كيف يكشف تاريخ الإخوان في البحرين حقيقة الجماعة؟

كيف يكشف تاريخ الإخوان في البحرين حقيقة الجماعة؟

مشاهدة

14/06/2021

إنّ البحث في تاريخ الإخوان ليس رفاهية فكرية ولا نزهة في الماضي، بل هو من أهم موجبات فهم الجماعة حركةً وفكراً، فتفسير ظاهرة انتشارها لا تتم بعيداً عن دراسة الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي صاحبت هذا الانتشار، سواء الإقليمية أو العالمية، فبها يمكن فهم بعض خفايا الإخوان التي حرص الآباء المؤسسون للجماعة على طمسها.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: ضربات أمنية في بنغلاديش وتحريض على العنف في النمسا

فعندما يدّعي مؤسس جماعة الإخوان، حسن البنا، أنّ حركته نشأت فقيرة، ثم باعتراف مؤرخيهم نجد إنفاقاً سخياً على أفرع بعينها، هنا لا يمكن اعتباره صادقاً، ثم عندما يدّعي مؤرّخو الجماعة أنّ "جماعة الإخوان" جاءت تجلياً إسلامياً منتظراً، لتعطش الأمّة لمثل هذه الجماعة، ثم تكتشف أنّ الجماعة نظمت رحلات لجمعيات إسلامية بعينها في سوريا وفلسطين ولبنان لتنضمّ اليها، وأنّ بعضها رفض، يجب على الباحث أن يتساءل من موّل هذه الرحلة؟ وما أهدافها الحقيقية؟ فقد تمّت العام 1935 وقت اعتراف البنا بأنّ جماعته مازالت مجهولة، وقت أن كانت جيوب الإخوان تتحمل نفقات كل هذه الشُعب أو سفريات وفد الإخوان إلى الشام، أو عندما تعلم أنّ حسن البنا قد يئس من تحقيق هدفه في مصر فقرّر الهجرة إلى المملكة العربية السعودية، لا يمكن أن تُصدّق ادعاءات الجماعة أنّ الناس كانت تتهافت للانضمام إلى جماعتهم.

ومن الوقائع المثيرة للبحث والتدقيق، والتي ربما تكون كاشفة لحقيقة دور جماعة الإخوان في المنطقة في ذاك الوقت، افتتاح الإخوان لشعبتهم في البحرين العام 1937، فحسب جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية في عددها الرابع للعام الخامس الصادر العام 1937، أنه قد تم افتتاح فرع للجمعية ورئيس الفرع السيد محمد بن إبراهيم آل خليفة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: أكاذيب في مصر ومأزق في الجزائر ومساومات في ليبيا

والسؤال: لماذا افتتح حسن البنا فرعاً للإخوان في البحرين؟ وهو الذي أرسل وفوده إلى الشام العام 1935 ليفتتح بعض الأفرع لهم، وهو الذي حاول بنفسه افتتاح فرع في المملكة العربية السعودية وفشل؟ لماذا حوّل جهوده ووضع البحرين في دائرة اهتماماته؟

افتتاح الإخوان لشعبتهم في البحرين العام 1937 يكشف حقيقة دور الجماعة في المنطقة آنذاك

في مطلع القرن العشرين كانت البحرين إمارة غنية، بل أغنى إمارات الخليج العربي، فاستخراج اللؤلؤ وبيعه في الأسواق حقق لأهل البحرين دخلاً كبيراً، وكانت أكثر إمارات الخليج تعداداً، وأوّل من أدخل نظم التعليم الحديثة ونظم الإدارة، ونظراً لنمو الوعي السياسي والاجتماعي والقومي، ظهر تيار ثوري قومي يريد التغيير.

اقرأ أيضاً: المنظمات الحقوقية والإخوان: علاقات معقدة وأكاذيب ممنهجة

 أوّل إرهاصات هذا التغيير الثورة الشعبية كانت العام 1919 ضد الوجود الإنجليزي في الجزيرة، التي طالب زعماؤها بإصلاحات متعددة، وعلى إثر هذه الثورة تمّ طرد المعتمد البريطاني  (كلايف ديلي) واستقدام (تشارلز بيلجراف) لتهدئة الجماهير البحرينية الغاضبة، وكانت بريطانيا ترغب في جلب الهدوء إلى الجزيرة نظراً لوجود نفط وغاز يحتاج للاستخراج، وفي سبيل التهدئة، سمحت الحكومة بتأسيس أول نادٍ أدبي العام 1919، وتوالت الأندية الرياضية والثقافية والنسائية، وصدرت الجرائد والمجلات، التي كانت تعبّر عن آراء المثقفين وأفكارهم ورغبتهم في الاستقلال، مثل "صوت البحرين" و"القافلة" و"الميزان" و"الخميلة" و"الوطن".

اقرأ أيضاً: بين مرشدين اثنين.. كيف يتشابه الإخوان وإيران؟

إلا أنّ هذه الأندية مع طول الوقت ساهمت في نمو الوعي مرّة أخرى، ومع مطلع ثلاثينيات القرن الماضي  قامت البحرين بتصدير أول شحنة نفط العام 1932، وأصبحت أوّل دولة خليجية تُصدر النفط.

 هنا أدرك الإنجليز أنّ مصالحهم أصبحت مهددة،  خصوصاً أنّ المجتمع البحريني يكاد ينفجر غضباً ويهدد مصالح بريطانيا في البحرين، وقد تجلى العام 1938 بثورة شعبية عاصفة أدركت بريطانيا أنّ عليها شغل القوى الشعبية وصرف نظرهم عن النضال ضدها، فالحسّ القومي الوطني الثائر إلى جوار أوّل منطقة لضخ البترول قد يضرّ بمصالحها، وانتبهت بريطانيا إلى أنّ تدخلها هذه المرّة لن يكون على غرار ما حدث قبل 20 عاماً، ولكن عليها تفتيت القوى الوطنية، وأفضل من يقوم بتلك المهمة جمعية دينية تشتت التيار الغاضب عن التحرر، بأن ترسم له أهدافاً أخرى لكنها دينية، وينشغل الناس بالسؤال: هل التحرر مقدّم على  التدين، أم أنّ التدين هو طريق التحرر؛ وبالتالي يقع الخلاف ويتوقف المدّ القومي والثوري.

التقى مندوب شباب البحرين بحسن البنا وعاد إلى البحرين وأسّس مع رفاقه "نادي الإصلاح" العام 1948

لا نعرف جماعة تسللت إلى المجتمع البحريني في ذلك الوقت غير جماعة الإخوان المسلمين، عبر وزارة المعارف التي أرسلت معلمين للتدريس، وبالمصادفة كانوا من الإخوان، باعتراف رئيس جمعية الإصلاح في البحرين (الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة)، والغريب أنّ الشيخ عيسى يؤكد أنّ عمل الإخوان في تلك الفترة كان مستتراً، رغم وجود شعبة للإخوان في البحرين، إلا إذا كان خبر افتتاح شعبة لهم غير صحيح! وأنّ الخبر مجرّد ادعاء ليكسبوا به سمعة غير مستحقة، المهم أنّ وجود الإخوان بدأ فعلياً في النشاط عقب ثورة 1938، عبر رجال مستترين، منهم مهدي علام ومصطفى الشوادفي، الذين قاموا بتربية شباب بحريني على أيديهم، وأثمر وجودهم بعد ثلاثة أعوام بإنشاء نادٍ أطلقوا عليه اسم "نادي الطلبة " العام 1941، ومن هؤلاء الشباب: الشيخ خالد بن محمد آل خليفة والشيخ دهيج بن علي آل خليفة وعبد الرحمن الجودر وجاسم الفائز وأحمد الفائز وعبد الله الدوري وحرز الشوملي والأستاذ محمد النوادي وجاسم عبد العزيز المناعي وأحمد المحيميد ومحمد مطر وعلي مطر وعيسى الجامع، ومن المؤكد أنّ هؤلاء الفتية لم يعلموا بطبيعة دورهم الوظيفي، وجلّهم يظن أنه يعمل لصالح الإسلام والدعوة الإسلامية،  فيبذل جهده وطاقته.

من ترتيب الأحداث والوقائع يمكن تفسير الدور الوظيفي للجماعة في البحرين كحائط صد أمام أي دعوات، سواء دعوات ثورية أو قومية أو اشتراكية أو شيوعية، من الممكن أن تهدد المصالح البريطانية، وقد يكون من المهم الإشارة إلى أنّ بريطانيا لم تخشَ كثيراً تنظيمات الإسلام السياسي، سواء المتطرفة بالكلمة أو المتطرفة بالسلاح، فطبيعة عمل تلك التنظيمات تجذب تلقائياً الخلافات وتحرك الأحقاد وتمزق التحالفات، وهذا التشتيت والتفتيت غاية في حد ذاته، لأنّه يمكن أن يفجّر التنظيم في لحظات، ويشتت شملهم لأعوام طويلة، والتاريخ شاهد على ذلك.

اقرأ أيضاً: هل استعلاء الإخوان على الناس فكرة طارئة؟

من الواضح أنّ نشاط الطلبة القريب من فكر الإخوان لم يشفِ غليل "الإخوان المستترين" فتوسموا في أحد الطلاب، وهو "عبد الرحمن الجودر"، القابلية لتلقي فكر الإخوان مباشرة، ربما لأنه قد ابُتعث للدراسة في القاهرة، وهي فرصة لتوطين فكر الإخوان في مواطن بحريني عبر لقاءات مع مرشد الإخوان في المركز العام العام 1945، ولقاء المؤسس بشباب العرب والمسلمين المبتعثين للدراسة بالقاهرة من أساليب الإخوان لاختراق المجتمعات.

بريطانيا لم تخشَ كثيراً تنظيمات الإسلام السياسي فهي تجذب تلقائياً الخلافات وتحرك الأحقاد وتمزق التحالفات

هذه الأساليب أوردها مؤرخ الإخوان الرسمي جمعة أمين في كتابه أوراق من تاريخ الإخوان، يقول: "كان يتمّ التواصل مع المجتمعات العربية والإسلامية على 3 محاور: المحور الأوّل عن طريق أبناء الأقطار الاسلامية الذين يدرسون في القاهرة، عبر الاهتمام بهم ومتابعتهم (نضع خطاً على متابعتهم)، وإفساح مكان لهم في جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، أو تجنيد مواطن من تلك الدولة ليكون مندوباً للجريدة في بلده، فمجرد وجود الجريدة يعتبرها البنا خطوة نحو النفوذ إلى المجتمع، أمّا المحور الثاني، فهو إرسال البعثات الدعوية المختلفة لبناء علاقات مع أبناء تلك البلدان أو التبشير بالدعوة فيها  (التبشير نصّ مصطلح جمعة أمين)، أو اجتذاب بعض الهيئات والجمعيات المهتمة بالإسلام فيها لتوحيد الغاية والفكر، وربما الانضمام العضوي إلى هيئة الإخوان المسلمين، والمحور الثالث هو إقامة تنظيم للإخوان من أبناء البلد في صورة شعبة أو فرع للجمعية أو هيئة باسم آخر، لكنها متحدة معها في الأهداف والوسائل ومقتفية آثارها فيما يجدّ من أمور".

بالفعل، التقى مندوب شباب البحرين بحسن البنا، وعاد إلى البحرين وأسّس مع رفاقه "نادي الإصلاح"، كفرع من أفرع جماعة الإخوان المسلمين العام 1948، وبعد مقتل البنا والتغييرات السياسية المتلاحقة، اكتشف المؤسسون أنّ عليهم الاختيار ما بين  الانتماء للجماعة أو الانتماء للوطن، واختار المؤسسون الانتماء للوطن مع البقاء على اتصال طفيف مع الجماعة، وهو ما غيّر مسار الإخوان بالبحرين، ورغم هذا سيظل تسلل الإخوان إلى البحرين سؤالاً يحتاج إلى مزيد من الدراسات للإجابة عنه، فتاريخ الإخوان ملآن بالتناقضات والأكاذيب، ومن المهم جداً رصدها وإخضاعها لمنهج دراسة الحالة والتحليل الموضوعي لعوامل نموها وأسباب بقائها، لنقف على حقيقة تأسيس تلك الجماعة التي ساهمت في تخريب الوعي، وتفتيت القوى، وإهدار الفرص، واستنزاف الطاقات.

الصفحة الرئيسية