النظام الإيراني يستهدف المتظاهرين في الأحواز

النظام الإيراني يستهدف المتظاهرين في الأحواز
1656
عدد القراءات

2019-12-12

رحيم حميد

استفادت قوات النظام الإيراني والميليشيات التابعة لها من انشغال العالم بالقضايا الدولية الملحّة، لتنفيذ حملة واسعة من القتل والاعتقالات الجماعية ضد عرب الأحواز القاطنين في مدينة معشور (المعروفة أيضًا باسم بندر ماهشهر) التي تقع في منطقة الأحواز العربية في إيران. وقد حدث هذا الاستهداف كحلقة من سلسلة الفظائع المماثلة التي يرتكبها النظام للقضاء على الاحتجاجات المتنامية و المناوئة للنظام السياسي الإيراني في مختلف أنحاء البلاد.

تعود الاحتجاجات التي اندلعت في منطقة الأحواز أساساً إلى تردي الظروف المعيشية في منطقة تعاني من الفقر المدقع، والفساد الممنهج، وارتفاع معدلات البطالة، وعنصرية النظام و وحشيته ضد العرب. أمّا الشرارة التي أطلقتها تلك الاحتجاجات، فكانت الوفاة المشبوهة لشاعر أحوازيّ شاب، نتيجة عملية تسمّم، يُعتقد أنها حدثت عندما كان محتجزًا لدى النظام.

بدأت المظاهرات يوم الجمعة 8 تشرين الثاني/نوفمبر، حيث نزل مواطنو الأحواز إلى الشوارع في كلٍّ من مدينة خور موسى و معشور والكورة المترابطة. فكما أخبرنا أحد الناشطين المحليين في مجال حقوق الإنسان عبر البريد الإلكتروني، والذي تم حجب اسمه لحماية سلامته: يجب إعادة تسمية معشور، والكورة، والجراحي، وهي منطقة مترابطة، لتصبح "أرض الدم والنار".

وبينما تُعرف معشور، والكورة والجراحي بكونها معقل صناعة البتروكيماويات في إيران، إلاّ أنها أصبحت مستهدفة من قبل النظام، خاصة بعد أن قام المحتجون هناك بإغلاق الطرق المؤدية إلى المنشآت البتروكيماوية والشركات الصناعية المملوكة للدولة في المنطقة بالإطارات المشتعلة. ولكن لم تُستهدف هذه المنشآت بسبب أهميتها للدولة فحسب، بل لأنها مكروهة على نطاق واسع في المنطقة، بسبب سياساتها العنصرية تجاه الشعوب. إذ تُظهر اللقطات المصورة من الهواتف المحمولة، التي تم الحصول عليها من المنطقة، المتظاهرين وهم يقومون بتحريك الحواجز جانبًا للسماح بمرور السيارات المدنية والمركبات الأخرى غير المرتبطة بصناعة النفط، مع منع مركبات الشركات البتروكيماوية فقط من الدخول والخروج.

وفي عرض أكاديمي حديث لورقة بحثية من المقرر نشرها قريبًا، أكَّد الباحث آرون إيتان ماير على أنه في فترة تعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي، حددت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأحواز باعتبارها نقطة الضعف المحتملة لإيران، كونها تحتوي على موارد لا يمكن لأي نظام أن يحافظ على سيطرته من دونها. وهذا الواقع المرير هو أمر يفهمه الشعب الأحوازي جيداً.

وعلى الرغم من كون الاحتجاجات سلمية وغير عنيفة، إلاّ أنّ نجاح المحتجين في إيقاف عمل المنشآت البتروكيماوية لربما كان سببًا في إثارة غضب النظام بشكل أكبر، مما قد تفعله احتجاجات مماثلة في أماكن أخرى تطالب بالحرية والديمقراطية. فإن منطقة الأحواز تُعد موطنًا لأكثر من ٩٥٪؜ من موارد النفط والغاز التي يمتلكها النظام الإيراني، وبالتالي تشكّل ومن دون منازع مصدر الدخل المتبقي للنظام. فرداً على تلك الاحتجاجات التي تمثل تهديداً لشريان الحياة الاقتصادي، قام الحرس الثوري الإيراني بتنفيذ عمليات قتل وحشية بالدبابات والمدافع الرشاشة ضد المحتجين.

تدخلت الشرطة المحلية في المعشور بعد أسبوع من بدء الاحتجاجات، ومرة أخرى في اليوم التالي، ولكنها فشلت في تسوية الوضع بما يرضي النظام. وفي تلك المرحلة، قرر النظام بوضوح إطلاق العنان للقوة الغاشمة، مع نشر قوات خاصة في المنطقة يوم الأحد 17 تشرين الثاني/نوفمبر، دون أي محاولة جادة، -في غضون ذلك-، لنزع فتيل التوترات. وفتحت هذه القوات النار عشوائيًا على المتظاهرين في محاولة لترهيبهم وإرغامهم على التفرق، مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من الأشخاص خلال ذلك. وعلى الرغم من ذلك، رفض المحتجون فض الاعتصامات.

ازدادت الهجمات في صباح اليوم التالي، حيث لاحظ المتظاهرون في بلدة الجراحي وصول أعداد كبيرة من قوات النظام المدججة بالسلاح، فضلاً عن الدبابات، والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، و"كتيبة مالك الأشتر"، وأعضاء فرقة القوة الخاصة لمكافحة الإرهاب التابعة للنظام. يشار إلى أنّ هذه الفرقة الأخيرة تعمل بناءً على أوامر رؤساء وحدة "أمير المؤمنين" التابعة لقيادة الوحدات الخاصة التابعة لقوة إنفاذ القانون في جمهورية إيران الإسلامية. وكانت هذه القوات قد تجمعت لأول مرة في ميدان البعثة (يُسمّى بعثت في الفارسية) في البلدة، ثم انتقلت إلى ضواحي المدينة لاستهداف المحتجين مباشرة.

بعد ذلك، قام القادة العسكريون الذين يقودون قوات الحرس الثوري الإيراني بقيادة الكتائب إلى منطقة أهوار صغيرة متاخمة للطريق خارج البلدة والمعروفة محليًا باسم "هور الجراحي" حيث تجمّع المحتجون. وأفاد شهود عيان أن قوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات فتحت النار على المتظاهرين، وبدون مفاوضات، ومن بينهم عدد كبير من النساء والأطفال، باستخدام الرشاشات الثقيلة وأسلحة أخرى. فاختبأ بعض المتظاهرين بالأهوار بينما هرب آخرون إلى البلدة بحثًا عن مأوى فيها. تجدر الإشارة إلى أنّ إطلاق النار المكثّف على المتظاهرين في الأهوار قد بدأ عند الساعة العاشرة والنصف صباحًا تقريبًا واستمر لمدة أربع ساعات، ما أسفر عن سقوط الكثير من القتلى والجرحى.

وبعد أن أزالت بعضًا من جثث القتلى واعتقلت الجرحى، واحتجزت عددًا من المواطنين غير المتورطين في الاحتجاجات، دخلت قوات النظام بلدة الجراحي مجددًا بهدف قتل أو اعتقال بقية المحتجين. وتم إطلاق الرصاص على العديد منهم عشوائيًا ومن مسافة قريبة أثناء محاولتهم الفرار. وكان الكثير من المصابين مرعوبين لدرجة أنهم لم يلتمسوا أي علاج طبي، خشية أن يراقب النظام المستشفيات والصيدليات وأن يعتقل أي شخص يسعى للمعالجة من إصابات ناجمة عن طلقات نارية.

ومما زاد الطين بلة، أن نشطاء حقوق الإنسان في الأحواز أفادوا أيضًا أن النظام حاول اخذ الأموال من الأسر المفجوعة، واجبرهم على دفع ما يقارب أربعة ألاف دولار من أجل استعادة جثث أحبائهم، وفرض أيضا عليهم تكاليف الرصاص الذي استخدم لقتل أطفالهم وآبائهم وأزواجهم وزوجاتهم.

وقال شاهد عيان محلي: "عندما كان النظام يطلق النار بجنون على المحتجين في الأهوار القريبة، لم نسمع سوى صرخات الأطفال والنساء والمتظاهرين الشباب، ولكن بعد ساعة سكتت أصواتهم. وفي الصباح التالي، أضرم النظام النار في قصب الأهوار، وفاحت رائحة الجثث. فأتت آليات النظام وجمعت الجثث وأخذتها. وعندما بدأت الأسر المفجوعة في الخوض في الأهوار بحثًا عنهم، لم تجد سوى بقايا قماش ملابس أبنائها غارقة بالدماء، وصوت الذباب المتجمّع حول الدم ورائحة لحم الجثث المحترق وآثار دماء على القصب."

وذكر شاهد العيان أنّ عائلات كثيرة قد سمعت المصابين وهم يصرخون وحاولت الإسراع لإنقاذ أحبائها في منطقة الأهوار، ولكنّ قوات النظام أطلقت النار عليها. هذا واستخدم الضباط مكبرات الصوت ليأمروا العائلات بالبقاء بعيدًا عن الأهوار. كما وتم حرق الكثير من المصابين، الذين كانوا ضعفاء وغير قادرين على الفرار، وهم أحياء.

وبعد ارتكاب هذه الفظائع في الجراحي، انتقلت قوات النظام إلى بلدة الكورة المجاورة التي تقع على بعد خمسة كيلومترات. وبدأت بمحاصرة البلدة بالدبابات، كما فتحت النيران على المتظاهرين الذين أغلقوا الطريق المؤدي إلى البلدة لإجبارهم على فضّ احتجاجاتهم والسماح لقوات النظام بالدخول. وعلى إثر ذلك، قُتل عدد كبير من المواطنين بمدافع الرشاشات الثقيلة، وحوصرت البلدة من الاثنين 18 تشرين الثاني/نوفمبر إلى الأربعاء 20 تشرين الثاني/نوفمبر.

وتدخّل رجل دين محلي، وهو الذي يؤمّ صلاة الجمعة في البلدة، وطلب من الحرس الثوري الإيراني عدم الدخول إلى المدينة من أجل نزع فتيل التوترات. وأفاد شهود عيان بأنّ كبار ضباط الحرس أخبروا رجل الدين بأنهم تلقوا تقارير عن وجود أعضاء من تنظيم "داعش" في المدينة، وأنه قد تمّ إرسالهم إلى هناك بناء على أوامر من مسؤولين رفيعي المستوى، مشيرين إلى رئيس الجمهورية الإسلامية حسن روحاني، وقيادة الحرس الثوري الإيراني، ومسؤولين في مجلس الأمن القومي. وبعدها، شرعت قوات النظام في تنفيذ عمليات قتل جماعية في البلدة، متذرّعة بالوجود المزعوم لتنظيم "داعش"، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي وجود من هذا القبيل في المنطقة.

يُعد حميد شيخاني واحدًا من مئات المتظاهرين المقتولين، وتؤكد قصته على أن المجازر التي يرتكبها النظام لم تتوقف مع توقّف الاحتجاجات. لقد كان شيخاني رجلاً في الخامسة والثلاثين من عمره من منطقة الكورة، وكان متزوجًا وأبًا لطفلة صغيرة، وكان بطلاً وطنيًا في ألعاب القوى. وخلال الاحتجاجات، ذهب هو وشبان آخرون إلى ميدان القرآن مع غيرهم من الشباب للمشاركة في الاحتجاجات. وحسبما روى أحد أصدقائه الحادثة: "في يوم الاحتجاج، واجهنا فجأة أعدادًا هائلة من الآليات العسكرية مثل الدبابات. وكان حميد غاضبًا من وجود القوات، فركض نحو الدبابة، وخلع قميصه وهو يصرخ "أنظروا، نحن أشخاص عزّل، فلماذا تأتون بالدبابات؟ وبينما كان يصرخ، هاجمه عدد من قوات الحرس واعتقلوه، ثم أخذوه بعيدًا في سيارة.

وفي حين كان يتمتع بصحة جيدة عندما تم اعتقاله في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، إلاّ أنّ أفرادًا من قوات النظام اتصلوا بأسرته في 23 تشرين الثاني/نوفمبر لإبلاغها بأن حميد تعرض لـ "نوبة قلبية" أثناء وجوده في السجن. وعندما استرجعت العائلة الجثمان، يقال إنهم عثروا على آثار لكدمات حول عنقه تدل على الخنق.

كما ارتكبت قوات النظام فظائع مشابهة ضد المتظاهرين في مدينة المحمرة، المعروفة باسم خرمشهر بالفارسية، وفي عبادان والفلاحية المعروفتين باسم شادكان وتستر، وفي رامز، وكذلك في عاصمة الإقليم، مدينة الأحواز. ومثلما حدث في سائر المناطق الأخرى، لعب الحرس الثوري الإيراني ورجال ميليشيات الباسيج سيّئي السمعة الذين يرتدون زيًا مدنيًا، دورًا رئيسيًا في ترويع المتظاهرين العزّل وقتلهم، وكذلك في حملة الاعتقالات الجماعية. وبلغ عدد الجرحى في مدينة الأحواز وحدها 140 جريحًا على الأقل، مع اعتقال أكثر من 1000 شخص. ولم يتم الأفراج سوى عن 150 شخصًا من المحتجزين، كما لم يتم الكشف لأسر المحتجزين الآخرين عن أي معلومات بشأن أماكن وجودهم. وبحسب ما ورد، فقد نُقل بعض المحتجزين إلى محافظات أخرى.

وقد أعرب الناشطون الغاضبون والمحبطون  عن الشعور ذاته عندما أجريت معهم المقابلات. وتساءل أحدهم: "إن العرب يحتجون على هذا القمع، ففي أي بلد تستخدم الحكومة الدبابات والأسلحة الرشاشة لمواجهة الاحتجاجات الشعبية؟ ولكن أعود لأقول إنّ هذا هو النظام الإيراني، خالق أرض الجرائم، وحيث تم إحراق المحتجين العرب الشباب وهم أحياء في حقول القصب."

إنّ ادعاءات ضابط النظام بأن مسؤولين في القيادة هم من أمروا بتلك الهجمات، تؤكد تورِّط النظام الإيراني في هذه الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. ولابد من فهم هذه الهجمات الأخيرة على أنها جزء من الاستراتيجية المنهجية التي يتبناها النظام لإرهاب شعوب المنطقة بغية الرضوخ.

وفي حين تم قمع الاحتجاجات في أنحاء أخرى من إيران، في الوقت الحالي على الأقل، فإن آلاف المتظاهرين المصابين والمشوّهين، والمارة الأبرياء، ومن اعتقلوا بدون الكشف عن أي معلومات بشأن أماكن وجودهم، يذكرون نيران الإرهاب في منطقة الأحواز. إذ تُترك أسر المعتقلين بلا أمل، وفي خوف دائم من أن يتلقوا مكالمة هاتفية في منتصف الليل، تمامًا كما حصل مع أسرة حميد شيخاني، لإبلاغهم بأن أحباءهم الذين كانوا يتمتعون بصحة جيدة قد ماتوا لأسباب "طبيعية"، وهي أسباب بعيدة كلّ البعد عن ذلك.

عن "معهد واشنطن"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



القبائل الليبية: لا نفط قبل سحب الشرعية من حكومة السراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وضعت القبائل الليبية خمسة شروط لإعادة فتح الحقول والموانئ النفطية، وهي إسقاط الاعتراف بحكومة فايز السراج، وتغيير رئيس المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة، من خلال تقسيمها إلى 4 أقاليم.
ودعا شيوخ قبائل وناشطون مدنيون في شرق وجنوب ليبيا لإغلاق موانئ بلادهم احتجاجا على ما وصفوه باستغلال حكومة طرابلس لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين أجانب وتمويل التدخل العسكري التركي. ويتهم المطالبون بإيقاف تصدير النفط حكومة الوفاق بصرف الأموال لجلب "المرتزقة" و"المستعمرين الأتراك".
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، أعلنت أن الإنتاج النفطي سينخفض من 1.2 مليون برميل يوميا إلى 32 ألف برميل يوميا بحلول يوم الخميس القادم، مشيرة إلى أن الإنتاج النفطي تراجع حتى السبت الماضي بمعدل 75 في المئة عقب إغلاق موانئ النفط الرئيسية شرق ليبيا الأسبوع الماضي.
وأكدت أن الخسائر المالية بلغت 256.6 مليون دولار حتى 23 يناير، داعيةً إلى “إنهاء الاقفالات والسماح لها باستئناف الإنتاج فوراً، من أجل ضمان استمرار إمدادات إنتاجات الوقود إلى كافة المناطق ورفد دورة الاقتصاد الليبي”.
ويرى مراقبون سياسيون، وفقاً لما أوردته صحيفة "العرب" اللندنية الصادرة اليوم، أنّ سحب الاعتراف الدولي بحكومة السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 يمثل الشرط الأهم الذي يتفق عليه مجلس النواب والقيادة العامة للجيش والقبائل وعدد من الدول الإقليمية والدولية التي ترى أن تلك الحكومة أصبحت جزءا من المشكلة، ولا يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل بسبب تبعيتها للأتراك واستقوائها بالميليشيات والمرتزقة والجماعات الإرهابية وتبديدها للثروة الوطنية.
وأكد المبعوث الأممي غسان سلامة أن ليبيا بحاجة الآن إلى حكومة جديدة تهتم بخدمة المواطنين وتهيئ الوضع للانتخابات من أجل حل مشكلة الشرعية المستعصية، وأضاف “إن العملية السياسية في ليبيا ليست مسألة أشخاص، ولا يعني البعثة أن يكون فايز السراج رجل المرحلة الحالية من عدمه”.
وينظر المحللون السياسيون إلى غلق الحقول والمنشآت النفطية على أنه يضع العالم أمام الحقيقة التي كان يتجاهلها وهي ضيق مجال التأثير الفعلي لحكومة السراج على الأرض مقابل سيطرة الجيش الوطني على أكثر من 90 بالمئة منها، وبالتالي فإن الميزة الوحيدة للحكومة المعزولة في طرابلس هي التصرف في إيرادات الثروة الموجودة خارج سيطرتها من خلال مؤسسة النفط والبنك المركزي ومصرف ليبيا الخارجي.
وتملك ليبيا أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا وهي مورد مهم للخام الخفيف منخفض الكبريت.
وتُعتبر إيرادات بيع النفط هي المصدر الوحيد الذي يعتد به لدخل ليبيا من الدولارات، إذ درت 22.5 مليار دولار في 2019 لبلد لا يزيد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة.
ولعلّ ذلك ما يُفسّر بشكل دقيق المطامع التركية المُتصاعدة في ليبيا لضمان حصتها من غنائم النفط، فضلا عن أهداف أيديولوجية باتت واضحة جدا تتمثل في تمدّد أفكار الإسلام السياسي واستعادة الإرث العثماني في المنطقة.
وتقع معظم منشآت النفط الليبية في مناطق تسيطر عليها قوات موالية للقائد العسكري خليفة حفتر، الذي وسع تدريجيا نطاق نفوذه على مدى الأعوام الستة الأخيرة بمساعدة حلفاء أجانب، من بينهم الإمارات العربية المتحدة ومصر وروسيا.
ومنذ إبريل، يشن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر هجوما على القوات المتحالفة مع الحكومة المؤقتة في طرابلس، والمدعومة من تركيا التي لا يُخفي رئيسها رجب طيّب أردوغان مطامعه الاقتصادية في أكير خزان نفطي بالقارة السمراء.
وتقول السلطات في الشرق الليبي إنّ إغلاق المنشآت النفطية نتج عن ضغط شعبي. لكن المؤسسة الوطنية للنفط تقول إنه بأمر مباشر من الجيش الوطني الليبي.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

الحكاية من طقطق إلى مؤتمر برلين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

سالم العوكلي
سقط النظام في ليبيا، أعلن يوم التحرير بتاريخ 23 أكتوبر 2011 ، ودخل قاموسنا عيد جديد اسمه عيد التحرير ويوم عطلة رسمية، جرت انتخابات يوم 7/7/2012 خسر فيها تيار الإسلام السياسي خسارة فادحة، وفاز بها التحالف الوطني الذي تأسس في 4 شهور فقط، التف تيار الإسلام السياسي، المتكون من جماعة الإخوان وحليفها التكتيكي الجماعة الليبية المقاتلة، على النتائج وتحكم في المؤتمر الوطني، السجين السابق بتهم إرهابية، عبدالحكيم بالحاج، رئيس حزب الوطن الذي لم يفز بأي مقعد شكّل من خارج المؤتمر كتلة “الوفاء لدم الشهداء” بدعم قطري وأصبحت الكتلة المؤثرة (تم إشهار حزب الوسط في فندق كورونثيا ببذخ عالٍ وكان علم قطر على المنصة ولونه خلفية لها). بدأ المؤتمر الوطني أعماله في طرابلس وشكل حكومة سماها حكومة تكنوقراط بها 5 وكلاء وزارات سيادية عائدون من حرب أفغانستان، أصدر المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي وقرار رقم 7 الذي رخص لغزو مدينة بن وليد، وأحال الكثير من الضباط الكبار على التقاعد، وفي هذه الأثناء كانت الاغتيالات يومية في مدينتي بنغازي ودرنة، اغتيال أكثر من 500 ضابط وعسكري ورجل أمن في مدنية بنغازي، إضافة إلى العشرات من الصحفيين والناشطين الحقوقيين، اغتيال 184 شخصية من نخب درنة بينهم ضباط وقضاة ومحامون ومدونون وأساتذة المعهد العالي ورجال أمن ونشطاء مدنيون، وتمت كل هذه الاغتيالات قبل ظهور تنظيم داعش على السطح، ولم يُحقَق في أي جريمة من هذه الجرائم ولما يُلاحق مرتكبوها، رغم وجود سلطة تشريعية وحكومة الكيب التي أعقبتها حكومة ثانية برئاسة علي زيدان، مشاهد تُظهر بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني بعد تطبيق قانون العزل على رئيسه الأول، المقريف، بمثابة رئيس الدولة وهو في قبضة ميلشياويين يبتزونه فيما سمي بقضية حنين، مشاهد أخرى تظهر رئيس الوزراء علي زيدان مختطفا من قبل ميليشياويين في ملابس النوم. هناك في الشرق البعيد، القوات الخاصة في بنغازي وحدها تقاوم الميليشيات الإرهابية التي سيطرت على بنغازي، كتب أحدهم على جداره “كل يوم يقتل ضباط وعسكريون في بيوتهم أو أمام المساجد أو في سياراتهم أمام أبنائهم فلماذا لا يجمع العسكريون بعضهم البعض ويدافعون عن أنفسهم. هكذا بدأت ما تعرف بمعركة الكرامة، مجموعة ضباط وعسكريون قرروا الدفاع عن أنفسهم أو الموت وهم يقاتلون.

انتهت ولاية المؤتمر الوطني، وحين رغبوا في التمديد خرجت مظاهرات تقول لا للتمديد، تشكلت لجنة فبراير، قامت انتخابات برلمانية بدون أحزاب أو قوائم خسرها التيار الإسلاموي الذي يقوده الإخوان مرة أخرى، لكن وجود مقر البرلمان في بنغازي ــ وهي تحت سيطرة قوات درع ليبيا (ذراع الإخوان العسكري) والجماعة المقاتلة وأنصار الشريعة ــ طمأنهم، فعدد التوابيت أمام مقر البرلمان أفضل من عدد المقاعد داخله كما حدث في طرابلس، خطوة غير محسوبة ينتقل عبرها مقر البرلمان إلى طبرق وخارج تحكم ميليشيات الإسلام السياسي تماما، رُفعت قضية تطعن في دستورية إجراءات التسليم والاستلام والمقر بالنسبة للبرلمان، وحكمت المحكمة المحاصرة بالميليشيات لصالح الطعن، لكن المجتمع الدولي اعترف بالبرلمان وحكومته المؤقتة، فقامت حرب فجر ليبيا من معركتين: معركة قسورة ضد ميليشيات الزنتان في طرابلس وضد ورشفانة تسببت في نزوح عشرات الآلاف من منازلهم، ومعركة الشروق التي أرسلت أرتالا مسلحة تجاه الشرق الليبي وتم صدها.

انقسمت البلد وبعض المؤسسات، وقاطع نواب تابعون لهذا التيار، من الغرب والشرق، البرلمان في طبرق. في سياق التشريعات والقوانين أصدر مجلس النواب في طبرق قانونا يلغي قانون العزل السياسي وقانون العفو العام (وهذا أفضل ما فعله في مرحلته المرتبكة)، بينما المؤتمر الوطني أصدر قانون العزل السياسي، وقرارا بغزو مدينة بن وليد بحجة أن خميس القذافي حي ومتمترس بها، ونفهم من هذا الفارق الجوهري أن المؤتمر الوطني كان نهجه انتقاميا، والبرلمان كان اتجاهه تسامحيا تصالحيا. استمرت جلسات مجلس النواب تعقد بهدوء ولم يعكرها سوى عكاز شيخ مسن سماه الإعلام (بوعكوز) وأصبح هذا العكوز العقبة الرئيسية أمام بناء الدولة وفق الإعلام الموجه، ونُسيت التوابيت التي كانت توضع أمام مقر المؤتمر الوطني المحاصر بالميليشيات المدججة.

معركة الكرامة اتسعت واستطاعت أن تنجز على الأرض ما عجزت عنه السلطات المختلفة، اتخذ البرلمان قرارا بإعادة الضباط الذين أحالهم المؤتمر الوطني للخدمة، وتعديلا في قانون الجيش الليبي يستحدث منصب القائد العام، واتخذت رئاسة البرلمان القرار رقم 20 لسنة 2015 بتعيين اللواء خليفة حفتر قائدا عاما للجيش وترقيته إلى رتبة فريق، وليؤدي القسم الدستورية أمام البرلمان (في القرار يسمى “الجيش الليبي” وليس الجيش الوطني أو الجيش العربي الليبي). سياسة التمكين التي يقوم بها الإخوان كانت على قدم وساق ونجحت بشكل واضح في تمكين أتباعها من مناصب مفصلية في مؤسسات العاصمة السيادية المسؤولة عن قوت الليبيين ومعاشاتهم، ويبدو أن لا تيار سياسي قادر على مواجهتهم بعد أن خرج التحالف الوطني من المشهد المسلح، ورأى الناس أن لا مؤسسة قادرة على مواجهة هذا الحزب ذي الأذرع المسلحة سوى الجيش الذي كان يقاتل ويدرب ويخرج دفعات جديدة ويستعين بقوى شعبية داعمة.

لحل أزمة الانقسام، بدأ الحوار الليبي من عاصمة إلى عاصمة حتى استقر في الصخيرات، انبثق عن هذا الحوار المضني اتفاق الصخيرات السياسي، وفجأة ظهر اسم المهندس الكهربائي فايز السراج لرئاسة المجلس الرئاسي من مكان غير متوقع أو منظور، ولم يكن اسمه مطروحا للمنصب من قبل الأطراف الليبية المشاركة في التفاوض.

بعد شد وجذب حضر السراج إلى برلمانه في طبرق واكتمل النصاب القانوني، لأن مدة ولاية البرلمان انتهت ولا سبيل للتمديد إلا عبر هذا الاتفاق، ووافق البرلمان على الاتفاق بشروط: تضمينه في الإعلان الدستوري، ومراجعة المادة الثامنة المتعلقة بالجيش وقياداته، وعلى أن يقدم حكومته لتنال موافقة البرلمان، قدم السراج حكومة موسعة رفضت من البرلمان، لكن مديري المسألة اعتبروا هذا الاجتماع ترخيصا للمجلس الرئاسي المتكون من سبعة أعضاء، أخذ السراح ترخيصه وغادر طبرق ولم يرجع أبدا إلى طبرق أو المنطقة الشرقية عموما حتى كتابة هذه السطور، قاطع نائبا المجلس الرئاسي من الشرق ومن الزنتان، القطراني والأسود المجلس، وبسرعة اعترف المجتمع الدولي برمته بالمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التي تشكلت دون أن تأخذ موافقة البرلمان أو تؤدي القسم، ورغم أن الاتفاق لم يُضمّن في الإعلان الدستوري ولا المادة الثامنة روجعت. سياسة الأمر الواقع أصبحت هي الاستراتيجية ما أدى إلى انقسام حقيقي، بقايا من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته تنادوا وشكلوا المجلس الأعلى الاستشاري وسموه (المجلس الأعلى للدولة)، وظهرت تقارير أممية تتحدث عن فساد بالمليارات، وكان الجيش في هذه الفترة يخوض حربه ضد الجماعات الإرهابية في بعض مدن الشرق ويدافع عن الهلال النفطي ضد الميليشيات الإرهابية.

بعد معارك شرسة ودمار في بعض المدن سيطر الجيش على الهلال النفطي وبنغازي ودرنة، وواصل معاركه في الجنوب الليبي، إلى أن وصل إلى مشارف طرابلس، بعد 8 أشهر من معارك الاستنزاف والتضييق على الجماعات المسلحة التي تسيطر على العاصمة وبعض المدن الأخرى، وعملية خاطفة أحكم سيطرته خلال ساعات على مدينة سرت، ذهب السراج إلى أردوغان الذي خسر معاركه في سوريا للاستنجاد به، وقعت اتفاقيات الحدود البحرية والدعم العسكري والأمني، أردوغان اعتبر تدخله في ليبيا دفاعا عن منطقة نفوذ سابق وعن إخوة له في ليبيا، وعن طريق مطارات تركيا تقاطر بقايا المعارضة السورية التي تتحكم فيها جماعة الإخوان المسلمون على ليبيا بعد أن يئسوا من إمكانية إسقاط النظام السوري، بعضهم يريد أن يجاهد وبعضهم يريد أن يفر إلى أوروبا من الشواطئ الليبية وكان الدولار سيد اللعبة، تحولت المعركة من معركة بين الجيش والجماعات المسلحة في طرابلس إلى معركة مع المخطط التركي الذي دمر مثيله سوريا. فجأة كان لقاء موسكو للاتفاق على وقف إطلاق النار، وقع السراج ومن معه مباشرة ولم يوقع القائد العام للجيش الليبي. وتم تسريع وتيرة انعقاد مؤتمر برلين الذي أُجِّل أكثر من مرة ليكون يوم 19 يناير 2020، انعقد المؤتمر وخرج ببيان إنشائي، شبيه تماما لبياناتهم في المسألة اليمنية والسورية التي ليس لها علاقة بما يحدث فعلا فوق الأرض. .

مؤتمر برلين باختصار: اجتماع عاجل حضرته الدول العلمانية الكبرى من أجل إنقاذ حكم الجماعات الإسلامية في ليبيا!!!. وخطوة أخرى لتمكين سياسة الأمر الواقع ووضع الأزمة الليبية في إفريز.

أما غسان سلامة الذي مل من المسألة الليبية فلا يريد سوى حقنها بمسكن مؤقت والمضي في حال سبيله.

عن موقع "218tv"

للمشاركة:

عندما تحالَف العثمانيون مع المرض والجهل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وليد فكري

طالما كانت الصحة مطلبًا أساسيًا عند المسلمين، منذ البدايات الأولى لدولتهم الناشئة، التي تمخضت عن حضارة عظيمة استمرت نحو 800 سنة..

يمكن للقارئ بسهولة، أن يدرك ذلك من خلال بعض النصائح والعبارات الواردة في كتب التراث، على ألسنة مؤسسي الدولة في أحاديثهم العادية، كقول الرسول محمد للطبيب الذي أرسله له المقوقس "ارجع لأهلك.. نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" أو المنسوب له من أمره ألا يدخل المرء بلد به الطاعون كيلا يصاب به، وإذا ظهر الطاعون ببلد هو فيه ألا يغادره كيلا ينشر العدوى، أو كنصيحة الخليفة عمر بن الخطاب للمسلمين، في اختيار موقع بناء الكوفة "إن أبداننا يوافقها ما يوافق إبلنا".. ذلك الاهتمام الذي تطور مع الدولة والحضارة، ليتحول من مجرد نصائح ونمط حياة، إلى موروث علمي دسم وليصبح الطب من أشهر التخصصات والعلوم، التي فاق فيها المسلمون مَنْ حولهم.

فالمسلمون لم يكتفوا بما يمكن وصفه بـ"الطب البدوي"، وإنما استغلوا ما ورثوا من كتب أطباء الحضارات السابقة، ليطوروا ويصححوا ويضيفوا لتلك الكتب، وليؤسسوا منظومات صحية قوية، في حواضرهم وكبريات مدنهم، وليبرعوا في مراحل مواجهة المرض، من الوقاية الاستباقية حتى النقاهة والمتابعة، مرورًا بالعلاج.. ولتصبح الصحة العامة ركنًا أساسيًا من مهام الدولة ومظاهر حضارتها.

تميز المسلمون بهذا، فتداخل مطلب الصحة مع سياساتهم، منذ اختيار مواضع المدن، بحيث لا يكون في مواقع هوائها وخم، أو في مائها عكر أو عرضة للرياح الحاملة للأمراض، ثم تخطيطها بحيث تكون شوارعها ودورها حسنة التهوية وسهلة التنظيف، وفرض القوانين الصارمة على أهلها لمكافحة التلوث والقاذورات، وما يتبعهما من تفش للأمراض والأوبئة.. وإنشاء المستشفيات (البيمارستان) وترتيب الوظائف الطبية لرعاية المرضى، وإجراء الأرزاق على أساطين الطب وتشجيعهم على تعليمه لغيرهم.. هذا بينما كانت شعوب أوروبا-باستثناء الأندلس- تعاني التلوث وإهمال الصحة العامة ويسود الجهل ممارستها العلاجية، وتحول الطب إلى شعوذة ودجل، بينما يعاني العلم الحقيقي اضطهادًا باعتباره هرطقة وكفرًا..

لهذا يمكننا أن نتفهم سخرية واستهجان الأمير والأديب أسامة بن منقذ في كتابه "الاعتبار" ممارسات الفرنجة مع مرضاهم ومصابيهم، ووصفه لها باعتبارها همجية وتخلفا..

بقى هذا حال الشعوب الإسلامية، حتى جاء العثمانيون فقلبوا الآية رأسًا على عقب!

فكيف كان الحال قبل مجيء العثمانيين؟

البيمارستان المنصوري:
في عصور ما قبل الغزو العثماني كانت البيمارستانات/المستشفيات تنتشر بأرجاء بلاد العرب في مصر والشام والعراق وغيرها، وقد أنشأها الخلفاء والملوك والسلاطين من عباسيين وسلاجقة وطولونيين وأيوبيين وزنكيين وغيرهم.. إلا أن البيمارستان المنصوري كان هو النموذج الأرقى بينها..

أقيم هذا البيمارستان بأمر من السلطان المملوكي المنصور قلاوون-ولهذا يُعرَف بالمنصوري- لا ليكون مجرد "مَشفى" صغير وإنما ليكون مركزًا طبيًا على أعلى المستويات بمقاييس هذا العصر بل وعصور لاحقة.

فقد أخذ المنصور قصر إحدى الأميرات- وعوضها أفضل منه- ثم بدأ إعداد هذا القصر وأجرى على العمل فيه الأموال حتى تحول إلى بيمارستان أنيق، ثم قسمه لأقسام ورتب له الأطباء والصيادلة والخدم والفراشين والمشرفين، وافتتحه باحتفال كبير وأوقف عليه الأوقاف عظيمة الدَخل لتموله باستمرار.. وصارت إدارته بمثابة "قرار سيادي" فلا يعين فيها إلا أحد الأمراء البارزين بأمر وإشراف مباشرين من السلطان، وهكذا استمر العمل به حتى بعد وفاة قلاوون وطوال العصر المملوكي.

هذا البيمارستان كان مقسمًا إلى قاعات حسب نوع المرض، وفيه قسم للرجال وآخر للناس، وقسم للمرضى النفسيين والعقليين، وقد رُتِبَ لهم من يقومون على ترفيههم والترويح عنهم، من موسيقيين ومهرجين وأهل مهن الترفيه في علامة على إدراك أهل هذا العصر لأهمية الصحة النفسية، وعُيَنَ فيه الأطباء بتخصصاتهم من"طبائعيين/ باطنة" و"مجبرين/ عظام" و"جرائحيين/ جراحين" و"مكحلين/ أطباء العيون" وغيرهم.

بل إن ثمة رواية طريفة عن أن بين العاملين بالمستشفى كان هناك اثنان مهمتهما الكذب، فكان الطبيب إذا أحس أن تأخر زوال المرض الجسدي لبعض مرضاه سببه حزنه وخوفه من هذا المرض، يأمر الرجلان فيتمشيا بين الأسرّة حتى إذا ما بلغا سرير المريض المقصود، تظاهرا بأنهما يتحادثان ولا يشعران أنه يستمع إليهما، فيسأل أحدهما زميله "ما بال هذا المريض؟" فيجيبه الآخر "طمأنني الطبيب أنه يتعافى وعما قريب سيُشفَى ويسترد صحته".. وغالبًا ما كان شفاء هذا المريض يتم بسرعة، وهو موقف يشير لمستوى إدراك طبي متطور للمرض "النفس-جسمي" والعلاج بالإيحاء.

وكانت بالبيمارستان خزانات الأدوية والمفروشات والثياب وأدوات النظافة، حيث كانت نظافة المكان ونزلائه، تراقَب بصرامة من قِبَل "المُحتَسِب" الذي تعينه الدولة لمراقبة تطبيق القوانين.. بل إن بعض الأمراء الذين تسابقوا لتقديم الأوقاف الخيرية للإنفاق على البيمارستان -أسوة بالسلاطين- كان يتنكر ويدخل المستشفى لينظر بنفسه مستوى رعاية العاملين فيه للمرضى.

وكان المريض يتوجه للبيمارستان، فيحل به نزيلًا يُعالَج بالمجان -سواء كان فقيرًا أو حتى غنيًا- ويخضع لفحص الطبيب الذي يصغي لشكواه ثم يسأله عن تفاصيل حياته ونشاطه، من طبيعة عمله ومكان معيشته وعاداته الغذائية، وشكاواه السابقة وأسفاره، وكل ما يمكن أن يفيد الطبيب في استنتاج سبب المرض من نمط حياة المريض.. أما عن العلاج فكان الأطباء يميلون للبدء بـ"العلاج من خلال التغذية" أي التعامل مع الأمراض من خلال النظام الغذائي وتفاعلاته قبل اللجوء للأدوية المركبة، فإن لم يكن ذلك مجديًا لجأوا للدواء، أو للخيارات الأخرى من حَقن أو جراحات حسب ما تتطلبه الحالة، وهو أمر ينم عن تفكير طبي ناضج (قارن ذلك ببعض أطباء عصرنا، الذين يسارعون بتقديم المضاد الحيوي القوي لطفل، بسبب نزلة برد عادية يعالجها معظم الأطباء بأدوية بسيطة!).

وكان في المستشفى صيادلة يقومون بتركيب الأدوية للمرضى حسب أمر الطبيب، ومشرفون على تلقي المريض لدوائه في موعده بالمقدار المحدد، وغيرهم لتبديل وتنظيف ثيابه وفراشه ومساعدته في الاغتسال أو تطهير جروحه لو كان يستشفي من جراحه.
وعندما كان النزيل يُشفى -وعلامة ذلك أن يدخل الحمام ويُخرج فضلات جسده وأن يعتدل لونه وحرارته وأن يسترد قوته البدنية وأن يستطيع أكل وجبة طعام مغذية بغير عناء- كان يتلقى من البيمارستان نفقة وكسوة وطعامًا، ولو كان يحتاج للالتزام بدواء بعد مغادرته المستشفى فقد كان الدواء يُرسَل لمنزله بالمجان.

وإلى جانب المهام العلاجية للبيمارستان المنصوري، فقد كان كذلك بمثابة "كلية للطب"، ففيه قاعات لتعليم الطب بأنواعه، يجلس فيها رؤساء وأساطين المهنة وبين أيديهم الطلاب الذين يتلقون عنهم العلوم، ويشهدون بأنفسهم علاج نزلاء المستشفى، ويتفرعون للتخصصات المختلفة، حتى إذا ما أتم أحدهم دراسته نال "الإجازة" -تصريح العمل- من معلميه في احتفال لائق، فلم تكن ممارسة الطب مسموحاً بها بغير تلك الإجازة.

أي أن سلاطين المماليك -منذ المنصور قلاوون- والقائمين على هذا البيمارستان، قرروا أن يضعوا فيه أرقى ما توارث المسلمون من فنون الطب والعلاج ورعاية المرضى.

رعاية الصحة العامة في القاهرة:

إلى جانب ذلك كانت السلطات صارمة في ما يتعلق بالصحة العامة.. فالقوانين كانت تنص على اتساع معين للطرق، بحيث تكون حسنة التهوية، وارتفاع معين للبيوت كيلا تمنع وصول الشمس والهواء للشارع والجيران، وكان يُحظَر أن تقام محال أو مصانع تستخدم الكيماويات -كالمدابغ والمصابغ- إلى جوار مناطق سكنية أو محال للأطعمة.

والمحتسب كان يطوف الشوارع والأسواق، فيتأكد من سلامة الأطعمة والأشربة عند الجزارين والبقالين والمطاعم وباعة الخضر والفاكهة والمخابز، التي كان يؤمر العاملون فيها أن يكونوا حليقي اللحى والذراعين، كيلا يسقط شعر منهم في العجين، ويدخل الحمامات الشعبية فيراقب نظافتها ونقاء مائها واعتدال جوها ونظافة مناشفها، بل إنه كان يتأكد من خشونة أرضياتها كيلا ينزلق المستحمون!

وكان يراقب السقائين -باعة الماء- وينظر في أوعيتهم وقِرَبهم ويتأكد من نظافتها وسلامة مائها، هذا علمًا بأن السقاء كان لا يُسمَح له بمزاولة مهنته، إلا بعد تدريب صارم على يد كبير طائفته الحرفية.

وكان كذلك يراقب المدارس ومكاتب التعليم، ليتأكد من ملاءمة جوها للأطفال، ويتجول في الأزقة والشوارع ليتأكد من نظافتها وعدم تكوّم القمامة فيها.

وكان لكل ما يتعلق بصحة الإنسان قوانين تنظمه، كالقوابل -المولدات- والمرضعات اللاتي كن يخضعن لنظام يضمن التزامهن بالنظافة الشخصية، بل والتزام المرضعة نظامًا غذائيًا صحيًا كيلا يفسد لبنها مرض فيؤذي الرضيع.

ولكن التحدي الحقيقي الذي كان المماليك يواجهونه، تمثل في "الطاعون"، وكُتب التاريخ المملوكي تزدحم بأخبار الطواعين المدمرة، التي كانت تصل ضراوتها لأن يذكر المؤرخ أن "مات الرجل فحمل جثمانه أربعة مات منهم اثنان قبل بلوغ قبره فلما قبروه لم يبق حيًا ممن حمله أحد".. وهي مبالغة بالتأكيد لكنها تنم عن فداحة الكارثة.

صحيح أن تعامل السلطة كان أحيانًا ما يشوبه بعض "التفسير الغيبي  للكارثة" كالأشرف برسباي، الذي قال له بعض الفقهاء إن الطاعون انتشر بسبب خروج النساء وتبرجهن فأمرهن بعدم الخروج، ولكن هذا لم يكن يمنع أصحاب الأمر من التعامل بحزم مع الموقف، فكانوا يسارعون بنقل الجثث المصابة بالمرض خارج العمران، ويشددون رقابتهم على ضوابط النظافة والصحة العامة، لدرجة أن الأمير يشبك الدوادار حين داهم الطاعون مصر في عصر السلطان قايتباي، كان يتطوع بنفسه لتغسيل ونقل ودفن الجثامين بعيدًا عن الناس كيلا يزداد انتشار المرض.

هذا ما كانت عليه القاهرة قبيل ابتلائها بغزو العثمانيين.. فما الذي صارت إليه بعد أن جثموا عليها بسيوفهم؟

الوضع الصحي الكارثي في العصر العثماني
بدايةً فإن الإدارة العثمانية لم تكن تضع في حسبانها "الصحة العامة".. فالمحتل العثماني كان يكتفي بتحصين الولاية وشحنها بالجند وتعيين الجهاز الإداري -خاصة المالي- وتلقي الضرائب كل موسم.. أما مطلب الصحة فكان العثمانيون يعتبرون أنه "مسألة خاصة بالأهالي يديرونها بأنفسهم".. أي أن العثماني كأنما كان يقول للمرء من رعيته: "مشكلاتك الصحية لا تخصني.. سأحميك مقابل الضرائب لكن لا تطلب مني أن أرعاك صحيًا، وعلى من يريد إقامة مستشفى أن ينفق على ذلك بنفسه!" وهو منطق يليق بـ"بلطجي" أو "قبضاي" أكثر مما يليق بدولة محترمة!.

وللأمانة فإن هذا لا يعني عدم وجود مستشفيات، بل كان هناك بعض المشافي، لكن إقامتها ورعايتها والإنفاق عليها كان رهنا بـ"أهل الخير" سواء كانوا من أعيان الرعية أو تصادف وجاء والٍ يحب الخير ويتقي الله في الأمانة، فيقرر أن يوقف وقفًا لمشفى..
وأما البيمارستان المنصوري، فقد استمرت وظيفته كما كانت "بالقصور الذاتي" خلال عهد خاير بك/خاين بك"أول والي عثماني وبعض من خلفوه، لكنه مع الوقت أصيب بما أصاب مصر من انحدار وانحطاط، حتى ما أتت نهاية القرن الثامن عشر إلا وكان قد أصبح مجرد مبنى كئيب مشعث، لا يرعى من المرضى سوى المصابين بالأمراض العقلية، وهم عرايا مقيدون بالسلاسل، ومعهم ممرضون وصفهم البعض بأنهم "كالجلادين" يحملون الهراوات ويطعمونهم قسرًا، وتسوء أحوالهم إلى حد استجداء بعضهم المساعدة من الزوار! وأصبح البيمارستان المنصوري مرتبطًا بالمرض العقلي أو "المجانين" -حسب التعبير الشعبي (الذي لا نقره بالتأكيد) حتى أصبحت كلمة "المُرُستان" المشتقة من "البيمارستان" تعني "مستشفى الأمراض العقلية" في اللهجة المصرية.

بالمناسبة، بينما كان هذا حال المستشفى في مصر، كان العثمانيون يقيمون المستشفيات في مدن الأناضول وعلى رأسها اسطنبول، ويعتنون بها ويهتمون بالصحة العامة في هذه المدن.. وهو ما يؤكد طبيعتها كدولة "تأخذ ولا تعطي".
وما زاد الطين بلة، هو التراجع الفاحش للحركة العلمية في مصر، بحكم إهمال العثمانيين لهذا المطلب كذلك -فانتشرت الخرافات

وطرق الدجل والشعوذة، وصار المريض لا يلجأ للطبيب بل يبحث عن "صاحب كرامات" يشفيه أو "ساحر" يعالجه بتميمة أو "حجاب"(ورقة بها طلاسم تعلق في العنق)، وبعد أن كانت مزاولة الطب تتطلب "إجازة" بذلك من أهل العلم، صار "حلاقو الصحة" يتجولون في القرى والشوارع، ويدعون العلم ويمارسون نوعًا من الطب الشعبي البدائي أكثره غير مجد، بل وكثيرًا ما كان يؤدي لنتائج كارثية (استمرت تلك المهنة للأسف بعد زوال الحكم العثماني بفترة كبيرة، وكانت من أسباب إصابة الأديب والمفكر المصري طه حسين بالعمى في طفولته..

بل إن طقوس الشعوذة كانت تمارس في البيمارستان المنصوري نفسه! فكانت النسوة يأتين بأطفالهن حيث قبر المنصور ويطفن به ويمارسن بعض الطقوس من وثب سبع مرات، أو إجبار للطفل على لعق حجارة القبر وما إلى ذلك، طلبًا للشفاء والصحة!.

وعندما كانت الطواعين تداهم القاهرة، كان الولاة يكتفون بالمناداة باستغفار الله والحرص على النظافة، ويسمحون بدفن جثث المطعونين في المدينة رغم  خطورة ذلك، بينما هم يتلمظون شوقًا لما يمكن أن يجنوه من ثروات بسبب وضع أيديهم على تركات المتوفين، وهي ممارسة بلغت حد الاعتياد في أوبئة العصر العثماني.

هكذا أصبح مصير البيمارستان المنصوري، وهكذا كانت نظرة الدولة العثمانية للصحة العامة باعتبارها "رفاهية زائدة" لا يستحقها أهالي الولايات، بينما تحظى بها عاصمة الباب العالي والمدن المحظوظة من حولها!.

وبعد أن كانت مصر تسخر من "الفرنجة" وممارساتهم من دجل وشعوذة لعلاج الأمراض، جاء يوم ذُهِلَ فيه هؤلاء الفرنجة عندما جاءوا مع المحتل الفرنسي في حملة نابليون من فرط انتشار الخرافات والشعوذة طلبًا للشفاء في بلد كانوا يقرأون أنه كان يومًا درة الشرق!.

وكان على مصر أن تنتظر عهد محمد علي باشا، الذي أدرك المسؤولية ببعد نظره، فبذل قصارى جهده لتكون لمصر مؤسسة صحية محترمة.

مستوى تقدم أو تخلف مؤسسة حاكمة، له معايير كثيرة من أهمها -إن لم يكن هو الأهم- معيار الصحة، فصحيح أن "الرعاية الصحية" ليست "مشروعًا مربحًا على المدى القريب" لكنها شديدة الأهمية على المدى البعيد، باعتبار أن الفرد جزء من طاقة المجتمع!
لكن الإدارة العثمانية كانت مصابة بمزيج من "قصر النظر وضيق الأفق" من ناحية، و"الأنانية المفرطة" من ناحية أخرى، فهي تنظر للرعية باعتبار أن أفرادها "عبيد للسلطان" و"هم كثيرون إن هلك بعضهم لا بأس فيوجد غيرهم".

بالتالي فرعاية صحة الناس في الولايات ليست من أولويات تلك الإدارة.. بل لعل المحتل العثماني كان متعمدًا لذلك، ليس بخلًا بالنفقات فحسب، وإنما ليضمن أنه يحكم شعوبًا منشغلة بأمراض جسدها وعقلها، فلا يخشى يومًا أن تفيق فتنفجر في وجهه!
وإن المرء ليندهش لحقيقة أن بيننا من يشتاقون لمثل تلك الأيام!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:



قراصنة أتراك يشنّون هجمات إلكترونية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

أفادت قناة "سكاي نيوز عربية"،  بأنّ قراصنة إنترنت يعملون لحساب الحكومة التركية ينفذون هجمات إلكترونية تستهدف حكومات في أوروبا والشرق الأوسط.

وكشف تحقيق أجرته وكالة "رويترز"؛ أنّ الهجمات الإلكترونية الواسعة النطاق، التي يقودها قراصنة يعملون لصالح الحكومة التركية، استهدفت ما لا يقل عن 30 منظمة، بما في ذلك الوزارات الحكومية والسفارات والأجهزة الأمنية، وكذلك الشركات وغيرها من المجموعات، وفق مراجعة أجرتها الوكالة لسجلات الإنترنت العامة .

"رويترز": الهجمات الإلكترونية استهدفت ما لا يقل عن 30 منظمة، من بينها خدمات البريد الإلكتروني للحكومة القبرصية واليونانية

ومن بين الضحايا؛ خدمات البريد الإلكتروني للحكومة القبرصية واليونانية ومستشار الأمن القومي للحكومة العراقية.

ووقعت الهجمات القبرصية واليونانية والعراقية، التي حدّدتها "رويترز"، في أواخر عام 2018 أو أوائل عام 2019.

وقال خبراء الأمن السيبراني: إنّ "سلسلة الهجمات مستمرة"، مضيفين أنّ "الهجمات تسلط الضوء على نقطة ضعف في الركيزة الأساسية للبنية التحتية على الإنترنت التي يمكن أن تترك الضحايا عرضة للهجمات التي تحدث خارج شبكاتهم الخاصة، ما يجعل من الصعب اكتشافها والدفاع عنها.

وتتضمن الهجمات اعتراض حركة الإنترنت إلى مواقع المستهدفين، ما قد يمكن القراصنة من الوصول غير المشروع إلى شبكات الهيئات الحكومية وغيرها من المنظمات.

 ونقلت الوكالة عن مسؤولين بريطانيين ومسؤول أمريكي واحد؛ أنّ النشاط يحمل بصمات عملية تجسس عبر الإنترنت مدعومة من الدولة أجريت لتعزيز المصالح التركية.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تستهدف سوقاً شعبياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

شنّت ميليشيات الحوثي الإرهابية، اليوم، هجوماً على سوق شعبي غرب مدينة تعز اليمنية، أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 10 آخرين في حصيلة أولية.

واستهدفت الميليشيا سوق "المقهاية" في منطقة الضباب بتعز، بعدد من قذائف الهاون أثناء تجمع المدنيين، وفق ما نقلت وكالات إعلام محلية، وفق موقع "المشهد" اليمني. 

ميليشيات الحوثي تستهدف بقذائف الهاون سوق "المقهاية" وتقتل 3 مدنيين وتصيب 10 آخرين

كما تعرّضت عدة مناطق سكنية في المطار القديم لقذائف حوثية، وسمِع دوي انفجارات عنيفة.

وكثفت الميليشيا الحوثية، خلال الأيام الماضية، هجماتها الإرهابية بمأرب وتعز، وسط تصعيد عسكري يهدّد بنسف الجهود الدولية الرامية لإحلال السلام.

وأحبطت مقاتلات التحالف العربي أوسع هجوم حوثي على مديرية "نهم"، شرق صنعاء، ومكنت قوات الحكومة الشرعية اليمنية من استعادة مواقع استراتيجية كانت خسرتها، الخميس الماضي.

هذا وقد توسّعت المواجهات المسلحة بين الحوثيين والجيش الوطني، لتشمل محافظات عدة؛ صنعاء والجوف ومأرب وتعز والبيضاء والضالع، وكانت أكثرها ضراوة المواجهات في جبهة نهم، البوابة الشمالية الشرقية للعاصمة صنعاء.

المواجهات المسلحة بين الحوثيين والجيش تتوسع في محافظات صنعاء الجوف مأرب تعز البيضاء الضالع

وقد تحدّثت مصادر محلية لموقع "المشهد" اليمني، اليوم، عن أنّ أبرز مواقع المواجهات كانت بمديرية نهم.

الجدیر بالذكر؛ أنّ طیران التحالف العربي ساند قوات الجیش الوطني بأكثر من خمسین غارة جویة ،منھا 35 غارة على مواقع الملیشیا في الجوف، و10 على جبھة نھم بمحافظة صنعاء، والبقیة متفرقة على مأرب وصعده وحجة.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

على وقع الاحتجاجات.. هل يقرّ البرلمان اللبناني ميزانية 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وقعت اشتباكات، صباح اليوم، في محيط البرلمان اللبناني بين عدد من المتظاهرين وعناصر من الجيش والقوى الأمنية، بعد منع الأمن للمحتجين من التقدّم نحو المجلس وأجبارهم على التراجع، قبل ساعات قليلة من موعد جلسة مجلس النواب اللبناني لبحث موازنة 2020.

وسقط عدد من الجرحى جراء محاولات متفرقة لمجموعات من المحتجين للدخول إلى مداخل ساحة النجمة من عدة مفارق، وذلك رغم كلّ الإجراءات الأمنية والسواتر الإسمنتية التي تحيط بمجلس النواب ما دفع البعض الى تشبيهها بمنطقة معزولة، وفق "فرانس برس".

إصابة عدد من المحتجين اللبنانيين جراء الاشتباكات مع عناصر الأمن والجيش بمحيط مجلس النواب

وعمد محتجون، منذ صباح اليوم، إلى قطع عدة طرقات في بيروت وبعض المناطق الأخرى، في محاولة لعرقلة انعقاد جلسات نقاش الموازنة.

وجلسة مناقشة موازنة الـ2020 ستحضرها الحكومة الجديدة، بينما رأت أوساط سياسية أنّ حضور الحكومة قبل نيلها الثقة أمر غير دستوري، فيما يقول مؤيدون لانعقاد هذه الجلسة إنّ مناقشة الموازنة وإقرارها أمر يجب أن يحصل في المواعيد الدستورية.

وأعلنت كتل سياسية وبعض النواب المستقلين مقاطعتها لهذه الجلسة؛ بسبب عدم دستوريتها؛ كون الحكومة ستناقش موازنة قبل نيلها الثقة، وهي موازنة رفضها الشعب ونزل إلو الشارع معترضاً عليها، ما دفع الحكومة التي وضعتها إلى الاستقالة.

وفيما سبق انعقاد الجلسات، اتخذت القوى الأمنية والعسكرية تدابير أمنية مشددة، إضافة إلو تعزيز الأسوار الباطونية التي أصبحت كالجدار العازل تفصل مجلس النواب عن محيطه.

حسان دياب يؤكد أنّ حكومته لن تعرقل موازنة 2020 التي أعدتها حكومة سعد الحريري

من جهته، قال رئيس الوزراء اللبناني، حسان دياب، اليوم في تصريح نقلته "سبوتنيك"، إنّ حكومته لن تعرقل موازنة 2020 التي أعدتها حكومة سعد الحريري المستقيلة في تشرين الأول (أكتوبر).

وكان دياب يتحدث في بداية النقاش البرلماني حول ميزانية 2020، وذلك بحسب وكالة "رويترز".

ووقّع الرئيس اللبناني، ميشيل عون، الأسبوع الماضي، مراسيم تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب، وأكد الأخير أنّ الحكومة تضمّ وزراء بعيدين عن السياسة والأحزاب، داعياً لمساعدتها في مهمتها، وحظي "حزب الله"، المدعوم من إيران، بحقيبتي الصحة والصناعة.

للمشاركة:



القبائل الليبية: لا نفط قبل سحب الشرعية من حكومة السراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وضعت القبائل الليبية خمسة شروط لإعادة فتح الحقول والموانئ النفطية، وهي إسقاط الاعتراف بحكومة فايز السراج، وتغيير رئيس المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة، من خلال تقسيمها إلى 4 أقاليم.
ودعا شيوخ قبائل وناشطون مدنيون في شرق وجنوب ليبيا لإغلاق موانئ بلادهم احتجاجا على ما وصفوه باستغلال حكومة طرابلس لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين أجانب وتمويل التدخل العسكري التركي. ويتهم المطالبون بإيقاف تصدير النفط حكومة الوفاق بصرف الأموال لجلب "المرتزقة" و"المستعمرين الأتراك".
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، أعلنت أن الإنتاج النفطي سينخفض من 1.2 مليون برميل يوميا إلى 32 ألف برميل يوميا بحلول يوم الخميس القادم، مشيرة إلى أن الإنتاج النفطي تراجع حتى السبت الماضي بمعدل 75 في المئة عقب إغلاق موانئ النفط الرئيسية شرق ليبيا الأسبوع الماضي.
وأكدت أن الخسائر المالية بلغت 256.6 مليون دولار حتى 23 يناير، داعيةً إلى “إنهاء الاقفالات والسماح لها باستئناف الإنتاج فوراً، من أجل ضمان استمرار إمدادات إنتاجات الوقود إلى كافة المناطق ورفد دورة الاقتصاد الليبي”.
ويرى مراقبون سياسيون، وفقاً لما أوردته صحيفة "العرب" اللندنية الصادرة اليوم، أنّ سحب الاعتراف الدولي بحكومة السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 يمثل الشرط الأهم الذي يتفق عليه مجلس النواب والقيادة العامة للجيش والقبائل وعدد من الدول الإقليمية والدولية التي ترى أن تلك الحكومة أصبحت جزءا من المشكلة، ولا يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل بسبب تبعيتها للأتراك واستقوائها بالميليشيات والمرتزقة والجماعات الإرهابية وتبديدها للثروة الوطنية.
وأكد المبعوث الأممي غسان سلامة أن ليبيا بحاجة الآن إلى حكومة جديدة تهتم بخدمة المواطنين وتهيئ الوضع للانتخابات من أجل حل مشكلة الشرعية المستعصية، وأضاف “إن العملية السياسية في ليبيا ليست مسألة أشخاص، ولا يعني البعثة أن يكون فايز السراج رجل المرحلة الحالية من عدمه”.
وينظر المحللون السياسيون إلى غلق الحقول والمنشآت النفطية على أنه يضع العالم أمام الحقيقة التي كان يتجاهلها وهي ضيق مجال التأثير الفعلي لحكومة السراج على الأرض مقابل سيطرة الجيش الوطني على أكثر من 90 بالمئة منها، وبالتالي فإن الميزة الوحيدة للحكومة المعزولة في طرابلس هي التصرف في إيرادات الثروة الموجودة خارج سيطرتها من خلال مؤسسة النفط والبنك المركزي ومصرف ليبيا الخارجي.
وتملك ليبيا أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا وهي مورد مهم للخام الخفيف منخفض الكبريت.
وتُعتبر إيرادات بيع النفط هي المصدر الوحيد الذي يعتد به لدخل ليبيا من الدولارات، إذ درت 22.5 مليار دولار في 2019 لبلد لا يزيد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة.
ولعلّ ذلك ما يُفسّر بشكل دقيق المطامع التركية المُتصاعدة في ليبيا لضمان حصتها من غنائم النفط، فضلا عن أهداف أيديولوجية باتت واضحة جدا تتمثل في تمدّد أفكار الإسلام السياسي واستعادة الإرث العثماني في المنطقة.
وتقع معظم منشآت النفط الليبية في مناطق تسيطر عليها قوات موالية للقائد العسكري خليفة حفتر، الذي وسع تدريجيا نطاق نفوذه على مدى الأعوام الستة الأخيرة بمساعدة حلفاء أجانب، من بينهم الإمارات العربية المتحدة ومصر وروسيا.
ومنذ إبريل، يشن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر هجوما على القوات المتحالفة مع الحكومة المؤقتة في طرابلس، والمدعومة من تركيا التي لا يُخفي رئيسها رجب طيّب أردوغان مطامعه الاقتصادية في أكير خزان نفطي بالقارة السمراء.
وتقول السلطات في الشرق الليبي إنّ إغلاق المنشآت النفطية نتج عن ضغط شعبي. لكن المؤسسة الوطنية للنفط تقول إنه بأمر مباشر من الجيش الوطني الليبي.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

الحكاية من طقطق إلى مؤتمر برلين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

سالم العوكلي
سقط النظام في ليبيا، أعلن يوم التحرير بتاريخ 23 أكتوبر 2011 ، ودخل قاموسنا عيد جديد اسمه عيد التحرير ويوم عطلة رسمية، جرت انتخابات يوم 7/7/2012 خسر فيها تيار الإسلام السياسي خسارة فادحة، وفاز بها التحالف الوطني الذي تأسس في 4 شهور فقط، التف تيار الإسلام السياسي، المتكون من جماعة الإخوان وحليفها التكتيكي الجماعة الليبية المقاتلة، على النتائج وتحكم في المؤتمر الوطني، السجين السابق بتهم إرهابية، عبدالحكيم بالحاج، رئيس حزب الوطن الذي لم يفز بأي مقعد شكّل من خارج المؤتمر كتلة “الوفاء لدم الشهداء” بدعم قطري وأصبحت الكتلة المؤثرة (تم إشهار حزب الوسط في فندق كورونثيا ببذخ عالٍ وكان علم قطر على المنصة ولونه خلفية لها). بدأ المؤتمر الوطني أعماله في طرابلس وشكل حكومة سماها حكومة تكنوقراط بها 5 وكلاء وزارات سيادية عائدون من حرب أفغانستان، أصدر المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي وقرار رقم 7 الذي رخص لغزو مدينة بن وليد، وأحال الكثير من الضباط الكبار على التقاعد، وفي هذه الأثناء كانت الاغتيالات يومية في مدينتي بنغازي ودرنة، اغتيال أكثر من 500 ضابط وعسكري ورجل أمن في مدنية بنغازي، إضافة إلى العشرات من الصحفيين والناشطين الحقوقيين، اغتيال 184 شخصية من نخب درنة بينهم ضباط وقضاة ومحامون ومدونون وأساتذة المعهد العالي ورجال أمن ونشطاء مدنيون، وتمت كل هذه الاغتيالات قبل ظهور تنظيم داعش على السطح، ولم يُحقَق في أي جريمة من هذه الجرائم ولما يُلاحق مرتكبوها، رغم وجود سلطة تشريعية وحكومة الكيب التي أعقبتها حكومة ثانية برئاسة علي زيدان، مشاهد تُظهر بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني بعد تطبيق قانون العزل على رئيسه الأول، المقريف، بمثابة رئيس الدولة وهو في قبضة ميلشياويين يبتزونه فيما سمي بقضية حنين، مشاهد أخرى تظهر رئيس الوزراء علي زيدان مختطفا من قبل ميليشياويين في ملابس النوم. هناك في الشرق البعيد، القوات الخاصة في بنغازي وحدها تقاوم الميليشيات الإرهابية التي سيطرت على بنغازي، كتب أحدهم على جداره “كل يوم يقتل ضباط وعسكريون في بيوتهم أو أمام المساجد أو في سياراتهم أمام أبنائهم فلماذا لا يجمع العسكريون بعضهم البعض ويدافعون عن أنفسهم. هكذا بدأت ما تعرف بمعركة الكرامة، مجموعة ضباط وعسكريون قرروا الدفاع عن أنفسهم أو الموت وهم يقاتلون.

انتهت ولاية المؤتمر الوطني، وحين رغبوا في التمديد خرجت مظاهرات تقول لا للتمديد، تشكلت لجنة فبراير، قامت انتخابات برلمانية بدون أحزاب أو قوائم خسرها التيار الإسلاموي الذي يقوده الإخوان مرة أخرى، لكن وجود مقر البرلمان في بنغازي ــ وهي تحت سيطرة قوات درع ليبيا (ذراع الإخوان العسكري) والجماعة المقاتلة وأنصار الشريعة ــ طمأنهم، فعدد التوابيت أمام مقر البرلمان أفضل من عدد المقاعد داخله كما حدث في طرابلس، خطوة غير محسوبة ينتقل عبرها مقر البرلمان إلى طبرق وخارج تحكم ميليشيات الإسلام السياسي تماما، رُفعت قضية تطعن في دستورية إجراءات التسليم والاستلام والمقر بالنسبة للبرلمان، وحكمت المحكمة المحاصرة بالميليشيات لصالح الطعن، لكن المجتمع الدولي اعترف بالبرلمان وحكومته المؤقتة، فقامت حرب فجر ليبيا من معركتين: معركة قسورة ضد ميليشيات الزنتان في طرابلس وضد ورشفانة تسببت في نزوح عشرات الآلاف من منازلهم، ومعركة الشروق التي أرسلت أرتالا مسلحة تجاه الشرق الليبي وتم صدها.

انقسمت البلد وبعض المؤسسات، وقاطع نواب تابعون لهذا التيار، من الغرب والشرق، البرلمان في طبرق. في سياق التشريعات والقوانين أصدر مجلس النواب في طبرق قانونا يلغي قانون العزل السياسي وقانون العفو العام (وهذا أفضل ما فعله في مرحلته المرتبكة)، بينما المؤتمر الوطني أصدر قانون العزل السياسي، وقرارا بغزو مدينة بن وليد بحجة أن خميس القذافي حي ومتمترس بها، ونفهم من هذا الفارق الجوهري أن المؤتمر الوطني كان نهجه انتقاميا، والبرلمان كان اتجاهه تسامحيا تصالحيا. استمرت جلسات مجلس النواب تعقد بهدوء ولم يعكرها سوى عكاز شيخ مسن سماه الإعلام (بوعكوز) وأصبح هذا العكوز العقبة الرئيسية أمام بناء الدولة وفق الإعلام الموجه، ونُسيت التوابيت التي كانت توضع أمام مقر المؤتمر الوطني المحاصر بالميليشيات المدججة.

معركة الكرامة اتسعت واستطاعت أن تنجز على الأرض ما عجزت عنه السلطات المختلفة، اتخذ البرلمان قرارا بإعادة الضباط الذين أحالهم المؤتمر الوطني للخدمة، وتعديلا في قانون الجيش الليبي يستحدث منصب القائد العام، واتخذت رئاسة البرلمان القرار رقم 20 لسنة 2015 بتعيين اللواء خليفة حفتر قائدا عاما للجيش وترقيته إلى رتبة فريق، وليؤدي القسم الدستورية أمام البرلمان (في القرار يسمى “الجيش الليبي” وليس الجيش الوطني أو الجيش العربي الليبي). سياسة التمكين التي يقوم بها الإخوان كانت على قدم وساق ونجحت بشكل واضح في تمكين أتباعها من مناصب مفصلية في مؤسسات العاصمة السيادية المسؤولة عن قوت الليبيين ومعاشاتهم، ويبدو أن لا تيار سياسي قادر على مواجهتهم بعد أن خرج التحالف الوطني من المشهد المسلح، ورأى الناس أن لا مؤسسة قادرة على مواجهة هذا الحزب ذي الأذرع المسلحة سوى الجيش الذي كان يقاتل ويدرب ويخرج دفعات جديدة ويستعين بقوى شعبية داعمة.

لحل أزمة الانقسام، بدأ الحوار الليبي من عاصمة إلى عاصمة حتى استقر في الصخيرات، انبثق عن هذا الحوار المضني اتفاق الصخيرات السياسي، وفجأة ظهر اسم المهندس الكهربائي فايز السراج لرئاسة المجلس الرئاسي من مكان غير متوقع أو منظور، ولم يكن اسمه مطروحا للمنصب من قبل الأطراف الليبية المشاركة في التفاوض.

بعد شد وجذب حضر السراج إلى برلمانه في طبرق واكتمل النصاب القانوني، لأن مدة ولاية البرلمان انتهت ولا سبيل للتمديد إلا عبر هذا الاتفاق، ووافق البرلمان على الاتفاق بشروط: تضمينه في الإعلان الدستوري، ومراجعة المادة الثامنة المتعلقة بالجيش وقياداته، وعلى أن يقدم حكومته لتنال موافقة البرلمان، قدم السراج حكومة موسعة رفضت من البرلمان، لكن مديري المسألة اعتبروا هذا الاجتماع ترخيصا للمجلس الرئاسي المتكون من سبعة أعضاء، أخذ السراح ترخيصه وغادر طبرق ولم يرجع أبدا إلى طبرق أو المنطقة الشرقية عموما حتى كتابة هذه السطور، قاطع نائبا المجلس الرئاسي من الشرق ومن الزنتان، القطراني والأسود المجلس، وبسرعة اعترف المجتمع الدولي برمته بالمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التي تشكلت دون أن تأخذ موافقة البرلمان أو تؤدي القسم، ورغم أن الاتفاق لم يُضمّن في الإعلان الدستوري ولا المادة الثامنة روجعت. سياسة الأمر الواقع أصبحت هي الاستراتيجية ما أدى إلى انقسام حقيقي، بقايا من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته تنادوا وشكلوا المجلس الأعلى الاستشاري وسموه (المجلس الأعلى للدولة)، وظهرت تقارير أممية تتحدث عن فساد بالمليارات، وكان الجيش في هذه الفترة يخوض حربه ضد الجماعات الإرهابية في بعض مدن الشرق ويدافع عن الهلال النفطي ضد الميليشيات الإرهابية.

بعد معارك شرسة ودمار في بعض المدن سيطر الجيش على الهلال النفطي وبنغازي ودرنة، وواصل معاركه في الجنوب الليبي، إلى أن وصل إلى مشارف طرابلس، بعد 8 أشهر من معارك الاستنزاف والتضييق على الجماعات المسلحة التي تسيطر على العاصمة وبعض المدن الأخرى، وعملية خاطفة أحكم سيطرته خلال ساعات على مدينة سرت، ذهب السراج إلى أردوغان الذي خسر معاركه في سوريا للاستنجاد به، وقعت اتفاقيات الحدود البحرية والدعم العسكري والأمني، أردوغان اعتبر تدخله في ليبيا دفاعا عن منطقة نفوذ سابق وعن إخوة له في ليبيا، وعن طريق مطارات تركيا تقاطر بقايا المعارضة السورية التي تتحكم فيها جماعة الإخوان المسلمون على ليبيا بعد أن يئسوا من إمكانية إسقاط النظام السوري، بعضهم يريد أن يجاهد وبعضهم يريد أن يفر إلى أوروبا من الشواطئ الليبية وكان الدولار سيد اللعبة، تحولت المعركة من معركة بين الجيش والجماعات المسلحة في طرابلس إلى معركة مع المخطط التركي الذي دمر مثيله سوريا. فجأة كان لقاء موسكو للاتفاق على وقف إطلاق النار، وقع السراج ومن معه مباشرة ولم يوقع القائد العام للجيش الليبي. وتم تسريع وتيرة انعقاد مؤتمر برلين الذي أُجِّل أكثر من مرة ليكون يوم 19 يناير 2020، انعقد المؤتمر وخرج ببيان إنشائي، شبيه تماما لبياناتهم في المسألة اليمنية والسورية التي ليس لها علاقة بما يحدث فعلا فوق الأرض. .

مؤتمر برلين باختصار: اجتماع عاجل حضرته الدول العلمانية الكبرى من أجل إنقاذ حكم الجماعات الإسلامية في ليبيا!!!. وخطوة أخرى لتمكين سياسة الأمر الواقع ووضع الأزمة الليبية في إفريز.

أما غسان سلامة الذي مل من المسألة الليبية فلا يريد سوى حقنها بمسكن مؤقت والمضي في حال سبيله.

عن موقع "218tv"

للمشاركة:

باريس تواجه تحديات جهادية جديدة في الساحل الأفريقي.. ما أبرزها؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-27

ترجمة: مدني قصري


بعد 7 أعوام من قرار فرانسوا هولاند بإرسال جنود فرنسيين إلى شمال مالي بهدف منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على البلاد، حان الوقت لإعادة تحديد وتوضيح أهداف عملية "برخان".
لقد شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد، والحاجة إلى تغيير مخططاتهم ومجالات تدخلهم، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده قادة منطقة مجموعة الخمس G5، في باو، في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، في سياق يزداد تعقيداً وخطورة بالنسبة لفرنسا.

شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد
كانت بداية القمة، التي كان من المقرر انعقادها أصلاً في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2019، جد سيئة؛ حيث جاءت في أعقاب مقتل 13 جندياً فرنسياً في المعركة، في 25 تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، وكان لدى رؤساء الدول الأفريقية انطباع سيئ حول استدعاء إيمانويل ماكرون لهم إلى مدينة باو بجنوب غرب فرنسا، الحامية العسكرية التاريخية، لأجل 7 من الضحايا، في حين تشجب جيوشهم مئات الوفيات.

التهديد الجهادي يبعث على المزيد من القلق فهو متجذر بين السكان الأصليين وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد

وتمّ تأجيل الاجتماع أخيراً، بعد هجوم شنّه الجهاديون في شهر كانون الثاني (يناير) الجاري على ثكنات نيجيرية؛ حيث أعاد الزعماء الأفارقة الخمسة تأكيدهم على طلب فرنسا بالتدخل لإعادة تعريف أهداف "برخان"، من جهة، والرغبة في التوسع إلى شركاء جدد في الاجتماع، من جهة أخرى.
إنّ تخفيف حِدة التوترات التي يغذيها الخطاب المعادي للفرنسيين في بلدان الساحل ليس مجرد وهم؛ فلم تعد المسألة تتعلّق بمنع الجهاديين الأجانب من بناء ملاذ في شمال مالي، بل باتت تتعلّق بالقتال ضد المقاتلين المحليين الذين يستخدمون الخطاب الإسلاموي لفرض سيطرتهم على السكان والاستيلاء على السلطة في 3 دول. ويبعث التهديد على المزيد من القلق، فهو متجذر بين السكان الأصليين، وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد في بعض الأحيان، مما يضع الجيش الفرنسي في وضع مربك ومعقد.
الفخ يزداد انغلاقاً
السلفيون في الساحل، حتى لو صَدمت مفاهيمُهم الدينية التقاليدَ المحلية، فإنّهم يستغلون النزاعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، ويشككون في الأرباح التي يستمدها الزعماء التقليديون من السيطرة على ما يأتي وما يخرج من بضاعة وأشياء أخرى؛ بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والمهاجرين والمخدرات، كما يستغل السلفيون شعور الظلم الذي تشعر به الفئات المحرومة من السكان، حيث يتهم الجهاديون، القوى المركزية بالفساد ويتهمون الحكام الأفارقة بالعجز عن ضمان الحد الأدنى من صلاحيات الدولة؛ الأمن والعدالة والصحة والتعليم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟
كيف يمكن أن يحكم الجنود الفرنسيون مثل هذه النزاعات المحلية دون أن يكونوا شركاء مع الأنظمة الفاسدة التي لا تحظى بالشعبية؟ تأمُل باريس الخروج من هذه النزاعات من خلال مغادرة شمال مالي - حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية - ومن ثمّ إعادة الانتشار في منطقة ليبتاكو، على حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث يتركز التهديد الآن.

يود الجيش الفرنسي منع جماعة "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (EIGS)  من أن تتجذر أكثر في ما يُسمى بمنطقة الحدود الثلاثة، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث الوضع الأمني الأكثر تدهوراً، ويقول الجنرال لوكنتر إنّه "اليوم، في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع". وإن قامت عملية برخان بتعبئة 4500 رجل رسمياً، فهناك حوالي 2000 فقط موجودون بالفعل على الأرض.

تأمل باريس الخروج من هذه النزاعات بمغادرة شمال مالي حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية

ومنذ بدء العملية الفرنسية في مالي، كان عام 2019 أكثر الأعوام دموية؛ بحصيلة 1500 قتيل عسكري من جانب الجيوش المشاركة، و 4000 ضحية مدنية.
مع ذلك، فقد بدأ الفخ ينغلق؛ ففي حين يزيد الاستمرار في القتال من خطر التورط في الوحل والتعرض للجيوش المحلية، إلّا أنّ الانسحاب سيكون أسوأ من ذلك، حيث سيدفع بلدان الساحل وسكانها إلى الفوضى وإلى قبضة الديكتاتورية الدينية، مع ما يترتب على ذلك من آثار فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب.
ويحتاج الأمر إلى أكثر من قمة واحدة لمجموعة الخمس، حتّى يتم إزالة سوء التفاهم حول فوضى ساحلية ليس لها حلول جيدة دون دعم بناء الديمقراطيات الأفريقية التي تحترم أخيراً جميع السكان.
"الحرب في الساحل لا يمكن كسبها بواسطة قوة غربية"
قام كل من جان ميشيل ديبرات، وسيرج ميخايلوف، وأوليفييه لافكورك، بتحليل سبب نجاح عملية "برخان" في كسب جميع المعارك وخسارة الحرب ضد الجهاديين الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
في معرض حديثه في صحيفة لوموند، خرج الجنرال برونو كليمان - بولتي، عن الصمت بشأن التدخل الفرنسي في الساحل، وإن اتبعنا تحليله، دون تغيير النهج، فإنّ فرنسا بصدد خسارة الحرب، ليس لأنّ قوة "برخان" مُهدّدة من قِبل ما يشبه "ديان بيان فو" في الرمال، ولكن لأنّ التاريخ يعلمنا أنّ الجيش يمكن أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب، إذ على الرغم من نجاحاته التكتيكية، لا يستطيع منع العدو من تحقيق أهدافه.

ومنذ عام 2017، توسعت مجالات نشاط الجهاديين الإسلاميين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتضاعفت عملياتها، حيث يمثّل الهجوم والاستيلاء على موقع إنديليمان عام 2019، والذي قُتل فيه 49 جندياً مالياً، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتدمير موقع إيناتيس Inates في 17 كانون الأول (ديسمبر)، والذي كبّد الجيش النيجيري خسائر فادحة (71 قتيلاً و30 مفقوداً)، برهاناً على القدرات العسكرية الجهادية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
ولا تُمثّل الحرب في الساحل نزاعاً بسيطاً يستطيع أن يُنهيه اتفاق الجزائر؛ فالتقدم الجهادي الإسلامي في مالي وبوركينا يمكن أن يزعزع استقرار غرب أفريقيا. أولاً؛ في ساحل العاج حيث لا يمتلك الجيش مصداقية كبيرة، فضلاً عن التنافسات العرقية الشرسة، إذ ستجد الدولة نفسها في انتخابات محفوفة بالمخاطر عام 2020، وستؤدي سيطرة الجهاديين على طرق الصحراء، في النهاية، إلى توسيع الاتجار بالكوكايين والأسلحة والمهاجرين الذين سيتسلل إليهم إرهابيون، عاجلاً أم آجلاً.
أطروحات المؤامرة
على أرض الواقع، يُنظر إلى النزاع بشكل متزايد على أنّه مواجهة عرقية بين مزارعي بامبارا أو دوجون أو موسِي ضد رعاة شعب الفولاني (1)، الذين تم دمجهم على عجل مع الجهاديين. وتشعر السلطات المحلية بالضيق من العدو الذي يحتفظ بالمبادرة ولا تفهم ما يرون بأنه فشل عملية "برخان"، كما تزدهر أطروحات المؤامرة حول لعبة مزدوجة من قبل فرنسا، أكثر فأكثر، حيث يعدّ شعب الفولاني كبش فداء مثالي، فيما يدعو المتطرفون بالفعل إلى القتل، وقد يجد جنود فرنسا أنفسهم في خضم تصفيات الحساب العرقية.
بالنسبة للجيش الأجنبي، فإنّ إجراء عمليات مكافحة حرب العصابات بحثاً عن عدو يختبئ بين السكان أمر صعب للغاية، والإخفاقات في فيتنام وأفغانستان تذكرنا بذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
ولا يمكن كسب الحرب في الساحل، التي لم تعد تتطور الآن في شمال مالي شبه المهجور ولكن في قرى وسط مالي وشمال بوركينا، بواسطة قوة غربية، كما يمنع فشل الأجهزة الحكومية في الدولتين تنفيذ إستراتيجية لطخة الزيت (التي تنتشر بسرعة) الغالية على فكر جالياني (2)، والتي تشهد الإدارة وهي تستعيد تدريجياً سيطرتها على المناطق الآمنة في "برخان" (مالي)، ولن يغيّر تدخل القوات الخاصة الأوروبية من الوضع شيئاً.
إذا أرادت فرنسا أن تتجنب الخروج من المنطقة يوماً ما تحت ضغط شعبي، يجب عليها أن تراجع طرائق وجودها، مراجعة كاملة، وأن توافق على ترك المركز الأول للجهات الفاعلة المحلية، هذا ما قاله الجنرال كليمنت - بوليه.


مصدر الترجمة الفرنسية:

www.lemonde.fr


الهوامش:

1- الفلان شعب يقطن مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي، والحجاز ويشكلون أقلية في كل دولة يسكنوها (باستثناء غينيا)، لذا يتحدثون لغات أخرى بجوار لغتهم الأم، ولديهم ثقافة خاصة مميزة. وجلّهم من المسلمين.
2-  جوزيف سيمون غالياني (بالفرنسية: Joseph Simon Gallieni)  قائد عسكري فرنسي ( 1849- 1916 ) شارك في بداية الحرب العالمية الأولى.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية