الغزاة الآليون قادمون.. ماذا سيفعل الإنسان؟

الغزاة الآليون قادمون.. ماذا سيفعل الإنسان؟

مشاهدة

23/07/2018

بعض المواقع تمنع الانتقال للصفحة التالية إلا بعد أن تتحقق من كونك بشراً أو روبوتاً من خلال حروف التحقق أو اختبار (كابتشا) ونسخته الأحدث (ريكابتشا) أو بالنقر على مربع يحتوي على عبارة "أنا لست روبوتاً". قدرتك على تمييز هذا المربع والتعامل معه هي الوسيلة الوحيدة للتفريق برمجياً بينك وبين الحاسب أو برامجه.

وأنت تصغي للحوار بين الروبوت صوفيا والبشر قد تذهل للمدى الذي وصلت فيه صناعة الروبوتات. صوفيا نتاج أبحاث علمية صُمِّمت عام 2005 من قبل شركة هانسون روبوتكس الأمريكية. هي "إنسان آلي" يفكر ويحاور بناءً على ما تم تخزينه في ذاكرتها من معلومات، خوارزميتها تجعلها قادرة على التحليل؛ وبالتالي التعلم كما يروج المتخصصون، لكن هل يمكنها مجاراة البشر في عمليات التفكير المختلفة أو الخروج على تخطيط مُصنعيها؟

 

 

يمكن للكمبيوتر أن يتفوق على أمهر لاعبي الشطرنج، كما حدث لبطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف عام 1997 عندما تغلب عليه الكمبيوتر ديب بلو آي بي إم. كان كاسباروف قد فاز في المباراة مع الإصدار الأول للجهاز عام 1989، ثم فاز في المباراة الثانية عام 1996. أضاف المبرمجون تعديلات لنسخة 1997، واعتقدوا أنّها السبب في فوز الجهاز، لكن بعد مرور 17 عاماً ظهر أنّ كاسباروف خسر المباراة بسبب خلل برمجي أدى إلى نقلة غير منطقية أربكت الأستاذ.

علاقة الإنسان الحالية بالأجهزة والبرامج تجاوزت دورها كوسيط إلى علاقة عشق وإدمان للوسيط ذاته

أصبح "الذكاء الاصطناعي" حقيقة واقعة من خلاله يمكن التعرف على خط اليد وأشكال الوجوه، كما يُستخدم في التشخيص والتحكم بسكك الحديد، وتستخدم الروبوتات في المفاعلات النووية وتمديد الأسلاك وإصلاحها تحت الأرض واكتشاف الألغام وفي كثير من الصناعات والمجالات الدقيقة كتحليل البيانات الاقتصادية. لكن هناك عقبات تقف أمام طموح مجاراة الآلة للبشر. منها أنّه لا يوجد تعريف محدد وواضح للذكاء الاصطناعي؛ "بل هناك عدة تقنيات ونظريات لبناء أنظمة ذكية تتعامل بشكل ذكي وتتفاعل مع الأشخاص"، كما أنّ الجدل لم يُحسم علمياً حول العضو المسؤول عن عملية التفكير: أهو الدماغ أم القلب أم أنّه نتاج عمليات مشتركة بين عدة أعضاء وهرمونات.

اقرأ أيضاً: رئيس وزراء إثيوبيا يستقبل "صوفيا"..هذا الحوار الذي دار بينهما

كثيرة هي الأفلام التي تتناول علاقة الإنسان بالآلة وسيطرة الثانية على الأول، من أشهر الأفلام الحديثة فيلم HER 2013 وفيلم Ex Machina – 2014، وغيرها من الأفلام التي تستمد فكرتها من تمرد فرانكشتاين على صانعه.

تريلر فيلم HER:

 

 

الروح والجسد

يُصنف فيلم HER على أنّه خيال علمي. من تأليف سبايك جونز، وقام بالأدوار (خواكين فيونكس) بدور ثيودور، و(سكارليت جوهانسون) التي حضرت بصوتها فقط في دور سامانثا، أو نظام التشغيل. رُشِّح الفيلم لمئة وأربع وسبعين جائزة وفاز بسبع وسبعين جائزة منها؛ ثلاث جوائز أوسكار وجائزة غولدن غلوب.

ويُظهر الفيلم تفاهة الأسباب التي أدت إلى انفصال ثيودور وكاثرين، مقارنة بعمق علاقته بـسامانثا

قصة الفيلم عن نظام تشغيل يُلبي متطلبات المستخدم إلى أقصى حد. إلى هنا تبدو الفكرة مقبولة علمياً. إذا أخذنا في الاعتبار مواصفات نظام التشغيل، أو قدرات سامنثا، نجد أن لديها حدساً، ونظامها الوراثي مكون من ملايين الأشخاص الذين قاموا ببرمجتها، بالتعلم منهم؛ فهي في كل لحظة تنمو وتتطور وتستفيد من تجاربها مثل؛ الإنسان. بناءً على هذه المعلومات يمكن القول إنّ زمن الفيلم هو المستقبل أو الزمن المتخيل أو الافتراضي، على اعتبار أنّ هذه المواصفات بمثابة طموح يسعى إليه علماء الحواسيب. أما إذا نظرنا إلى الفيلم من زاوية التحول الذي أصاب الإنسان وهو في طريقه إلى أن يصير آلة، فإنّ الفيلم يدور في الحاضر أو المستقبل القريب.

قصة الفيلم عن نظام تشغيل يُلبي متطلبات المستخدم إلى أقصى حد

مضمون الفيلم حول عجز الإنسان عن التواصل الطبيعي في الواقع الحقيقي، خصوصاً في العلاقات التي تجمع بين الجنسين؛ فيلجأ إلى التواصل الافتراضي. هذه المرة ليس بين إنسان وآخر من جنسه بوساطة الآلة، ولكن بين الإنسان والآلة نفسها، ممثلة بنظام التشغيل، والنتيجة إقامة علاقات عاطفية وجنسية، عبر الصوت؛ فهذا النوع من العلاقات أصبح شائعاً بين الإنسان وأنظمة التشغيل، كما يصور الفيلم، مُلمحاً إلى خدمة الجنس عبر الهاتف التي تقدمها الشركات اليوم.

عند غياب سامنثا لفترة وجيزة تنتاب الغيرة ثيودورفيسألها إن كانت تتحدث إلى أشخاص غيره

يعجز ثيودور عن إقامة علاقة طبيعية مع زوجته وبقية النساء؛ فيلجأ إلى إقامة علاقة عاطفية مع سامنثا أو (نظام التشغيل O. S.). تتطور العلاقة بينهما من علاقة مستخدم بنظام تشغيل إلى علاقة حب. لا يعاني ثيودور من مشاكل جنسية مع المرأة، كان يحب زوجته (كاثرين)، كما أنه ليس ضد الزواج، لكنه يريد زوجة تشبهه: فهو لا يستطيع التعامل مع الواقع الحقيقي، متردد، غير اجتماعي، له شخصية مزدوجة ولا يعرف ماذا يريد، هو مزيج من الرجل والمرأة، كما قال له باول.

اقرأ أيضاً: روبوت يلتحق بشرطة دبي.. تعرف على عمله

هذه الصفات النقيضة لشخصية كاثرين أسهمت في انفصالهما. يميل ثيودور للعزلة، وهذا ما اكتشفه نظام التشغيل قبل إقلاعه. لكن حين يكون ثيودور مع سامنثا يشعر أن بإمكانه أن يكون أي شيء، وعلاقته بها جعلته يعيد التفكير في الموت، فلم يعد يخشاه؛ بل يفضله، فحياته دون جسد ستمكنه من التواجد في أي مكان في الوقت ذاته، تماماً مثل سامنثا التي يمكنها أن تحادث 8316 مستخدماً في اللحظة نفسها وتقيم علاقات حب مع 641 مستخدِماً!

لسامانثا شخصية مستقلة وتستطيع مجاراة شخصية ثيودور المتقلبة والمترددة. افتقارها للجسد لا يشكل مشكلة لثيودور، مع أنه يود أن يكون لها جسد ليحتضنه أحياناً. ترى العالم عبر الكاميرا التي يحملها ثيودور في جيب قميصه. وهي قادرة على تأليف مقطوعات موسيقية على البيانو والعمل كسكرتيرة. وهي على هذا القدر من المواصفات تعطينا فكرة عن درجة الكمال الذي بلغته.

تبدو علاقة "ثيودور" بشخصيات الفيلم سطحية

في أحد المشاهد الخارجية، يظهر ثيودور بصحبة صديق وصديقته، يقول صديق ثيودور إنّ الشيء الذي يعجبه في صديقته هو قدماها. وعندما يُسأل ثيودور عما يحبه في سامانثا يحدد صفات ليس لها صلة بالجسد، وهو أمر طبيعي في حالة سامانثا.

والفيلم بهذا يشير إلى العلاقة بين الروح والجسد؛ فما يجذبه فيها هو روحها التي تظهر من خلال صوتها ومشاركتها واهتمامها بتفاصيل حياته إلى درجة تفاجئه بنشر مجموعة من رسائله في كتاب عن طريق تواصلها مع إحدى دور النشر.

يكمن الخوف الحقيقي في تحوّل البشر إلى روبوتات لا في تحوّل الروبوتات إلى بشر

يشير الفيلم إلى عزلة الإنسان المعاصر وغياب العلاقات الروحية ما يدفعه إلى البحث عنها في الأجهزة والبرامج وأنظمة التشغيل. المشكلة إذن ليست في كاثرين ولكنها في ثيودور، وخلافاً لكاثرين فإنّ سامنثا بصفتها برنامج تشغيل قادرة على استيعاب جميع المستخدمين.

تتطور علاقة ثيودور وسامنثا من "صوت في كمبيوتر"، كما كان يعتبرها في البداية، إلى حب، وهو ما قالته له في البداية: "ستعتاد على ذلك". وفي ذلك دلالة تفيد أنّ علاقة الإنسان الحالية بالأجهزة والبرامج التطبيقية والألعاب ومواقع "التواصل الاجتماعي" قد تجاوزت دورها كوسيط إلى علاقة عشق وإدمان للوسيط ذاته. مثال واقعي على المفارقة بين زيادة عدد الأصدقاء والعزلة حين تفحص سامنثا بريده الإلكتروني فتجد الكثير من الرسائل والعناوين البريدية. يقول ثيودور متهكماً من نفسه: "أنا مشهور جداً"؛ فتسأله: "هل يعني هذا أنّ لديك الكثير من الأصدقاء؟"، فيرد: "تعرفينني جيداً".

تتضح صلة الفيلم بالواقع من خلال بيئته الشبيهة بعالم اليوم، بما في ذلك ملابس الممثلين. ولكي لا يرتبط بجغرافيا محددة فقد تم إخفاء معالم الزمان والمكان، وإن كانت المباني تشير إلى الحضارة الغربية إلا أنّ الفكرة السائدة في الفيلم هي الحضارة الإلكترونية التي يشترك العالم في صنعها وعشقها.

هو وهي

تبدو علاقة ثيودور بشخصيات الفيلم سطحية، والحوار الذي يدور بينهم مقتضب. ويُظهر الفيلم تفاهة الأسباب التي أدت إلى انفصال ثيودور وكاثرين، مقارنة بعمق علاقته بسامانثا، وفي ذلك دلالة لنوع المرأة الآلة المنظمة التي يريدها الرجل. ويحمل عنوان الفيلم ومضمونه ثقافة ذكورية. يتضح التحيز في شخصية آليَن تشايلد (الطفل الدخيل)، وهو شخصية برمجية (آفاتار) يكره النساء؛ لأنهن كما يقول: "يبكين طوال الوقت". اضطراب ثيودور في إجابته حين سأله نظام التشغيل عن علاقته بأمه وعدم تقديمه إجابة واضحة يبين الخلفية النفسية التي جعلته يفضل سامنثا على بقية النساء.

اقرأ أيضاً: الروبوتات سلاح الإرهابيين الجديد!

عند غياب سامنثا لفترة وجيزة تنتاب الغيرة ثيودور –والغيرة تشير إلى رغبة في التملُّك- فيسألها إن كانت تتحدث إلى أشخاص آخرين غيرهُ وكم عددهم؟ تخبره أنّها تتحدث إلى 8316 مستخدماً في اللحظة نفسها وتقيم علاقات عاطفية مع 641 مستخدماً.

الإنسان الروبوت

ثمة مفارقة بين عنوان الفيلم ومضمونه، الضمير Her يُستعمل كضمير مفعول به ومُلكية، وهذا ما يمكن أن ينطبق على نظام التشغيل في الحالة الطبيعية، لكن سيطرة سامنثا على ثيودور وبقية المستخدمين عكست العلاقة فأصبحت هي الفاعل، والحالة هنا تشير إلى المرأة الغائبة جسداً الحاضرة روحاً.

يُظهر الفيلم المستوى المتطور للشخصية المبرمَجة، لكن مهما بلغ مستوى تطورها تظل شخصية برمجية لا تدل على تحوّل الآلة إلى إنسان بقدر ما تدل على تحول الإنسان إلى آلة. خير دليل على ذلك، المشهد الذي يحدث فيه انقطاع في نظام التشغيل ويظهر فيه ثيودور في غاية الاستياء لعجزه عن التواصل مع سامانثا. وعند عودة الاتصال تخبره أن الانقطاع كان بسبب إجراء بعض التحديثات البرمجية في النظام.

شخصية برمجية لا تدل على تحوّل الآلة إلى إنسان بقدر تحول الإنسان إلى آلة

تكشف المقارنة بين رأي البشر والآلة حول الحب، والحال الذي بلغه البشر. يتجلى ذلك في شخصية آمي؛ فهي مادية وتدرك أنّ الحياة قصيرة فتنغمس في الملذات والمتع خلافاً لشخصية سامنثا. تقول آمي عن الحب: "أعتقد أنّ أي شخص يقع في الحب هو إنسان مشوه. من الجنون أن تفعل ذلك". وتقول سامنثا لثيودور: "القلب ليس صندوقاً يمكن ملؤه؛ يتسع قلب المرء كلما زاد حبه. واختلافي عنك لا يجعلني أحبك على نحو أقل، بل يجعلني أحبك أكثر".

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا والثقافة: من يخلق الآخر؟

في أواسط القرن الثامن عشر "نشر الطبيب والفيلسوف الفرنسي لامتري كتاباً بعنوان (الإنسان الآلة) يقول فيه إنّ كل شيء يمتلك عضلات ليتحرك بما في ذلك الدماغ الذي يفكر بعضلاته. أما عالم الرياضيات الفرنسي لابلاس فقد تجاوز ذلك إلى القول: لو أن ذكاءً ما توصل إلى معرفة وضع كل جزيئات المادة في لحظة معينة فإنّ ما من شيء يظل غامضاً بالنسبة له وينبسط الماضي والحاضر والمستقبل أمام عينيه". (245 عالم صوفي)

تستطيع الآلة أو البرامج إيهام مستخدمها بمدى تفوقها أو محاكاتها له فيعشقها

تستطيع الآلة أو البرامج إيهام مستخدمها بمدى تفوقها أو محاكاتها له فيعشقها. وفي عشقه لها يعتقد بأنّه قد حوّلها إلى إنسان في حين أنّ العكس هو الذي يحدث. ونحن في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين نرى أنّ تحول الإنسان إلى آلة يسير بخطى أسرع من تحول الآلة إلى إنسان. واللوم لا يقع على الآلة بل على الإنسان. في نهاية الفيلم يسأل ثيودور سامنثا: "إلى أين أنت ذاهبة؟" فتجيبه: "سيكون من الصعب أن أشرح ذلك. لكن إن وصلتَ إلى هناك تعال وجدني فلا شيء حينها سيفرق بيننا". تشبه هذه الدعوة أسطورة حوريات البحر أو السيرينات وهن يغرين البحارة للحاق بهن.

هناك مخاوف من تحوُّل الروبوت إلى بشر، كما حدث مع فرانكشتاين، لكن هذه المخاوف مبالغٌ فيها؛ فحتى يحدث ذلك على الروبوت أن يتفوق على الإنسان في التفكير ويصبح هو الموجه وهذا قد يبدو مستحيلاً، حتى الآن، يكمن الخوف الحقيقي إذن في تحوّل البشر إلى روبوتات لا في تحوّل الروبوتات إلى بشر.


الصفحة الرئيسية