كما جدّدوا دعمهم الكامل للجهود العراقية لاستكمال إعادة الإعمار وعودة النازحين للمناطق التي تمّ تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.

 

للمشاركة:



استهداف السعودية والمعادلة الشرق أوسطية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

السيد ولد أباه

كشف العدوان الأخير على المواقع النفطية السعودية عن حالة التهديدات النوعية التي يعاني منها الأمن الإقليمي العربي في سياق المتغيرات الاستراتيجية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لا يتعلق الأمر بمجرد تحولات جيوسياسية ظرفية، بل بمتغيرات نوعية تطال البيئة النظرية والمفهومية للمجال الاستراتيجي نفسه، بما يحتاج من العرب يقظة كبرى لا مجال فيها للتردد والتقاعس.
ما نعنيه هنا بالمتغيرات المفهومية يتعلق بمفهوم الشرق الأوسط نفسه، الذي لم يعد صالحاً لبناء سياسات إقليمية ناجعة. وكما يبين المؤرخ الفرنسي هنري لورانس تزامن مفهوم الشرق الأوسط مع وصول القوى الأوروبية للمحيط الهندي في القرن السادس عشر، بما جعل قلب العالم الإسلامي بين محيطين تحت السيطرة الأوروبية. وقد أصبح المفهوم في الأدبيات البريطانية منذ القرن التاسع عشر يعني المناطق الممتدة على المحيط الهندي، بما يشمل الخليج العربي والدولة الفارسية (إيران)، ثم توسع المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية فأصبح يستوعب شرق المتوسط بما فيه اليونان ويوغوسلافيا.
وبعد نهاية الحرب الباردة وحرب العراق الأخيرة (2003)، برزت تحولات مفهومية في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط بحيث أصبح يشمل من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى (أو من نواكشوط إلى كابول).
ما حدث في السنوات الأخيرة هو انتقال التوجهات الاستراتيجية الأميركية من مفهوم «الشرق الأوسط الموسع» إلى مفهوم «المجال الهندي -الهادئ» وهو مصطلح بديل لمجالين جيوسياسيين سابقين هما الشرق الأوسط وآسيا -المحيط الهادئ. وتعني مقولة «المجال الهندي -الهادئ» التي استخدمتها الدوائر العسكرية الأميركية في عهد ترامب الفضاءَ الأمني الممتد من الشواطئ الشرق أفريقية إلى البوابة الغربية للقارة الأميركية، بما يعني دمج الهند في قلب الرؤية الاستراتيجية الأميركية المتمحورة حول التنافس مع الصين في هذه المنطقة الواسعة.
إن هذا التحول المفهومي ينعكس في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية في اتجاهات ثلاث أساسية هي: الارتباط الحيوي بين الأمن الخليجي والعربي إجمالا وأمن شرق أفريقيا الذي أصبح من مكونات المنظومة الشرق أوسطية، انفجار صراع النفوذ والمصالح بين الهند وباكستان في سياق المعادلة الآسيوية الجديدة التي ولّدها مشروع طريق الحرير الصينية الجديدة، ثم محاولات إيران النفاذ إلى شرق المتوسط من خلال وكلائها الإقليميين.
وبخصوص شرق أفريقيا، يتعلق الأمر بمنطقة تتداخل تداخلا شديداً مع أمن ومصالح البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر، ومن هذه المنطقة بلدان تنتمي لجامعة الدول العربية وتشكل امتداداً جغرافياً واستراتيجياً طبيعياً لمنطقة الخليج والجزيرة العربية، وقد تضاعفت أهميتها إثر انفجار الملف اليمني بعد استيلاء المليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً على مقار السلطة الشرعية في صنعاء.
أما الصراع الهندي الباكستاني الذي عرف في الأسابيع الماضية تطورات خطيرة في ملف إقليم كشمير، فله أبعاده الإقليمية والدولية المحورية وتأثيره الحاسم على المعادلة الشرق أوسطية. وليس من همنا الرجوع إلى الأسباب التاريخية للصراعات الحادة التي تعرفها شبه القارة الهندية بين مكونات الإمبراطورية المغولية التي تفككت على أساس ديني بعد نهاية الاستعمار البريطاني، وهو صراع يتركز حالياً حول موضوعين أساسيين، هما التنافس الهندي الصيني في وسط وجنوب آسيا الذي يفسر التقارب الصيني الباكستاني ومكانة باكستان المحورية في مشروع الحزام والطريق الصيني، والتنافس الهندي الباكستاني على التأثير والنفوذ في أفغانستان التي هي الحلقة الأساسية في معادلة التحكم في آسيا الوسطى.
ولا يمكن عزل هذين الملفين عن الاستراتيجية الإيرانية الساعية إلى التحكم في شريان التجارة النفطية العالمية من خلال موقعها المطل على مضيق هرمز بغية التموقع في المعادلة الآسيوية الجديدة. وعلى خلفية هذا الغرض ندرك محاولاتها المتكررة لاختراق موانئ شرق أفريقيا ودعمها للعصابات الحوثية في اليمن للوصول إلى باب المندب وشواطئ البحر الأحمر، استكمالا لاستراتيجيتها الإقليمية التقليدية للسيطرة على العراق والوصول إلى الضفة الشرقية للمتوسط.
ما نلمسه حالياً هو تمدد إيران من خلال مليشياتها الأيديولوجية المسلحة إلى العراق وشرق المتوسط عبر وكلائها في لبنان وسوريا، بما يضع الأمن الإقليمي العربي أمام تحديات جسيمة للغاية.
ما نريد أن نخلص إليه هو أن أي استراتيجية عربية ناجعة لا بد أن تراعي التحولات المفهومية لمعادلة الشرق الأوسط الجديد التي تتركز في اتجاه وسط آسيا وشرق أفريقيا وتدمج أطرافاً دولية لا تنتمي تقليدياً للدائرة الشرق أوسطية. ولا شك أن الخطوة الأولى لرد العدوان الإيراني هي إدراك هذه المتغيرات واستخدام الإمكانات والفرص الاستراتيجية التي توفرها لصانع القرار.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هزاع المنصوري: من طيار مقاتل إلى أول رائد فضاء إماراتي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

أليس كادي

يوشك الإماراتي هزاع المنصوري على أن يحقق إنجازاً تاريخياً باسم بلاده، إذ من المتوقع أن يصبح أول إماراتي يصل إلى الفضاء.

فالشاب الإماراتي، والطيار السابق، البالغ من العمر 35 عاما، سيشارك في مهمة هذا الأسبوع في محطة الفضاء الدولية، بعد انتقائه من بين آلاف المتقدمين.

وقال عن هذه التجربة قائلا إنها أشبه بأن "تعيش ما هو مستحيل".

وسيكون المنصوري العربي الثالث الذي يذهب للفضاء، إذ سبقه الأمير السعودي سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والسوري محمد فارس. وكانت رحلتيهما في ثمانينيات القرن العشرين.

ويُشار إلى الرحلة على أنها علامة إيجابية على نمو قطاع الفضاء الإماراتي. وتتضمن الخطط الإماراتية إرسال رحلة غير مأهولة إلى المريخ، بحيث تكون عام 2021 لتتزامن مع الذكرى الخمسين لقيام الدولة.

وقال هزاع في مؤتمر صحفي في يوليو/تموز الماضي إن هذه المهمة "علامة فارقة بالنسبة لي شخصيا، وبالنسبة للإمارات العربية المتحدة".

من هو هزاع المنصوري؟
يقول هزاع إن ولعه بالفضاء بدأ منذ طفولة، في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، التي نشأ وترعرع فيها.

ويضيف "بدأت أنظر إلى النجوم منذ طفولتي"،موضحا أن فكرة الاقتراب منها لم تكن فكرة مستحيلة لديه.

وكانت طموحات غزو الفضاء التي أبداها الشيخ زايد، مؤسس الدولة، باستضافته رواد فضاء أمريكيين في أبو ظبي في السبعينيات، أحد مصادر الإلهام لـ هزاع.

لكن في غياب برنامج فضاء إماراتي في ذلك الوقت، اتجه هزاع إلى الطيران. وبعد تخرجه في الجامعة، التحق بالقوات المسلحة كطيار مقاتل، حيث قاد طائرات من طراز إف 16.

وبعد سنوات، أدرك أن حلمه بالصعود إلى الفضاء يمكن أن يصبح حقيقة.

كيف أصبح رائد فضاء؟
في ديسمبر/كانون الأول 2017، أطلق حاكم دبي ورئيس وزراء الإمارات، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، دعوة عامة عبر حسابه على تويتر للالتحاق ببرنامج رواد الفضاء الإماراتي.

وتقدم أكثر من أربعة آلاف شخص للبرنامج، وكل منهم يأمل في أن يصبح أول رائد فضاء إماراتي.

ووقع الاختيار على هزاع، ومتقدم آخر يدعى سلطان النيادي، في التصفيات النهائية، بعد مجموعة من المقابلات الشخصية والفحوص الطبية والنفسية.

ووصف الشيخ محمد هزاع وسلطان بأنهما يمثلان "أوج الطموح الإماراتي".

ويقول أستاذ التاريخ، يورغ ماتييس ديتيرمان، ومؤلف كتاب "علم الفضاء والعالم العربي" إن تأسيس الإمارات العربية المتحدة بالتزامن مع برنامج الفضاء الأمريكي أبوللو ألهم القادة الإماراتيين.

"فالإمارات العربية المتحدة دولة شابة، تأسست عام 1971، في أوج الحرب الباردة وسباق الفضاء المرتبط بها، وكذلك في أوج الإنجاز الأمريكي بالصعود إلى القمر".

وتابع: "كانت هذه المرحلة فارقة بالنسبة للولايات المتحدة، التي كانت تحاول تحقيق أقصى استفادة من هذا الإنجاز العظيم، الذي ألحقته بحملة دعائية كبرى".

وأعلن مركز الشيخ محمد بن راشد للفضاء في أبريل/نيسان الماضي أن الاختيار وقع على هزاع ليصبح "رائد الفضاء الرئيسي" في الرحلة الافتتاحية، وأن سلطان سيكون ظهيرا له.

ومن المقرر أن يصعد هزاع إلى المحطة الفضائية الدولية بصحبة رائدة الفضاء الأمريكية جيسيكا مير، والروسي أوليغ سكريبوشكا، في مهمة مدتها ثمانية أيام.

وسيجري هزاع في هذه المهمة تجارب علمية، كذلك من المقرر أن يأخذ الجمهور العربي في جولة داخل المحطة باللغة العربية.

وقال: "أتطلع للعودة بالمزيد من المعرفة والتجارب، التي يمكنني أن أنقلها للجميع".

وتابع" الحياة في المحطة الفضائية الدولية ستمدني بالمزيد من المعرفة والفهم لما يجري خارج (الأرض). وربما تكون مرحلة نحو الصعود للقمر أو المريخ".

ماذا سيأخذ معه للفضاء؟
قال هزاع إنه سيأخذ صورة لعائلته، وعلم الإمارات في رحلته للمحطة الفضائية الدولية.

كما سيأخذ صورة للقاء الشيخ زايد برواد الفضاء من رحلة أبوللو، "فهذه هي الصورة التي ألهمتني، حتى أصبحت أعيش الحلم الآن".

كذلك ذكرت تقارير أنه سيأخذ بذور، ونسخة من كتاب "قصتي" للشيخ محمد بن راشد.

وأُعدت وجبة إماراتية للرحلة، وهي بلاليط (نوع من الشعيرية المحلاة التي تؤكل مع البيض المقلي)، وينوي هزاع مشاركتها مع زملائه.

وأخيرا، قال هزاع إن المهمة "مسؤولية ضخمة"، لكنه يأمل أن يكون مصدر إلهام للجيل القادم من المستكشفين كونه أول رائد فضاء إماراتي.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

عواصف التغيير تقتلع جذور الإخوان في السودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

رشا عمار

نجحت عواصف التغيير الجارفة بالسودان في اقتلاع جذور شجرة جماعة الإخوان، إذ تؤكد المؤشرات الراهنة خلو الخريطة السياسية الجديدة من أي وجود للتنظيم، الذي شهد أكبر تمدد وازدهار له في ظل حكم الرئيس المعزول عمر البشير. 

حظر مرتقب
ويواجه التنظيم الدولي للإخوان حالة من الارتباك الشديد منذ سقوط الجماعة في مصر بعد ثورة 30 يونيو/حزيران في 2013، زادت حدتها مؤخرًا إثر عدة عوامل، أبرزها ملاحقة عناصر التنظيم الهاربين في عدد من الدول العربية مثل الكويت والسودان وليبيا وغيرها.

ويرتبط العامل الثاني بزيادة حدة الانشقاقات الداخلية وخروج المئات من التنظيم، بعد خلافات حول الإيديولوجية والممارسة، خاصة في ظل ممارسة الجماعة العنف بشكل علني ضد المصريين من رجال الأمن والمدنيين، وأخيرا استهداف المرضى في حادث مأسوي وقع بمحيط معهد علاج الأورام بوسط القاهرة مطلع أغسطس/آب الماضي.

واتخذت السلطات السودانية على مدار الأيام الماضية عدة إجراءات من شأنها تقويض حركة جماعة الإخوان، أبرزها قرار المجلس السيادي السوداني بحل جماعة الإخوان المعروفة بـ"الوحدات الجهادية" داخل الجامعات، في إجراء قد تتبعه عدة خطوات ربما تنتهي بحظر التنظيم، حسبما رجح مراقبون.

ويصف أحمد عطا، الباحث بمنتدى الشرق الأوسط للدراسات بلندن، قرار المجلس السيادي في السودان بحل مليشيات الجماعة في الجامعات بأنه بداية جادة من الحكومة السودانية لحظر التنظيم، مؤكدًا أنه انتصار تاريخي ضد الحركة الإسلامية السياسية وممارساتها المتطرفة.

ويرى "عطا" أن المليشيا التي يطلق عليها "الوحدات الجهادية" بالجامعات ظلت طوال 3 عقود تقوض الاستقرار الأكاديمي الجامعي، وتمارس القتل والعنف والترويع وأبشع الانتهاكات ضد عناصر الحركة الطلابية السياسية المناوئة لفكر الإخوان المتطرف في الجامعات.

وأكد "عطا"، في حديث لـ"العين الإخبارية" أن الجامعات السودانية سجلت عددًا من حالات القتل وسط الطلاب بواسطة هذه المليشيات المسلحة التي تسببت أيضاً في تعطيل الدراسة بعدد من المؤسسات التعليمية.

ويقول الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي: "إن هذه الوحدات أنشأها الإخوان مطلع تسعينيات القرن الماضي مع اشتداد الحرب في جنوب السودان، وتمتلك مقارات للاجتماعات، ومخازن للأسلحة غالباً ما تكون ملحقة بالمساجد داخل الجامعات".

تحذير من عنف مسلح

ويخشى مراقبون أن تتبع جماعة الإخوان بالسودان سلوكًا عنيفًا للرد على قرارات الحكومة ضدها.

ويقول المفكر الإسلامي المصري ثروت الخرباوي: "إن الجماعة حاولت ابتلاع ثورة السودان والالتفاف عليها، كما فعلت في مصر عقب ثورة يناير/كانون الثاني، لكن إرداة السودانيين الذين أدركوا خطورة ما حدث بمصر أنقذت الموقف".

وحذر "الخرباوي"، في حديث لـ"العين الإخبارية"، من عنف الإخوان، متوقعًا أن تتزايد وتيرته خلال الفترة المقبلة في السودان للضغط على الحكومة وإجبارها على ترك مساحة لتحرك التنظيم، وهو نفسه التكتيك الذي تتبعه الجماعة بمصر على مدار سنوات.

ويتفق معه في الرأي أحمد عطا الذي أكد أن تنظيم الإخوان في السودان سيغير من آلياته بعد تراجعه في المشهد السياسي، وفقدان قدرته على السيطرة، ولهذا سيتجه للعمل السري المسلح، كما هو متبع في أدبيات تنظيم الإخوان للسيطرة على المشهد السياسي، وفرض الوجود بالقوة والإرهاب.

وتتزامن إجراءات السلطات السودانية ضد جماعة الإخوان مع استراتيجية كاملة تسعى حكومة حمدوك لتنفيذها، والتي تستهدف إزالة اسم الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لتحقيق المزيد من التعاون الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مع جميع دول.

وشدد "الخرباوي" على أن "الإخوان" هي محور الشر في الوطن العربي التي تقوم بدور محدد لتقسيم المنطقة العربية على أساس ديني، مشيرًا إلى أن الجماعات السرية في العالم كله تحاول تزييف التاريخ وتكتب معلومات غير صحيحة عن نفسها، وتنظيم الإخوان من الجماعات السرية التي زيفت التاريخ.

ويرى الكاتب الصحفي السوداني عثمان المرغني أن من مصلحة بلاده، بل المنطقة كلها، أن يتمكن السودانيون من تفكيك دولة الإخوان العميقة، ويكشفوا كل مفاصلها، وأذرعها وامتداداتها بمليشيات الظل التي شكلتها، والشركات الواجهة التي أقامتها، وشباكها التي نشرتها في الداخل والخارج.

ويعد فرع تنظيم الإخوان في السودان من أقرب فروع الإخوان إلى مركزية التنظيم في مصر، نظرا للجوار الجغرافي وقرب المسافة بين دولتي وادي النيل، ونظرا للتشكيل المبكر لإخوان السودان عام 1949 وتأثرهم بأفكار مؤسس الجماعة حسن البنا وسيد قطب أحد أبرز قياداتها، ومنظر العنف الإخواني.

ترحيل إخوان مصر ضربة قاصمة
وأكدت مصادر مصرية وسودانية أن الحكومة السودانية تعتزم تسليم جميع عناصر تنظيم الإخوان الهاربين من مصر بعد عام 2013.

وقال مصدر أمني مصري لـ"العين الإخبارية" إن بلاده خاطبت السودان رسميًا لتسليم العشرات من عناصر تنظيم الإخوان المطلوبين على ذمة قضايا عنف وتطرف.

وأضاف المصدر أن أبرز هذه الأسماء، 3 قيادات من أعضاء مجلس شورى الإخوان وهم: "ياسر حسانين، ومحمد الشريف، وحلمي الجزار" والأخير فر هاربًا إلى تركيا، والقياديان يوسف حربي وعبدالهادي شلبي.

وطالبت مصر السودان بتسليم نحو 70 عنصرا من المنتمين لحركة "حسم"، الذراع المسلحة لجماعة الإخوان، وأبرزهم أحمد "عبدالمجيد، ومصطفى طنطاوي"، المتهمان الرئيسيان بمحاولة اغتيال مدير أمن الإسكندرية السابق اللواء مصطفى النمر.

وتقول تقارير "إن عدد الإخوان الهاربين من مصر إلى السودان بعد 2013 تجاوز 3 آلاف شخص".

ومثل السودان ملاذًا آمنًا لعناصر تنظيم الإخوان الفارين من مصر عقب ثورة 30 يونيو/حزيران، لعدة أسباب أهمها قرب المسافة، والطبيعة الجغرافية والأمنية للحدود بين البلدين، فضلًا عن احتضان إخوان السودان لأبناء جماعتهم وتوفير معيشة سهلة لهم في ظل حكم الرئيس المعزول عمر البشير.

ويقول مصدر قريب من الجماعة: "إن معظم الإخوان في السودان تواجههم مشاكل أمنية، وقضايا إرهاب في مصر، بالإضافة إلى أن الكثير منهم لا يملكون جوازات سفر أو هوية شخصية، وذلك بسبب دخولهم إلى السودان عن طريق التهريب".

وبالرغم من مطالبة مصر مرارًا للسودان منذ 2014 بتسليم عناصر الإخوان المطلوبين على ذمة قضايا إرهاب إلا أن حكومة البشير فضلت تجاهل الأمر، ودعمت وجود الإخوان هناك.

وخلال زيارته للقاهرة مؤخرًا تعهد الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري السوداني للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأنه لن يبقي على أرض السودان مطلوبا واحدا للأمن المصري، ووقع الجانبان خلال الزيارة اتفاقية لضبط الحدود ومكافحة الإرهاب.

فرار جماعي إلى تركيا
وكما مثلت تركيا ملاذًا آمنًا لقيادات تنظيم الإخوان الهاربين من مصر عقب الثورة، فتحت أبوابها أمام الفارين من السودان،  بعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير بانتفاضة شعبية؛ حيث تدافعوا إليها واحد تلو الآخر، واحتضنتهم بلا مواربة امتداداً لتاريخها الحافل بإيواء الفاسدين والمتطرفين.

وأبرز قيادات التنظيم الهاربين إليى تركيا مؤخرًا الإخواني المصري حلمي الجزار المتهم في قضية تحريض على العنف المعروفة إعلاميا بـ"قضية بين السرايات".

وفر "الجزار" إلي إسطنبول بداية العام الجاري، وظهر قبل أيام قليلة بصحبة الداعية الإخواني يوسف القرضاوي بمنزله، حسب المصدر ذاته.

كما هرب شقيق الرئيس المعزول عمر البشير، "العباس" المتورط في ملفات فساد واستغلال نفوذ مكنه من تأسيس شركات وأسماء عمل بطرق ملتوية، والمطلوب لدى السلطات القضائية في الخرطوم.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية