أعلام عرب يغادرون ساحة الفكر والثقافة في 2017

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2478
عدد القراءات

2017-12-30

كريم شفيق وخالد بشير

لم يكد ينقضي اليوم الأول من العام 2017 حتى شهد رحيل المفكر الفلسطيني، خليل محشي، لتتوالى صفحات الغياب طاوية حياة كوكبة من المفكرين والمثقفين الذين أثروا المشهدية العربية بإنجازاتهم ومؤلفاتهم.

"حفريات"، تستذكر أبرز هؤلاء الأعلام مسلطة الضوء على أهم محطات حياتهم.

خليل محشي..أحد مؤسسي وزارة التعليم الفلسطينية

مطلع العام 2017 جاء حزيناً بموت المفكر الفلسطيني خليل محشي الذي توفي في الأول من كانون الثاني (يناير).

ويعدّ الراحل أحد مؤسسي وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية؛ حيث عمل فيها منذ بداية العام 1994، ومديراً عاماً للعلاقات الدولية والعامة.

سيد حجاب .. سفير البسطاء

وفي الشهر نفسه رحل أحد أعمدة شعر العامية في مصر الشاعر سيد حجاب، الذي غيّبه الموت في ذكرى ثورة يناير في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير).

ارتبطت حياة الراحل بتقلّبات الحياة المصرية وتنوعاتها السياسية والفكرية منذ أربعينيات القرن الماضي؛ إذ ترافقت إنجازات الراحل المبكرة مع ظهور عدة تيارات سياسية، من بينها؛ جماعة "الإخوان المسلمين"، ثم حزب "مصر الفتاة".

اشتهر "شاعر الشعب" و"سفير البسطاء" بانحيازه للقضايا الوطنية، كان ينتمي للشعب ويعبر شعره عن هموم الناس ويلامس آلامهم وأوجاعهم.

صدرت للراحل عدة دواوين شعرية منها: "قبل الطوفان الجاي"، و"صياد وجنيه"، و"السلم والكرسي"، و"مختارات سيد حجاب"، وعرفه الشعب العربي بأشعاره الغنائية التي كتبها لأهم الأعمال الدرامية مثل؛ "بوابة الحلواني"، "الشهد والدموع"، "أرابيسك"، "ليالي الحلمية"، "المال والبنون" وغيرها.

أبهج سيد حجاب المصريين والعرب، وأحزنهم، وعبر عنهم جميعا بصدق

عبد المنعم تليمة..عقود من الاشتغال بالحركة الأدبية

وأسدل هذا العام أيضاً الستار على حياة الدكتور عبد المنعم تليمة الذي قضى عقوداً  من حياته النقدية يعتمد المنهج الاجتماعي في تحليلاته؛ حيث ظلّ مشغولاً بالحركة الأدبية والإنتاج المعرفي والثقافي؛ المحلي والعالمي، وقدم للمكتبة العربية العديدة من الدراسات الرصينة والأساسية لفهم النصوص الأدبية والثقافية، من بينها: "مقدمة في نظرية الأدب"، و"طرائق العرب في كتابة السيرة الذاتية".

تليمة، الذي توفي في السابع والعشرين من شباط (فبراير)، اعتبر الثقافة العربية واحدة من أعرق الثقافات، التي ورثت أبنية ثقافية عظمى حول النيل والفرات وفارس والهند واليونان، وتفاعلت مع قوميات متباينة، تسببت في ثرائها وتنوّعها الغني.

شغل تليمة عضوية جمعية الدراسات الشرقية بطوكيو، ويعد من الأعضاء المؤسسين لاتحاد كتاب مصر، وعضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للأدب المقارن، بالإضافة إلى أنه عضو مؤسس للجمعية المصرية للدراسات اليونانية واللاتينية، وكذلك مجلس إدارة الجمعية المصرية للنقد الأدبي، وخبير بمجمع اللغة العربية، كما عمل أستاذاً للغة العربية وآدابها باليابان، خلال ثمانينيات القرن الماضي.

عبد القادر عبد اللي أغنى المكتبة العربية بترجمات تركية

وفي الثاني من شباط (فبراير)، خطف الموت في مدينة أضنة، جنوبي تركيا، الكاتب والمترجم السوري عبد القادر عبد اللي الذي يعدّ من أهم المترجمين العرب عن اللغة التركية؛ حيث أغنى المكتبات العربية بنحو 55 كتاباً لأعمدة الأدب التركي الحديث والمعاصر كأورهان باموق، الذي اعتبر عبداللي مترجماً حصرياً لمؤلفاته إلى العربية، فضلاً عن ترجمته لعزيز نيسين، وناظم حكمت، وإليف شافاق.

وألف الراحل كتاباً عن الأمثال المشتركة بين التركية والعربية،إذ حاول عبداللي من خلال أعماله مدّ جسر بين الثقافتين؛ العربية والتركية.

بدأ عبد اللي مشواره بترجمة الأعمال الأدبية الساخرة للكاتب التركي عزيز نيسين، والتي تحولت فيما بعد إلى مسلسل "الدغري".  واتّجه عبد اللي في العقد الأخير من عمره إلى ترجمة المسلسلات التركية، ومن أبرز ما نقله إلى المشاهد العربي، مسلسل "نور" وسلسلة "وادي الذئاب".

الراحلون آمنوا بالحرية والعقل كمخلصين للإنسان العربي

علي نايفة.. بروفيسور الهندسة الميكانيكية

السابع والعشرون من آذار (مارس) شكل خسارة للعرب والعالم كله برحيل العالم الأردني وبروفيسور الهندسة الميكانيكية علي حسن نايفة. صاحب براءات اختراع مسجلة حول العالم،وتم تكريمه بالعديد من الجوائز العالمية من أهمها؛ حصوله على جائزة بنجامين فرانكلين التقديرية في الهندسة الميكانيكية، وهي أرفع جائزه تقدّم في الهندسة الميكانيكية.

نشر نايفة 485 بحثاً في مجلات علمية محكمة وألف عشرة كتب علمية في الهندسة والرياضيات التطبيقية والفيزياء تُدرس في كثير من الجامعات حول العالم، وترجم بعضها إلى الصينية، واليابانية، والروسية.

شعراء وأدباء ومفكرون عرب خلفوا وراءهم مؤلفاتٍ تنير طريق الأجيال القادمة

عبد الرحمن ياغي.. حارس اللغة والفكر

أسماء كثيرة غادرت المشهد الثقافي والفكري هذا العام في مختلف المجالات، ليغيب الموت واحداً من الرعيل الأول من الأكاديميين في الأردن الدكتور عبدالرحمن ياغي في آذار (مارس).

ياغي، المولود في المسميّة الكبرى بمدينة غزة، كان من الجيل الذهبي الذي أرسى لبنات التعليم الجامعي في الأردن، وقد شارك في تأسيس الجامعة الأردنية إلى جانب قامات أكاديمية كبيرة، على رأسها الراحل ناصر الدين الأسد الذي تم تكليفه بهذه المهة وقتها.

حصل الراحل على شهادة الدبلوم في التربية والتعليم، من الكلية العربية في القدس العام 1943، ثم درس الأدب العربي في جامعة القاهرة؛ فحصل منها على شهادة البكالوريوس، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه.

كما كان الراحل عضواً في الهيئة التأسيسية لرابطة الكتاب الأردنيين (1974)، وتولى رئاستها لدورتين: (1979-1981).

من أبرز أعمال ياغي المترجمة والأدبية: "حياة القيروان وموقف ابن رشيق منها"، "حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة حتى النكبة"، "دراسات في شعر الأرض المحتلة"، "مقدمة في دراسة الأدب الحديث".

لم يستسلم أيّهم يوماً وبقي كل واحد منهم مخلصاً لقضاياه ومشاريعه إلى النهاية

شريف حتاتة.. بين الأدب والسياسة

كان للساحة المصرية النصيب الأكبر من الفقد؛ حيث انضم لمن رحلوا الدكتور شريف حتاته في الثاني والعشرين من أيار (مايو)

ويعتبر حتاتة من أهم المثقفين والكتاب المصريين، تخرج من كلية الطب بجامعة القاهرة، وتنوعت اهتماماته بين السياسة والأدب، فانضم للحركة الشيوعية المصرية، واعتقل على إثر نشاطه السياسي مدة 15 عاماً، حتى أُطلق سراحه في خمسينيات القرن الماضي.

وعمل الراحل في منظمة العمل الدولية حتى العام 1980؛ حيث اختار التفرغ تماماً للكتابة، ومنذ ذلك الحين صدر له أكثر من 20 مؤلفاً، في مجالات الرواية والدراسات وأدب الرحلات، من أبرزها: "الهزيمة"، و"الشبكة"، و"قصة حب عصرية" و"الوباء". كما كتب حتاتة في الشأن السياسي عدة مؤلفات من بينها: "فكر جديد في اليسار"، و"العولمة والإسلام السياسي"، فضلاً عن مذكراته: "النوافذ المفتوحة".

يجمع شريف حتاتة أغلب صفات الإصرار والعمل والحرية لدى أبناء جيله

رفعت السعيد.. الشيوعي العريق

وفي هذا العام أيضاً، رحل السياسي المصري رفعت السعيد، في السابع عشر من آب (أغسطس).

ويعد السعيد واحداً من أبرز الوجوه السياسية اليسارية في مصر؛ حيث التحق بالحركة الشيوعية المصرية منذ أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يكمل عقده الثاني.

وتعرض الراحل بفعل نشاطه السياسي للاعتقال عدة مرات، الأولى منها لم يكن قد تجاوز سن السادسة عشر، بسبب معارضته للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كما تعرض للاعتقال عام 1978، بسبب مواقفه المعارضة لسياسات الانفتاح الاقتصادي والصلح مع "إسرائيل" التي اتخذها الرئيس الراحل أنور السادات.

وفي رصيد السعيد مؤلفات عديدة توثق لتاريخ الحركة الشيوعية، والتاريخ السياسي والاجتماعي المصري، مثل: "تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر"، و"تأملات في الناصرية"، "التيارات السياسية في مصر.. رؤية نقدية"، كل هذا إلى جانب انشغاله الرئيسي بتوثيق تاريخ الحركة الماركسية في مصر، وتنظيماتها ومآلاتها، كما ركز اهتمامه بصورة موازية على تاريخ جماعة "الإخوان المسلمين" وتيارات الإسلام السياسي، وخطابها المتشدد وتفكيك أدبياتها، فضلاً عن مواقفها الإرهابية وممارساتها العنيفة، من تكفير ومحاولات تورط في اغتيالات وتفجيرات طوال تاريخها.   

ويعد كتابه: "حسن البنا.. متى وكيف ولماذا"، أحد المراجع المهمة في فهم البنية التنظيمية والفكرية للإخوان، وتعرية آليات تسللهم للمجتمع، وفضح ممارساتهم الانتهازية مع الأنظمة السياسية وانقلاباتهم المستمرة على حلفائهم.

الدين واللغة والموسيقى والرواية والفكر والشعر سوف تفتقد من وثقوها وأخلصوا لها

محمد الطالبي..أنسنة النص الديني

الساحة العربية والتونسية ودّعت في العام 2017 المفكر التونسي محمد الطالبي، في الأول من أيار (مايو)؛ حيث رحل بعد معركة مع الأفكار الإسلامية والدينية المغلقة، وسعى إلى إيجاد صيغة جديدة ومبتكرة للتعاطي مع الفهم الديني، بصورة أكثر انفتاحاً وبعيدة عن المؤسسات السلطوية، بهدف أنسنة النص الديني.

وتولّى الراحل، منصب أول عميد لكلية الآداب بتونس عام 1955، ويملك حوالي ثلاثين مؤلفاً في الفكر الديني، فضلاً عن مئات المقالات باللغتين؛ العربية والفرنسية.

واعتبر صاحب كتاب "مرافعة من أجل إسلام معاصر"، أنّ الإسلام يقف مع الحرية ويدعمها عندما يؤكد "لا إكراه في الدين"، وأنّ الشريعة هي "مجرد نتاج بشري، ليس فيها قيد أو إكراه لأحد"، ومن ثم رفض كل أشكال العقوبات التي تعطل خيارات الإنسان بحرية، مثل؛ حد الردة، بالإضافة إلى بعض المظاهر المفروضة، بشكل قسري على المرأة كالحجاب.

مراحل عديدة من تاريخ العرب الثقافي والفكري حملها هؤلاء المفكرون والأدباء على عاتقهم

فاطمة أحمد إبراهيم ..أيقونة المرأة السودانية

بوفاة السودانية فاطمة أحمد إبراهيم في 12 آب (أغسطس)، أُسدل الستار على سيرة حافلة بالنضال، وتقديم نموذج إنساني فريد في نبل مواقفه الوطنية،

عرفت الراحلة بنشاطها السياسي والاجتماعي؛ حيث أسست الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، وتصدّت لقضايا المرأة في السودان وحقوقها، حتى أصبحت أيقونة النضال النسائي في السودان.

وقد حصدت أولى ثمار دورها النضالي القوي مع دستور الاستقلال لعام 1954، الذي أقرّ حق المرأة في التصويت والترشح للبرلمان.

عفيف البهنسي..مرجعية العمارة والآثار

وأنهى الموت العام 2017، حياة واحد من أكبر مرجعيات العمارة والآثار، المؤرخ والفنان التشكيلي السوري عفيف البهنسي، وذلك في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر).

وكان الراحل حصل على الإجازة في الحقوق منذ خمسينيات القرن الماضي، ثم نال شهادة الدكتوراة في تاريخ الفن من جامعة السوربون عام 1964، كما أسس كلية الفنون الجميلة في دمشق، وساهم في إطلاق عشرات المتاحف في المدن السورية.

ولدى بهنسي مجموعة مؤلفات هامة تعد مرجعاً لعلم الآثار والعمارة والفن، مثل؛ "جمالية الفن العربي"، و"معجم مصطلحات الفنون"، و"العمارة عبر التاريخ"، و"مصور الزخرفة الإسلامية"، و"علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي".

أحمد دحبور..قصيدة المقاومة

وقد أسكت الموت في العام 2017 صوت أحد أعمدة شعر المقاومة في فلسطين المحتلة، الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور.

الشاعر الذي ولد عام 1946 في مدينة حيفا، عمل مديراً لتحرير مجلة "لوتس"، حتى عام 1988، ومديراً عاماً لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضواً في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، وقد حاز على جائزة توفيق زياد في الشعر عام 1998.

ومن أهم دواوين دحبور الشعرية: "الضواري وعيون الأطفال"، "حكاية الولد الفلسطيني"، "واحد وعشرون بحراً"، "جبل الذبيحة".

ظل الشاعر الذي حمل لقب "الولد الفلسطيني" بسبب اهتمامه بنضال شعبه ومعاناة الأطفال تحت الاحتلال، مخلصاً لبلده فلسطين حتى خطفه الموت في الثامن من نيسان (إبريل).

عبد الكريم غلاب..أبو الرواية المغربية

الساحة المغربية والعربية خسرت واحداً من ألمع الأدباء والمفكرين في المغرب، عبدالكريم غلاب الذي غيّبه الموت في الرابع عشر من آب (أغسطس).

تنوّعت اهتمامات"أبي الرواية المغربية" بين الرواية والقصة القصيرة، والدراسات الأدبية والنقدية والتاريخية، فضلاً عن الفكر السياسي والإسلامي، وأدب الرحلات والترجمة.

غلاب أحد أهم مؤسسي الرواية المغربية ومساهم في الجهد الأدبي العربي

ومن أبرز أعماله الروائية: "المنفيون.. ينتصرون"، "سبعة أبواب"، "صباح ويزحف الليل"، "وعاد الزورق إلى النبع"، و"المعلم علي"، وهذه الأخيرة، اختارتها منظمة الثقافة العربية، من بين أفضل مئة وخمس رواية عربية، نشرت في التاريخ، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى منها؛ "تاريخ الإسلام"، "صراع المذهب والعقيدة في القرآن"، "معركتنا العربية في مواجهة الاستعمار والصهيونية"، و"لماذا انهارت الشيوعية".

خليل قنديل.. يعانق الصمت

وفي السادس والعشرين من نيسان (إبريل)، انطفأ قنديل القاص والصحافي الأردني خليل قنديل، في مدينة إربد بالأردن، بعد حياة حافلة بالكتابة والعمل؛ حيث عمل الراحل في الإمارات العربية المتحدة سكرتيراً لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ومحرراً ثقافياً في صحيفة الخليج، ثم مراسلاً لها، كما ترأس القسم الثقافي في صحيفة "الدستور".

وصدرت للراحل عدة مجموعات قصصية منها: "وشم الحذاء الثقيل"، "الصمت"، "حالات النهار"، "عين تموز"، "سيدة الأعشاب".

مكاوي سعيد..البهجة تهزم حقائبها

وخسرت الساحة المصرية والعربية في العام 2017 الروائي المصري مكاوي سعيد الذي غادر الحياة في الثاني من كانون الأول (ديسمبر).

وكان "العم مكاوي" بدأ مشواره الأدبي أواخر السبعينيات؛ حيث كان طالباً بكلية التجارة في جامعة القاهرة، وعرج على كتابة الشعر العامي والفصيح، متأثراً بمجموعة من الشعراء المعاصرين، من بينهم؛ صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي والفيتوري وغيرهم، ونشر قصائده في مجلة "صوت الجامعة"، فحصل على لقب "شاعر الجامعة".

معظم أدبائنا الراحلين هذا العام أثر كل منهم بتركه نصوصاً فيها أفكار وأحلام لا تنمحي

وجاء موت صاحب "البهجة تحزم حقائبها"، مفاجئاً وبدون مقدمات، بينما يملك في رصيده الأدبي، عدة أعمال منشورة، مثل: مجموعته القصصية الأولى "الركض وراء الضوء"، وكتابه "مقتنيات وسط البلد"، والأخير، يرصد فيه الحي "الكوزموبوليتاني" بالقاهرة، الذي عاشت فيه مختلف الجنسيات في الفترة حتى ما قبل ثورة 23 يوليو 1952، كما وثّق فيه ملامح ذلك الزمن من خلال آثاره المتبقية، وبعض شخصياته المميزة ومقاهيه التاريخية، بالإضافة إلى رواية "تغريدة البجعة"، التي رشحت لجائزة البوكر الأدبية، وتسببت في هجوم شديد من التيار الإسلامي ضده، وتهديده، والمطالبة بمصادرتها.

الشيخ ولد بلعمش..نصير الإنسانية

وما كاد عام 2017 يشارف على نهايته، حتى عاد الموت ليخطف في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) حياة الشاعر الموريتاني الشاب الشيخ ولد بلعمش، عن عمرٍ ناهز الـ 44 عاماً.

نجم بلعمش، برز بعد اعتباره شاعراً مجيداً ورصيناً محليّاً، قبل أن يُعرف على نطاق واسع بعد مشاركته في النسخة الخامسة من برنامج "أمير الشعراء"، الذي يقام كل عام في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث حلّ ثالثاً.

كما عرف ولد بلعمش، الملقّب بشاعر الأمة، بقصائده ذات الطابع الثوري الداعم للقضية الفلسطينية والمنحاز لأبناء بلده الفقراء والقضايا الإنسانية.

صلاح عيسى..جبرتي العصر الحديث

ومن عالم الصحافة، خطف الموت الصحافي المصري صلاح عيسى في الخامس والعشرين من كانون الأول )ديسمبر)، أحد أهم الكتاب والسياسيين المصريين، الذين وثّقوا حوادث تاريخية وسياسية واجتماعية، لم يسبقه إلى توثيقها أحد، سواء في طريقة العرض والتناول، أو في نقل هذه الأحداث والوقائع من الظلام والهامش إلى دائرة الضوء.

وكان الراحل ، الملقب بجبرتي العصر الحديث، دخل عالم الكتابة من خلال كتابه الأول: "الثورة العرابية" عام 1979، وتوالت مؤلفاته في الأدب والتاريخ والفكر السياسي، منها: "مثقفون وعسكر"، "دستور في صندوق القمامة"، "حكايات من دفتر الوطن"، "تباريح جريح"، "رجال ريا وسكينة"، "شاعر تكدير الأمن العام"، وغيرها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ينجح زعماء القبائل في إنقاذ السودان؟

148
عدد القراءات

2019-06-20

يزداد المشهد السوداني تعقيداً، يوماً بعد يوم، وبات من المؤكد أنّ المسألة السودانية أبحرت في دهاليز إقليمية ودولية، وفي المقابل؛ ما تزال القوى السياسية تتصارع بين مَن يتحمس للعودة إلى طاولة المفاوضات مع المجلس العسكري، ومن يرفض بشدة أيّة مبادرات تنادي بالتفاوض مجدداً مع السلطة العسكرية، وربما يلحظ المتابع للشأن السوداني بروز قيادات القبائل على المشهد السياسي، وكان أول ظهور علني لقيادات الإدارة الأهلية في منتصف رمضان السابق؛ عندما خاطب الفريق الركن، محمد حمدان حميدتي، حشداً من قيادات الإدارة الأهلية، بدعوة من سلطان قبيلة "الفور"، من أبرز قبائل دارفور، وتعهّد حميدتي بحماية مكتسبات الشارع السوداني.

اقرأ أيضاً: الحزب الشيوعي السوداني: تاريخ الرفاق المجيد وحاضرهم المأزوم
ويُحفظ لقائد الدعم السريع اهتمامه بقيادات العمل الشعبي والقبائلي منذ أمد بعيد، وربما كان الرجل يستشرف المستقبل بكافة تداعياته الراهنة، وما حدث في "قاعة الصداقة" التي تحمل في تسميتها رمزية العلاقة بين السودان والصين، كان حديث حميدتي يهدف إلى تمكين دور الإدارة الأهلية وتمكينها من المشاركة في حكم السودان، وهذه الإشارات يحملها تحالف "قوى الحرية والتغيير"، انحرافاً جديداً من مسارات التفاوض، وخاصة أنّ حميدتي ذكر صراحة رفضه لتكوين مجلس تشريعي غير منتخب، يملك سلطة إصدار تشريعات وأوامر ربما تضرّ بالبلاد .

الإدارة الأهلية في السودان تلعب دوراً محورياً في نشاط المجتمع
وتقول الصحفية السودانية والناشطة الاجتماعية، فاطمة غزالي، إنّ "الإدارة الأهلية في السودان تلعب دوراً محورياً في نشاط المجتمع، واكتسبت الإدارة الأهلية شرعيتها بصدور قانون "مشائخ العرب"، عام 1922، الذي سنّه الاستعمار البريطاني، وتلته قوانين وتشريعات لاحقة؛ حيث كان المستعمر البريطاني في حاجة ماسّة إلى نقل تجربة الحكم غير المباشر في مناطق الريف، ووجد جهازاً فعّالاً، بتكلفة زهيدة، ويملك قدرة على الانتشار والتأثير في المجتمعات المحلية، وتمّ تعيين زعماء القبائل وقياداتها، بمسميات مختلفة، منها: الملوك، السلاطين، النظار، المقاديم جمع (مقدوم)، ومعظمهم تسلّم المواقع الإدارية عن طريق الوراثة أو العائلة".

هل بإمكان الإدارة الأهلية أن تمثّل ضامناً للمرحلة المقبلة في السودان. وهل بإمكان قادة الإدارة الأهلية نيل ثقة الشارع؟

وتذهب غزالي، في حديثها لــ "حفريات"، إلى أنّ "تصاعد الصراع في دارفور، وتحديداً بعد الهجوم على مدينة الفاشر من قبل الحركات المسلحة الدارفورية، عام 2003، انتهج نظام الجبهة الإسلامية في السودان، منهجاً جديداً في التعامل مع الصراع، عندما قام بتسليح القبائل الرعوية، والتي هي في معظمها من القبائل العربية، أو الاستعانة بعناصر من دول مجاورة، لمساندة الجيش الحكومي الذي أرهقته أعوام الحرب الطويلة، وكان النظام وقتها يقود صراعاً دامياً في جنوب البلاد، في مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق. وبالتالي؛ انقسم المجتمع المحلي في دارفور، إلى "زرقة وعرب"، وذلك مصطلح محلي مشهور في دارفور، وتعني "الزرقة": القبائل ذات الأصول الإفريقية، وهي من قبائل: الفور، الزغاوة، المساليت، التنجر، البرتي، وغيرها من القبائل التي تقطن منطقة دارفور منذ آلاف السنين، أما العرب؛ فهم من القبائل الرعوية التي سكنت دارفور منذ أمد بعيد، وكانت تحدث في الماضي العديد من الاحتكاكات بسبب المراعي؛ إذ إنّ معظم القبائل ذات الأصول الإفريقية تمتهن الزراعة في مجتمعات مستقرة نسبياً، في مقابل القبائل الرعوية للعرب الذين يبحثون عن المراعي.

اقرأ أيضاً: مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان
وخلال أعوام الجفاف وقلة المراعي، تحدث مواجهات بين القبائل، ولكنها في معظم الأحوال كانت تحسم عبر العرف القبائلي للإدارة الأهلية، بعد تحديد طرق محددة تسمّى "المسارات" لعبورهم في أيام الصيف أو الخريف.

"تصاعد الصراع في دارفور، وتحديداً بعد الهجوم على مدينة الفاشر من قبل الحركات المسلحة الدارفورية
تمثل الإدارات الأهلية في السودان، في فترة ما قبل الحكم التركي، دوراً سياسياً واجتماعياً، عندما يتوارث أبناء زعماء العشائر حكم القبيلة والرقعة الجغرافية التي تقطنها، وبادر الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، إلى حلّ نظام الإدارة الأهلية، وتطبيق نظام الحكم المحلي، الذي جاء فيه الضابط الإداري محلّ القيادي الشعبي، وظلّت القبائل تمثل الثقل الانتخابي للأحزاب التقليدية والطائفية في السودان، وكان السبب المباشر لفوز حزب الأمة القومي، بزعامة الصادق المهدي، بأغلبية مطلقة، في انتخابات 1986، وبات من الواضح أنّ نظام الجبهة الإسلامية سعى مبكراً لتفتيت القيادات التاريخية للقبائل التي تدين بالولاء لحزب الأمة وغريمه التاريخي، الحزب الاتحادي الديمقراطي، وبذل نظام الجبهة الإسلامية جهوداً مستمرة، طيلة 3 عقود من الزمن، أفرزت فيها قيادات دون إرث اجتماعي أو سياسي، ويتم التعيين من الدواوين الحكومية، وأصبح للقبيلة الواحدة عشرات السلاطين والأمراء وآلاف الشيوخ والعمد، وغاب أثر الإدارة الأهلية عن الحياة العامة للمجتمعات القبلية.

خلال أعوام الجفاف وقلة المراعي، تحدث مواجهات بين القبائل، ولكنها في معظم الأحوال تحسم عبر العرف القبائلي للإدارة الأهلية

وعلى الصعيد ذاته؛ يرى طارق عبد العزيز، الناشط الاجتماعي، في حديثه لـــ "حفريات؛، أنّ الإدارة الأهلية تمثّل واحدة من الأدوات المهمة التي تحتاجها الدولة السودانية على مرّ تاريخها، القديم والحدي؛، حيث إنّ السودان يتميز بتنوع كبير من القبائل، إلى جانب المسافات الشاسعة بين أجزائه المختلفة، وارتأت الحكومات المتعاقبة الاستفادة من ارتباط المجتمعات المحلية بقيادتها التاريخية، مما يسهل من عمليات الحكم بشكل غير مباشر بواسطة زعماء العشائر، وأشار عبد العزيز إلى فترات عصيبة عبرت بها الإدارة الأهلية، وأهمها؛ أنّها ظلّت في محلّ انتقاد مستمر من المثقفين والنخب السياسية، إلى جانب محاولات التسييس المستمرة من الأنظمة السياسية المتعاقبة مما أورثها صراعات داخلية وحروباً فيما بينها، في قضايا الأرض والموارد، وأشار إلى ضرورة إعادة تأهيل قادة العمل الإداري وبناء قدرتها لمواجهة تحديات الواقع الراهن، ورأى أنّ توجّه حميدتي نحو الإدارة الأهلية بشكلها الراهن ربما يمثل تهديداً للمشروع السياسي في السودان.

الفريق محمد حمدان حميدتي
وكان الفريق محمد حمدان حميدتي قد بدا مادحاً الدور الذي قدمته الإدارة الأهلية، وقال أمام حشد من تحالف أحزاب سياسية موالية للمجلس العسكري، في منطقة "قري" التي تقع شمال الخرطوم، ووصف دورها بالرائد والمؤثر في التاريخ السوداني، ورغم انفضاض الجمع بعد ساعتين من الحشد؛ فإنّ الأسئلة ما تزال تترى عن أبعاد الدعوة إلى إحياء دور الإدارة الأهلية، وهل بإمكان الإدارة الأهلية أن تمثّل ضامناً للمرحلة المقبلة في السودان؟ وهل بإمكان قادة الإدارة الأهلية نيل ثقة الشارع السوداني وجلّهم من الشباب الذين تمرّدوا على سلطة القبيلة والأحزاب الطائفية والدينية؟ وهل تملك الإدارات الأهلية القبول الكافي من الأحزاب السياسية المكونة لتحالف "الحرية والتغيير" وتجمّع المهنيين السودانيين؟

اقرأ أيضاً: كيف تقرأ النخب الإثيوبية مبادرة آبي أحمد في السودان؟
وفي المقابل؛ نجد أنّ الإدارة الأهلية نفسها تصارع بعضها، خاصة بعد اندلاع الصراع في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؛ حيث انضم بعض قادتها للحركات المسلحة وتوزعت مسمياتهم في داخل أروقة الحكومة والميليشيات المسلحة، ولمع نجم بعضهم، وتولّوا مناصب سياسية مرموقة على حساب القبيلة والعشائرية، وبالتالي ينظر إلى بعضهم باعتبارهم سدنة النظام السابق.
أطلق حميدتي، نائب رئيس المجلس العسكري، تصوراً لسودان جديد مطرز بثوب الإدارة الأهلية، وهو يعلم أنّ هنالك من يسعى للتفاوض بأدبيات أحزاب الحرية والتغيير، ويعلم أنّ دعوته تحتاج إلى العديد من التوضيحات، ويجب أن تكون محمولة بإرادة سياسية توافقية، وتنسجم مع رؤى مبادرات إقليمية، مثل مبادرات آبي أحمد، رئيس الوزراء الأثيوبي، أو مساعي  السفير أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذي ابتدر زيارة للخرطوم نهار الأحد الماضي، ينتظر أن يستمع إلى وجهة نظر الفرقاء السودانيين، قبل أن يعود للقاهرة، لرسم ملمح مبادرة عربية تنزع فتيل أزمة السودان، وترسم خريطة طريق انتظرها أهل السودان كثيراً، ودفعوا في سبيلها دماءً غالية.

هكذا قلّمت الحكومة العراقية أظافر الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران

226
عدد القراءات

2019-06-20

يرجح خبراء دخول رئيس الحكومة العراقية، عادل عبدالمهدي، بمواجهة مع الفصائل المسلّحة المرتبطة بإيران، حينما أصدر مؤخراً قراراً يمنع أي "قوة أجنبية" من العمل داخل الأراضي العراقية دون علم "إذن الحكومة"، الأمر الذي دفع مراقبين لوصف القرار الحكومي بـ "الصائب" على الرغم من أنّه جاء متأخراً. في وقت تعرضت المنطقة الرئاسية الخضراء الى قصف بالهاونات مجدداً، في إشارة الى عودة الانفلات الأمني وزعرعة الميليشيات لأمن العاصمة بغداد.

خبراء: تهكنات بحدوث نزاع بين عبدالمهدي والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران بعد منعه أي قوة أجنبية من العمل دون إذنه

ويُعزى قصف منطقة المقر الحكومي والبعثات الدبلوماسية في المنطقة الخضراء، الى إرسال طهران رسالة لواشنطن، لحظة تسنم السفير الأمريكي الجديد، ماثيو تولر، مهامه الدبلوماسية الجديدة في العراق. خبراء أمنيون أكدوا عدم سيطرة حكومة عبدالمهدي على سلوكيات الفصائل المسلحة، لاسيما وهي تعود الى أسلوب استهداف المنشآت الحكومية وتهديد البعثات الدبلوماسية، وطالبوا بجدية تفعيل القرار الحكومي الأخير لحفظ "هيبة الدولة" أمام المجتمع الدولي.  

وتنتمي هذه الفصائل إلى هيئة الحشد الشعبي، المرتبطة بشخص القائد العام للقوات المسلحة العراقية، لكنها مرتبطة ولائياً بالمرشد الإيراني علي الخامنئي، مما يجعلها في تناقض سلوكي بين الانتماء القانوني والولاء الخارجي. وتضع تلك الفصائل الحكومة العراقية في خانة الحرج لحظة اشتداد الصراع بين واشنطن وطهران؛ حيث تعمل على ضرب المصالح الأمريكية في العراق.

 خبراء أمنيون أكدوا عدم سيطرة حكومة عبدالمهدي على سلوكيات الفصائل المسلحة

عبد المهدي في مواجهة الميليشيات

وكان القائد العام للقوات المسلحة العراقية رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، أصدر، أول من أمس، قراراً يقضي بمنع أية قوة أجنبية بالعمل أو الحركة على الأراضي العراقية دون إذن الحكومة، قرارٌ جاء بعد الانفلات الأمني الذي شهدته بعض المدن العراقية نتيجة تدخل بعض الميليشيات المحسوبة على إيران في القرار الأمني المحلي.

اقرأ أيضاً: هل دقت الحرب الأمريكية الإيرانية طبولها في العراق؟

وقال عبد المهدي في بيان له: "نؤكد مجدداً منع أي قوة أجنبية بالعمل أو الحركة على الأرض العراقية دون إذن واتفاق وسيطرة من الحكومة العراقية، ومنع أي دولة من الإقليم أو خارجه من الوجود على الأرض العراقية وممارسة نشاطاتها ضد أي طرف آخر سواء أكان دولة مجاورة أخرى أو أي وجود أجنبي داخل العراق أو خارجه بدون اتفاق مع الحكومة العراقية".

اقرأ أيضاً: إيران.. تخصيب الطائفية في العراق
وأضاف أنّه يمنع كذلك "عمل أية قوة مسلحة عراقية أو غير عراقية خارج إطار القوات المسلحة العراقية أو خارج إمرة وإشراف القائد العام للقوات المسلحة".
كما أكد أنّه "تمنع أية قوة مسلحة تعمل في إطار القوات المسلحة العراقية وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة من أن تكون لها حركة أو عمليات أو مخازن أو صناعات خارج معرفة وإدارة وسيطرة القوات المسلحة العراقية وتحت إشراف القائد العام".

وتعقيباً على قرار عبدالمهدي، يقول الخبير الأمني، طارق أحمد، لـ "حفريات"، إنّ "قرار رئيس الحكومة صائب، وإن جاء متأخراً، لاسيما وأنّ الكثير من الفصائل المسلحة المرتبطة بنفوذ دولي، تقوم بعمليات غير شرعية داخل الأراضي العراقية، لغرض تلبية مصالح الدولة التي تغذيها بالمال والسلاح".

معاودة استهداف المنطقة الرئاسية "الخضراء"

تعرضت المنطقة الرئاسية الخضراء في بغداد، عقر دار الحكومة العراقية، ومقار البعثات الدبلوماسية الدولية، إلى قصفٍ بالهاونات، صباح الأحد الماضي، مع تسلم السفير الأمريكي الجديد، ماثيو تولر، مهامه الدبلوماسية في العراق خلفاً للسفير دوغلاس سليمان. مراقبون عدوا استهداف المقار الحكومية بأنّه عودة لمربع الانفلات الأمني.

العامري: القيادات الأمنية العراقية لا تسيطر أحياناً على سلوكيات الميليشيات المرتبطة بالولي الفقيه وتأتمر لإيران على حساب القرار العراقي

وفي هذا السياق، يقول وائل العامري، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النهرين في بغداد، إنّ "القيادات الأمنية العراقية، لا تسيطر أحياناً على سلوكيات بعض الميليشيات المسلّحة والمندمجة في هيئة الحشد الشعبي، كون هذه الجماعات مرتبطة عقائدياً بالولي الفقيه في إيران، وتأتمر في أغلب الأحيان للقرار الإيراني على حساب القرار العراقي"، مبيناً أنّ "البغداديين تفاجأوا بعودة مسلسل استهداف المنطقة الخضراء بالهاونات من مناطق شيعية في شرق العاصمة".

ويضيف العامري، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ "الحكومة العراقية اليوم أمام مفترق طرق حيال ملفي الخدمات والأمن، وعليها ألّا تسمح بالمقامرين داخل السلطة باللعب على هذين الملفين، وإلا سيكون سقوطها وشيكاً، ولاسيما نترقب احتجاجات شعبية في مناطق جنوب العراق ووسطه جراء تردي الخدمات هناك".

المنطقة الرئاسية الخضراء

اضطراب في هيكلية الحشد الشعبي

تعاني هيكلية الحشد الشعبي، المؤسسة المرتبطة برئاسة الوزراء قانونياً، والمتمردة على بعض قرارات الحكومة عملياً، كما يقول منتسبون أمنيون في الهيئة؛ حيث تعاني فصائل مسلحة تنتمي فقهياً لمرجعية السيد السيستاني في النجف من عدم صرف رواتب مقاتليها، في حين توجه الاتهامات لنائب رئيس هيئة الحشد أبومهدي المهندس، بتفضيل الفصائل الإيرانية المنضوية في الهيئة على حساب نظيراتها العراقية.

اقرأ أيضاً: الحشد الشعبي في العراق.. مأسسة الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية

ويقول هاشم الساعدي، وهو مقاتل في فرقة العباس القتالية التابعة للعتبة العباسية في كربلاء، لـ "حفريات"، إنّ "منتسبي الفرقة ملتزمون بفتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني التي تنص على طاعة القيادات الأمنية في الحكومة العراقية"، مشيراً الى أنّ "إدارة هيئة الحشد لم تساو بين مقاتلي الفصائل في توزيع المرتبات والأسلحة، هناك تفضيل للفصائل الولائية للمرشد الإيراني الأعلى، فيما نحن نعاني من ذلك التمييز". 

وتابع الساعدي قوله: "ولحل هذه الإشكالية، تدخل رئيس الوزراء شخصياً وعمل على فك ارتباطنا بهيئة الحشد الشعبي، وضمّنا إلى وزارة الدفاع لحل عقدة الرواتب، وتسليم الأسلحة المطلوبة للفرقة".

رقة العباس القتالية التابعة لمرجعية السيستاني

بذكرى "الجهاد الكفائي".. السيستاني يحيي الجميع

في الذكرى الخامسة لإصدار المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، فتوى "الجهاد الكفائي" ضد تنظيم داعش الإرهابي في العراق، أقامت الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، الجمعة الماضي، مهرجاناً شعبياً في العاصمة بغداد، شكرت جهود طهران في مساعدة العراق على دحر التنظيم. فيما أصدر المرجع الشيعي بياناً بهذه المناسبة، مؤكداً أنّ النصر لم يكن ليتحقق لولا "تكاتف العراقيين"، وتعاون الدول الصديقة والشقيقة. في إشارة منه إلى دول الجوار والتحالف الدولي.

اقرأ أيضاً: مخطط إيراني جديد في العراق.. محاوره وأهدافه
وتلا وكيل المرجعية، أحمد الصافي، في كربلاء خلال خطبة صلاة الجمعة، بياناً قال فيه "في مثل يوم أمس الثالث عشر من حزيران من عام 2014 ؛ أي قبل خمسة أعوام انطلق من هذا المكان المقدس نداء المرجعية الدينية العليا وفتواها الشهيرة بوجوب الدفاع الكفائي؛ حيث دعت العراقيين القاردين على حمل السلاح للانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته أمام هجمة الإرهابيين الدواعش، الذين اجتاحوا مساحات واسعة من المحافظات وباتوا يهددون العاصمة بغداد وعدداً من المحافظات الأخرى أيضاً".

أحمد الصافي وكيل السيستاني يقرأ بيان الأخير بالذكرى الخامسة لفتوى الجهاد الكفائي

خلاف واضح بين النجف وطهران

دعوات المرجعية الدينية الشيعية في النجف، إلى وجوب الانخراط في صفوف القوات الأمنية لمواجهة تحديات الإرهاب، تضع الفصائل المسلّحة المرتبطة بإيران في دائرة الحرج الإعلامي أمام الطائفة الشيعية العراقية المرتبطة فقهياً بآية الله علي السيستاني؛ حيث تشرع أغلب الفصائل الموالية للمرشد الإيراني إلى استثمار فتوى السيستاني لصالح تعبئة الشباب العراقي في صفوفها.

محلل سياسي: انتماء شيعة العراق الفقهي يتجه صوب النجف ولن يكونوا حطب وقود المشاريع الدولية وخصوصاً إيران

وتعليقاً على ما سبق، يقول المحلّل السياسي، لطيف الشمري، لـ "حفريات"، إنّ "الفصائل الولائية الإيرانية في حرج دائم أمام الجمهور الشيعي في العراق؛ فهي تتبنى شيئاً وتغطي عليه لبوس المقدّس، فيما تطل المرجعية السيستانية ببيانات تبدد وهم المقدّس الذي يتلبّسه أتباع طهران في العراق"، مبيناً أنّ "من يمثل التشيع الديني الأصولي رسمياً هي النجف الأشرف بمرجعياتها التي تتصدرها مرجعية آية الله السيد علي السيستاني الذي يطالب دوماً بسيادة العراق واستقلالية القرار العراقي، فضلاً عن مناهضته وزملاءه في النجف لمشروع ولاية الفقيه".

ويضيف أنّ "شيعة العراق، عراقيون أولاً، وشيعة ثانياً، ولن يقبلوا بأي ممارسات دينية طائفية تابعة للغير تسمح بإلغاء هويتهم الوطنية"، مشيراً الى أنّ "انتماءهم الفقهي دوماً يتجه صوب النجف، ولن يكونوا حطب وقود المشاريع الدولية لأي دولة كانت وخصوصاً إيران".

هل أثرت وحشية داعش في الدراما التلفزيونية؟

72
عدد القراءات

2019-06-20

تحاول الدراما التلفزيوينة الاستحواذ على ذهنية المشاهد، وخطف بصره ووجدانه، بمشاعر عديدة ومتناقضة، وكلّما استطاعت ذلك، وصفت بالنجاح.

اقرأ أيضاً: هل يؤرِّخ رمضان 2019 لانتكاسة الدراما المصرية؟
ومع أنّ صنّاعها يرددون دائماً؛ أنّ مادتهم الخام هي الواقع، إلا أنّهم يطلقون عنان خيالهم، لممارسة الصدمة والرعب، خارج حدود الواقع، وهذا حقّ، لكنّ الإشكالية هي في نقل ممارسة تنظيم متوحش كداعش إلى قلب الدراما الاجتماعية دون الإشارة إليه، فيقعون في فخّ تحوّل الاستنثاء الكريه إلى فعل اجتماعي معتاد، وهو ما تترتب عليه محاولة تقليده عند ممارسة العنف والانتقام بين المجتمع، وهنا قد تكمن الخطورة.

وحشية داعش تتفوق
حاول تنظيم داعش، عبر عناصره من ذوي الخبرة الغربية في الميديا، أن يبثّ الرعب في قلوب الناس، بالوصول إلى أقصى خيال متوحش، في تعذيب وقتل خصومه من الأسرى والمعتقلين لديه، مستنداً بعد ذلك إلى وقائع تاريخية ذات سياقات قديمة، هي في الواقع ابنة تاريخها وظروفها وملابساتها.

الناقد طارق الشناوي: أيّ مشهد للحرق في الدراما ليس من الضروري أن يكون مقتبساً من الدواعش

لكنّ الإشكالية هي في تأثّر خيال كاتب الدراما التلفزيونية والسينمائية، في الخيال المتوحش لداعش، فيستخدم البطل المنتقم، وصاحب الحقّ في أنّ ينكل بالشخصية الشريرة، من خلال فعل "إجرامي"، يتصور أنّه يصل بالمشاهد إلى أقصى حالات التشفي والشعور بالرضاء لما حلّ بذالك الشرير.
وظلّ مشهد حرق الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، من قبل تنظيم داعش، مؤثراً سلبياً في الدراما المصرية، مع أنّ التنظيم بثّ فيديوهات للتعذيب والقتل أكثر قساوة من مشهد حرق "الكساسبة"، إلا أنّها لم تحظَ بمشاهدات كبيرة، مثل مشاهد إدخال داعش عدداً من أسراه في قفص حديدي وإغراقهم في الماء، وتسليط الكاميرا الضوء عليهم حال اختناقهم تحت الماء، أو المشاهد التي قام فيها التنظيم بتقطيع خصومه وسلخهم أحياء في مجازر وسلخانات البهائم.

 

ضدّ مجهول
أول من قلّد مشهد "الكساسبة"؛ كان المسلسل المصري "ضدّ مجهول"، وعرض في رمضان، عام 2018، وقامت ببطولته الفنانة يسرا، التي وضعت قاتل ابنتها في قفص حديدي، بعدما ألبسته زياً برتقالياً، كالذي كان يرتديه "الكساسبة"، ثمّ أشعلت فيه النيران، مع محاكاة لا تخطئها العين مع المشهد الداعشي المنفر.

اقرأ أيضاً: لماذا اختفت الدراما الدينية؟
ومع ذلك، لم يستطع مخرج المسلسل أن يصل إلى مستوى الصدمة الذي أوقعه داعش في قلوب المشاهدين؛ إذ إنّه استطاع أن يخرج المشهد باحترافية عالية فاقت صنّاع الدراما، ربما لأنه امتلك عناصر ذات خبرات غربية بين صفوفه، ساعدته في إخراج مشهد طقسي عنيف يعود إلى العصور الوسطى.
لكن ربما تكمن المشكلة في تخزين المشهد في عقل المشاهد، الذي وإن رأى داعش جماعة متوحشة لا يقاس على أفعالها، إلا أنّه قد يعتدّ بطريقة القتل في حالة الانتقام من قاتل الابن أو الابنة، في محاولة منه للوصول إلى أعلى درجات الانتقام الذي يظنّ أنها ستذهب بغليله.
انتقادات عنيفة
قوبل مشهد الحرق في مسلسل "ضدّ مجهول" بانتقادات حادّة العام الماضي، إلا أنّ مشهداً جديداً مشابهاً ظهر في رمضان هذا العام، في مسلسل "ولد الغلابة"، من بطولة أحمد السقا ومحمد ممدوح.
فممدوح "ضاحي" استمر في الضغط على الطيب أحمد السقا "عيسى"، حتى حوله لتاجر مخدرات، وواصل شرّه حتى تزوج سرّاً من شقيقته، التي قتلها أخوها عندما علم بذلك، فما كان من "عيسى" إلا أن خطّط لقتل "ضاحي"، وعندما تمكن من ذلك، اختار أن يسكب عليه البنزين، ثم قام بإشعال عود الكبريت، وألقاه عليه، ليحترق "ضاحي" ويصرخ، فيجد المشاهدون في ذلك الفعل انتقاماً مشروعاً ومحقّاً.

 

 

كما اختار كاتب مسلسل "أبو جبل" الذي قام ببطولته الممثل المصري مصطفى شعبان، أن يقتل طفلين من أطفال "حسن"، على يد خالهما، الذي أراد أن يسرق ملايين الجنيهات من منزل شقيقته، فقام بإحراق المنزل بمن فيه.

اقرأ أيضاً: الدراما السورية تعود من الحرب ببطولات جماعية
وصل صنّاع المسلسل إلى قمة التراجيديا، واستطاعوا خطف المشاهدين للنهاية لمعرفة القاتل الحقيقي، والذي عزم "الأب" أن يثأر منه انتقاماً لطفليه، لكنّ الكاتب اختار أن تكون النهاية قانونية، بعد تراجع البطل عن قتل الخال، وقام بتسليمه إلى يد العدالة، إلا أنّ تلك النهاية قد لا تكون واقعية؛ إذ إنّ بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى الحرق بالمثل، على منهجية داعش، واعتقاداً منهم بأنّ القصاص يقتضي ذلك.

 

 

لسنا نحن فقط

وقد يجيب صنّاع الدراما المصرية بأنّ نوعية تلك المشاهد تتكرر في أعمال درامية عالمية، فلماذا ينصبّ النقد على الأعمال المحلية فحسب؟
ففي مسلسل "صراع العروش"، استخدمت الملكة "دينيرس" قواتها، بالتعاون مع "جون سنو" للهجوم على "كينجز لاند"، لكنّها رفضت السلام بعد الاستسلام التام من قبل "سيرسي"، ملكة الممالك السبع، وبعدها قررت حرق المدينة وأهلها بواسطة التنانين.

 

 

مشاهد الحرق الجماعية كان يقابلها مشاهد حرق فردية، فحرقت "دينيرس" مستشارها السياسي "هاريس"، بعدما اكتشفت أنّه يروّج بأنّ ابن أخيها "جون سنو" هو الأحقّ بحكم الممالك السبع، لأنّه الوريث الشرعي لعرش "تيرغيريان"، فأحرقته بنيران أحد تنانينها في مشهد مأساوي أليم.

 

 

ويعتقد الناقد طارق الشناوي، أنّ الدراما تناولت تنظيم داعش نفسه بكل تفاصيله المثيرة للجدل، في أكثر من عمل، وتعرضت لسلوكيات مستهجنة مثل: جهاد النكاح، وغرس الأفكار التكفيرية والمعتقدات المتطرفة في الأطفال الصغار والنساء، وبشاعة الهجمات الانتحارية، التي تسبّبت في خراب ودمار الكثير من البلدان العربية.

قوبل مشهد الحرق في مسلسل "ضدّ مجهول" بانتقادات حادّة العام الماضي، إلا أنّ مشهداً جديداً مشابهاً ظهر في رمضان

وأكّد الشناوي، لــ "حفريات"؛ أنّه كان من واجب الدراما أن تناقش المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا العربية، مثل مشكلة داعش، مشيراً إلى أنّ بعض الأشياء التي يمارسونها لا بدّ من أن تناقَش بحذر شديد، رغم أنّ هناك بعض الأعمال الفنية التي تضمنت مشاهد لحرق البطل أو إحدى الشخصيات الثانوية قبل ظهور تنظيم داعش من الأساس.
ولفت الشناوي إلى أنّ هناك فريقين في عالم الفنّ، الأول: مَن يرى فكرة ترسيخ ما يفعله الدواعش بكل التفاصيل في أعمال فنية، والثاني: مَن يختار أن يكون حذراً جداً عند تناولها، أو أن يخفّف من الصورة الحقيقية التي يظهر بها داعش، مثل العنف والذبح والحرق، حرصاً على المشاعر الرقيقة للبعض.

اقرأ أيضاً: "الإرهاب" في دراما رمضان: وأد للتطرف أم توجيه للرأي العام؟
وأوضح الشناوي؛ أنّ الأهم من كلّ هذا، الحرفية في التقديم، وتناول الموضوع بشكل جيد، مشيراً إلى أنّ الدواعش وتنظيمهم فرضوا أنفسهم على العالم كلّه؛ لذا من الطبيعي أن تنعكس تصرفاتهم في الكتابة الدرامية، بما أنّهم باتوا مصدر قلق للكثيرين، ولذلك كان من المهم تسليط الضوء عليهم.
وأضاف الشناوي: "أيّ مشهد للحرق في الدراما، ليس من الضروري أن يكون مقتبساً من الدواعش؛ فقد ظهرت من قبل أشياء تشبه تلك التصرفات، ولكنّ التوقيت الحالي جعل بعض الناس تربط داعش بالأحداث، وربما يرجع ذلك لمخاوفهم وقلقهم من هذا التنظيم".




مبادرة إغاثية إماراتية جديدة لأهالي الضالع..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
88
عدد القراءات

2019-06-20

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة أعمالها الإنسانية والإغاثية، في المحافظات والمدن اليمنية، التي يعاني سكانها انتهاكات الحوثيين وجرائمهم ضدّ المدنيين.

وفي آخر مباداراتها الإنسانية؛ قدّمت الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية، هيئة الهلال الأحمر، قافلة مساعدات شملت سلالاً غذائية لأهالي حجر في محافظة الضالع اليمنية، استفادت منها 1500 أسرة.

الإمارات تقدم مساعدات غذائية لأهالي حجر بالضالع تستفيد منها 1500 أسرة يمنية

يأتي ذلك في إطار الجهود الحثيثة والدعم اللوجستي المستمر، وحملات الاستجابة المتواصلة من قبل دولة الإمارات، بتوجيهات قيادتها للشعب اليمني، بمختلف المجالات، التنموية والإغاثية والإنسانية، وفق "وام".

وأشرف على توزيع السلال الغذائية "الفريق التطوعي التابع للهلال الأحمر الإماراتي"، بحضور محافظ الضالع، اللواء علي مقبل، الذي ثمّن دعم دولة الإمارات المستمر للمحافظة في مختلف المجالات، الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أهمية هذه اللفتة الكريمة من قبل دولة الإمارات وتلمّسها أوضاع غير القادرين من أبناء الضالع.

من جانبهم، عبر المستفيدون من أهالي حجر عن شكرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، والتي لم تتوانَ عن تقديم المساعدات الغذائية التي تلبّي احتياجاتهم وتعينهم على تجاوز الأوضاع الصعبة التي يعيشونها .

أهالي حجر يعبرون عن شكرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على المساعدات الغذائية 

تجدر الإشارة إلى أنّ شهر أيار (مايو) الماضي، شهد توزيع الهلال الأحمر الإماراتي أكثر من 7 آلاف سلة غذائية، استفاد منها 49 ألف مواطن يمني، إضافة إلى حملة استجابة عاجلة، شملت، إلى جانب الإغاثة؛ تقديم دعم إيوائي تضمّن خياماً وخزانات مياه، إلى جانب شحنة من الأدوية والمستلزمات الصحية لمستشفى النصر العام.

 

 

مصر تردّ على أردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
980
عدد القراءات

2019-06-20

استنكر وزير الخارجية المصري، سامح شكري، اليوم، تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، حول وفاة الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، معتبراً أنّ تصريحاته تعكس حقيقة ارتباطه بتنظيم الإخوان المسلمين، المصنَّف في الكثير من الدول ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية.

وقال بيان لوزارة الخارجية، نقلاً عن شكري: إنّ "التصريحات الأخيرة للرئيس التركي، أردوغان، التي تدخّل فيها بشكل سافر في شأن وفاة محمد مرسي، من خلال ادعاءات واهية تتضمّن التشكيك في وفاته الطبيعية، بل والاتهام بقتله، والتلويح بإثارة الأمر دولياً"، تندرج في إطار "التصريحات المتكررة غير المسؤولة للرئيس التركي حول مصر"، وفق ما أوردت "مونتكارلو".

شكري: تصريحات أردوغان حول وفاة مرسي غير مسؤولة وتعكس حقيقة ارتباطه بتنظيم الإخوان المسلمين

ورأى شكري؛ أنّ "أردوغان يريد الدخول في مهاترات عبثية لخدمة وضعه الانتخابي والعمل حصراً نحو اختلاق المشاكل"، وتابع "مثل هذا الكلام المُرسل الذي يملأ به خطاباته وتصريحاته لا يعكس سوى حقيقة ارتباطه العضوي بتنظيم الإخوان، في إطار أجندة ضيقة من أجل النفوذ واحتضان ونشر الفكر المتطرف، الذي صاغته جماعة الإخوان، واعتنقته القاعدة وداعش، وغيرهما من المنظمات الإرهابية".

وتوفَّى مرسي، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، عن 67 عاماً، بعد ظهر الإثنين، في قاعة محكمة داخل معهد أمناء الشرطة في مجمع سجون طرة، جنوب القاهرة؛ حيث كان يُحاكم.

وكان مرسي قد انتُخب رئيساً لمصر، في 2012، في أعقاب ثورة 2011، التي أسقطت حسني مبارك، ولكن بعد تظاهرات مكثفة طالبت برحيل مرسي، أطاح به الجيش، الذي كان يقوده آنذاك الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، في الثالث من تموز (يوليو) 2013.

 

هل ينافس أوغلو أردوغان في انتخابات 2023؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
218
عدد القراءات

2019-06-20

نشر موقع "قنطرة" التركي تقريراً تحدث فيه عن أهمية انتخابات بلدية إسطنبول، وتداعياتها على مستقبل تركيا السياسي، مبيناً أنّ نجم أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، يزداد توهجاً ولمعاناً، لدرجة أنّه بات يشكّل فيها خطراً على شعبية الرئيس، رجب طيب أردوغان، نفسه.

وقال الكاتب ماريان بريمر، في تقريره، الذي عنونه بـ "انتخابات إسطنبول... هل يصبح ابن الإمام رجل تركيا القوي بدل أردوغان؟": إنّ "التوتُّرات حول نتائج انتخابات إسطنبول أظهرت مدى انقسام تركيا حالياً إلى معسكرين قوَّتهما متساوية تقريباً"، ولفت إلى أنّه؛ كثيراً ما ينظر إلى إسطنبول، التي يعيش فيها ملايين من المهاجرين القادمين من جميع مناطق البلاد، على أنَّها نسخة مصغَّرة من تركيا، معتبراً أنّ هذا يشكّل سبباً آخر لخوف حزب العدالة والتنمية الإسلامي من أكرم إمام أوغلو؛ إذ يخشى حزب أردوغان من أن يصل إمام أوغلو، الذي يتمتَّع بالجاذبية، إلى مسرح إسطنبول اللامع، ما يمكّنه من أن يصبح، عام 2023، مرشَّحاً منافساً خطيراً لأردوغان، وفق ما نقلت صحيفة "زمان" التركية.

تقرير يؤكد أنّ إمام أوغلو يشكّل خطراً على شعبية أردوغان وعلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي

وأوضح أنّه "من الممكن هنا أن يُعيد التاريخ نفسه، ولكن هذه المرة لصالح المعسكر المضاد، لأنَّ أردوغان كان قد صنع لنفسه اسماً في السابق، كرئيس لبلدية إسطنبول، قبل أن يصبح أقوى رجل في البلاد".

جدير بالذكر؛ أنّ حزب العدالة والتنمية الحاكم فاز بالأغلبية في الانتخابات البلدية، التي جرت في 31 آذار (مارس) الماضي، لكنه خسر أهم وأكبر المدن التركية، وعلى رأسها إسطنبول، التي فاز فيها المرشح عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، أكرم إمام أوغلو، الأمر الذي مَثّل هزيمة معنوية كبيرة للحزب الحاكم، لما لها من رمزية كبيرة في البلاد؛ إذ كانت المحطة التي أوصلت أردوغان للرئاسة.

وقررت اللجنة العليا للانتخابات إعادة التصويت في إسطنبول، في ٢٣ حزيران (يونيو) الجاري، بعد طعون تقدم بها حزب العدالة والتنمية الحاكم بحجة وقوع مخالفات تصويتية أثرت على النتيجة.

 




كيف وجهت الإسلاموية السياسة الخارجية لتركيا؟

69
عدد القراءات

2019-06-20

ترجمة: محمد الدخاخني


في شباط، فبراير(2011)، قام رجب طيّب أردوغان بدعوة الرّئيس المصريّ حسني مبارك إلى الاستجابة "لنداءات الشّعب ومطالِبه الأكثر إنسانيّة"، وبهذا ألزمَ رجل تركيا القويّ بلاده أساساً باحتضان "الرّبيع العربيّ" النّاشئ. كان البيان مصيريّاً. فقد عرّض أردوغان المكاسب السّياسيّة والاقتصاديّة الّتي حقّقتها تركيا في العالم العربيّ حتّى تلك المرحلة للخطر. وفي الواقع، بعد ثلاثة أعوام، وجدت تركيا نفسها معزولة تماماً في المنطقة ومتورِّطة بعمق في الحرب الأهليّة الدّائرة في جارتها سوريا.

الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة

لماذا اتّخذت تركيا هذا المسار المحفوف بالمخاطر واحتضنت "الرّبيع العربيّ"؟ إنّ فهم ما ثبت أنّه اختيار كارثيّ لا يمكن إلّا إذا أخذنا في الاعتبار الأيديولوجيا الإسلامويّة لصانعي السّياسة الخارجيّة في أنقرة. بشكل أكثر تحديداً، يحتاج المحلّلون إلى النّظر في مفهوم "اتّحاد الإسلام"، الّذي كان دائماً مكوِّناً حاسماً للإسلامويّة في تركيا، والّذي من خلاله قامت القيادة الإسلامويّة لحزب العدالة والتّنمية الحاكم بتفسير التّطورات الإقليميّة والعالميّة. في نظر إسلامويّي تركيا السُّنّة، الّذين يشكّلون قيادة حزب العدالة والتّنمية، مثّل "الرّبيع العربيّ" بادِرة تحوّل إسلامويّ شعبيّ في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
والسّؤال الواضح هنا هو، لو كان ذلك كذلك، علامَ تنصّ السّياسة الخارجيّة الإسلامويّة في السّياق التّركيّ قبل عام 2011، وفي منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا الّتي تغيّرت بشكل راديكاليّ بعد عام 2011؟

"اتّحاد الإسلام" في الدّولة العثمانيّة
من المؤكّد أنّ الإسلام ينطوي على تعاليم يمكن تفسيرها بسهولة على أنّها أوامر مباشرة للمسلمين تحضّ على المساعدة والتّعاون مع بعضهم البعض والعمل في وحدة في مجال السّياسة الخارجيّة. ومن بين الآيات القرآنيّة الّتي يجري الاستشهاد بها كثيراً، على سبيل المثال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّفوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" (3: 103). وبالمثل، الحديث الّذي أخرجه مسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

اقرأ أيضاً: هذا ما ينتظر تركيا بعد صفقة "إس 400"
وقد ألهمت هذه النّصوص وما شابهها عدداً من العلماء والمثقّفين الدّينيّين في القرن التّاسع عشر للدّعوة إلى تطوير تعاون أوثق وعلاقات أقوى بين المسلمين من كافّة الأعراق والطّوائف. وكان ما سُمّي بـ"اتّحاد الإسلام" في تركيا العثمانيّة، أو "وحدة الإسلام" بالعربيّة، دعوةً وجدت صدى لها بين رجال الدّولة والبيروقراطيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة، الدّولة الّتي لجأ إليها العديد من المسلمين بحثاً عن المساعدات الماليّة والعسكريّة والدّبلوماسيّة طوال هذا القرن الطّويل. بل إنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة سعت إلى "عموميّة إسلامويّة pan-Islamism" - وهي عبارة صاغها الأوروبيّون للإشارة إلى السّياسة الخارجيّة القائمة على الوحدة الإسلاميّة في عهد السّلطان عبد الحميد الثّاني، الّذي حكم من 1878 إلى 1909.

كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى

في القرن التّاسع عشر، أدرك الكثيرون في العالم ذي الأغلبيّة المسلمة أنّ هناك تبايناً قويّاً ومتزايداً في القوّة بين أوروبا والعالم الإسلاميّ. وربّما كان بالإمكان تجاهل هذا التّباين في القوّة بسهولة إذا لم يخلق بيئة دوليّة معادية: القوى الأوروبيّة، خاصّة بريطانيا وفرنسا وروسيا، كانت تستعمر العالم الإسلاميّ شيئاً فشيئاً، وفشل العديد من الحكّام المسلمين في إحباط هذه القوى الاستعماريّة. وردّاً على ما بدا أنّه اعتداء أوروبيّ موحّد على أراضي المسلمين، ولدت فكرة "اتّحاد الإسلام" واكتسبت شعبيّة من كراتشي إلى الرّباط.
كانت الفكرة منطقيّة. فمن خلال التّعاون مع بعضهم البعض، يمكن للمسلمين الوقوف ضدّ أوروبا وحماية مصالحهم. ومع ذلك، بالرّغم من اعتناق السّلطان العثمانيّ عبد الحميد الثّاني لهذا المفهوم، فشلت الفكرة في مساعدة الإمبراطوريّة العثمانيّة وغيرها على منع الهيمنة الأوروبيّة الكاملة الّتي أقرّها كونغرس برلين في 1878 ومؤتمر برلين في 1884-1885. ولم تتكثّف عمليّة الهيمنة الغربيّة على العالم ذي الأغلبيّة المسلمة إلّا في القرن العشرين عقب نهاية الحرب العالميّة الأولى وانحلال الدّولة العثمانيّة.

اقرأ أيضاً: تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟
بحلول الرّبع الثّاني من القرن العشرين، كان عدد قليل فقط من الدّول الإسلاميّة قد احتفظ باستقلاله عن أوروبا. وتركيا كانت واحدة من هذه الدّول، بعد أن أسّست جمهوريّة على أنقاض الإمبراطوريّة العثمانيّة في 1923 ثمّ ألغت الخلافة في 1924. على كلّ حال، تبنّت تركيا الجمهوريّة أجندة قوميّة بحتة في السّياسة الخارجيّة لم تطمح إلى تحسين مصالح المسلمين خارج تركيا أو حمايتها. إلّا أنّ فكرة "اتّحاد الإسلام" واصلت حضورها في تركيا، وأصبحت أساساً راسخاً لما سيصبح الإسلامويّة التّركيّة في النّصف الثّاني من القرن العشرين.
كان سعيد النّورسيّ (1878-1960) شخصيّة حاسمة في هذا التّحوّل، وقد عاش فترة انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة والتّأسيس الّلاحق للجمهوريّة. اعتنق النّورسيّ "العموميّة الإسلامويّة" قبل فترة طويلة من انهيار الإمبراطوريّة. وفي مقال كتبه عام 1909، على سبيل المثال، أعلن أنّ وحدة الإسلام تُعدّ أعظم ما فُرِضَ على المسلمين. وخلال العصر الجمهوريّ، واصل النّورسي اعتزازه بفكرة "اتّحاد الإسلام" باعتبارها مثالاً أعلى سيتحقّق، وعمل على إقامة صِلات مع شخصيّات وقادة دينيّين في أماكن أخرى من العالم الإسلاميّ.

الصّراع الإسلامويّ-الكماليّ في تركيا
بالرّغم من أنّ الإسلامويّة التّركيّة أو الأناضوليّة قد نشأت في القرن التّاسع عشر، فإنّها تطوَّرت وأخذت معالمها الرّئيسة في صراع جدليّ - في المقام الأوّل - مع أيديولوجيا الدّولة السّائدة: الكماليّة، الّتي سمّيت على اسم مؤسّس الجمهوريّة التّركيّة، مصطفى كمال أتاتورك.
في ربع القرن الأوّل من عمر الجمهوريّة التّركيّة، نفّذ الزّعماء الكماليّون سلسلة من الإصلاحات العلمانيّة الّتي قيّدت بشكل كبير أدوار الدّين واتّخذت تدابير قاسية ضدّ النّاشطين الدّينيّين والجماعات الدّينيّة. وكان حكم الإسلامويّة على الكماليّة، الّذي جاء كردّ الفعل، قاسياً للغاية. وفقاً للإسلامويّين، فإنّ الكمالية كانت في الأساس أيديولوجيا معادية للدّين، وفي نظر شخصيّات دينيّة مثل النّورسيّ، لم يجسّد أتاتورك نفسه سوى شخصيّة معادية للإسلام، شأنه شأن المسيح الدّجّال.

كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001

بالنّسبة إلى الإسلامويّين، كانت الكماليّة غريبة على الأناضول - وهي المنطقة الرّيفيّة النّائية في تركيا الّتي يسكنها القرويّون الأتراك والأكراد. وقد أصبح هذا الاتّهام أكثر وضوحاً كلّما أصبحت الإسلامويّة في تركيا أكثر شعبيّة في اعتقادها بالتّقوى الفطريّة للمسلمين العاديين. وبعد عام 1924 - بعد تجريدها من المثل الأعلى للخلافة - أصبحت الإسلامويّة مركّزة ليس في القصور والمساجد العثمانيّة في إسطنبول الكوزموبوليتانيّة، ولكن بدلاً من ذلك بين عامّة النّاس في الأناضول. كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى. وقد حاججت الإسلامويّة بأنّ المسلمين في تركيا لا يزالون مرتبطين شعوريّاً ولا شعوريّاً بالإسلام، بغض النّظر عن أيّ ادّعاء مغاير تروّج له الجمهوريّة الكماليّة.

اقرأ أيضاً: تركيا تسجل تصنيفاً جديداً في جرائم العمل
في السّياق الخاصّ بتركيا، حيث بقيت الأشكال التّقليديّة للإسلام قويّة وسمح النّظام السّياسيّ بالسّياسة الانتخابيّة، اختفت الرّاديكاليّة المحدودة للإسلامويّة تماماً بمرور الوقت واكتسبت شعبيّتها المزيد من القوّة. كان الإيمان بتعلّق المسلمين الفطريّ بالإسلام أمراً بالغ الأهميّة لأنّه خدم الإسلامويّين في تصوير أيديولوجيّتهم على أنّها الأيديولوجيا الأصليّة الوحيدة في البلاد، وفي تصوير أتباع الإسلامويّة على أنّهم أكثر ممثّلي الجماهير أصالة. والأيديولوجيّات الشّعبيّة الأخرى في أوائل العهد الجمهوريّ - الكماليّة والشّيوعيّة - عُدّت، في رأي الزّعماء الإسلامويّين، غريبة على البلاد، حيث سعت تلك الأيديولوجيّات الأخرى إلى تغيير النّاس العاديّين على أسس مستوحاة من الغرب.

عبدالله المنياوي أو كيف يرى الإسلامويّون الأتراك العالم؟

أصبحت الإسلامويّة في تركيا ترى أنّ جميع أنظمة ما بعد الاستعمار في الشّرق الأوسط (بما في ذلك الدّولة الكماليّة في أنقرة) تتّبع سياسات معادية للدّين وتتبنّى أيديولوجيّات أجنبيّة ضدّ المسلمين. ومن هنا، كما قال العديد من الإسلامويّين الأتراك، فإنّ كلّ هذه الدّول لم تكن ممثّلة حقيقيّة لشعوبها. والأهم من ذلك هو أنّ الإسلامويّة أصبحت متمسّكة بأنّ الأنظمة العلمانيّة القمعيّة في القرن العشرين قد قسمت الشّرق الأوسط بشكل مصطنع، وعزلت شعوب المنطقة عن بعضها البعض، وأثارت العداوة بينهم، وألحقت الأذى بالصّداقة الدّينيّة والثّقافيّة.

بعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر

بعبارة أخرى، أكّدت الإسلامويّة التّركيّة بشكل أساسيّ أنّ الإسلامويّين، أو المسلمين الأتقياء، عاشوا طوال القرن العشرين في ظلّ أنظمة معادية للدّين في كافّة أنحاء المنطقة. وقد أُطِّر هذا التّصوّر بوضوح في رواية أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً وألهمت فيلماً في تركيا.
تسرد الرّواية الصّعوبات المختلفة الّتي يواجهها رجل يدعى عبد الله من محافظة المنيا في مصر (ومن هنا، عنوانها، عبد الله المنياويّ). في القصّة، على عبد الله أن يُكابِد الظّلم في مصر لمجرّد أنّه مسلم تقيّ. ويصف ناشر هذه الرّواية، تيماش، الكتاب بكلمات معبّرة: "تسرد 'عبد الله المنياويّ' قصّة مسلم في القرن العشرين. إنّها قصّة عِباد الله الّذين يعيشون في مصر وكذلك في سوريا والعراق والجزائر وباكستان ونيجيريا وتركيا أو في أيّ مكان آخر في العالم، الّذين بحثوا ووجدوا الطّريق الحقيقيّة إلى النّور في ظلام هذا القرن الّذي يتّسم بالكفر والضّلالة".

اقرأ أيضاً: تركيا أكبر داعم للإخوان المسلمين في العالم
بالرّغم من هذا التّصريح، كان عبد الله المنياويّ بالتّأكيد عملاً يقوم على المجاز: إنّه يدور حول تركيا أكثر ممّا يتعلّق بمصر. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُخفي هذا حقيقة أنّ الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة. وقد حقّقت الإسلامويّة التّركيّة هذا من خلال دمجها، داخل سرديّتها التّضحويّة، قصص اضطّهاد شخصيّات مثل حسن البنا وسيّد قطب (وتشير الأدبيّات الإسلامويّة التّركيّة إليهما باعتبارهما من الشّهداء)، والإخوان المسلمين في مصر، وجبهة الإنقاذ الإسلاميّة في الجزائر، ومختلف الجماعات الإسلاميّة الثّوريّة التي مثّلت شعوباً مضطهدَة ذات أغلبيّة مسلمة مثل الفلسطينيّين والكشميريّين والشّيشانيّين والبوسنيّين والإيغور.

الإسلامويّة السّياسيّة من أربكان إلى أردوغان
جاء حزب العدالة والتّنمية الحاكم الّذي يتزعّمه أردوغان إلى السّلطة في تركيا عام 2002، ووصف نفسه بأنّه محافظ وديمقراطيّ. ومع ذلك، فإنّ كوادر قيادة الحزب تكوّنت أساساً من الجيل الجديد من الإسلامويّين الأتراك، ممّن كانوا أتباعاً ومساعدين سابقين لنجم الدّين أربكان (1926-2011).
كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001. وطوال حياته السّياسيّة، دعا أربكان إلى ضرورة تطوير تركيا لعلاقات أقوى مع العالم الإسلاميّ، وليس مع الغرب. على سبيل المثال، نعت الاتّحاد الأوروبيّ - الّذي تقدّمت تركيا بطلب الانضمام إليه - بأنّه "ناد مسيحيّ"، وتزعّم عمليّة تأسيس منظّمة إسلاميّة دوليّة عرفت باسم "دي 8"، والّتي تشكّلت من ثماني دول إسلاميّة كبرى. على كلّ حال، لم يتمكّن أربكان من تحقيق الكثير. فلم يصل إلى السّلطة البتّة على رأس حزب يتمتّع بالأغلبيّة السّياسيّة، وبالتّالي كان عليه أن يبرم صفقات مع أحزاب سياسيّة أخرى عندما يكون في الحكومة ويواجه مؤسّسة كماليّة هائلة أصبحت أقوى مع سيطرة الكماليّين على القوّات المسلّحة والقضاء والجامعات ووسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً: كلهم ضد الحرب مع إيران إلا... تركيا!
بعد تلقّيها درساً مؤلماً من فشل أربكان في تحدّي المؤسّسة الكماليّة، خفّفت قيادة حزب العدالة والتّنمية - بمجرّد وصولها إلى السّلطة في 2002 - من خطابها الأيديولوجيّ، واحتضنت الدّيمقراطيّة وحتّى العلمانيّة، وتمكّنت من بناء تحالف اجتماعيّ واسع النطاق. وعند تولّيهم السّلطة في أوّل انتخابات لهم بعد الانفصال عن أربكان، بدأ قادة حزب العدالة والتّنمية عمليّة طويلة لتفكيك المؤسّسة الكماليّة، استغرقت ما يقرب من عقد من الزّمان.
خلال العقد الأوليّ (2002-2011)، ظلّ زعماء حزب العدالة والتّنمية موالين إلى حدّ ما لخصائص السّياسة الخارجيّة التّقليديّة لتركيا. حتّى أنّ حزب العدالة والتّنمية اتّبع برنامج إصلاح سياسيّ للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ، وهو إجراء أكثر طموحاً من أيّ شيء آخر اتّخذته أيّ حكومة تركيّة سابقة. حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو وعملوا على تحسين علاقات تركيا مع الولايات المتّحدة. وفي بداية الغزو الأمريكيّ للعراق، على سبيل المثال، وبصفته رئيس وزراء تركيا، نشر أردوغان مقال رأي في صحيفة وول ستريت جورنال تحت عنوان معبّر: "بلدي… حليفك وصديقك الوفيّ". وممّا ذكره أردوغان في هذا المقال: "إنّنا مصمّمون على الحفاظ على تعاوننا الوثيق مع الولايات المتّحدة. كذلك، نأمل ونصلّي من أجل أن يعود الشّبان والشّابات الشّجعان إلى ديارهم بأقلّ خسائر ممكنة، وأن تنتهي المعاناة في العراق في أقرب وقت ممكن".

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي: تراجع للحريات وقيود على القضاء بتركيا
مع ذلك، وعلى مستوى آخر، اتّبع حزب العدالة والتّنمية سياسة خارجيّة إسلامويّة خفيّة إلى حدّ ما. انطلاقاً من الفكر الإسلامويّ التّركيّ، يعتقد قادة حزب العدالة والتّنمية أنّ المسلمين أمّة واحدة، لكنهم منقسمون بشكل ظاهريّ إلى هويّات قوميّة وإثنيّة وطائفيّة. وعلى كلّ حال، يشعر العديد من قادة حزب العدالة والتّنمية بأنّ على المسلمين أن يتطلّعوا إلى تجاوز كلّ ما يفرّقهم من أجل العمل على تطوير دولة إسلاميّة واحدة. لذلك، في ظلّ حكومات حزب العدالة والتّنمية المتعاقبة من 2002 حتّى 2011، كانت تركيا تهدف إلى تحقيق هذا المثل السّياسيّ، بغض النّظر عن مدى مثاليّته أو لامثاليّته (حسب موقفك السّياسيّ).

 حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو

صعود السّياسات الخارجيّة الإسلامويّة
لم يكن الأمر واضحاً في العقد الأوّل من القرن العشرين، ولكن بحلول 2010-2011، بعد أن نفى حزب العدالة والتّنمية كلّ النّفوذ الكماليّ تقريباً داخل الدّولة وخارجها، شرع الإسلامويّون في تركيا يتحدّثون بصوت أعلى عن الأهداف الإسلامويّة للسّياسة الخارجيّة لحزب العدالة والتّنمية. وبعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر، وغالباً ما كرّروا الشّعار الشّهير الآن، "أنت [في إشارة إلى أردوغان] حلم هذه الأمّة وقد تحقّق".

لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ"

إلى جانب الشّعارات والتّصويرات الإعلاميّة، اتّخذت تركيا في عهد أردوغان خطوات ملموسة لتطوير العلاقات مع المسلمين غير الأتراك. على سبيل المثال، زادت تركيا تجارتها الإجماليّة مع العالم الإسلاميّ ثمانية أضعاف. وبفضل الجهود الّتي بذلها قادة حزب العدالة والتّنمية في مختلف القدرات، زادت تجارة تركيا مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة من 8.4 مليار دولار في 2002 إلى 69 مليار دولار في 2018. وفي محاولة لتحسين العلاقات مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة، فإنّ الدّولة الّتي يقودها أردوغان عملت على إلغاء متطلّبات التّأشيرة بشكل متبادل، وإنشاء آليات تشاور رفيعة المستوى، والمشاركة في جهود الوساطة في بعض النّزاعات الدّائمة بين الدّول وداخلها، والمشاركة في منظّمات إقليميّة مثل مجلس التّعاون الخليجيّ وجامعة الدّول العربيّة.
كذلك، عزّزت تركيا تعاونها الوثيق مع المنظّمات غير الحكوميّة في العالم الإسلاميّ، وعملت على تنشيط منظّمة التّعاون الإسلاميّ، واستضافت عشرات المؤتمرات الدّوليّة الّتي حضرتها شخصيّات دينيّة بارزة وكذلك مثقّفون/أكاديميّون علمانيّون من الشّرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وباشرت العديد من مشاريع التّرميم فيما يخصّ التّراث العثمانيّ، وقدّمت مختلف أشكال المساعدات الإنسانيّة الدّوليّة - في المقام الأول للمسلمين المحتاجين. ومن خلال جهود حزب العدالة والتّنمية وأردوغان لتعزيز علاقاتهما التّاريخيّة مع جماعة الإخوان المسلمين والحركات الدّينيّة الإسلاميّة الأخرى، أصبحت تركيا مركزاً يمكن فيه لصانعي الرّأي الإسلاميّ عبر العالم الّلقاء والنّقاش حول المشكلات المشتركة.

اقرأ أيضاً: هكذا استغلت تركيا الإخوان المسلمين في إريتريا..ما أهدافها؟
عبر احتضان الرّبيع العربيّ بوصفه أداة لـ"اتّحاد الإسلام" - شأن إخوانهم الإسلامويّين في أماكن أخرى من الشّرق الأوسط -، أصبح الإسلامويّون في تركيا مبتهجين بالرّبيع العربيّ. وربّما تُعدّ وجهة نظر وزير الخارجيّة التّركيّ آنذاك، أحمد داود أوغلو، بشأن الرّبيع العربيّ أفضل مثال على ما رآه حزب العدالة والتّنمية في الأيّام الأولى من عام 2011. خلال حديث له في منتدى الجزيرة في مدينة الدّوحة في قطر، في آذار (مارس) 2011، ادّعى داود أوغلو أنّه منذ انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة، مرّ الشّرق الأوسط بتجربتين مأساويتين، كلّ واحدة منها عملت على تعميق العزلة بين شعوب المنطقة. أوّل تجربة كانت الاستعمار والأخرى كانت الحرب الباردة. وعلى كلّ حال، كانت هذه الفترة بأكملها، كما ادّعى داوود أوغلو، انحرافاً غير طبيعيّ، وشذوذاً في تاريخ المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح العراق في وضع حدٍّ لتجاوزات تركيا؟
ومع نهاية الحرب الباردة، كما أوضح داود أوغلو، كان ينبغي لهذه الغرابة أن تنتهي. ومع ذلك، لم يحدث ذلك لأنّ المنطقة لم تمرّ بعمليّة دمقرطة. وقد حاجج داود أوغلو بشكل طنّان في خطابه بأنّ "الرّبيع العربيّ" في الواقع يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى طبيعته. يقول: "الأحداث الّتي تجري حولنا اليوم تمثّل تطوّرات طبيعيّة. إنّها تتطوّر، بالطّبع، بشكل تلقائيّ، لكن علينا أن نراها بوصفها انعكاسات طبيعيّة للتّدفّق الطّبيعيّ للتّاريخ".
في رأيه، يبدو أنّ "الرّبيع العربيّ" يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى سويّته، أو وفق استعاراته، يغلق "قوساً عمره 100 عام" في المنطقة، أو يكسر "القالب الّذي رسمته معاهدة سايكس-بيكو" من خلال جلب الأحزاب السّياسيّة الّتي تمثّل بحقّ شعوب الشّرق الأوسط والإسلامويّين في المنطقة إلى السّلطة.

اقرأ أيضاً: تركيا ـ أردوغان قلقة... لماذا؟
لقد احتضنت تركيا تماماً "الرّبيع العربيّ" أكثر من أيّ دولة أخرى، بالرّغم من أنّها كانت تتمتّع بعلاقات اقتصاديّة وسياسيّة ممتازة مع كافّة دول وأنظمة ما قبل "الرّبيع" بما في ذلك سوريا. لم يكن هناك سبب اقتصاديّ أو جيوسياسيّ مُقنِع وراء مثل هذا الاحتضان الصّادق، إلّا أنّ قيادة حزب العدالة والتنمية اعتقدت أنّ "الرّبيع العربيّ" يمهّد الطّريق أمام "اتّحاد الإسلام". وكما رأينا، كان هذا دائماً الهدف والمثل الأعلى للإسلامويّين في تركيا.
بعد مرور عامين على خطابه الّذي ألقاه في منتدى الجزيرة، كان داود أوغلو أكثر ثقة في المستقبل الّذي ينتظر "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. في خطاب ألقاه في جامعة دجلة، في مدينة ديار بكر في تركيا، في آذار (مارس) 2013، أعلن داود أوغلو قائلاً: "سنجعل الحدود بلا معنى في رياح التّغيير هذه [الّتي تهبّ] في الشّرق الأوسط، [وسنعمل] مع الإدارات الّتي أتت إلى السّلطة والّتي ستأتي إليها".

اقرأ أيضاً: الديمقراطية تخسر المعركة في تركيا
وبعد أربعة أشهر فقط من إلقاء هذا الخطاب، تحطّمت أحلام تركيا بشأن مستقبل الشّرق الأوسط بسبب الأحداث الّتي وقعت في مصر والإطاحة بالرّئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين، محمّد مرسي. وعلاوة على ذلك، فإنّ النّزاع الأهليّ المستمرّ والمتعمّق في سوريا وليبيا واليمن كان يشير بالفعل إلى أنّ مياه التّاريخ لن تتدفّق حسب رغبة داوود أوغلو وغيره من الإسلامويّين الأتراك. في أواخر صيف 2013، وجدت تركيا نفسها معزولة في المنطقة وانتقلت إلى الدّولة الأخرى الوحيدة في الشّرق الأوسط الّتي تواجه نكسة مماثلة، قطر.

احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013

أحداث ما بعد 2013 وعزلة أردوغان المستمرّة
كان عام 2013 دراماتيكيّاً من بعض النّواحي الأخرى. اندلعت احتجاجات ضخمة في شوارع إسطنبول، عرفت باسم احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013 وانتشرت إلى المدن التّركيّة الكبرى الأخرى، وأظهر تحقيق في الفساد - كان قد بدأ في كانون الثّاني (ديسمبر) 2013 - تورُّط عشرات المسؤولين رفيعي المستوى في حزب العدالة والتّنمية. من جانبهم، فسّر الأنصار الإسلامويّون لحزب العدالة والتّنمية كلّ هذه التّطورات دون أيّ عين نقديّة. من خلال رفض هذه الاتّهامات، رجعت قاعدة حزب العدالة والتّنمية، والإسلاميّون الأتراك، إلى الخيال التّاريخيّ بشأن "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. وكما أوضح العديد من الإسلامويّين للقرّاء الأتراك في أعمدة الصّحف ومقالات الرّأي، فإنّ "الجهات الدّوليّة الفاعلة" القوية كانت تعمل بشكل خفيّ ضدّ أردوغان وإدارته. فسيطرة الجيش على الأمور في مصر، واحتجاجات غيزي بارك، والتّحقيق الخاصّ بالفساد، كلّها أحداث تهدف - من وجهة نظر النّقاد الإسلامويّين الأتراك في عامي 2013 و2014 - إلى الحفاظ على الوضع الرّاهن في الشّرق الأوسط، بحيث يمكن للنّظام العالميّ الاستغلاليّ، الّذي لا يستفيد من أحد سوى الولايات المتّحدة وأوروبا، أن يستمرّ.

اقرأ أيضاً: هل تبخرت أحلام تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية في سواكن السودانية؟
ومنذ 2013-2014، شهدت تركيا تغييراً كبيراً في الدّاخل والخارج. بالإجمال، وعلى كلّ حال، سبح أردوغان خلال موجات من المدّ والجزر خلال عام 2013 واستطاع تعزيز قوّته. وفي غضون ذلك، تغيّر توجّه تركيا في السّياسة الخارجيّة أيضاً. إنّ طموح تركيا في لعب دور نَشِط وقياديّ في الشّرق الأوسط لم يتضاءل. ومع ذلك، فقد نقّحت أيضاً وبشكل جديّ أولويّاتها في الشّرق الأوسط، في الوقت الّذي تحالف فيه أردوغان نفسه مع القوميّين الأتراك من أجل الحفاظ على سلطته في الدّاخل. وعلى غرار القوميّين الأتراك الجيّدين، يرى أردوغان وبقيّة قادة حزب العدالة والتّنمية الآن أنّ الهدف الرّئيس لتركيا في الشّرق الأوسط يتمثّل في القضاء تماماً على وحدات حماية الشّعب في شمال سوريا، والّتي تعتبرها الدّولة التّركيّة الفرع السّوريّ لحزب العمّال الكردستانيّ، وبالتّالي تهديداً أمنيّاً. ولتحقيق هذه الغاية، قامت تركيا بتوغّلين عسكريّين كبيرين وتستعدّ الآن لعمليّة ثالثة. ومع ذلك، في نهاية المطاف، وبغض النّظر عن مدى تحرّك أردوغان نحو القوميّين الأتراك للبقاء في السّلطة، فإنّ حزب العدالة والتّنمية وقاعدة دعم الرّئيس يستندان إلى الإسلامويّين الأتراك.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
الإسلامويّة هي أمر يرجع تعريفه إلى الإسلامويّين. وما إذا كان التّوجّه الجديد للسّياسة الخارجيّة لتركيا متوافِقاً مع الفهم العالميّ للإسلامويّة أم لا لَهو قضيّة لا يمكن لشخص من الخارج أن يحسمها. يكفي أن نقول إنّ العديد من الإسلامويّين في تركيا وفي الخارج قد اضطّروا - على الأقلّ علناً - إلى تبنّي استخدام نظام أردوغان لسياسة خارجيّة تركّز على الإسلامويّة. وما زال العديد من الإسلامويّين الأتراك ينظرون إلى أردوغان على أنّه تجسيد لشخصيّات تاريخيّة مثل أرطغرل غازي وعبد الحميد الثّاني، كما جرى تصويرهما بوضوح في مسلسلين تركيّين شهيرين: قيامة أرطغرل وعاصمة عبد الحميد. كان أرطغرل غازي والد عثمان غازي، مؤسّس الإمبراطوريّة العثمانيّة، ويدّعي الإسلامويّون الأتراك أنّ أرطغرل نجا وتمكّن من الصّمود في وجه العديد من المؤامرات المحلّيّة والدّوليّة. وعبد الحميد الثّاني كان سلطاناً عثمانيّاً حكم خلال القرن التّاسع عشر وجرى الحديث عنه سابقاً في هذا النّصّ. ويعتقد عدد كبير من الإسلامويّين أنّ عبد الحميد الثّاني قد دعم المسلمين في كافّة أنحاء العالم واستخدم مؤسّسة الخلافة في مواجهة الإمبرياليّة الغربيّة.

استخدام الإسلامويّين للسّياسة الخارجيّة
غالبًا ما يزعم محلّلو السّياسة الخارجيّة أنّ الدّول تستخدم الدّين أو تعبّئ الجهات الدّينيّة الفاعلة لخدمة مصالح خالية من أيّ معنى أو هويّة دينيّة حقيقيّة. وينظر هؤلاء المحلّلون إلى السّياسة الخارجيّة لأمّة ما باعتبارها انعكاساً للمخاوف السّياسيّة والاقتصاديّة داخل البلاد. ومع ذلك، فإنّ هذا النّهج لا يمنحنا الصّورة الكاملة، خاصّة عندما يقوم السّياسيّون "الّذين ينطلقون من دوافع دينيّة" بصياغة وتنفيذ هذه السّياسات الخارجيّة. وتتّضح حدود هذا النّهج عند النّظر إلى سبب احتضان تركيا للرّبيع العربيّ.

اقرأ أيضاً: تركيا: هل تُلغى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟
لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ". بعد "الرّبيع العربيّ"، جرى ربط القوّة الرّئيسة وراء السّياسة الخارجيّة التّركيّة، عوضاً عن ذلك، بالعامل الأيديولوجيّ. وانطلاقاً من خلفيّتها الإسلامويّة، رأت قيادة حزب العدالة والتّنمية الحاكم في تركيا في "الرّبيع العربيّ" فرصة تاريخيّة يمكن أن تزيل النّخبة الحاكمة المنعزلة ثقافيّاً في العالم العربيّ وتصل بـ"الصّوت الحقيقيّ" للشّعب إلى السّلطة. وفي أذهان قادة حزب العدالة والتّنمية، كانت الجماهير في العالم العربيّ، كأغلبيّة، تميل بشكل طبيعيّ نحو الإسلامويّين، وأيّ انفتاح ديمقراطيّ سيؤدّي إلى صعود جماعات معارضة مثل جماعة الإخوان المسلمين، الّتي تعكس في نظرهم تقوى الشّارع العربيّ، إلى السّلطة. ووفقاً لفهم الإسلامويّين الأتراك، كان الرّبيع العربيّ يُطلِق عمليّة تحوّل يمكن أن تساعد الإسلامويّين في تركيا على تحقيق حلمهم الرّاسخ المتمثّل في "اتّحاد الإسلام" في كافّة
أنحاء العالم الإسلاميّ.


المصدر: بيرول باسكان، ذي كايرو ريفيو

تحركات إخوانية تنذر بنقل التوتر إلى جزيرة سقطرى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
506
عدد القراءات

2019-06-20

نقل حزب الإصلاح الذراع اليمنية لجماعة الإخوان المسلمين، شرارة التوتّر إلى جزيرة سقطرى الهادئة لوقوعها في المحيط الهندي على مسافة حوالي 350 كيلومترا من السواحل الجنوبية لليمن بعيدا عن مناطق التوتّر في البلد، حيث يُشعل الإخوان توتّرات وصدامات جانبية، لا علاقة لها بالمعركة الأساسية ضدّ المتمرّدين الحوثيين، بهدف إحكام سيطرتهم على عدد من المناطق على غرار ما يقومون به في محافظة تعز بجنوب غرب اليمن.

وتقول مصادر يمنية إنّ حزب الإصلاح المخترق لحكومة الرئيس عبدربّه منصور هادي وللقوات المسلّحة التابعة لها ضمّ سقطرى إلى لائحة المناطق اليمنية التي يريد السيطرة عليها نظرا لأهمية موقعها وثرائها بالموارد الطبيعية مثل تعز ومأرب وشبوة وغيرها.

وتضيف ذات المصادر أنّ الحزب كثّف عن طريق القوات التابعة له، وبالتواطؤ مع مسؤولين محلّيين، من تحرّكاته وتحرّشه بسقطرى ما أثار غضب الأهالي ومخاوفهم من نقل شرارة الحرب إلى جزيرتهم بعد أن بدأت تسلك طريقها تدريجيا نحو التنمية وتتجاوز ضعف مرافقها وبناها التحتية وتنشّط دورتها الاقتصادية، بفعل مساعدات كبيرة من دولة الإمارات العربية المتحدة العضو الرئيس في تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية.

ووصل الوضع في سقطرى إلى نقطة الصدام المسلّح عندما احتجزت قوات تابعة لحزب الإصلاح سفينة محملّة بسيارات مدنية في ميناء الأرخبيل، ثمّ بادرت بإطلاق النار على القائد بقوات الحزام الأمني عصام الشزابي الذي حضر بصفته المدنية صحبة عدد من مرافقيه للتوسّط بشأن الإفراج عن شحنة السيارات العائدة ملكيتها لعدد من سكّان الأرخبيل. وأسفر الحادث عن جرح الشزابي في ساقه ونقله إلى المستشفى، بينما لاذ مطلقو النار بالفرار.

وفي مظهر آخر لحالة التوتّر التي تسبّب بها حزب الإصلاح ومتواطئون معه في سقطرى، قامت قوّة تابعة للإخوان بفتح النار على متظاهرين سلميين خرجوا في مديرية قلنسية بشمال غرب الجزيرة احتجاجا على قرار المحافظ إزالة عدادات الكهرباء.

وقالت مصادر بجزيرة سقطرى إنّ المظاهرة كانت جزءا من حالة احتقان وغضب شعبي من سلطات الجزيرة وعلى رأسها المحافظ الذي أصبح تنحّيه مطلبا شعبيا عامّا على خلفية اتهامه بسوء التصرّف في موارد الأرخبيل وتبديده مساعدات كبيرة تلقاها لتحسين الأوضاع الاجتماعية، فضلا عن خلطه الواضح بين مهامّه الإدارية والاعتبارات الحزبية ومعاملته للأهالي وفق هذا المعيار واستخدامه المساعدات المخصصّة لهم في استمالتهم إلى جانب حزب الإصلاح.

وعن تفاصيل التوتر الذي تشهده سقطرى، قال الشيخ رأفت الثقلي وهو من بين الوجاهات السياسية والاجتماعية البارزة في سقطرى في اتصال مع “العرب” إنّ عملية تحشيد للقوات التابعة للإخوان وضعت الأرخبيل أمام واقع صعب ومتغيرات حساسة، مؤكدا أن من سماهم “العقلاء” في الجزيرة سعوا لاحتواء التوترات غير أنّ أطرافا في قيادة الشرعية وتحديدا نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع أصدرا أوامر مضادة لجهود التهدئة، وتنصّ على مواصلة تحشيد القوات.

وتجدّدت الأربعاء في سقطرى مظاهرات الأهالي المطالبة باستقالة المحافظ، بينما حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوات لمواصلة الاحتجاج حتى يتم إسقاط المحافظ وصدّ “الهجمة الإخوانية” على الجزيرة وفق تعبير أحد النشطاء.

وحمل وسم على تويتر عنوان (#سقطرى_ترفض_الإخوان) وتفاعل معه نشطاء يمنيون بينهم شخصيات إعلامية وسياسية معروفة. وغرّد الإعلامي نبيل القعيطي تحت الهاشتاغ قائلا “لا يجب أن تبقى سقطرى معزولة”، مضيفا “مسيرة كبرى في سقطرى ضد الإخوان ومحافظهم وقمعهم لأبناء الجزيرة”. وقال القيادي بالحراك الجنوبي أحمد عمر بن فريد “الأرض تشهد مع أهلها”، في إشارة إلى استنفار أهالي سقطرى لصدّ محاولات الإخوان السيطرة على جزيرتهم.

ويقول متابعون للشأن اليمني إنّ التحرّكات الإخوانية الأخيرة في سقطرى والأحداث التي رافقتها جزء من تراكمات سابقة رافقت جهود التحالف العربي وتحديدا دولة الإمارات لترسيخ الاستقرار في الجزيرة عبر إعادة تحريك عجلة التنمية فيها وفكّ العزلة عن سكّانها، حيث تعرّضت تلك الجهود لحملات تشويه مستمرّة في وسائل إعلام إخوانية وقطرية.

عن "العرب" اللندنية

من بوابة تركمان العراق .. خطط أردوغان لابتلاع نفط كركوك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
79
عدد القراءات

2019-06-20

ضمن مساعيها للتدخل في شؤون العراق عبر إيقاد جذور المحاصصة الطائفية والعرقية في الجغرافيا السياسية العراقية، تواصل تركيا العمل على زيادة أوضاع البلد العربي تعقيدا، عبر الملفين الكردي والتركماني، خصوصًا مع صدور  تصريحات تركية العام الماضي تؤكد أن كركوك مدينة تركمانية.

ففي كركوك النائمة على بحر من النفط، يفجر رجب أردوغان ملف الهويات العرقية في وجه حكومة بغداد المركزية لتبرير تدخلاته السافرة في شؤون البلد العربي المنهك بحروبه التي لا تنتهي منذ الغزو الأمريكي عام 2003.

وجد أردوغان في تعدد المكونات العرِقية لكركوك بين العرب والكرد والتركمان فرصة لتحقيق أطماعه في المدينة عبر دعمه للتركمان على حساب غيرهم من الإثنيات، مدعيًا تعرضهم لحملات اضطهاد ممنهجة.

تحت ذريعة حماية الأقلية التركمانية بلغت تدخلات الرئيس التركي في شؤون البلد العربي حد التهديد بالغزو، تزامنًا مع أزمة نفطية حادة تعاني منها تركيا بعدما أوقفت واشنطن في 22 أبريل الماضي الإعفاء الممنوح لأنقرة بشأن استيراد النفط الإيراني، في إطار سعيها إلى تشديد الخناق على نظام الملالي ومنع تقدم خططه الرامية لامتلاك أسلحة نووية.

استفتاء كردستان
لطالما استغلت أنقرة التقسيمات الطائفية والعرقية للمجتمع العراقي، لإحداث تغيير يوافق مصالحها في الجغرافيا السياسية للبلد العربي، ومثّل استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق الذي أجري في سبتمبر 2017، فرصة ممتازة لإردوغان تقربه أكثر من إحكام سيطرته على كركوك الغنية بالنفط، تحت ذريعة حماية الأقلية التركمانية.

شمل الاستفتاء محافظة كركوك الغنية بالنفط، المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وأربيل عاصمة إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، وعارضته الحكومة الاتحادية العراقية باعتباره غير دستوري ويهدد وحدة البلاد.

أردوغان أيضًا عارض الاستفتاء بشدة، ولكن ليس حفاظًا على وحدة العراق، بل لتحقيق أطماعه في البلد العربي، فتزامنًا مع الإعلان عن موعد الاستفتاء، قال وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو إن أنقرة ستشن عملية عسكرية على الفور حال تعرض "أشقائنا التركمان" لاعتداء فعلي.

وفيما اصطفت أرتال الدبابات التركية على الحدود مع العراق، قال رئيس الوزراء التركي آنذاك بن علي يلدريم، إن استفتاء تقرير المصير في إقليم كردستان العراق يمثل "قضية أمن قومي لتركيا"، وأن بلاده "ستتخذ أي خطوات ضرورية بشأنه" ملمحًا إلى استعداد أنقرة لغزو شمال العراق.

صدى صوت
الرسالة التركية سرعان ما التقطها أتباع أردوغان من تركمان العراق، فبدأوا بتمهيد الأرض لغزو تركي وشيك تحت حجة تعرضهم لأعمال إرهابية من قبِل الأكراد، الذين سيطروا على المدينة منذ حرروها من قبضة عناصر تنظيم داعش.

بعد الإعلان عن التصويت لصالح الاستقلال عن العراق، وتحديدًا في 8 أكتوبر 2017، دعا قاسم قزانجي، مسؤول فرع كركوك للجبهة التركمانية العراقية الموالية لأنقرة، الأمم المتحدة إلى التدخل الفوري وإرسال قوات حفظ سلام إلى كركوك، مبررا ذلك بما وصفه بـ"انعدام الأمن" بها.

وفي بيان حمل عنوان "بيان استنكار" نشره على صفحة الجبهة التركمانية العراقية الموالية لأنقرة على "فيسبوك" تذرع قزانجي في هذا الطلب بتعرض بعض التركمان لحوادث سرقة، وصفها بـ"الإرهابية"، معتبرًا أنها تدل على "عجز" الحكومة المحلية عن توفير الأمن، و"عجز" الحكومة المركزية عن فرض سلطتها على المحافظة.

طلب المسؤول التركماني العراقي تزامن مع فعاليات شهدتها العاصمة التركية أنقرة، ادعى منظموها أن كركوك محافظة "تركية"، كما جاء بعد يومين من تعليق بلدية ولاية ميرسين، جنوبي تركيا، علم تركمان العراق على مبنى البلدية، احتجاجا على ما وصفته بالاستفتاء الباطل الذي قام به الأكراد لفصل إقليم كردستان عن العراق.

وفي بيان رسمي، قال رئيس بلدية ميرسين آنذاك برهان الدين قوجه ماز: إن تعليق علم تركمان العراق على مبنى البلدية هدف إلى توجيه الأنظار إلى "الممارسة القمعية" ضد التركمان في كركوك، لافتًا إلى أن "مدينة كركوك أرض تركية (تركمانية) مسلمة منذ أكثر من ألف عام".

إقليم كركوك
وفي وقت عارض فيه التركمان بتوجيهات تركية انفصال إقليم كردستان على اعتبار أن هذا يهدد وحدة العراق، إلا أنهم أنفسهم ساروا على النهج الكردي نفسه وبتوجيهات تركية أيضًا، حيث طالبوا في مايو 2017 بتحويل محافظة كركوك إلى إقليم يتمتع بالحكم الذاتي، بحجة حماية حقوق التركمان وغيرهم من مكونات المدينة.

المطالبات التركمانية جاءت بعد تجدد الخلاف بين التركمان والأكراد في نهاية مارس 2017، على خلفية تصويت مجلس محافظة كركوك على رفع علم كردستان على دوائر المحافظة والمباني الحكومية، إلى جانب العلم العراقي، وهو ما رفضه العرب والتركمان بالمحافظة.

الموقف التركماني يبدو لأول وهلة وطني يهدف إلى وحدة التراب العراقي، ولكنه لا يبقى كذلك، في إطار الصراع التاريخي بين القوميتين الكردية والتركمانية حول السيادة على كركوك.

صراع تاريخي
منذ عشرات السنين، ويدور صراع مرير بين التركمان والأكراد والعرب حول الأحق بحكم كركوك، حيث يرى التركمان (وهم ينتمون إلى قبائل تركية موطنها الأصلي وسط آسيا) بأنهم السابقون على الكرد في استيطان كركوك قبل مئات الأعوام، والأكثر عددا بها، والأحق بالسيادة عليها.

وينسب التركمان أنفسهم لما يسمونه بـ"العالم التركي"، ويعتزون باللغة التركية، ويخصصون نافذة خاصة لأخبار تركيا في موقع الجبهة التركمانية (تحالف من أحزاب تركمانية موالية لتركيا) على الإنترنت، كما يسمون كركوك "تركمن إيلي" أي أرض التركمان.
في المقابل يرى الأكراد أنهم الأكثر عددا والأحق بكركوك إلى جانب مدن كردستان، خاصة بعد عملية التكريد التي جلبت أعدادا كبيرة من الأكراد إلى المحافظة في العقدين الأخيرين.

وبين هؤلاء وهؤلاء، يرى العرب في كركوك أنها محافظة عراقية وتتبع الحكومة المركزية، ولا يجوز أن يرفع فيها سوى العلم العراقي.

إلغاء الاستفتاء
ردًا على نتائج الاستفتاء أحادي الجانب، أعلنت الحكومة العراقية في 16 أكتوبر عام 2017 دخولها محافظة كركوك والسيطرة على المواقع المهمة في المحافظة بعد انسحاب البيشمركة الكردية منها.
وفي 25 أكتوبر 2017، أي بعد مضيّ شهر كامل على إجراء الاستفتاء، أصدرت حكومة كردستان بيانًا اقترحت فيه تجميد نتائج الاستفتاء، في مسعى لنزع فتيل الأزمة المتفاقمة بين أربيل وبغداد، ومنع تفاقم التوتر العسكري بين الجانبين على حدود الإقليم، خصوصا أن إيران وتركيا هددتا بالتدخل المسلح حال انفصال الإقليم.

حكومة كردستان دعت كذلك إلى تجميد جميع العمليات القتالية ووقف إطلاق النار فورًا في جميع أنحاء الإقليم، وأرفقت في بيانها دعوة الحكومة العراقية المركزية إلى البدء بحوار مفتوح مع حكومة الإقليم على أساس الدستور العراقي.

أسفر الحوار بين حكومة كردستان والحكومة المركزية عن الاتفاق على امتثال الجانبين لقرارات المحكمة الاتحادية العليا بخصوص نتائج الاستفتاء الذي أجري في إقليم كردستان العراق والمناطق المتنازع عليها، وكل ما يترتب عن ذلك.

وفي 20 نوفمبر 2017، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا العراقية قرارًا بعدم دستورية استفتاء انفصال إقليم كردستان والمناطق الخارجة عِنه، وأعلنت عن إلغاء الآثار وكذلك كافة النتائج المُترتبة عليه.

خطوة أخرى للأمام
وبفقد الأكراد سيطرتهم المباشرة على مدينة كركوك، وخسارتهم منصب المحافظ، الذي ظل في جعبتهم منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لصالح العرب بتولي راكان سعيد الجبوري المنصب بالوكالة، بات الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام تركيا لإحكام سيطرتها على المدينة الغنية بالنفط عبر بوابة التركمان.

الحكومة التركية لطالما أكدت على اعتبار كركوك مدينة تركمانية، لذلك لم يستغرب المراقبون للشأن العراقي، تصريحات رئيس الجبهة التركمانية في العراق أرشد الصالحي، والتي طالب فيها بإسناد منصب محافظ كركوك لشخصية تركمانية، معتبرا المنصب "استحقاقا سياسيًا وقوميًا".

خلال تجمع جماهيري في كركوك أقامه مجلس عشائر وأعيان تركمان العراق مارس الماضي، قال الصالحي إنّ أي تخلخل سياسي وأمني يحدث في محافظة كركوك يعني بداية انقسام العراق ودول المنطقة، بسبب طبيعة التوزيع السكاني وتداخله في المنطقة، حيث يتواجد التركمان في العراق وسورية وإيران.

الصالحي مضى في تبريره للتدخل التركي قائلًا: "أي تخلخل سياسي يحدث في كركوك ينعكس سلبا على الدول المذكورة في ظل تكالب القوى والإرادات الدولية ومحاولتها تقسيم دول المنطقة إلى كانتونات ودويلات عرقية ومذهبية".

كركوك تركمانية
تركيا اعتبرت مطلع العام الماضي، على لسان نائب رئيس الوزراء التركي حينها، هاكان جاوش أوغلو، أنّ "كركوك تاريخيًا مدينة تركمانية".

خلال كلمته بحفل بأحد فنادق العاصمة التركية أنقرة، للتعريف بفيلم وثائقي حول التركمان، أنتجته قناة "تركمن إيلي" الفضائية، التي تبث من كركوك شمالي العراق، أشار جاوش أوغلو إلى أن التركمان في المنطقة تعرّضوا إلى مجازر وظلم ممنهج منذ قرن تقريبًا.

حذّر من أن من يقصف قرى التركمان سيجد تركيا وجيشها يقف أمامه، قائلًا: "لا ينتظر أحد منّا أن نصبر حيال المظالم المتتالية التي يتعرض لها التركمان في  كركوك، وأربيل، والموصل وتلعفر (شمال العراق)".

أردوغان لطالما استغل المكون التركمان كذريعة للتدخل في شؤون العراق، حيث كان قصره الرئاسي شاهدًا على زيارات متعددة  للساسة التركمان العراقيين وآخرها أكتوبر الماضي.

وخلال اللقاء الأخير، أحيطت جميع نشاطات الوفد التركماني العراقي بالكتمان التام فلم يصدر عن إردوغان أي تصريح يذكر وهو المولع بالتصريحات النارية واقتصرت لقاءاته على حضور مدير مخابراته هاكان فيدان والناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالن.

من جانب آخر، بدا الوفد متفائلا للغاية إذ سرعان ما رفع سقف مطالبه في العراق بعد اللقاء مباشرة حيث نقلت وكالة السومرية نيوز، عن النائب في البرلمان العراقي جاسم محمد جعفر وعضو الوفد الزائر قوله: "تشاورنا مع  إردوغان بكل وضوح حول مستقبل التركمان، ولمسنا تأييدًا تركيًا لمستقبلنا السياسي".

جعفر قال: "تؤيدنا تركيا جعل كركوك تركمانية، وتحويل قضائي طوز خورماتو وتلعفر محافظتين، وجعل منصب محافظ كركوك للتركمان"، وبدا واضحًا أن تلك الأهداف أملتها السلطات التركية على تركمان العراق وتدعمهم بقوة للحصول عليها.

تصريحات المسؤول التركماني وجدت تدعيمًا تركيًا آخر، فعقب لقائه بمسؤولي الجبهة التركمانية العراقية والسياسيين التركمان في إربيل، في اجتماع مغلق، أبريل الماضي، جدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، دعوة بلاده إلى إشراك تركمان العراق في إدارة البلاد.

وغرّد جاويش أوغلو قائلا: "يعد التركمان ثاني أكبر مجموعة عرقية في إقليم شمال العراق، والثالثة في عموم البلاد، ومن حقهم المشاركة في إدارة الإقليم والبلد" بحسب وكالة الأناضول.

غياب الأرقام
لا توجد إحصائية دقيقة للتوزيع السكاني لمدينة كركوك، وبات هذا الأمر رهنا بالمزايدات السياسية من قبل التجمعات العرقية والقوى السياسية الداخلية والخارجية الساعية لتغليب قومية على أخرى في المدينة التي تعد جوهرة شمال العراق وأكثرها ثراء.

وبحسب آخر إحصاء رسمي للمدينة العام 1997، يشكل العرب 45% من سكان محافظة كركوك، بينما يشكل الأكراد نحو 38%، فيما يقتصر تواجد التركمان على 17%، لكن الأمور اختلفت تماما بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، ما أدى إلى تراجع نسبة العرب والتركمان في المحافظة عموما والمدينة خصوصا.

ويتهم التركمان والعرب حزبي الأكراد "الاتحاد الوطني" بزعامة جلال طالباني، و"الديمقراطي الكردستاني" برئاسة مسعود بارزاني، باتباع سياسة "تكريد" لمدينة كركوك بعد سقوط نظام صدام حسين، عبر استقدام الأكراد للمدينة، في انتقام على ما يبدو لسياسة "التعريب" التي أقرها الرئيس الأسبق صدام حسين.

لكن التغير الأكبر في التركيبة السكانية للمدينة كان مرتبطا بتقدم ميليشيات داعش في شمال العراق 2013، ما أدى إلى نزوح العديد من الأسر العربية والتركمانية، ثم سيطرة القوات الكردية على المدينة بعد طرد التنظيم من شمال العراق، ليعزز من أغلبية الأكراد على المدينة ليأتي العرب بعدهم ثم التركمان، مع تواجد هامشي لأقلية الآشوريين.

هدف مزدوج
منذ خروج قوات البيشمركة الكردية من كركوك، وتروج أنقرة من وقت لآخر أن هذه القوات عائدة  بتواطؤ بين بغداد وأربيل إلى المحافظة، التي طُردت منها سنة 2017 على يد الجيش العراقي، فيما يأتي اهتمامها الحقيقي بالمحافظة من منطلق طمعها في السيطرة على أحد أهمّ منابع النفط في البلد العربي.

ولا تتوقع تركيا بسط سيطرة مباشرة على كركوك، إلا أنها تريد أن تبقي إدارتها بأيدي جهات تثق بها بعيدا عن أيدي الأكراد حتى تضمن مستقبلا تواصل تدفّق نفطها صوب ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط.

وتخشى تركيا وجود ثروة نفطية ضخمة من حجم تلك التي تحتوي عليها كركوك بين أيدي الأكراد، ما سيشكل أحد مقوّمات دولة مستقبلية لهم في المنطقة، وهي الفكرة التي تسبّب فزعا شديدا لأنقرة يدفعها لمقاومتها والتصدّي لها بمختلف الطرق، وحتى بالقوّة العسكرية. وهي من أجل ذلك، تدفع  بتركمان العراق في أتون صراع قومي يضر بمصالحهم.

وتتزايد أهمية كركوك في الوقت الحالي بالنسبة لأنقرة، في ضوء إلغاء واشنطن في 22 أبريل الماضي الإعفاء الممنوح لأنقرة بشأن استيراد النفط الإيراني، في إطار سعي الولايات المتحدة إلى تشديد الخناق على نظام الملالي نتيجة مضيه قدمًا في خططه لامتلاك أسلحة نووية.

ويعد حقل نفط كركوك أقدم حقول العراق وهو ثاني أكبر حقل نفطي في العالم بعد حقل الغوار في السعودية من حيث القدرة على الإنتاج بينما هو خامس أكبر حقل على الصعيد العالمي من حيث الحجم، ووصل إنتاج إحدى آباره إلى 100 ألف برميل يوميا لمدة طويلة.

ويعتبر الحقل أحد حقول النفط المهمة في العراق إذ تشير التقديرات إلى أن احتياطي الحقل يقارب 10 مليارات برميل من النفط من النوعية الجيدة، وتبلغ الطاقة القصوى للحقل مليون برميل يوميا، لكن متوسط الإنتاج خلال الأعوام القليلة الماضية تراجع كثيرا حتى انخفض إلى نحو 150 ألف برميل في اليوم فقط بحسب تقرير صادر عن شبكة بي بي سي.

ومنذ اكتشاف حقول النفط المتعددة داخل كركوك، زادت أهميتها الاقتصادية التي ساهمت في أهميتها السياسية وسط باقي المدن العراقية، حيث تحتوي على 40% من نسبة الاحتياطي النفطي العراقي، وأكثر من 70% من نسبة احتياطي الغاز لتحتل المرتبة الأولى بين المدن النفطية بالبلد العربي.

وفي المحصلة، يبدو أن حكومة العدالة والتنمية وجدت في نفط كركوك ضالتها، حيث يمكنها الحصول على حاجتها من الخام عبر خط أنابيب مزدوج يمر إلى ميناء مدينة جيهان التركية المطل على البحر المتوسط​​، على الرغم من حالته السيئة التي تحتاج إلى إصلاح بحسب وكالة بلومبرج.

عن "عثمانلي" 

الصفحة الرئيسية