بماذا تنبئنا تفجيرات إيران الأخيرة؟

بماذا تنبئنا تفجيرات إيران الأخيرة؟

مشاهدة

11/07/2020

تتوالى منذ أواخر حزيران (يونيو) الماضي تفجيرات متزامنة استهدفت قطاعين وهما: منشآت نووية في أصفهان "نطنز"، وتشكيلات للحرس الثوري الإيراني ومواقع تصنيع وتطوير أسلحة صاروخية، وهي قطاعات مستهدفة من قبل خصوم إيران، وعنوان خلافاتها مع الغرب، وخاصّة الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى حلفاء أمريكا في الإقليم، ومن غير المعروف لا الجهة التي تقف وراء تلك التفجيرات، ولا إلى أي مدى ستستمر، وفيما إذا كانت ستطال أهدافاً جديدة.

يكتنف هذه التفجيرات حالة من الغموض في ظلّ عدم اعتراف السلطات الإيرانية بحقيقة ما جرى

 يكتنف هذه التفجيرات حالة من الغموض في ظلّ عدم اعتراف السلطات الإيرانية بحقيقة ما جرى بين روايات رسمية تشير إلى أنّ تلك التفجيرات سببها أعطاب في خطوط إمدادات الغاز، وروايات شبه رسمية تشير إلى أنّ هجوماً سيبرانياً شنّته قوى معادية "أمريكا وإسرائيل"، وإعلان مجموعة معارضة لم تكن معروفة سابقاً "نمور الوطن"، مسؤوليتها عنها، بالتزامن مع حالة عدم وضوح في تصريحات أمريكية وأخرى إسرائيلية، لا ترتقي لدرجة الاعتراف بالمسؤولية عن التفجيرات والوقوف وراءها بشكل مباشر أو غير مباشر.

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي: الجزيرة القطرية تدعم إيران والتطرف

ورغم ذلك فإنّ سياقات هذه التفجيرات وتزامنها وكونها وقعت داخل إيران، وليس ضدّ مصالحها أو وكلائها خارج حدودها، تزيد احتمالات أنّها جاءت في سياق خطط أمنية واستخبارية تم تنفيذها بدقة، وتنفي الرواية الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية المرتبكة، وخاصة أنّها استهدفت منشآت عسكرية تتبع للحرس الثوري تعمل على تطوير قذائف صاروخية، وموقعاً يتمّ فيه تطوير أجهزة الطرد المركزي لزيادة نسبة اليورانيوم المخصّب، بعد إعلانات إيرانية متواترة حول تحدّي المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة بزيادة نسب التخصيب، بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، وفشل رهانات إيرانية على أوروبا باتخاذ مواقف لصالح إيران، بالإضافة إلى عدم الموثوقية بالروايات الإيرانية التي تتمّ صناعتها في أطر إعلامية أمنية عنوانها التستر على كل شيء ونفي صحة كل شيء؛ أعداد الإصابة بكورونا، حادثة الطائرة الأوكرانية ومسؤولية الحرس الثوري عن إسقاطها، وغيرها من الشواهد.

اقرأ أيضاً: ما الصورة التي يحملها العرب عن إيران؟

إنّ عدم الاعتراف المباشر من قبل إسرائيل والولايات المتحدة عن تلك التفجيرات لا ينفي حقيقة أنهما الطرف الأول المحتمل بالوقوف وراءها، وخاصة أنّها تتزامن مع ضربات موجعة لامتدادات ووكلاء الحرس الثوري خارج إيران، في العراق وسوريا، اللتين تشهدان محاكمة قاسية للوجود الإيراني، في مستوياته العسكرية والأمنية، وهي ضربات غير بعيدة عن "انتفاضة " الدولة الأمريكية العميقة ضدّ الصين وروسيا وحلفائهما وعلى رأسهم إيران.

اقرأ أيضاً: الدعم الإيراني لتركيا في ليبيا: تحالف مشبوه على ثروات المتوسط

الاختراق الاستخباري الواسع لأمريكا وإسرائيل للساحة الإيرانية، وعبر المصادر البشرية والفنية يفتح الباب على سيناريوهات متعددة لكيفية تنفيذ التفجيرات، ما بين هجمات سيبرانية أو عبر طائرات مسيّرة أو من خلال عملاء قاموا بزرع المتفجّرات داخل المنشآت التي تم استهدافها، وجميعها احتمالات واردة، فقد سبق لعملاء إيرانيين أن أخرجوا آلاف الوثائق عبر شاحنات كانت تجوب طهران عام 2018 لصالح الموساد الإسرائيلي.

وبمعزل عن سيناريو تنفيذ تلك الهجمات الذي سيتم الكشف عنه لاحقاً من قبل مصادر تنفيذه، فإنّ تلك التفجيرات، وبالسهولة التي نُفذت بها، تطرح جملة من التساؤلات المرتبطة بحقيقة الأوضاع الأمنية والعسكرية في إيران، وإذا كانت بتلك الهشاشة لدولة تستعدّ لمواجهة القوة العسكرية للولايات المتحدة، وتمتد برامجها العسكرية من تطوير البرامج الصاروخية والنووية حتى غزو الفضاء، وفيما إذا كان غياب قاسم سليماني وتداعيات هذا الغياب قد أنتجت حالة من الضعف داخل مؤسسة الحرس الثوري الإيراني، والرد الإيراني المحتمل فيما إذا كان سيكون ضد إسرائيل عبر هجمات سيبرانية أو صاروخية تنطلق من سوريا ولبنان، أو ضد القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وخاصة بالعراق وشرق سوريا، أو ضد المنشآت النفطية السعودية؟.

اقرأ أيضاً: القمار والاتجار بالبشر.. ملاذ مليشيات إيران بالعراق من الإفلاس

إنّ المقاربة التي تزعم أنّ تلك التفجيرات تشير إلى تغيير في قواعد الاشتباك بنقل الاستهداف إلى الداخل الإيراني، بالتزامن مع حروب الوكلاء في العراق وسوريا وغيرها من مناطق الصراع، تبدو واقعية إلى حد كبير، إلا أنّ الأهم في الرواية الإيرانية ومزاعم أنها وقعت بسبب أعطال فنية في إمدادات الغاز مدعاة لجيران إيران، وخاصة دول الخليج، للاحتجاج على برامجها النووية التي لا تتصف بالكفاءة وغير القادرة على تحقيق أدنى درجات السلامة والأمن للشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة، حتى وإن بدّدت القيادة الإيرانية الشكوك الدولية بأنّ تلك البرامج ليست للاستخدامات العسكرية وإنتاج قنابل نووية، فتداعيات حادثة تشرنوبل الروسية عام 1986 ما زالت قائمة.

عدم الاعتراف المباشر من قبل إسرائيل وأمريكا عن تلك التفجيرات لا ينفي حقيقة أنهما الطرف الأول المحتمل بالوقوف وراءها

وإلى ذلك، فإنّ التساؤلات ستبقى قائمة فيما إذا كانت هذه التفجيرات ستزيد احتمالات كونها تأتي في سياقات الصفقة الإيرانية-الأمريكية المفترضة في إطار الضغط على القيادة الإيرانية في ملفات تدخلاتها الإقليمية عبر الحرس الثوري، وبرامج تطوير الصواريخ والصناعة النووية، ولا سيّما أنّ كافة المعطيات تشير إلى أنّ القيادة الإيرانية تواصل تلقي الضربات في مناطق نفوذها الخارجية وفي الداخل الإيراني، ويبدو أنّ رهاناتها على تغيير في السياسات الأمريكية تجاهها المبنية على تغيير محتمل في البيت الأبيض أصبحت موضع شكوك عميقة، وهو ما يجعل احتمالات قبول صفقة ما أقرب إلى الواقع، وهو ما يجب أن يتنبّه له خصوم إيران في المنطقة.

الصفحة الرئيسية