تونس: أشباح عهد بن علي تطارد الثورة؟

تونس: أشباح عهد بن علي تطارد الثورة؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
20/12/2020

ترجمة: مدني قصري

تونس، التي ما انفكّ العالم العربي يشيد بها كنموذج ديمقراطي بعد الربيع العربي، ما تزال تطاردها شياطينها القديمة؛ فأين وصلت تونس الآن، بعد عشرة أعوام؟

ها هي السنوات تمرّ، ومع ذلك ما يزال المواطنون محرومين من الحقوق التي احتشدوا وانتفضوا من أجلها قبل عشرة أعوام، من خلال إسقاط نظام زين العابدين بن علي، الديكتاتوري.

اقرأ أيضاً: برلماني حليف للغنوشي يهين نساء تونس ويصف بعضهن بالعاهرات

في الواقع؛ لم يصلَح نظام العدالة، ولا الجهاز الأمني​​، وما يزال الاقتصاد، الذي يمرّ بأزمة دائمة، تحت سيطرة بعض العصابات المؤثرة. وعلى الجانب الآخر من العملة؛ لم يظهر الإرهاب الإسلامي فعلياً في البلاد إلا بعد الربيع العربي، الذي كانت تونس هي البادئ به تحديداً.

 بدأت الثورة، وهي نقطة انطلاق الربيع العربي، بإقدام البائع المتجوّل، محمد البوعزيزي، على حرق نفسه، في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، في سيدي بوزيد، وهي بلدة تقع في المناطق النائية المحرومة. في أعقاب ذلك ظهرت حركة احتجاجية ضدّ البطالة وغلاء المعيشة، تميزت بأعمال شغب دامية سرعان ما انتشرت في جميع أنحاء البلاد

أشباح المخلوع

عندما فرّ المخلوع بن علي، في 14 كانون الثاني (يناير) 2011، بعد مظاهرة مهولة غير مسبوقة، لم يغادر السلطة معه إلا عدد قليل من أفراد الأسرة، ومن المستشارين المباشرين، وعلى الرغم من أنّ الشرطة كانت الدعامة الأساسية للنظام، فإنّه لم يتم فصل "سوى 54 مديراً تنفيذياً في وزارة الداخلية، عام 2011"، ثم حفنة آخرين، عام 2013، كما وضّحت ذلك لوكالة الأنباء الفرنسية، عُلا بن نجمة، نائب رئيس منظمة الإصلاح الجنائي والأمني، ​​التي قادت تحقيقات "العدالة الانتقالية"؛ حيث أضافت: "لم تتم محاكمتهم أو معاقبتهم، بل شهد الآخرون ترقية في حياتهم المهنية، بما فيهم أولئك الذين تتعقّبهم العدالة المتخصصة، بسبب الجرائم التي ارتكبت في عهد المخلوع بن علي".

بعد سقوط بن علي، تراخت مراقبة المجتمع، وأعيد فتح السجون، ولجأ العديد من النشطاء الراديكاليين إلى العمل السرّي، في محاولة لفرض ثيوقراطيتهم

في خضمّ الثورة؛ تمّت إدانة بعض الجلادين، وحلّ جهاز أمن الدولة الذي كان يعذّب الناس علناً في سجون وزارة الداخلية، وقد أعاد دستور 2014 الذي أشيد به دولياً، تحديدَ دور الشرطة بوضوح في عصر الديمقراطية.

لكن بعد فترة من الانفتاح؛ "أراد شياطين الماضي العودة إلى عادتهم القديمة"، كما تقول سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة (IVD)، وهي مؤسسة تمّ إنشاؤها بعد الثورة للتحقيق في جرائم الديكتاتوريات.

لقد أحيتْ آفةُ الجهادية الإغراءَ الأمني، ​​وأبطأت الجهود الرامية إلى احترام حقوق المتقاضين بشكل أفضل، مع إجراءات مراقبة ضعيفة التأطير، وحالة طوارئ سارية المفعول دون توقف  منذ سلسلة الهجمات، عام 2015.

بعد سقوط زين العابدين بن علي، تراخت مراقبة المجتمع، وأعيد فتح أبواب السجون، ولجأ العديد من النشطاء الراديكاليين إلى العمل السرّي، في محاولة لفرض ثيوقراطيتهم.

توقّعات مخيبة للآمال

أصبحت بعض نقابات الشرطة، التي تشكلت بعد عام 2011، أدوات للضغط السياسي، مع تدخلات قوية في بعض الأحيان في المحاكم، لمنع أيّة مقاضاة ضدّ الشرطة.

اقرأ أيضاً: تونس على طاولة المحور القطري التركي.. كيف؟

إذا لم يعد التعدّي ممنهجاً، فإنّ ريح الديمقراطية لم تُزِل هذه الممارسة؛ منذ عام 2013، تولت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب مسؤولية 500 ضحية مباشرة، ودانت "إفلات الجناة شبه الكامل من العقاب"، وعندما بدأت المحاكم الخاصة، عام 2018، في محاكمة جرائم القتل والاغتصاب والتعذيب التي ارتكبت بين عامي 1955 و 2013، أعاقت السلطات الأمنية العملية، ورفض عناصر الشرطة الشهود أو المتهمون، جميعهم تقريباً، المثول أمام المحاكم. ولضمان عدم تكرار تجاوزات النظام المخلوع، كانت هيئة الحقيقة والكرامة، التي انتهت ولايتها الصعبة، عام 2018، قد دعت بشكل خاص إلى إنشاء "هيئة مراقبة الشرطة"، وجهاز استخبارات خاضع للرقابة البرلمانية، وظلّت التوصيات حبراً على ورق.

والأسوأ من ذلك؛ أنّ السلطات فشلت في تحسين تدريب ضباط الشرطة أو ظروف عملهم؛ إذ  حاولت السلطات مراراً إصدار قانون يمنحهم قدراً أكبر من الإفلات من العقاب في استخدام القوة، لكنّها تخلّت عنها في مواجهة رفض المجتمع المدني.

يعتقد الخبير السياسي، سليم خراط؛ أنّ "الأمر يتطلب شجاعة سياسية، شبه كاميكازية، لمعالجة إصلاح قطاعَي الشرطة والقضاء، اللذين لهما قنوات سياسية عميقة".

اقرأ أيضاً: من بينها الخضوع للمرشد: عوائق تصنيف إخوان تونس "جماعة إرهابية"

في داخل هيئة القضاء، الذي كان أداة استغلال إلى حد كبير في ظل النظام المخلوع، تم فصل أبرز قضاة عهد بن علي، لكن لم يتم، حتى الآن، اتخاذ أيّ إجراء لمحاسبة القضاة الفاسدين.

نظام يسمِّم الحياة اليومية للتونسيين

أوصت هيئة الحقيقة والكرامة "IVD"، في تقريرها النهائي عام 2019، بتعزيز استقلالية القضاة والمحاكم الإدارية، لكن مرّة أخرى دون أن يتحقق ذلك. لكن، في هذه الديمقراطية التي تم الترحيب بها باعتبارها النجاح الوحيد للربيع العربي، مع دستور جديد وانتخابات حرة وحرية التعبير، يبقى أكبر مشروع هو الإصلاح الاقتصادي.

سليم خراط: جعلنا الحقوق المدنية والسياسية أولوية، لكننا أهملنا الحقوق الاقتصادية والبيئية، واستحوذ النقاش العام، منذ عامين، على مفتاح المشكلة؛ "رأسمالية المحسوبية"

يقول سليم خراط: "جعلنا الحقوق المدنية والسياسية أولوية، لكننا أهملنا الحقوق الاقتصادية والبيئية".

ويضيف سليم خراط: "النقاش العام يستحوذ، منذ عامين، على مفتاح المشكلة؛ "رأسمالية المحسوبية"، التي تحتفظ بها الدولة، وهذه التكتلات العائلية التي تسيطر على جوانب كثيرة من الاقتصاد. نظام الريع هذا، المتمثل في منح امتيازات الاستثمار لهذه العائلة أو تلك، أثناء الاستعمار، تضخم كثيراً في عهد بن علي".

ويستمر هذا النظام في تقييد الوصول إلى الأعمال التجارية لمن هم خارج العائلة المحظوظة، على حساب تنمية البلاد، وهكذا؛ فإنّ "الدولة تطلب من شركات النقل البري أن تكون لديها إما شاحنة واحدة، أو أكثر من 18 حافلة، وهو ما يضمن للاعبين الكبار الموجودين بالفعل، باقتسام السوق دون منافسة"، على سبيل المثال، كما قال لؤي الشابي، رئيس المنظمة غير الحكومية "إنذار" (ONG Alerte)، مؤخراً، لمكافحة هذه الآفة.

وبالمثل، لا يمكن استيراد ماركة سيارات إلا من قبل وكيل واحد، مما يضمن امتيازاً حصرياً لمجموعة مملوكة منذ زمن طويل لصهر بن علي، اشترتها، عام 2013، عائلة ذات نفوذ راسخ.

إعاقة الاقتصاد بأكمله

في كلّ ما ذُكِر إشارة إلى أنّ سقوط النظام لم يضع حدّاً للعادات السيئة؛ بل ازداد مفهوم الفساد منذ سقوط بن علي؛ فقد خسرت تونس 15 مرتبة بين عامي 2010 و 2017 في ترتيب منظمة الشفافية غير الحكومية، وتؤدي المشاركة في الأسهم للعديد من التكتلات والدولة في البنوك، إلى تعقيد الوصول إلى الائتمان بالنسبة إلى الذين لا ينتمون إلى الشبكات القائمة.

اقرأ أيضاً: فوضى البرلمان في تونس تعيد التوتر بين الرئيس سعيد وحركة النهضة

أقصِيت شركات ناشئة من أنظمة الدفع عبر الهاتف الذكي، بموجب إلزامها  برأس مال لا يقل عن خمسة ملايين دينار (1,5  مليون يورو)، وهو مبلغ أعلى من أي مكان آخر "مرّة أخرى يأتي هذا القيد لصالح اللاعبين المتمرسين"، هكذا يأسف السيد الشابي.

والحال؛ أنّ الركود الاجتماعي (التضخم والبطالة المتزايدة ...إلخ)، الذي زادت حدّته نتيجة التداعيات المدمرة لفيروس "كوفيد -19"، بات يُقوض الديمقراطية، بل ويغذي الحنين إلى النظام القديم، الذي كان يغذي صورة النجاح الاقتصادي.

في هذا الشأن؛ يحذّر رضوان أرغيز، من مختبر أفكار جسور، من أن هذا السياق يهدّد بـ "التشكيك في كلّ ما تمّ تحقيقه على المستوى السياسي".

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.lepoint.fr/afrique

 

الصفحة الرئيسية