الواقع المعزّز: سحر التكنولوجيا الجديد.. ماذا تعرف عن هذه التقنية؟

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
2214
عدد القراءات

2018-12-06

بحكم بحثها المبكر والدائم عن كل جديد ومثير يجتذب المشاهدين خرجت هوليوود عام 1945 بمشهد ضمن فيلم Anchors Aweigh  يظهر فيه الفأر جيري الشخصية الكرتونية الشهيرة وهو يراقص الممثل جين كيلي.

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا والثقافة: من يخلق الآخر؟

ربما يكون هذا المشهد، الذي لم تزد مدته على ثلاث دقائق، أول تطبيق للواقع المختلط  Mixed Reality الذي تتحرك فيه أجسام افتراضية ضمن بيئة حقيقية، وهو ما سيتطور بعد عقود إلى تقنية ستسمى الواقع المعزَّز (augmented reality).

 

 

ولّت أيام الخيال العلمي

يعرَّف الواقع المعزَّز (AR) اليوم بأنّه تقنية تفاعلية تشاركية تزامنية تستخدم الأجهزة السلكية واللاسلكية لإضافة بيانات رقمية للواقع الحقيقي بأشكال متعددة الأبعاد؛ أي إنها تسمح بشكل فوري بدمج الواقع المحيط بمعلومات افتراضية تعزز إمكانيات المستخدم وتعينه على اتخاذ القرارات وتسهّل مهامه.

الباحث في شركة بوينغ توم كادول أول من ابتكر اسم هذه التقنية وطبقها عملياً

لقد ولّت الأيام التي كان يقتصر فيها الواقع المعزَّز على روايات الخيال العلمي والأفلام؛ حتى إنّه يمكن لجميع مستخدمي الهواتف الذكية الاستمتاع بهذه التكنولوجيا بتكلفة رمزية.

لقد وسعت تكنولوجيا (AR) تدريجياً من أبعادها، ودخلت مختلف المجالات مثل؛ الأبحاث العسكرية، الطبية، التعليم، السلامة العامة والفنون والهندسة المعمارية، ولكن لا بد من التمييز بينها وبين تقنية أخرى أكثر شيوعاً مشابهة لها؛ ألا وهي الواقع الافتراضي (Virtual Reality) الذي يحجب كل المحيط الحقيقي المحيط بالمستخدم ويصبح المجال المشاهد هو الواقع الافتراضي الذي تقدمه النظارات وأجهزة العرض، أما تقنية الواقع المعزَّز فتستخدم الواقع الحقيقي المحيط بالمستخدم وتضيف عليه (تعزِّزه) بصور أو نصوص حسب التطبيق المستخدم.

استخدام التقنية في مجال الأثاث

أول تطبيق لعالَم رقمي

تعود جذور هذه التقنية إلى الستينيات مع أبحاث الأمريكي إيفان سذرلاند خلال عمله بمختبر "لينكولن"، بالغ السرية، التابع لمعهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا في تطوير منظومة الدفاع الجوي الأمريكية لتعقب الطائرات الروسية خلال الحرب الباردة، وحينما أصبح سذرلاند أستاذاً للهندسة بجامعة هارفرد العام ١٩٦٨، ابتكر بالتعاون مع طالب الدراسات العليا روبرت سبرول نموذج (Damocles Sward) أول منظومة للواقع المعزَّز مزودة بشاشة للرأس، ومن خلال مستشعرات لتتبع حركات رأس المستخدم في الفراغ، تتغير الصور البصرية التي يشاهدها المستخدم بحسب حركته بإضافة أشكال ثلاثية الأبعاد إلى الصورة العامة.. كان ذلك أول تطبيق لعالَم رقمي.

اقرأ أيضاً: هل ستقلص التكنولوجيا مدة الدراسة الجامعية؟

ويعد الباحث في شركة بوينغ توم كادول، بالتعاون مع ديفيد ميزل، أول من ابتكر اسم هذه التقنية وطبقها عملياً وذلك في العام 1990 من خلال شاشة عرض رقمية تمزج الرسومات الافتراضية مع الواقع الفيزيائي، وكانت ترشد العمّال أثناء عملهم على تجميع الأسلاك الكهربائية لصناعة الطائرات، بارتداء جهاز يلبس على الرأس.

إمكانيات تعليمية غير محدودة

مع دخول الألفية الجديدة أخذت هذه التقنية طريقها للتطبيق تدريجياً لتشمل مختلف القطاعات، خاصة التعليمية؛ بإمكانات غير محدودة؛ ففي العام 2010 موّل الاتحاد الأوروبي مشروع (iTacitus.org) لتعليم تاريخ القارة عن طريق تركيز عدسة الهاتف الجوال على بعض المناطق التاريخية لتظهر للزائر الأحداث المصاحبة لتلك المنطقة.

تعود جذور هذه التقنية إلى الستينيات مع أبحاث الأمريكي إيفان سذرلاند

كما بدأت الكتب المعزَّزة (augmented books) تأخذ موقعها في التعليم، بتطوير منشورات تحتوي على عناصر من الواقع المعزَّز بحيث لو تم تسليط الكاميرا عليها فإنّ هذه العناصر تنبض بالحياة.

وفي المجال الطبي نجد أنّ الواقع المعزَّز يمكن استخدامه كأداة تدريبية وتصورية في العمليات الجراحية؛ حيث يجمع المعلومات ثلاثية الأبعاد للمريض ويعرضها في البيئة الحقيقية من خلال مجسات عدة، عدا ذلك يمكن للطبيب الولوج إلى معلومات المريض بشكل متزامن مع إجرائه العملية الجراحية.

وقد بدأت بعض الجامعات باستخدام نظارات الواقع المعزَّز كأدوات تدريبية في العمليات الجراحية، من خلال عرض مجموعة من المجسمات والمعلومات بطريقة ثلاثية الأبعاد في البيئة الحقيقية، وذلك بهدف تسهيل مهمة الجرّاح وإجراء العمليات بدقة أكبر.

استخدام تقنية الواقع المعزز في مجال السيارات

ونجد أنّ تقنية الواقع المعزَّز قد وفرت الإمكانية لاستخدام مواد افتراضية وخلطها في العلوم التطبيقية كالكيمياء دون الحاجة لوجود هذه المواد أو حتى المختبرات.

تطبيقات صناعية وعسكرية

وفي المجال الصناعي تستخدم شركة "بي إم دبليو" الألمانية تكنولوجيا الواقع المعزّز لتعليم فنيِّيها تقنيات جديدة في إصلاح السيارات؛ حيث يرتدون نظارات خاصة مزوَّدة بسماعات وميكروفونات تعرض صوراً متحركة لمهام صيانة روتينية على الأجزاء الفعلية التي يعملون عليها، ويتقدم العامل إلى كل خطوة من العملية بمجرد قوله "الخطوة التالية" في الوقت الذي يقرأ فيه صوت أنثوي تعليمات عملية الصيانة.

اقرأ أيضاً: "السلاح المثالي": تكنولوجيا الدمار في عصر الإنترنت

وتطبيق هذه التقنية في عالم السيارات لا يقتصر على "بي أم دبليو"؛ فنجد مثلاً شركتي "فورد" و"فولكس فاجن" تستعينان بتقنية الواقع المعزًّز في تصميم مركباتهما في محاولة لتشجيع الإبداع والتحفيز على التعاون.

بدأت جامعات باستخدام نظارات الواقع المعزِّز كأدوات تدريبية في العمليات الجراحية

ويجري حاليّاً تطوير تكنولوجيات واقع معزّز مشابهة من أجل الكتيبات الإرشادية الافتراضية بالمتنزهات الوطنية، وإجراء الجراحات بالاستعانة بالروبوتات، فضلاً عن ممارسة ألعاب الفيديو التي تجمع بين العوالم الافتراضية والعالَم الحقيقي.

وكشفت شركة LimpidArmor الأوكرانية في نهاية العام 2016 بالتعاون مع مايكروسوفت عن أول خوذة قتال تستفيد من نظارات الواقع المعزّز، والخوذة الجديدة ستمنح القادة على الأرض أو في الدبابات مجال رؤية أوسع بزاوية 360 درجة، مع مزايا مثل؛ تتبع الهدف والكشف الحراري عن الأشياء القريبة، وأيضاً يمكن أن تقوم بمهام الطائرة بدون طيار أو حتى التواصل معها للقيام بالضربات الجوية في الوقت الحقيقي.

الواقع المعزَّز يستخدم البيئة الحقيقية المحيطة بالمستخدم ويضيف عليها افتراضياً

في رحاب الهواتف المتنقلة

قد يكون "لاير" (layar.com) أول برامج الواقع المعزّز وأشهرها على الهواتف الخلوية، لكن تعد لعبة بوكيمون غو (Pokemon Go) التي ابتكرتها شركة نيانتيك وتم إطلاقها في صيف العام 2016 لأجهزة أندرويد و آي أو أس، التطبيق الأبرز الذي سلط الضوء على هذه التقنية من خلال هذه اللعبة التي اكتسحت العالم، وتقوم فكرتها على أساس قيام المستخدم بالبحث عن شخصية بوكيمون الافتراضية، بالاعتماد على الخرائط الحقيقية للمكان المتواجد به اللاعب؛ إذ تحدد اللعبة أماكن موجودة في الواقع لشخصية البوكيمون، وعليه سرعة الذهاب إلى موقعه و"التقاطه" قبل أن يختفي.

تعد لعبة "بوكيمون غو" التطبيق الأبرز الذي سلط الضوء على هذه التقنية

وبفضل تكنولوجيا الواقع المعزّز في نظام iOS 11 أصبح بوسع مستخدمي أجهزة آيفون وآيباد الاستمتاع بتطبيقات ذات تجربة جديدة ومختلفة ومليئة بالمتعة، فإذا كنت من محبي منتجات آيكيا السويدية الشهيرة، فقد وفرت هذه الشركة تطبيق IKEA Place المتوفر أيضاً على متجر جوجل بلاي، ويتيح إضافة منتجات آيكيا الحقيقية في أي مكان داخل المنزل أو أي مكان ومعاينتها افتراضياً، ويضم التطبيق مجموعة من النماذج الحقيقية ثلاثية الأبعاد مثل؛ الأرائك والطاولات والسجاد وقطع الأثاث وغيرها.

اقرأ أيضاً: رغم إعاقته.. مقاتل سوري سابق يطور تطبيقاً لدعم المكفوفين!

وثمة تطبيقات خلوية أخرى توفر إمكانية قياس المسافات والأحجام والنماذج ثلاثية الأبعاد بكل سهولة، ومنها ما يتيح إضافة الصور المجسمة لأشخاص حقيقيين أو للحيوانات في الواقع من حولك والتقاط الصور والفيديوهات لمشاركتها مع الأصدقاء.

حاسة واحدة لا تكفي

بناء على الأمثلة السابقة، قد يعتقد البعض أنّ تطبيق هذه التقنية يتم بصرياً فقط من خلال نظارة أو شاشة جهاز محمول، لكننا نمتلك حواس أخرى غير البصر، والواقع المعزّز تقنية لا تقتصر على تعزيز المحيط المرئي؛ بل إنها تشمل تعزيز حواس أخرى مثل؛ السمع، الشم، التذوق واللمس، ولكل حاسة من هذه الحواس جهاز عرض ملائم لها.

تعلِّم "بي إم دبليو" فنيِّيها تقنيات جديدة بإصلاح السيارات باستخدام الواقع المعزَّز

وفي هذا السياق أعلنت 3 شركات هي: Ultrahaptics و ZeroLight و Meta عن تكنولوجيا تشمل ثلاثاً من الحواس الخمس (الرؤية والسمع واللمس) من أجل خلق شكل أكثر تفاعلية وشمولاً لتقنية الواقع المعزّز، وأتيحت هذه التجربة الفريدة للزائرين في "CES 2018" أكبر معرض للتقنية في العالم الذي أقيم في لاس فيغاس الأمريكية في كانون الثاني (يناير) الماضي؛  حيث أمكن للمستخدمين تركيب سيارة من طراز Pagani Huaya، أو تفكيكها لرؤية مكوناتها عن قرب، وحتى الشعور بالاهتزازات القوية لمحرك V12 AMG باستخدام التغذية المرتدة اللمسية.

لا تقتصر هذه التقنية على تعزيز المرئيات بل إنها تشمل حواس أخرى

من المؤكد أنّ هذه التكنولوجيا الناشئة من أبرز معالم المستقبل، لكن ثمة بعض الصعوبات التي تعيق انتشارها بشكل كبير، منها أنها تتطلب قدرة معالجة عالية بأجهزة تكون سهلة الحمل والاستخدام تسمح بمعالجة المعلومات المستقاة من الواقع المحيط وتعززها بمعلومات افتراضية خلال زمن يقارب الصفر (الزمن الحقيقي)، فضلاً عن عدم تقبل بعض المستخدمين لهذه التقنية والمساعدة على نشرها بحكم ثقافتهم التقليدية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: