الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب أحمد القرملاوي: الاغتراب مصير لا فكاك منه

1544
عدد القراءات

2019-04-08

أجرى الحوار: سامح فايز


قال الكاتب والروائي الشاب أحمد القرملاوي، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب، فرع الكاتب الشاب إنّ "الاغتراب مصيرٌ لا فكاك منه في حياة البشر"، تعليقاً على حالة الاغتراب التي يعيشها أغلب أبطال أعماله الأدبية، لافتاً إلى أنّه لا يرى الصوفية خيراً في مقابل شرور السلفية المتطرفة، لكنه يجد في الصوفية نزعةً نحو التعددية وقبول الاختلاف، مضيفاً، في حوار مع "حفريات"؛ أنّ رواياته لا تخلو من مواجهة الزيف، وادعاء أنّ ثمة حلماً أمريكياً، أو أنّ الثراء السريع هو مفتاح سعادة البشر.

أهم ما يمكن لجائزة أن تُقدّمه لأديب حديث التجربة أن تُدخِله في دائرة الضوء والاهتمام بنتاجه الإبداعي

أحمد القرملاوي، روائي وقاصّ مصري، من مواليد القاهرة، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "أول عباس"، في كانون الثاني (يناير) 2013، ثم روايته الأولى "التدوينة الأخيرة" في آب (أغسطس) 2014، تلتها رواية "دستينو" في تموز (يوليو) 2015، وحصلت روايته "أمطار صيفية"، الصادرة عام 2016، على جائزة الشيخ زايد للكتاب، فرع المؤلف الشاب لعام 2018، وفازت روايته "نداء أخير للركاب" بجائزة أفضل كتاب عام 2018، في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
"حفريات" التقت القرملاوي فكان هذا الحوار:
يظهر من تتبع مشروعك الروائي انشغالك بفكرة رفض الهيمنة الغربية على العقل العربي، خصوصاً سطوة الحلم الأمريكي، هل قصدت ذلك؟ ولماذا؟
لا تروق لأحد فكرة التبعية، ومنذ جئتُ لهذا العالم لم أرَ غيرها؛ وُلدت لأبوين ينتميان بدرجة كبيرة لزمن عبد الناصر، يؤمنان بالعروبة، ويحلمان بوحدة عربية تضع بلادنا في مصاف الدول التي تقود العالم، قد أكون متأثراً بنزعتهما بدرجة أو بأخرى، لكنني، رغم ذلك، لا أشاركهما الأفكار والأيديولوجيا، كما أنني أكره الزيف؛ أعترف للقوي بقوته، وأتفهم رغبته في الهيمنة والسيطرة، لكن أفضّل أن يجعل ذلك واضحاً ومرئياً للجميع، أكره أن يُغلّف نزعته السلطوية بخطاب أخلاقي أو ديني أو قِيَمي، مُستخدماً آلته الإعلامية، هذه الأفكار تشغلني وتتسرب لكتابتي غالباً دون قصد.
الاغتراب مصير لا فكاك منه

روايته الأولى "التدوينة الأخيرة"
الأبطال في رواياتك يعيشون حالة من الاغتراب ومن فقدان الشعور بالذات، هم دائماً في رحلة للبحث عن ذواتهم، لماذا تشغلك تلك الفرضية؟

ليست فرضية، بل قناعة؛ أؤمن بأن الاغتراب مصير لا فكاك منه في حياة البشر، فإما أن تركن لما درجت عليه من قناعات واهية، وتتخفى وراء يقينك الزائف من الأسئلة المربكة، وإما أن تواجه أسئلتك وشكوكك الكبرى، ولن يكون أمامكَ في هذه الحالة إلا الشعور بالضياع والاغتراب.
أطرح في رواياتي سؤالاً متكرراً حول الحقيقة واليقين الزائف؛ هل ثمة حقيقة مطلقة؟ ماذا يكون الحال لو واجهنا الأكاذيب التي نشأنا على تصديقها؟ هل نجد الملاذ أم نتوه تماماً في الضباب؟ هل نظل ممسكين بذواتنا في تلك الحالة؟ أتساءل، ومن الصعب حسم الإجابة.
تناولت الصراع بين الجماعات المتطرفة دينياً والصوفية في رواية "أمطار صيفية"، كثنائية للصراع بين الخير والشر، هل ترى الصوفية حلّاً مناسباً لمواجهة التطرف الديني؟
لا أرى الصوفية خيراً في مقابل شرور السلفية المتطرفة، لكنني أجد في الصوفية نزعة نحو التعددية وقبول الاختلاف؛ ثمة طرق شتى للتواصل مع المطلق تقبلها الصوفية، بل تحضّ عليها، وفي المقابل؛ تختزل السلفية المتطرفة الإيمان في فهم ضيق ووحيد، ولا ترى إمكانية أخرى للعلاقة مع الله بعيداً عن منهاجها المتوارث منذ قرون من الزمن، تطورت خلالها حياة البشر بدرجة تطرح أزمات أخرى وتساؤلات جديدة، أخشى كلَّ من يدّعي كمال الفهم ووضوح الرؤية لدرجة احتكار الحقيقة، خاصة حقيقة العلاقة مع الله، التي هي من أعقد الأسئلة التي تواجه البشر عبر تاريخهم.
الأدب مجال لاختبار الأفكار

رواية "دستينو"
وهل نستطيع أن نقول إنّ الرواية، أو الأدب عموماً، له دور في مواجهة جماعات التطرف الديني؟

بالطبع، له دور يتناسب مع حجم تأثيره، أي في دائرة القرّاء والمثقفين، فالأدب مجال لطرح الأسئلة واختبار الأفكار وخوض التجارب دون خسائر تُذكَر، إلا إجهاد العقل بعض الشيء. هذه الجماعات المتطرفة تعبِّر عن توجهاتها في صيغة "أفكار"، أو "أفعال"؛ تظهر الأفكار في أدبياتهم، وفي مقابلها يطرح الأدب أطروحته التي تفتح دائرة الاحتمالات، وتحضُّ على تقبُّل الآخر، أمّا الأفعال فلا يُقابلها إلا أفعال أكثر خشونة، وهذا ليس من اختصاص الأدب والأدباء.
لا تخلو رواياتك من هجوم على الحلم الأمريكي لدى المواطن العربي، أو حلم الثراء السريع، لماذا؟
لا تخلو رواياتي من مواجهة الزيف، وادعاء أنّ ثمة حلماً أمريكياً، أو أنّ الثراء السريع هو مفتاح سعادة البشر. هذا الادعاء يدخل ضمن دائرة الزيف التي أمقتها، ولا يُفهَم من ذلك أني أمقت أمريكا أو أكره الثراء؛ بل إنني تحصَّلت على تعليم أمريكي رفيع المستوى، والثقافة الأمريكية جزء من تكويني الفكري، وبالطبع لا أكره المال؛ فهو ضرورة حياتية ووسيلة في غاية الأهمية نسعى جميعنا لتحصيلها، أكره الزيف فحسب، وأسعى لكشفه ومواجهته من خلال شخصياتي.
السلطة الأبوية

 رواية "نداء أخير للركاب"
في رواية "نداء أخير للركاب" هناك علاقة مضطربة بين الابن ووالده تنتهي بزيادة حجم المعرفة لما كان يجهله الابن، هل ترمز في ذلك لرمزية أكبر ربما تكون عن العلاقة بالعائلة الأكبر، أو العلاقة بالوطن؟

الأبوة معنى فضفاض، قد ينسحب على العديد من العلاقات في حياة البشر، والسلطة الأبوية تُمارَس على مختلَف المستويات؛ سلطة الحكم، سلطة الدين، سلطة القانون، سلطة العمل، وهكذا؛ لذلك قد تكون معرفة الإنسان بأبيه رمزاً لمعرفته بجميع هذه السلطات، وبذلك يكون استقرار علاقته مع أبيه على أساس فهم جديد أكثر اكتمالاً، رمزاً لفهم أعمق مع كل من يمارس عليه السلطة الأبوية.
حصلت على جائزة أدبية عربية مهمة، هل ترى أنّ لها دوراً في إلقاء الضوء على أدب القرملاوي؟
بلا شكّ، وهذا من وجهة نظري أهم ما يمكن لجائزة أن تُقدّمه لأديب حديث التجربة؛ أعني أن تُدخِله في دائرة الضوء والاهتمام بنتاجه الإبداعي؛ فنحن، ككتّاب، كثيرون بدرجة هائلة تجعل من المستحيل على الناقد أو القارئ أو المتابع الإحاطة بالمشهد على نحو إجمالي وتفصيلي، وثمة مواهب كثيرة متميزة وجديرة بالقراءة لا تنال حقها من الاهتمام بسبب الوفرة غير العادية في النتاج الأدبي المنشور، ربما عند مرحلة أخرى من التحقق والشهرة، يهتم الأديب بقيمة الجائزة المادية فوق اهتمامه بما تمنحه من تسليط للضوء على نصوصه، أما أنا فلست قريباً من تلك المرحلة بعد.
الروائي النجم

روايته "أمطار صيفية"، الصادرة عام 2016، على جائزة الشيخ زايد للكتاب
وهل تساهم الجوائز عموماً في صناعة الروائي النجم؟

الروائي النجم؟ هل ثمة روائي نجم بمعنى الشهرة والنجومية التي نعرفها في مجالات الفنّ والسياسة والرياضة والإعلام؟ لا أعتقد، مع اعترافي بوجود استثناءات، كما في كلّ شيء، قد تصنع الجوائز روائياً متحققاً معترفاً بأهمية نتاجه الأدبي، وبذلك تستحث المزيد من الاهتمام بأعماله بداخل دائرة المهتمين بالأدب وبقراءة النصوص الإبداعية، هذا أكثر ما يمكن أن تُقدّمه الجائزة في أفضل الأحوال.
رغم إصدارك لأربع روايات، وحصولك على جوائز مهمة، عربياً ومحلياً، لم يتناول النقاد أدب القرملاوي بالنقد والتحليل، ما تقييمك لذلك؟
ليس في مقدوري تقييم الحركة النقدية، فلست مسؤولاً عنها، ولا أملك الدراية الكافية لتفنيدها، لكنني أرجو بطبيعة الحال مزيداً من التناول النقدي لنصوصي الأدبية؛ إذ ربما يخبرني أين تقف أعمالي على مسطرة النقد الأدبي، ما قد يساعدني على تطوير تجربتي بدرجة ما، أو لا يساعدني، لا يمكنني الجزم، ولقد شرفت في بداية رحلتي مع الكتابة بتناول ناقد وأديب كبير في حجم المرحوم علاء الديب، لمجموعتي القصصية "أول عباس"، وهي أول إصدار ينشَر لي، فلا يمكنني الشكوى بعد هذه المنحة الفريدة، كما كتب عني الأستاذ محمود عبد الشكور، والأستاذ إيهاب الملاح، وحديثاً الدكتورة زينب العسال، والأستاذ طارق إمام، وهؤلاء يكفونني وزيادة.
*وهل يمرّ النقد فى مصر بمراحل تعثّر وتراجع؟
لماذا النقد على وجه التحديد؟ كلّ مجالات الإنتاج الفكري تمرّ بمرحلة من التعثر والتراجع في مصر، سواء البحث العلمي والأكاديمي أو الإبداع الفكري والأدبي؛ هذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن ما أراه في حاجة إلى الطرح والنقاش هو طبيعة النقد الأدبي في مصر والعالم العربي، فلم يخرج النقد الأدبي من حضانة الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، ولو على سبيل التغيير، والجامعات لدينا مؤسسات شديدة الكلاسيكية والتقليدية، تعيد استنساخ الأفكار والرؤى بشكل مستمر، فتجد النقد الأكاديمي يعتمد على المراجع ذاتها والأبحاث ذات المواضيع المكررة، وتشوبها حالة من الاستسهال واجترار القديم طوال الوقت، لذلك لا نجد من يُقرِّر في مناهج الأدب أو النقد كتباً أو روايات أو قصصاً حديثة الإصدار، لن تجد إلا القديم والكلاسيكي والراسخ، الذي حصل على شهادة ضمان أبدية منذ عقود طويلة، فلا حاجة إلى المخاطرة بتغييره اليوم.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: