تاريخ الإخوان كما كتبوه: نور بدّدته ظلمة الجماعة (4)

تاريخ الإخوان كما كتبوه: نور بدّدته ظلمة الجماعة (4)

مشاهدة

26/12/2021

ضمن استعراض مؤرخي الإخوان للموجات التي سبقت ظهور جماعة الإخوان وأثّرت من وجهة نظرهم في تكوين وتوجهات المجتمع المصري، مثل نمو الروح القومية ونمو الروح العسكرية، التي استجلبت إعجاب البنا بالحركات الشمولية والفاشية، رصد المؤرخون أيضاً عدداً من العناصر المهمة التي شكّلت وعي المجتمع ونخبه وطليعته بالفعل، بما كان يؤشر لنهضة قومية واسعة تضع مصر على المكان الصحيح كأمة متقدمة تلحق بالعصر لو أتيح لهذا التيار أن يمرّ دون معوقات أو يقطع طريقه قاطع.

فما هي تلك الموجات الإيجابية؟

تجسّدت تلك الموجات كما رصدوها في زيادة الاهتمام بفكرة المجتمع الدولي، وظهور الفكر الاشتراكي وسيادة الاتجاه العلمي، لكن ضمن تلك الموجات ظهرت، وفق تعبيرهم، موجة عاتية من الانحلال الخلقي ليس لها مثيل من قبل.

اقرأ أيضاً: تاريخ الإخوان كما كتبوه: قراءة بين السطور (1)

كان بروز الاهتمام بفكرة المجتمع الدولي انعكاساً إيجابياً لما خلف الحرب العالمية الأولى من دمار وموت، وإدراك دولي متعاظم لأهمية التعاون بديلاً عن الصراع، ورغم أنّ الفكرة تبدو إيجابية، وكان من المفترض أن تقيم بشكل إيجابي، لكنّ الإخوان كانوا يرون هذا التأثير في تجلياته مصرياً تأثيراً سلبياً، يقول مؤرخهم: "تأثّر مفكّرون وأرباب قلم كثيرون بفكرة المجتمع الدولي والوطن العالمي، وبدأ هذا التأثر عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، فتجاوب مع الفكرة سلامة موسى، فكتب في مجلة (كلّ شيء).. علينا أن ندخل في غمار الدعوة العالمية، وأن نتطور من وطنية القطر إلى وطنية العالم، كما يجب علينا أن نؤلف للنشء المناهج التي تحببه في هذه الفكرة، وقد ردّ عليه ساطع الحصري، كبير دعاة القومية العربية في مجلة التربية والتعليم العراقية، بقوله: وهل يجوز للمصري خاصة والعربي عامة أن يصغي للسلام وحقوقه مهضومة وجميع بلاده تحت الاحتلال".

ماذا يقصد الإخوان بتيار الانحلال الخلقي الذي قرنوه بمحاولة علمنة مصر، في ربط ماكر بين بعض مظاهر اجتماعية تأتي في النهاية لوناً من ألوان المراهقة النفسية؟

لم يلتفت مؤرّخو الجماعة أو منظّروها لتنوّع الآراء بين مفكري الأمة وتباين تقديراتهم، بين من يرى أنّ هناك عالماً جديداً يتشكّل ويطرح قيماً عالمية، وأننا يجب أن نهيّئ أجيالنا للتفاعل الإيجابي مع تلك التطورات حتى لا تتجاوزهم، وهو استشراف محمود من مفكّر كان بإمكانه أن يجتهد لأمته عارفاً بالعالم الذي يعيش فيه، مقابل جماعة تنتمي للماضي وتحاول  فرض ظلّه الثقيل على المستقبل، دون وعي بحركة التاريخ وتطور المجتمعات والأمم، لا تبدو الجماعة مدركة هنا لمستوى الحيوية في الحوار بين مفكري الأمة وقبولهم للخلاف في الرأي والتقدير، فضلاً عن لغة الحوار الراقية بينهم، التي تعكس الواقع الاجتماعي والفكري المتقدم، رغم ظروف الاحتلال وغياب الاستقلال، الذي لم يمنع هؤلاء من أن يكون لهم استقلال عقلي وفكري يمكنهم من إبداء آرائهم بهذا الشكل.

اقرأ أيضاً: تاريخ الإخوان كما كتبوه: الاستسلام للوهم (2)

 هذا الأمر كان نتاجاً طبيعياً لما أسماه الإخوان بسيادة الاتجاه العلمي، الموجة الإيجابية التي حاصر الإخوان آثارها في الواقع بالدعوة للدخول للمستقبل عبر بوابة الماضي، عبر ترديد مغرض لما نسب للنبي الكريم من أثر يقول إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، والإشارة هنا للقيم وليست للأطر والأشكال التي تبقى استجابة متغيرة بتغير العصور والدهور، لكنّ الإخوان لا يحفلون بهذه الموجة، وبطبيعة الحال، هم ناقضوها وعاكسوا منطقها في الحياة المصرية، تأمل إشارتهم المخاتلة إلى تأثير تلك الموجة: "وقد تأثر المجتمع المصري بهذه الموجات الحضارية المصطبغة بالصبغة العلمية، وحدثت تغييرات جذرية في البناء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي كأثر لهذه الموجات" تعبير محايد ومراوغ لا يقول لنا ماذا فعلوا تجاه تلك الموجة وآثارها؟ هل شجعوا البحث العلمي وأعلوا من شأن العلم والمنطق، أم حاصروها وزاحموا آثارها بالتفكير الرجعي والإحالة للماضي ومعاداة البحث العلمي تحت عنوان حماية القيم والآداب، هذا العنوان البراق الذي رفعوا دعاوى الحسبة من خلاله على كلّ المبدعين وقد اعتبروا كلّ فنون الإبداع ضمن الموجات السلبية التي أثرت في المجتمع مسمّين أربابها وروادها تيار الانحلال الخلقي (ومحاولة علمنة مصر).

تأمّل أسماء كطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ والحكيم وغيرهم، لتدرك دون عناء أيّة بيئة غنية أنتجت لنا هؤلاء وأيّة بيئة أخرى أتت من بعدهم، عندما تسيّد الإخوان وغيرهم

ماذا يقصد الإخوان هنا بتيار الانحلال الخلقي الذي ربطوه بمحاولة علمنة مصر، في ربط ماكر بين بعض مظاهر اجتماعية تأتي في النهاية لوناً من ألوان المراهقة النفسية، التي يتعرض لها المجتمع قبل أن يهضم قيمة الحرية ويتمثل قيمها الحقيقية فيحسن اختيار نموذجه القيمي المناسب في النهاية.

رأى الإخوان بعض الفنون والآداب تحريضاً على الفسق والفجور ودعوة للانحلال؛ حيث عدّوا ظهور المسرح والسينما والإذاعة أدوات للفسق والفجور، هذه الأدوات التي حرصوا على مقاومتها رغم أنّهم استخدموها لاحقاً في الدعاية لأفكارهم، لكنّهم كان يدركون أنّ وجداناً سليماً قد هضم الفنون والآداب يبقى محصناً ضدّ التطرف الذي يدعون إليه؛ لذا اعتبروا تلك الفنون عدوّاً لهم وظلّوا يمارسون لوناً من ألوان الدعاية السلبية في مواجهتها، يقول مؤرخو الجماعة عن ذلك: "تعرضت مصر لموجة عارمة من الانحلال الخلقي والإباحية، واشتدّت هذه الموجة مع بداية القرن العشرين واتخذ الانحلال والإباحية صوراً متعددة، وظهرت كتب وجرائد ومجلات تنضح بهذه السموم، وتدعو المصريين إلى التحلل في النفوس والآراء والأفكار باسم التحرر العقلي "هنا مربط الفرس التحرر العقلي تباً لهؤلاء كيف يدعون إلى التحرر العقلي! وكيف نغسل الأدمغة إذا تحررت وكيف نخدعها ونقودها إلى ما نريد.

اقرأ أيضاً: تاريخ الإخوان كما كتبوه: أمنيات أن يكون البنا كهتلر (3)

ثم يلجأ الكاتب الى الدعاية الصاخبة، كما لو كان يخطب من فوق منبر: "نعم، لقد ظهر الفساد في البرّ والبحر والجوّ، وشاعت الرذيلة دون نكير مؤثر عليها"، ثم يكمل الدراما المتخيلة ويقول: "وفي هذه الظروف المحزنة المبكية كان علماء الشريعة وكانوا متفرقين متناحرين، منهم من أدرك حقيقة الأوضاع الآسنة واستسلم لها، ومنهم من أدرك خطورة الأوضاع الفاسدة، لكنّه يأس من إصلاحها، ومنهم من انشغل بدنياه عن خدمة دينه والعمل له".

نقف هنا لنناقش بهدوء هذا التدليس على الناس، يتصوّر الإخوان أنّ المجتمع المصري في نهاية العشرينيات يرزح في الطين متنكراً لكلّ قيم الدين والخلق، مستسلماً لهذا السقوط المتخيل فقط في وعي الجماعة، فمصر العشرينيات هي التي نتغذى على إنتاجها ومعنا العالم العربي إلى اليوم، هي التي قدمت كلّ الأسماء التي ما تزال مشاعل للتنوير، تأمل أسماء كطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ والحكيم وغيرهم، في كلّ الفنون والآداب، لتدرك دون عناء أيّة بيئة غنية أنتجت لنا هؤلاء وأيّة بيئة أخرى أتت من بعدهم، عندما تسيّد الإخوان وغيرهم مسرح الأحداث لتدرك الفارق بين دولة وطنية ومناخ فكريّ حرّ وصحّي، مقابل دولة انكفأت وخضعت لمنطق التيارات المتطرفة ومشاريعها التي أفقرت الفضاء الفكري والسياسي والاجتماعي وشوّهته تحت دعاوى الدفاع عن الدين وقيمه.

اقرأ أيضاً: 10 سنوات فاصلة في تاريخ الإخوان

يتصوّر الإخوان هنا أنّ المجتمع المصري كان يعاني أزمة هوية وأزمة أخلاق، كان علماء الشريعة في مواجهتها بين مفرط في مسؤولياته تجاه دينه ووطنه مشغول بنفسه، وآخر أدرك الأزمة لكنّه يائس من الإصلاح، أو منخرط في صراع فقهي مع غيره لفته عن إدراك أزمة الأمة التي لم يدركها ويشخّصها بشكل صحيح سوى حسن البنا "الملهم الموهوب" كما أسماه عمر التلمساني.

يصوّر الإخوان البنا في صورة الزعيم الإسلامي المهموم بقضايا أمته المشغول بوضع العلاج، يقولون، نقلاً عنه كما كتب في مذكرات الدعوة والداعية: "وصرت أرقب هذَين المعسكرين؛ فمعسكر الإباحية والتحلل في قوة وفتوّة، ومعسكر الإسلامية الفاضلة في تناقض وانكماش، واشتدّ بي القلق حتى أنّي لأذكر أنّي قضيت نحواً من نصف رمضان هذا العام في حالة أرق شديد لا يجد النوم إلى جفني سبيلاً من شدة القلق والتفكير في هذا الحال".

اقرأ أيضاً: من الدعوة إلى السياسة: تاريخ الإخوان المسلمين في الأردن وأفكارهم

تأمّل حضور الحدّية في التفكير، بالحديث عن معسكرين متناحرين أسماهما: معسكر الرذيلة والمقصود به كلّ المجتمع الذي لا يشارك البنا تصوراته أو مشروعه، ومعسكر الفضيلة الذي يدّعي هو الانتماء له والدفاع عنه.

هذا المجتمع المفعم بالحيوية، الذي يعلي من شأن العقل والمنطق وتتحسس قواه السياسية طريقها لتحرير الوطن، والشعب الذي بلغ وعيه حدّ خروج المواطن البسيط، الذي لا يقرأ ولا يكتب، في مظاهرة للدفاع عن الدستور، الذي كان قضية وطنية اجتمعت عليها القوى الوطنية مع الشارع ضدّ حكومة إسماعيل صدقي، بينما عاكس الإخوان هذا التيار الوطني العارم منتصرين للاستبداد ولحكم الحديد والنار الذي جسّده صدقي، الذي دعمه وامتدحه البنا قائلاً: "واذكر في الكتاب إسماعيل" متمثلاً الآية الكريمة في ابتذال مكشوف.

اقرأ أيضاً: كيف يكشف تاريخ الإخوان في البحرين حقيقة الجماعة؟

لم يظهر الإخوان في هذا التوقيت انتصاراً لقيم دينية أو وطنية أو لقيادة الأمة نحو المستقبل، بل قطعوا طريق دولة واعدة وحاولوا بدأب قطع طريق العلم والأدب والفن، وكلّ وسيلة ترتقي بهذا المجتمع فناصبوا العقل ومنتجاته العداء، مبشّرين بماضٍ لم ينهض بأمتنا، ولم يحمل لها سوى بذور الخلاف والرجعية، مدلّسين على البسطاء بالخلط بين بعض المظاهر الطبيعية للنقص البشري اقتراباً وابتعاداً عن الفضيلة، التي تبقى قيمة نسبية مرتبطة بإيمان الأفراد، حتى إنّ الحديث النبوي الشريف عدّ الإيمان يزيد وينقص، وامتدح الخطّائين حين يتوبون "وخير الخطائين التوابون".

لم تكن مصر خراباً يباباً حين ظهر الإخوان، كما حاولوا أن يخدعوا الناس، بل كانت وطناً مزدهراً بالعلوم والآداب.

اقرأ أيضاً: المسكوت عنه من تاريخ الإخوان المسلمين الدموي في المنطقة

وقد استيقظت على موجات الوعي الذي فجّرته الحملة الفرنسية في مصر لتكتشف ذاتها وشخصيتها وهويتها الحضارية الفريدة، لكنّ هذا الوعي لم تقطعه سوى هذه الموجة الظلامية التي ادّعت أنّها نور أتى ليبدد الظلمة المتوهمة.

الصفحة الرئيسية