سكة الحديد بين أنقرة وبغداد: استيقاظ أحلام العثماني القديم

سكة الحديد بين أنقرة وبغداد: استيقاظ أحلام العثماني القديم


09/01/2021

قبيل الحرب العالمية الأولى، حصلت الشركات الألمانية على أحقيّة بناء خط سكّة حديد من الأناضول إلى بغداد، وقد تدمّر هذا الحلم العثماني على أعتاب الاحتجاج البريطاني، الذي استشعر في هذا المشروع تهديداً لطموحه التوسعي الذي تنافسه فيه تركيا.

يبدو أنّ المارد العثماني يحاول الاستيقاظ مجدداً، بعد استئناف الحديث عن مشروع مدّ سكك حديدية بين بغداد وأنقرة، بعد أن أعلن محافظ نينوى، نجم الجبوري، بدء العمل على المشروع، قبل ثلاثة أشهر، موضحاً أنّ الطواقم الهندسية والفنية التي ستبدأ العمل في المشروع ستكون برعاية شركات تركية؛ فهل ستنجح تركيا هذه المرّة في مشاريعها التوسعيّة في العراق؟

زمن الأحلام الضائعة

كان من المقرّر أن يكون خطّ بغداد الأناضول، تحت الإنشاء عام 1893، لشركة سكة حديد الأناضول الألمانية، ويمرّ عبر أرمينيا، دخولاً إلى وادي الفرات من الشمال، لكنّ روسيا القيصرية، آنذاك، منعت هذا الإنشاء لأسباب اقتصادية وإستراتيجية، وفي النهاية كان الإنشاء لخطّ سكة حديد يمتدّ من نهاية قونيا إلى بغداد، ثم البصرة، ليصل إلى مصب نهر دجلة، ثمّ إلى الخليج العربي، وتمّ الترخيص على هذا المخطط الإنشائي، عام 1899، بعد زيارة قيصر ألمانيا للسلطان العثماني، عام 1898.

 حرص القيصر على تأمين هذا المشروع، باعتباره ضماناً لسوق لبضائعهم ورؤوس أموالهم، عبر تطوير المدن، وتصوره بأنّها كان وسيلة للتوسع الألماني، واكتساب سلطة سياسية في آسيا الصغرى.

تمّ إصدار فرمان حقّ الامتياز للألمان عام 1903، لمدة 99 عاماً، وتمّ منحه حقوق التعدين في المنطقة، لمسافة عشرين كيلو متراً على جانبَي الخط، وحقّ الانتفاع بالطاقة الكهرومائية، وحقّ بناء موانئ في بغداد والبصرة والخليج العربي، لذلك تطلّب الأمر شركة تركية لتفعيل هذا الامتياز.

الميناء البري العراقي قد يكون حلقة الوصل بين الشرق والغرب، حيث يسهّل الحركة التجارية، ومن خلال السكة الحديدية سيكون هناك حركة أسرع

في كتابه "Middle East Railway"؛ يذكر الكاتب "Hugh Hughes"، أنّه "بدأ بناء السكك الحديدية في العراق عام 1902، وهو جزء من مشروع برلين - بغداد، والذي يُنظر إليه على أنه مقياس قياسي للطريق، لكن بعد الغزو البريطاني، عام 1914، تم بناء خط البصرة – بغداد، بمعدات قياس فائض المتر من الهند، كما تم تمويل بناء الطريق ببيع السندات التركية، حيث أصدرت الحكومة سنداتها للشركة، بضمانات الكيلومترية.

 الكاتب والصحفي العراقي الكردي، بوتان تحسين

 وبحسب الكاتب والصحفي العراقي الكردي، بوتان تحسين؛ فإنّ تجدّد الحديث عن خطوط السكك الحديدية العراقية التركيّة، يمثّل استيقاظ أحلام العثماني القديم، الذي لطالما حلم بتأسيس خط سكك حديدية يرتبط مع العراق، لأهداف جيوسياسية واقتصادية، وكذلك عرقية، إذ إنّ أكراد العراق صاروا يمثلون أزمة كبيرة بالنسبة لتركيا، وهي لا تستطيع التخلص من حزب العمال الكردستاني، سياسياً وعسكرياً؛ لذلك لا حلّ أمامها سوى التوسع الاقتصادي، ومحاولة تطويق المنطقة والسيطرة على سكانها.

تحديّات وآمال معقودة

يتابع تحسين، في تصريح لـ "حفريات": "هذا المشروع شائك، وله أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية بين البلدين، لأنّها لا تمثل فقط الجانب الاقتصادي، بل الأمر أعمق من ذلك، باعتباره جزءاً من مشروع تاريخي، اختلفت عليه القوى الدولية، وكانت تخطط له قبل 100 سنة، وهو يرجع إلى الألمان، الذين كان لهم مخطط بين برلين والحجاز، معروف باسم الخطّ الحديدي بين برلين والحجاز، ويواجه هذا المشروع حالياً تحديات سياسية كبيرة، بسبب تعدد الملفات العالقة بين الدولتين، أهمها الخلاف حول مصير بعض الدوائر السياسية؛ حيث يرى الجانب التركي أنّ ولاية الموصل وكركوك وأربيل، والمناطق الغنيّة بالنفط، جزء من الدولة التركيّة الحديثة، بدليل أنّها وضعت الرقم 82 لمدينة كركوك، و83 لمدينة الموصل، كإتمام لتسلسل المدن التركيّة، ومن خلال تواجدي بتركيا، لاحظت تمسّك الدولة بإبقاء الهوية القومية لهذه الولايات الغنية بالنفط، حيث لا يُمكن للمواطنين العرب في هذه المناطق الحصول على الجنسية التركية، والذهاب إلى تركيا وترك هذه المناطق، حتى لا تخضع للسيطرة الكردية التي يخشاها الأتراك".

Middle East Railway

في كتابه " The Berlin-Baghdad Express"؛ كتب المؤرخ الأمريكي، شون ماكين"؛ كيف أنّ خط سكة حديد بغداد برلين، كان خطّاً في القصة المأسوية للشرق الأوسط تحت وطأة الحكم العثماني، الذي تحالف مع آخر قياصرة ألمانيا، المولع بالشرق، ويشرح ماكين كيف أنّ هدف المشروع كان ربط تركيا وألمانيا معاً، لتخريب روابط بريطانيا مع الهند، وقد تمّ تأجيل بنائه، الذي بدأ عام 1903، مراراً وتكراراً، لأسباب مالية وتقنية، منها: أنّه كانت هناك حاجة إلى 27 نفقاً، العديد منها بطول كيلومترات عبر جبال طوروس، وكان القلق الوحيد الذي أبداه الألمان بشأن المذبحة التي ارتكبها حلفاؤهم الأتراك، وترحيل الأرمن، عام 1915، هو أنها أخرت البناء أكثر، على الرغم من ضخّ الأموال الألمانية الهائلة، وتمّ الانتهاء من بناء السكك الحديدية عام 1940.

الكاتب العراقي الكردي بوتان تحسين  لـ"حفريات": تجدّد الحديث عن خطوط السكك الحديدية العراقية التركيّة، يمثّل استيقاظ أحلام العثماني القديم، لأهداف جيوسياسية واقتصادية

يحاول ماكين، في كتابه، تشريح بداية  الهزيمة، من خلال مشروع السكك الحديدية؛ مثل تجلي انهيار الشرق الأوسط على أيدي العثمانيين، الذين انساقوا خلف الألمان قبل الحرب العالمية الأولى، لاهثين خلف أحلامهم التوسعيّة، التي انتهت بهزيمة مدوّية وخلع للسلطان، وإنهاء صفحة العثمانيين من التاريخ.

الانقضاض على ثروات العراق

وفق تصريحات محافظ نينوى؛ فإنّ حديثه عن مدّ خطّ السكك الحديدية باعتبارها جديدة، وتقام للمرة الأولى، ليس بحقيقي، فالوثائق تكشف عن قدم هذا المشروع الممتد من عمر الدولة العثمانية.

يضيف تحسين: "هذا هو النهج التركي في المنطقة، خاصة الحزب القومي المتشدد في تركيا، وباعتبار أنّ العراق يعدّ أحد المراكز المهمة للاقتصاد التركي، فإنّ قضية السكة الحديدية، من أهم الملفات في هذا السياق؛ حيث تطرق لها رئيس الوزراء العراقي في زيارته الأخيرة لإسطنبول، بعد أن بلغت العائدات التجارية من العراق على الاقتصاد التركي 17 مليار دولار، خلال العام الماضي، والتي تشكّل أعلى النسب خلال السنوات الماضية، وهذا رغم الأزمة الاقتصادية العالمية، وهو ما يعكس أهمية هذا الموضوع بالنسبة إلى الجانب التركي، وهو موضوع يستوجب أن تكون له أرضية اقتصادية وسياسية واجتماعية".

The Berlin-Baghdad Express

 ويشير البعض إلى أنّ الميناء البري العراقي قد يكون حلقة الوصل بين الشرق والغرب، حيث يسهّل الحركة التجارية، ومن خلال السكة الحديدية التي تنشأ بالمستقبل سيكون هناك حركة أسرع، لكن قبل ذلك يجب، بحسب تحسين أن "تكون هناك أرضية واتّفاق حول المناطق التي تشكّل لبّ النزاعات العرقية والطائفية، لأنّه إن تمّ بناء السكة الحديد، فإنّها ستمرّ بتلك المناطق المتنازع عليها، وأرى أنّ هناك تحديات كبيرة أمام المشروع، وقبل التطرق إليه تجب إعادة النظر في الملفات السياسية العالقة؛ لأنّ عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط الذي بات متخماً بالصراعات الهوياتيّة والمذهبية، يمثل عائقاً أمام استكمال مشروع بهذا الحجم، خصوصاً الصراع في سوريا والعراق، الذي بات ساحة للتناحر الأمريكي الأوروبي، الصيني والروسي، فالشرق الآن بات مسرحاً كبيراً لعبث القوى الدولية، التي تتسابق لجعله الرابط بين الشرق والغرب، لتسهيل حركة التجارة العالمية".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية