السلطة السياسية.. هل ما تزال قادرة على تأدية دور ديني؟

2554
عدد القراءات

2019-05-01

لم تعد الدعوة إلى دور ديني معتدل وتنويري للدولة، أو إعادة الحكومة للنظر في مناهج التعليم الديني في المدارس والجامعات، وفي محتوى الوعظ والإرشاد في المساجد، لتكون معتدلة وتنويرية، فكرة عملية أو ممكنة التطبيق؛ إضافة إلى أنّها في واقع الحال تطرف واستبداد، فأن يحوّل التنوير الديني إلى مادة في المدارس والجامعات والمساجد يعني فرضه على الطلاب والمواطنين بالقوة، ومواصلة الدولة في لعب دور وصائي على الأفراد والمجتمع، وقهري على ضمائر الناس، ولا فرق في القهر الفكري أن يكون محتواه تنوير أو تخلّف.

اقرأ أيضاً: مستقبل الإسلام السياسي: مآزقه وخياراته

لكن المطلوب، والممكن أيضاً، هو أن تطور العمليات التعليمية والاجتماعية، في مجملها، لتكون في بيئة من الحريات والتفكير النقدي والإبداع والفلسفة والفنون، وأن يقدم المحتوى العلمي في الشأن الديني أو الاجتماعي أو التاريخي دون تحيز أو تقديس، وبمناهج وأدوات نقدية وتعددية، تسمح بالتقييم والنقد والترجيح والحياد، وأن تسند الممارسات الدينية التعبدية والطقسية إلى الأفراد والمجتمعات، على نحو يخلو من المحتوى والدور السياسي، سواء كان هذا التسييس للدين تقوم به السلطة السياسية أو الجماعات والأحزاب السياسية، وبالطبع فإنه ليس مطلوباً من السلطة السياسية أن تتخلى عن دورها في تطبيق القانون، وفي الدعم والرعاية والتمكين للمجتمعات والمنظمات الاجتماعية والثقافية، لكن ليس في إطار مؤسسي وتنظيمي، يجعل الشأن الديني، تعليماً وممارسة، جزءاً من السلطة نفسها.

إنّ أول من يجب أن يدعو إلى دمج المحاكم الشرعية بالنظامية وإلغاء التعليم الديني بالمدارس هم جماعات الإسلام السياسي

وتنطبق المقولة أيضاً على محاكم الأحوال الشخصية، فلا معنى لإسناد تطبيق القانون إلى محاكم دينية خاصة، طالما أنه قانون للدولة تطبقه على جميع المواطنين أو معظمهم، فالاستثناء من القانون يخص عدداً قليلاً من غير المسلمين، خاصة المسيحيين، الذين يعودون إلى محاكم كنسية، لكن أيضاً ضمن سيادة الدولة وقوانينها.

وبالمناسبة؛ فإنّ أول من يجب أن يدعو إلى دمج المحاكم الشرعية بالنظامية وإلغاء التعليم الديني في المدارس، وتخلي الدولة عن إدارة وتمويل المساجد والشأن الديني، هم جماعات الإسلام السياسي المعارضة للدولة، أو التي تعتقد أنّ الدول القائمة غير إسلامية، ولا تحكم بالإسلام، فإذا كانوا يرون الدولة غير إسلامية؛ فإنّ من مصلحتهم، أو مما ينسجم مع ما يدعون إليه؛ أن تتخلى الدولة عن التعليم الديني وإدارة الشأن الديني، وإذا كانوا يعتقدون أنّ الدولة إسلامية فلا معنى لوجودهم؛ إذ يجب أن يتحولوا إلى جماعات سياسية واجتماعية في ظلّ الدولة، أو العمل لأجل أفكارهم وأهدافهم، التي يرونها إصلاحية أو ضرورية، من خلال مؤسسات الدولة وأنظمتها السياسية والاجتماعية والقانونية.

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي

ولم يعد ممكناً أن تنظم الدولة والمؤسسات الدينية أو تقنن مسائل الاعتقاد الديني، فلا يمكن تطبيق الدستور والعقد الاجتماعي والارتقاء بالحريات إلا بتحويل الدين والمعتقدات الدينية إلى مسألة شخصية فردية لا علاقة للدول بها، ولا يمكن حلّ مسألة اعتناق الدين أو تغييره إلا بتعويمها وتحويلها إلى مسألة شخصية لا تتدخل فيها الدولة ولا تطالها القوانين ولا تغير في الاعتبار القانوني والشخصي للمواطن.

اقرأ أيضاً: هل يجب أن نقلق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي؟

المسألة، في طبيعة الحال، تمثل قلقاً وتحدياً للدولة والمجتمع، لكن -وفي جميع الأحوال- فإنّ تجنيبها القوانين والمؤسسات الرسمية أمراً ضرورياً ومهماً؛ بل يقتضيه الدستور، لتكن قضية شخصية أو عائلية، لماذا نحولها إلى قانونية ورسمية؟ حتى في حالات التدخل لأجل فضّ الخلاف، أو منع الأذى؛ فهي إجراءات اجتماعية وإدارية، يمكن أن يقوم بها المجتمع أو الحاكم الإداري ضمن الواجبات والمبادرات الاجتماعية؛ ومن غير تدخل قانوني، فالمسألة ليست قانونية، أو يفترض ألا تكون قانونية.
هكذا، إذا كانت المواطنة هي الاعتبار الأساسي والوحيد في العلاقة بين الدولة والمواطن وتنظيم الحقوق والواجبات؛ فإن وجود المحاكم الشرعية وكثير من بنود قانون الأحوال الشخصية، والإشارة إلى الدين في الوثائق الرسمية، وقوانين ومعاملات تغيير الدين في المحاكم؛ تتناقض مع الدستور؛ لأنّ الدستور يحدّد المواطن باعتباره كذلك، ويجب ألا يزيد ولا ينقص في ذلك شيء، دين المواطن أو تغيير دينه؛ فالدين مسألة لا يجوز أن تكون جزءاً من القوانين والوثائق والمعاملات، إنها مسألة فردية خاصة بين الإنسان والخالق الذي يؤمن به، ولا يمكن تقنينها أو التدخل فيها، أو محاسبة أحد بشأنها.

لا يمكن تطبيق الدستور والعقد الاجتماعي والارتقاء بالحريات إلا بتحويل المعتقدات الدينية لمسألة شخصية فردية لا علاقة للدول بها

لقد حاول المأمون، ومن بعده المعتصم والواثق من خلفاء الدولة العباسية، أن يفرضوا العقلانية على الناس، وبذلوا في ذلك جهوداً مؤسسية وسلطوية كبيرة، لكنّهم فشلوا في النهاية؛ بل إنهم أضروا بالعقلانية، والتي كانت سائدة من قبلهم في خلفاء بني العباس ومتأخري الأمويين، وكانت أيضاً غالبة في الوسط الاجتماعي العلمي الإسلامي منذ فجر الدعوة الإسلامية.

واليوم؛ في ظل الشبكية والثورة الصناعية الرابعة، تصعد الفردية صعوداً كبيراً ومؤثراً، ولم تدع للدولة المركزية أن تنظيم الدين والثقافة والمسائل الشخصية؛ بل إنها تواجه تحديات حقيقية، تفقد أو تقلل، السيطرة على التعليم والإرشاد والإعلام والأعمال والأسواق والأموال والنقود، ولم يعد من مجال سوى التخلي عن تنظيم الشأن الديني.

اقرأ المزيد...

الوسوم: