المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

2380
عدد القراءات

2018-12-10

شهد تاريخ الدولة في الإسلام تحولات عديدة، تشكّلت من خلالها السلطة التي تدير شؤون هذه الدولة باسم الشريعة ضمن ما يُعرف بالحكم الإسلامي، وخاضت مواجهةً مع الكثير من المثقفين والمفكرين الذين اضطروا إما للخضوع إلى عقل السلطة، أو رفضوا الانخراط فيها.

اقرأ أيضاً: "المهمشون": المعارضة المنسية في التاريخ الإسلامي

وفي هذا السياق، يطرح كتاب "المثقف اللامنتمي" للمؤرخ العراقي محسن محمد حسين، سؤاله المثير للجدل بمآلات هذه العلاقة الإشكالية بين السلطة والمثقف حين يعبر عن آراء لا تتقبلها وتتمرد على الواقع.

العقل المتمرد

يرى محسن محمد حسين أنّ "الفهم الشرقي" للسلطة انقلابي، لا تحكمه الدراسة الواقعية والمعمّقة للتاريخ، ويقول في كتابه "تقوم السلطة بتغليب العنف على الإقناع، وتغليب للقوة والإرادة على التأريخ في أسلوبها بالتعامل مع المجتمعات".

كتب كثيرة اختفت من التاريخ الإسلامي على يد جلادي السلطة وبعض فقهائها كما تم تحريم الفلسفة والنقد

ويضيف حسين، في كتابه الصادر في 110 صفحات عن دار "الزمان" العام 2016، أنّ قيام  بعض الفقهاء والمفسرين والعلماء المسلمين بدراسة الفكر السياسي وترسيخه من خلال صور مقدسة و "طوباوية أو مثالية" سمح للحكام أن يمارسوا الطغيان دون قيود، وذلك رغم أنّ الإسلام يدعو إلى الحوار والتسامح في التعامل مع الآخرين وأفكارهم، إلا أنّ هؤلاء اعتمدوا "خطابات سياسية تدغدغ أحلام البسطاء في المجتمعات الإسلامية، لكنّها لا تعمل على تحسين أو تغيير واقعهم".

وفي ظل هذه الحالة القائمة للسلطة، يحاول حسين تعريف المثقف المسلم، حتى يكشف عن أسباب الصراع المفترض تاريخياً بينه وبين سلطة الدولة الإسلامية. وهنا، يؤكد أنّ "المثقف له دور أساسي في توجيه  الناس وتشكيل آرائهم، وفي ظل هذا الدور، يصبح المثقف والمفكر بديلاً بأفكاره، عن مشروع القمع السياسي وأدواته". وبالتالي لا بد للمثقف أن يدخل في صراعٍ مع السلطة في نهاية الأمر".

اقرأ أيضاً: التاريخ الإسلامي: قراءة واعية أم انتقائية منحازة؟

وبخصوص التاريخ الإسلامي والدولة، فإنّ الفقهاء والكتاب الحديثين، سواء السلفيون أم الإسلامويون، حاولوا تقديم التراث الإسلامي والتاريخ الشعبي للمسلمين، على أنّه تاريخ "غير بشري"؛ أي إنه "قوي ومقدس، ولا نقاط ضعف فيه" كما يذكر الباحث في كتابه هذا، وعليه، تبدأ معضلة المثقف المسلم، الذي لن يجد شيئاً لينتقده، وإن وَجد، فإنّه سوف يُنفى خارج السلطة، حتى لا تكشف انتقاداته الواقع.

تم نفي بعض المثقفين والمفكرين المسلمين لأنهم خالفوا مذاهب السلطة

ووفقاً لهذه الرؤية، فإنّ المثقف المسلم يعاني مرتين من قداسة السلطة والتاريخ المحيط بها، مرةً وهو جزء من التاريخ حين عاش في ظل الدولة الإسلامية قبل قرون، ومرةً أخرى حين يأتي المثقف المسلم المعاصر، ويأخذ في قراءة هذا التاريخ وتأويله، ودراسته علمياً وفكرياً.

وما دام الصراع بين المثقف المسلم والسلطة مؤكَّداً، وفق ما سبق، فإنّ المثقف الذي تمرد على السلطة، من خلال كتابة رأيه في السياسة وكيفية استخدام الشريعة الإسلامية في الحياة اليومية، وكذلك في إدارة المجتمع المسلم، معرَّض للاتهام بالتمرد، وبالتالي يواجه بالعقاب.

اقرأ أيضاً: ألقاب وأوصاف التبجيل أو الذمّ في التاريخ الإسلامي

أما ماهيّة هذا العقاب فتكمن، وفق الدراسات التاريخية التي يرفقها حسين في كتابه، تعتمد على تصنيف أكداس كبيرة من الكتب للمفكرين والمثقفين المسلمين، وتوثيقها وتحقيقها، مع اهتمامٍ كبير بـ "إتلاف وتحريف كتب المثقفين المتمردين".

ويقدم المؤرخ أدلةً عديدة على هذه المعلومة، بقوله إنّ ابن النديم مثلاً، وثّق في كتابه "الفهرست"، أسماء الكثير من الكتب التي اختفت عن الوجود، وكذلك يفعل كل من الأصفهاني، وياقوت الحموي، اللذان يذكران أسماء كتب لم يعد لها وجود. ومن أهم هذه الكتب، كتاب المؤرخ المسلم ابن طي الحلبي "سيرة صلاح الدين الأيوبي"، الذي اختفى لأنّه لم يكن موافقاً لرؤى وتوثيقات المؤرخين والفقهاء في ذلك الحين، إضافة إلى ضياع العديد من كتب الفرق المخالفة لمذهب السلطة الحاكمة بحسب حسين.

غلاف كتاب "المثقف اللامنتمي" للمؤرخ محسن محمد حسين

المثقفون والجلادون

لا يمكن إذن، بحسب ما يورده المؤرخ في هذا الكتاب، فصل حالة المثقفين في التاريخ الإسلامي، عن تراجع الأمة الإسلامية؛ لأنّ مثقفيها ومفكريها الأقرب إلى الواقع، ومن كانت تلقى على كاهلهم مهمة نقد الحاضر، واستشراف المستقبل، جوبهوا بالزندقة حيناً، وبالكفر أو الخروج عن إرادة السلطة والخلفاء حيناً آخر، ولم يسلموا من أيدي الجلادين.

بعض الفقهاء حاولوا تقديم التراث الإسلامي والتاريخ الشعبي للمسلمين على أنه مقدس غير قابل للنقد

ولا بد أنّ هذا كله، لم يمنع من نقل الكثير من التاريخ الشعبي والفكري للعديد من المثقفين المسلمين، غير أنّ ذلك لا يمحو سيرة المفكرين المسلمين مع الجلادين؛ حيث شهد عهد خليفة دولة الموحدين يوسف بن تاشفين، مناسبات عديدة أُحرقت فيها الكتب، من أشهرها حادثة حرق كتاب "الشفاء" لابن سينا، إضافةً إلى حادثة شهيرة أخرى يؤرخ لها حسين في كتابه، وهي ضرب الطبيب والفيلسوف محمد بن زكريا الرازي بمؤلفاته على رأسه، كعقابٍ له، بطلبٍ من الخليفة منصور بن نوح، أحد خلفاء الدولة الإسلامية السامانية، مما تسبب بعطب في عيني الرازي، وخوفه من الجهر بآرائه ومؤلفاته.

كما أنّ المؤلف يتطرق إلى الإمام الغزالي، الذي يشكو من خلال مؤلفاته تحكّم رجال الدين بأفكار الفلاسفة والمفكرين، واصفاً إياهم أنهم "ينفرون حتى من علوم الحساب والرياضيات، على اعتبار أنّها علومٌ للملحدين".

كان الرازي يضرب على رأسه بمؤلفاته بينما تم حرق أحد أهم كتب ابن سينا

ويستنتج الكاتب بعد استعراضه للتاريخ الإسلامي بين السلطة والمفكرين، النقطة الأساسية التي تعد إضافةً في كتابه هذا، وهي أنّ "تياراً منافياً للعقل داخل السلطة" استحوذ على التاريخ الإسلامي، وسبّب تراجعاً في مسيرة العقل العربي. كما أنّه يدعم استنتاجه هذا بأمثلة من آراء المؤرخين والفقهاء المسلمين، كابن تيمية، والشهرورزي، وجلال الدين السيوطي، الذين يحرّمون الاشتغال بالفلسفة. مما أدى كذلك، إلى إضعاف التطوير والتجديد في خطابات العالم الإسلامي عبر تاريخه الحديث؛ لأنّ المحدثين، أسهموا كذلك بوقف هذا التطور، بعد ترويجهم لتاريخٍ "غير عقلاني" حكم الأمة الإسلامية في أزمانٍ مختلفة.

اقرأ أيضاً: 10 مشاهد للتعذيب لن تصدق أنّها في التاريخ الإسلامي

وفي نهاية كتابه، يستخلص محسن محمد حسين، أنّ الضعف الذي بدأ من السلطة، بنفيها للعقل وإحاطة نفسها برجال الدين ورجال الجيوش، ومحاربتها للمثقف المسلم بوصفه متمرداً على خط السلطة، أدّى إلى توسع الضعف في الأمة الإسلامية معنوياً وجغرافياً، ثم امتد إلى حاضرة العقل الإسلامية عبر التاريخ (الأندلس)، ثم بدأ الفساد يتفشى، وأخذت الحياة العملية والأخلاقية تتراجع؛ لأنّ تحجيم دور الفرد في إعمال عقله وثقافته من أجل المشاركة في المجتمع، جعل من السلطة مرجعيةً وحيدة، ومطلقة، مما حولها إلى (بؤرةٍ للفساد) في كثيرٍ من أوقات التاريخ الإسلامي. وهو ما يعكس خطورة الأخذ بالتاريخ الإسلامي بصورةٍ مطلقةٍ ومقدسة، دون السماح بنقاشه؛ إذ إنّ هذا، ربما يعمل على تكرار مآسي القمع للعقل، ونفيه، وتكرار النتيجة ذاتها، بشأن مستقبل العرب والمسلمين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: