شرق المتوسط: المياه الأكثر خطراً في العالم

شرق المتوسط: المياه الأكثر خطراً في العالم

مشاهدة

24/09/2020

ترجمة وتحرير: محمد الدخاخني

بصفتي أمريكياً يونانياً عاش في أثينا ثلاثة أعوام، وبصفتي بحاراً في البحرية الأمريكية؛ فإنّني أعرف شرق البحر المتوسط جيداً، لقد كان مفترق طرق إستراتيجي عبر التاريخ لليونانيين والفرس والمصريين واليهود والفينيقيين والرومان والصليبيين والمحاربين البحريين الأكثر حداثة.

تخمن التقديرات حجم المخزونات في شرق المتوسط بنحو 2 مليار برميل من النفط و4 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتتحرك دول المنطقة، بعدوانية لاستغلال هذه الثروة

كلّما أبحرت في مياه المتوسط، خلال الحرب الباردة وبعدها، وجدت خلافاً شديداً حول الحدود البحرية، وادّعاءات متضاربة بالحق في الموارد الطبيعية، وضغوطاً جيوسياسية أخرى ناجمة عن العلاقات غير المستقرة بين اليونان وتركيا وإسرائيل وقبرص وسوريا.

أسباب التوتر

لسوء الحظ، لم أرَ الأمور أكثر تقلباً في شرق البحر المتوسط مما هي عليه الآن، حتى في الفترات التي كانت فيها إسرائيل في قتال ضدّ جيرانها على شاطئ البحر؛ فما العوامل الدافعة لهذا التوتر وما دور الولايات المتحدة؟

أولاً: ينبع الاضطراب الحالي، إلى حدّ كبير، من اكتشاف مخزونات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي في قاع البحر، وتخمن التقديرات حجم المخزونات بنحو 2 مليار برميل من النفط و4 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتتحرك دول المنطقة، بشكل طبيعي، بعدوانية لاستغلال هذه الثروة، وفي كانون الثاني (يناير) 2019، شكّل اتحاد فضفاض لتطوير الموارد، الذي تكوّن من إسرائيل ومصر وإيطاليا واليونان والأردن والأراضي الفلسطينية، مع استبعاد تركيا.

اقرأ أيضاً: أي تداعيات يحملها التوقيع على منظمة غاز شرق المتوسط؟

غضب الأتراك وأرسلوا سفن استكشاف نفطية وسفن حفر برفقة سفن حربية تابعة للبحرية التركية، وهذا الصيف، قامت إحدى هذه السفن الاستكشافية، وتدعى "أوروك ريس"، بدخول ما تعدّها اليونان مياهها الإقليمية، مما رفع التوترات إلى مستوى جديد، ومن جانبه؛ دان الاتحاد الأوروبي تصرفات تركيا.

نظراً إلى أنّ تركيا تشعر بالابتعاد عن كلّ من الناتو والاتحاد الأوروبي، فإنّ ذلك يعزز ميل الرئيس، رجب طيب أردوغان، للعمل مع روسيا رغم خلاف تحالفاتهما في ليبيا

ثانياً: يعدّ شرق البحر المتوسط، أيضاً، منطقة عبور للسفن الحربية التركية والروسية التي ترسل أسلحة إلى الأطراف المتصارعة في الحرب الأهلية الليبية.

وتدعم تركيا حكومة طرابلس، بينما تدعم روسيا (إلى جانب مصر والإمارات العربية المتحدة ودول عربية أخرى) القوات التابعة للجنرال خليفة حفتر.

اقرأ أيضاً: تركيا وأوروبا... الصراع على شرق المتوسط

ويحاول الاتحاد الأوروبي فرض حظر أسلحة على النزاع الليبي (مثلما فعل أثناء قيادتي لقوات الناتو خلال الحرب الأهلية، عام 2011).

وفي حزيران (يونيو)؛ أدى ذلك إلى مواجهة بين السفن الحربية الفرنسية والتركية، التي صوبت الضوء على بعضها برادارات التحكم في النيران، وهي الخطوة الأخيرة قبل إطلاق صاروخ، ولم يحصل من قبل أن اقترب حلفاء الناتو من حادث عسكري كبير مثل هذا.

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي يدعم مطالبات اليونان وقبرص، يدعو وقف الإجراءات العدوانية التركية بقضية "خطّ أحمر"، وقد قال للصحفيين: "عندما يتعلق الأمر بالسيادة على البحر المتوسط، فإنني يجب أن أكون متوافقاً في الفعل والقول"، وأضاف: "يمكنني أن أخبركم بأنّ الأتراك يأخذون بعين الاعتبار ويحترمون ذلك فقط"،

تدور نقطة النزاع الثالثة بين اليونان وتركيا حول خلافات إقليمية متعلقة ببحر إيجه، فقد اقترح رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، مؤخراً، تمديد استحقاقات بلاده البحرية الإقليمية على جزرها في الجانب الغربي الإيطالي من اليونان، من 6 إلى 12 ميلاً بحرياً.

اقرأ أيضاً: تصعيد تركيا شرق المتوسط تعقيد لأزمة أم تلويح بحرب؟

ومن جانبهم؛ حذّر الأتراك من أنّه إذا حاولت اليونان تمديد استحقاقاتها بالمثل شرقاً، في بحر إيجه نحو تركيا، فسيكون ذلك سبباً لدخول الحرب، ودعا وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إلى إجراء محادثات.

يصبّ السيناريو الحاصل في شرق البحر المتوسط برمته في صالح روسيا؛ ففوق كلّ شيء، يتسبّب ذلك في حدوث انقسامات خطيرة في حلف الناتو، صحيح أنّه لم يسبق أن انسجم الأتراك واليونانيون قط، لكن نادراً ما كانت الأمور تسخن إلى هذا الحدّ، تصطف فرنسا بقوة وراء الأخيرين ويحاول الألمان التوسط ولكن دون نجاح يذكر.

ونظراً إلى أنّ تركيا تشعر بالابتعاد عن كلّ من الناتو والاتحاد الأوروبي، فإنّ ذلك يعزز ميل الرئيس، رجب طيب أردوغان، للعمل مع روسيا (رغم خلاف تحالفاتهما في ليبيا)، ونظرا إلى أنّ تركيا تشعر بأنّها أكثر ابتعاداً عن الحلف، فقد تكون أكثر ميلاً لشراء أسلحة متطورة من موسكو، كما قامت بالفعل مع نظام الصواريخ الروسي المتقدم "إس 400."

انسحاب الولايات المتحدة

يتفاقم كلّ هذا بسبب الشعور السائد في أوروبا والشرق الأوسط؛ بأنّ الولايات المتحدة تحاول الانسحاب من المنطقة الأوسع، وقد غذى إعلان واشنطن الأخير عن خططها لسحب قواتها من العراق هذا الانطباع، وكذلك تعليقات إدارة ترامب بشأن الرحيل عن سوريا وأفغانستان.

عوضاً عن التملص، يجب على الولايات المتحدة أن تحاول العمل كوسيط بين تركيا والثلاثي اليونان وفرنسا وقبرص، وقد بدأ وزير الخارجية، مايك بومبيو، الأربعاء، قائلاً: "نحثّ الجميع على التنحي لتقليل التوترات والشروع في إجراء مناقشات دبلوماسية".

اقرأ أيضاً: حماقات أردوغان جعلت اليونان تكسب الرهان في شرق المتوسط

يجب أن تسعى واشنطن، أيضاً، إلى إيجاد حلّ لمشكلة صواريخ الـ "إس 400" (ربما من خلال حلّ تقني "يقفل الطريق أمام" نظام الصواريخ الروسي من العمل البيني مع بقية دفاعات الناتو الجوية)، والعمل خلف الكواليس مع تركيا لحلّ المشكلات العالقة في جزيرة قبرص، التي تسيطر عليها القوات التركية جزئياً.

إنّ حادثة بحرية تنتهي فيها سفن حربية تابعة للناتو بإطلاق النار على بعضها البعض؛ هي نتيجة سيئة بشكل لا يمكن تصوره، لكن، للأسف، ليست خارج نطاق الاحتمال.

 اليوم، يحلّ شرق البحر المتوسط، الذي شهد أكثر من نصيبه من القتال على مرّ القرون، محلّ بحر الصين الجنوبي والخليج العربي باعتباره النقطة البحرية الساخنة الأبرز في العالم.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

جيمس ستافريديس، "بلومبرغ"، أيلول (سبتمبر) 2020

الصفحة الرئيسية