القرآن الكريم والوجدان...والمضامين التاريخية المعطِّلة

جرى النظر كثيراً في موضوعة العقلانية القرآنية، نظراً مدللاً بالأدلة النقلية والعقلية، على السواء، والعقل عموماً هو المرشد، وهو في التصور الإسلامي مناطق التكليف الديني، ومحل الإدراك والتمييز، ووسيلة المعرفة، والطريق إليها، وإن اختلف في سؤال: أيّهما أولاً الدين أم العقل؟ فيلجأ كثير من الفقهاء إلى تقرير أولية الدين، بمعزل عن أنّه لا يمكن إقامة تصوّر حول الدين إلا بالعلم، فكيف يكون سابقاً وأولاً؟

العقل والعلم مفتوحا المعنى، وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة، ومواضع متعددة، دلّت عليه معنى ودلالة ووظيفة، بمعنى أنّ العلم في التأسيس القرآني لم يكن مقصوراً على المعنى العمومي الدارج، إنما جاءت السياقات القرآنية لتشمل المعنى والدلالة والقيمة والوظيفة، وتعطي كل سياق من هذه السياقات حقها من النظر، وأهميتها في المعالجة لقيم الإنسان وقدراته ونظراته، وهنا لم يقصر التناول القرآني لمعنى العلم في دلالة (الهداية والرشد)؛ بل أسّس الفكرة وفق بيان معنى العلم بالمعرفة العامة، كما في قوله تعالى: "وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ".

العلم بالتأسيس القرآني لم يكن مقصوراً على المعنى العمومي إنما جاءت السياقات القرآنية شاملة للمعنى والدلالة والقيمة والوظيفة

لعلّ الجدل الذي يمكن أن ينشأ حول التناول القرآني للعلم، بأنّه علم مداره الروح، وليس العقل، كما يظهر ظاهرياً أو شكلياً في سياقات الآيات المتعددة، وأنّه علم لدني أو لوغوس (الجوهر الروحي) غير مرتبط بالمادة والحياة العملية للإنسان، إلّا أنّ المحاججة هنا تنشأ على المعنى اللدني للعلم، وتأتي من خلال تناول علماء الفلسفة الإسلامية لمفهوم العلم؛ حيث بدا النظر في العلم أوسع من مجرد نظر في الأدلة؛ بل تعداه للنظر في العلة، وهو نظر محكوم بأعلى درجات المرجعية العقلية، التي تعتمد المادة والروح جهتين أساسيتين ورئيستين، في الحكم وبيان القيمة والوظيفة.

لعلّ فيما أورد الكندي في نظره في العلم، كقيمة مطلقة غير مقيدة، بياناً لقيمة العلم بذاته أساساً، وبوظيفته ودلالته وحجته لاحقاً، بقوله: (لا نطلب في العلم الرياضي إقناعاً، ولا في العلم الإلهي حساً، ولا تمثيلاً، ولا في أوائل العلم الطبيعي الجوامع الفكرية، ولا في البلاغة برهاناً، ولا في أوائل البرهان برهاناً)، أما الفارابي فيقرّر أنّ اسم العلم يقع على أشياء كثيرة، وأنّ فضيلة العلم في جزئه النظري، وكيف أنّه ينبني على براهين مؤلفة ومقدمات صادقة معلومة للعقل، كما لو أنّه قصد بالضرورة المعنى العلمي للعقل، وليس الروحي أو الوجداني، مقرراً؛ أي الفارابي، حقيقة العلم وجوهره، بقوله (العلم لا يحصل إلا ببرهان).

نتساءل هنا عن مصدر اليقين الديني: هل هو "الوحي" أم العلم، أم الاثنان معاً؟ ما ينتجه الوحي وما يقبله العقل، في ثنائية "البرهاني والعرفاني" المرتبطان بالعقل والنقل، وبذلك يتبين أنّ التأسيس القرآني لمعنى العلم ودلالته ووظيفته، وارتباطات هذا التأسيس بتفسيرات العلماء والفلاسفة، وبحثهم العميق في تخومه، جاء تقريراً بحقيقة البعد العلمي والعقلي.

لم يأت الخطاب القرآني على شكل تحفيز عاطفي ومخاطبة وجدانية وروحية بحتة فحسب؛ بل جاء بخطاب علمي وتثوير عقلي

ومما لا شك فيه، أنّ الخطاب القرآني لم يأت على شكل تحفيز عاطفي ومخاطبة وجدانية وروحية بحتة فحسب؛ بل جاء بخطاب علمي وتثوير عقلي، لينفتح على أرجاء هذا الكون، المادي والمعنوي، وما فيه من قدرات وأحكام وأخلاق وآيات.

لقد قرر القرآن الكريم قوة العلم، وقدرته على بناء النهضة والتقدم في كل مجالات الحياة، وكان مدار ذلك مرجعية عقلية قائمة على الأدلة والبراهين، إذاً..لماذا صوّر لنا الفقهاء، وناقلو قصص الأنبياء والصحابة، وخطباء المنابر والفضائيات، الدين باعتباره إذعاناً للوجدان، وتلقياً مفرطاً لكتلة كبيرة وحرجة من الأحكام، التي تستلزم طاعة بلا يقين، وتسليماً بلا مساءلة عقلية، حتى دخلنا، نحن العرب والمسلمين، في لحظة تاريخية محملة "بمضامين تاريخية معطِّلة، يتعذر اختراقها للوصول إلى علاقة فاعلة مع اللحظة الحضارية الحالية" كما يقول الدكتور أحميدة النيفر في "النص الديني والتراث الإسلامي".

الحالة حرجة تتطلب جرأة في إعادة صوغ الخطاب الديني، للتقليل من خسائر الخطاب الوجداني، وآثار المعاملة العاطفية لأمور الحياة والواقع والعالم المعاصر، الذي لم يعد يعترف بأحكام العواطف، ولا بسنن الوجدان.

الأقسام: