شوكة النكاية والتمكين في الفكر الجهادي المعاصر

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
6032
عدد القراءات

2019-01-23

تتميز الحركات الجهادية بالقدرة على صياغة المصطلحات الداعمة لنهجها القتالي، ومن بينها مصطلحا شوكة النكاية، وشوكة التمكين.
بداية، فإنّ كلمة "شوكة" ذاتها لها مدلول لغوي قرآني، حيث وردت في سورة الأنفال (الآية 7) على النحو التالي "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ".
و"ذات الشوكة"، حسب معجم المعاني الجامع، تعني ذات السلاح والقوة والنفير، وهنا يتجلى حرص الحركات الجهادية على تطويع العبارات التي يستخدمونها بمدلولات قرآنية؛ أي إنّ شوكة النكاية وشوكة التمكين تعني سلاح النكاية وسلاح التمكين.
في عقد التسعينيات
من خلال كتابه "أطر السلفية الجهادية في المملكة الأردنية الهاشمية"، ُيشير د.محمد الطيار إلى اهتمام التنظيمات الجهادية بصياغة المصطلحات القتالية، ويتخذ أبو قتادة الفلسطيني وفكره الجهادي نموذجاً لذلك.

تطرّق أبو قتادة في فلسفته الجهادية إلى شوكة النكاية باعتبارها الصدام المسلح الواضح مع الأنظمة بلا هوادة

بدأ أبو قتادة حياته في جماعة "التبليغ والدعوة" في الأردن قبل أن ينشئ حركة سلفية اسمها حركة "أهل السنة والجماعة"، وقد أعرب عن اهتمامه بقتال العدو البعيد من كفار الغرب (الكفار الأصليين)، لكنه أولى اهتماماً أكبر لقتال العدو القريب (الكفار المرتدين من المسلمين)؛ أي الحكومات وشعوبها، وصاغ الاستراتيجية العامة للجماعات الجهادية في الانقلاب على المنظومة السلطوية والمجتمعية في سبيل تأسيس "الدولة الإسلامية الجهادية" في التسعينيات من القرن الماضي.
فالدولة الإسلامية جهادية في أساسها، حسب الفكر السائد داخل التنظيمات المسلحة؛ حيث إنّ حالة السلم في دولتهم المتخيّلة مرهونة بالانصياع لأمير الجماعة، ولما يقره إسلاماً صحيحاً، يحكم به العوام من الناس، سواء أكان هذا فيه رضاؤهم أم لا، فالعقيدة الجهادية والرباط حتى يوم الدين هو ركيزة "الدولة" التي تقترن بالجهاد المستمر ضد المؤمنين وغير المؤمنين.

اقرأ أيضاً: الجهاديون الأوروبيون.. كيف انتهى بهم الحال في سوريا؟
تطرّق أبو قتادة في فلسفته الجهادية إلى صياغة ما ُيعرف بـ"شوكة النكاية وشوكة التمكين"؛ فيقول إنّ شوكة النكاية هي الصدام المسلح الواضح مع الأنظمة بلا هوادة، وقد يصل الصدام إلى حد حرب العصابات في المناطق المأهولة بالسكان، ومن بعد الصدام الذي يؤدي إلى الانقلاب على الأنظمة، تأتي مرحلة أخرى وهي مرحلة التمكين، التي أسماها شوكة التمكين، والتي لا بد أن يحكم الناس فيها بكافة أشكال القوة، (ويمكن ملاحظة تأثير أدبيات أبي قتادة على التنظيمات المسلحة في الجزائر في التسعينيات).
ويؤكد أبو قتادة، في كتابه "الجهاد والاجتهاد" الصادر عن دار بيارق العام 1999، أنّ اهتمام الحركة الجهادية يجب ألا ينصب على رضاء الجماهير، فليست مهمة الحركات الجهادية توفير السكن أو الخبز أو العمل للمحكومين؛ لأنّها ليست في حاجة إلى رضاء المحكومين، فالجهاديّون سيصلون لسدة الحكم لأنّ الله  تعالى مكّنهم من الأرض، وليس الجماهير.
إدارة التوحش
كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر الناجي أحدث دوياً كبيراً كأحد أهم المؤلفات الجهادية المعاصرة، بالرغم أن هوية المؤلف يكتنفها الغموض؛ لكن يذهب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، د.هاني نسيرة، في كتابه "الملاذات الآمنة للإرهاب" إلى أنّ أبا بكر الناجي هو الجهادي محمد خليل الحكايمة، مؤسس الجماعة الإسلامية في أسوان بجنوب مصر، وأحد منظري الحركة الجهادية وتنظيم القاعدة، ويرجع نسيرة استنتاجه إلى تطابق الأسلوب في الكتابة.

رغم أنّ فلسفة كتاب إدارة التوحش والفوضى والتمكين تعد نظريات حديثة نسبياً في صياغتها إلا أنّها ليست مستجدة

إلا أنّ الأقوال ماتزال متضاربة حول هوية المؤلف ولا يوجد دليل قاطع عليها، وقد ذهبت بعض الآراء إلى أنّ كتاب إدارة التوحش قد يكون له أكثر من مؤلف؛ لأنّه خرج في صورة إعلان استراتيجي عن تمكين الجهاديين لإقامة الخلافة.
يختلف كتاب "إدارة التوحش" عن غيره من المؤلفات الجهادية، كونه يرسم استراتيجية مكتملة لمراحل التمكين من حكم أراضي المسلمين، وقد تم مُنع الكتاب من التداول في السعودية تحديداً، لكنه انتشر كالنار في الهشيم عبر شبكة الإنترنت، التي يجيد الجهاديون في تنظيم الدولة أو القاعدة إدارة نشاطهم الإعلامي من خلالها.
كما يختلف كتاب إدارة التوحش كذلك عن كتاب "الجهاد والاجتهاد" لأبي قتادة الفلسطيني؛ فالأخير يرى أن الاهتمام بالمحكومين غير ضروري، ويجب ألا تولي التنظيمات الجهادية الاهتمام بالمأكل والمسكن والعمل للشعوب التي ستحكمها، أما كتاب إدارة التوحش، فهو يعتمد على استمالة المحكومين من خلال تأمين أساسيات المعيشة.

اقرأ أيضاً: "الجهاد والشركة: الأسواق السوداء والقوة الإسلامية"
يُقسم كتاب "إدارة التوحش" مراحل التمكين إلى ثلاث مراحل:
أولا:
شوكة النكاية والإنهاك، وتعتمد هذه المرحلة على قتال الجيوش النظامية التي يحكمها الطاغوت المرتد، بحيث تُنهك القوات النظامية ولا تقوى على التقاط الأنفس، مما يسهل للجهاديين الانتشار والتمركز في مناطق الإنهاك، وعادة هي مناطق جغرافية مختارة بعناية وغالبيتها في الأطراف الجغرافية لا في العمق مباشرة (كالسياسة التي يسعي الجهاديون إليها في سيناء).
ثانيا: إدارة التوحش إثر عموم الفوضى، وتعتمد على إدارة الفوضى الناجمة عن إنهاك القوات النظامية والمؤسسات الحكومية، تُسمى هذه المرحلة بـ "إدارة التوحش"، حيث تعم الفوضى ومن بعدها التوحش الناجم عن غياب الأمن النظامي، وهنا تقوم الفرق الجهادية بإدارة التوحش من خلال نشر الأمن الداخلي، أي أنّها تحل محل القوات النظامية وتحتل مواقعها رويداً رويداً.

اقرأ أيضاً: النسائية الجهادية.. هل هي حقاً ظاهرة عابرة؟
وتسعى التنظيمات الجهادية في مرحلة إدارة الفوضى إلى توفير العلاج والطعام للجماهير، وإقامة القضاء الشرعي بين الناس، وصد غارات الأعداء (أي القوات النظامية)، واستكمال إنشاء أجهزة أمنية صغيرة في المناطق المدارة، وبث العلم الشرعي والتصدي لأي مناهض لحكم الله وشرعه.
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة شوكة التمكين وإقامة الخلافة، وتعتمد على البناء الاقتصادي للإمارة الإسلامية، وتتطلب الإغارة على الأعداء للحصول على الغنائم، مع التركيز على الأهداف الاقتصادية لشل حركة القوات النظامية، والسيطرة على حقول النفط أينما وُجدت في منطقة الفوضى، ومن ثم تأتي مرحلة التمكين وإقامة "الخلافة الإسلامية".
استحضار زمن الغزوات
هذه الإستراتيجية في الحرب يراها البعض عسكرية حديثة، إلا أنّها -إن تأملنا ما جاء فيها- محاولة حديثة لاستلهام محرف لماضي الغزوات في عهد النبوة وغاياتها.
هنا نذكر ما أشار إليه محمد فراج في كتابه "العبقرية العسكرية في عهد الرسول" الصادر العام 1963؛ فالغزوات استهدفت إضعاف القوة الاقتصادية للعدو المحارب، واعتمدت على الحصار الذي يعرف في عصرنا بالتطويق الأمني.

يختلف كتاب إدارة التوحش عن طروحات أبو قتادة باعتماده على استمالة المحكومين من خلال تأمين أساسيات المعيشة

كما يشير نزار أباظة في كتابه "تحت راية الرسول" (2011 ) إلى أنّ الحرب الاقتصادية والحصار العسكري أضعف قوة قريش في عهد النبوة، هنا يتراءى لنا أن كتاب إدارة التوحش– بالرغم من لغته المتطورة عسكرياً– ما هو إلا امتداد للحركات الجهادية المعاصرة التي أرادت –زوراً وبهتاناً- خلق صورة وقناعات ذهنية بأنها على منهج السلف الصالح؛ لأنّ السلف كان سلف الجهاد، وأن حروبهم مستلهمة من غزوات الرسول الكريم.
في هذا الصدد، اعتمد كتاب إدارة التوحش على مفردات قرآنية واضحة مثل؛ الطاغوت وضرب الأعناق والجاهلية وحدود الله وغيرها، واعتبر أي مواجهة رافضة لتلك الحركات الجهادية اعتداء على الماضي المقدس.
بالرغم أنّ فلسفة كتاب إدارة التوحش والفوضى والتمكين تعد نظريات حديثة نسبياً في صياغتها، إلا أنّها ليست مستجدة؛ أي إنّ الفكرة موجودة من قبل صياغة المصطلحات، حيث استخدمت أعتى التنظيمات الجهادية فلسفة الفوضى من أجل التمكين في حروبها القتالية ضد القوات النظامية والمنشآت المدنية واستهداف المدنيين، ومنها: جماعة السلفية للدعوة والقتال (الجزائر)، الجماعة المغربية المقاتلة (المغرب) وكلاهما أصبح فيما بعد جزءاً من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والجماعة الليبية المقاتلة (ليبيا)، والجماعة الإسلامية في مصر (قبل تقديم ما أسمته بالمراجعات الفكرية)، وتنظيم (داعش)، وجماعة شباب المجاهدين (الصومال)، تنظيم القاعدة (تنظيم عالمي)، جبهة النصرة (سوريا) وجماعة أنصار الشريعة (تونس)، وجماعة أهل السنة والجهاد في نيجريا المعروفة باسم (بوكو حرام) ومعناها باللغة الهوسية "التعليم الغربي حرام" وغيرها من التنظيمات التي تظهر بمثابة بؤر قابلة للتوسع الجهادي.

اقرأ أيضاً: كيف وظفت السلفية الجهادية مفهوم الطاغوت في القرآن الكريم؟
مواجهة شوكة النكاية والتمكين في الفكر الجهادي تُعد مهمة عتيدة، باعتبارها ليست مهمة عسكرية فحسب؛ ولكن كونها تعتمد على رؤية شرعية ومدعمة بفكر جهادي من القرآن الكريم والسنة النبوية لاستقطاب الشباب المتحمّس لنصرة الله تعالى، حسب قناعاتهم، وهذا يقود إلى معالجة استباقية من خلال مشروع يواجه هذه الأفكار في المهد قبل أن تتطور لمراحل حمل السلاح و التجنيد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



منظمات المجتمع المدني وأحصنة طروادة

2019-10-15

إذا كانت إشكالية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في الوطن العربي، قد تراجع اللغط بخصوصها؛ لأسباب تتعلّق بالأمر الواقع؛ حيث لم يعد بمقدور المناوئين تغيير الحال حتى لو صحّت اتهاماتهم، كما لم يعد الأنصار معنيين بتبرير الحال بحكم ضيق أوقاتهم وتصاعد انشغالاتهم، فإنّ التساؤل عن مدى مصداقية هذه المنظمات على صعيد الأداء والتأثير المنشود، ما زال قائماً ومشروعاً.

اقرأ أيضاً: جنان الجابري: منظمات المجتمع المدني للإسلام السياسي قناع لخدمة الأيديولوجيا
وسوف أغامر بوضع العربة أمام الحصان لأخلص بسرعة إلى القول: إنّ ما أحدثته وتحدثه هذه المنظمات من خلخلة في منظومة القيم والأفكار على صعيد الأوساط الشبابية والجامعية والثقافية والنسائية، يتجاوز حجم أدائها البرامجي على أرض الواقع بكثير! ولعل هذه المفارقة في حد ذاتها تتطلّب تفسيراً متأنياً، يمكن أن يوضح الكيفية التي تتطاير وفقها بعض الطروحات النخبوية في قاعات مغلقة، لتبلغ وتمسّ الملايين من أفراد القطاعات الحيوية والرئيسة في المجتمعات العربية التي تشهد منذ عقدين، حالات متوالية من التمخضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. ولعل تركيز منظمات المجتمع المدني على استقطاب عدد محدود ونوعي من الناشطين الذين يتمتعون بالقدرة الفائقة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يمثل مفتاح التفسير المنشود.

إنّ ما أحدثته وتحدثه هذه المنظمات من خلخلة في منظومة القيم والأفكار يتجاوز حجم أدائها البرامجي على أرض الواقع

وأيًّا كان الأمر، فإنّ من الملاحظ أنّ هذه المنظمات التي طالما أصرّ نشطاؤها على وصف الأحزاب السياسية بـ(الدكاكين) التي لا تعدو كونها مكاتب شبه مهجورة ويافطات برّاقة تهدف لإعادة تأهيل بعض المتقاعدين السياسيين، قد تحوّل كثير منها إلى (دكاكين) أيضاً تكاد تخلو من الروّاد، رغم يافطاتها البرّاقة وأنشطتها الموسمية المتباعدة المثيرة للجدل. ومعظمها الآن، وفي أحسن الأحوال، تحوّل إلى مراكز أبحاث ودراسات ودور نشر ربحية، لا تدّخر وسعاً للمشاركة والمنافسة في معارض الكتب. على حساب حضورها في الشارع وفي ملتقيات الرأي العام، ما يفرغ من مضمونها المطلوب ودورها المأمول.

اقرأ أيضاً: الزبائنية في منظمات المجتمع المدني الشيعية في العراق
وإذا كانت الموضوعية التامة، تتطلّب الإقرار بأنّ معظم هذه المنظمات قد انطلقت ببرامج ذات وتيرة تتسم بالثبات، فإنّ من الضرورة بمكان الآن، التأشير على حقيقة انتقال هذه المنظمات من طور العمل وفق نظام (الجُمْلة) إلى طور العمل وفق نظام (المُفَرَّق)! ولسنا بحاجة إلى كدّ أذهاننا لاستنتاج حقيقة تراجع حجم التمويل الأجنبي؛ لأسباب يقف على رأسها اقتناع الجهات المموّلة بأنّ معظم هذه المنظمات قد اعتنت دائماً بتوفير (الشكل) الذي يسوّغ الحصول على الدعم المالي، لكنها لم تعتن غالباً بتوفير (المضمون) الذي يمثّل غاية التمويل؛ فلم تفاجأ، لذلك، باكتشاف ما يشبه نظام (المقاولة) الذي يقوم على التعاقد الموسمي مع بعض (المورّدين) للروّاد المتحمسين لالتقاط الصور خلف الميكروفونات، ومطالعة أقوالهم في وسائل الإعلام، وتناول وجباتهم في ردهات الفنادق الفخمة، فضلاً عن ارتداء البزّات الأنيقة!\

اقرأ أيضاً: مقاومة الإرهاب بإحياء المجتمع المدني
وقد تزامن هذا الاكتشاف، مع تصاعد تنبه مراكز صنع القرار في الحكومات العربية لتأثير منظمات المجتمع المدني المقلق، فبادرت من جانبها لإطلاق منظّماتها التي يصعب تجاهل تأثيرها من جهة، كما تزامن هذا الاكتشاف أيضاً مع انفضاض كثير من نشطاء منظمات المجتمع المدني عنها؛ لأسباب يلوح في مقدّمتها اقتناعهم بأنّها ليست أكثر من مشاريع تعمل وتُدار لصالح بعض المثقفين والإعلاميين والسياسيين اللّامعين الذين يعرفون كيف ومن أين تؤكل الكتف!
وبوجه عام، فإنّ توقيت اندفاع هذه المنظمات إلى واجهة الأحداث الساخنة في الوطن العربي، وتوقيت اختفائها من مسرح الأحداث وكأنها لم تكن، ألقى وما زال يلقي بكثير من ظلال الشك والتساؤل عن حقيقة الأدوار التي تضطلع بها، إلى درجة أنّ خصومها لا يترددون في القطع بأنها ليست أكثر من أحصنة خشبية مجوّفة تخفي في باطنها العديد من الأجندات التفكيكية، ويدلّلون على ذلك بانبثاقها المفاجئ على سطح الربيع العربي الذي آل إلى ما آل إليه من خواتيم محزنة في ليبيا واليمن وسوريا، ثم اختفائها واختفاء نجومها على نحو مثير للاستغراب.

توقيت اندفاع هذه المنظمات لواجهة الأحداث في الوطن العربي وتوقيت اختفائها ما زال يلقي بالشك حول الأدوار التي تضطلع بها

ومع أنّ خصوم منظمات المجتمع المدني، لا يمارون في حقيقة أنها اضطلعت إلى حد بعيد بإبراز قضيتي الشباب والمرأة في المجتمع العربي، إلا أنّهم يأخذون عليها في المقابل، إسهامها في إكساب القضيتين أبعاداً راديكالية، ذهبت بكثير من الشباب والنساء في اتجاه التمرّد على المجتمع برمّته، بدلاً من العمل على الاندماج فيه والتغيير الهادئ المدروس من خلاله. بل إن بعض هؤلاء الخصوم لا يتورّع عن تحميل هذه المنظمات وزر تصاعد وتيرة العدمية والتشاؤمية والميل إلى العنف الفكري لدى الشباب، جرّاء تصاعد إحساسهم بأنّهم كتلة حرجة مهملة في أوطانهم، ما دفع ويدفع كثيراً منهم إلى الهجرة لأقطار الغرب، دون أسف على أوطانهم التي تمور بالبطالة والعنف والفساد. والأنكى من ذلك، اتجاه كثير منهم إلى ما يشبه القيام بتصفية حساب مع هوياتهم الوطنية والقومية والتاريخية والحضارية، فتراهم ينقضّون دون هوادة على كل الثوابت، وكأنّهم بذلك يوجهون لكمات قاسية لأيام فقرهم ومعاناتهم وإحباطهم وتهميشهم ومحاصرة أحلامهم، التي ترعاها الآن دوائر الهجرة في أمريكا وألمانيا وإنجلترا واستراليا والسويد إلخ إلخ إلخ!!!

للمشاركة:

فيلم الجوكر.. هل يعكس خللاً آخر بين جيلين؟

2019-10-14

نعم، سأتحدّث عن فيلم الموسم "الجوكر"، رغم أنّني لست ناقداً فنياً، ولا أملك أدوات النقد، لكنّني أب لمراهقين يتابعون الفيلم؛ لذا لن أتحدث عنه من حيث الأداء أو التصوير أو الإخراج، ولا من أيّ جانب من جوانب صناعة السينما، إنما سأتناوله من منظور الراشدين، وأثر الفيلم في أبنائهم المراهقين، فلي مع هذا الفيلم تجربة شخصية، قد تكون شأناً خاصاً بي لكنّها بالتأكيد تؤدي للشأن العام.
تبدأ قصتي مع هذا الفيلم من قرابة شهرين؛ عندما جاءني ابني (محمد)، وهو الثاني في الترتيب، وأول الذكور، وأنا منهمك في البحث والكتابة، وفاتحني برغبته في السفر إلى الإسكندرية، يوم 5 تشرين الأول (أكتوبر)، هو ومجموعة من أصدقائه لمشاهدة فيلم "الجوكر".

هل صدقت نبوءة سيد ياسين في كتابه "شبكة الحضارة المعرفية من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي"؟

محمد بالكاد استكمل 15 عاماً، وهو بالصف الأول الثانوي، وافقت؛ حيث ظننت أنّه فيلم يعتمد على الشخصيات الخرافية، مثل: "باتمان" و"سوبرمان"، وباقي تلك السلسلة من الأفلام التي تحارب الشرّ وتنتصر للخير، ولماذا الإسكندرية؛ لأنّنا في مدينة صغيرة (دمنهور)، ولا توجد فيها دور سينما تعرض مثل هذه الأفلام؛ لذلك قرّر، هو وأصدقاؤه، الذهاب إلى الإسكندرية؛ لأنّها أقرب مدينة كبيرة منا، ولا تبعد عنا سوى 60 كيلومتراً.
لم أنتبه لتعمّده طلب ما يريد وأنا منهمك في الكتابة، يبدو أنّه أدرك أنّي أوافق على كافة طلباتهم أثناء الكتابة، لهذا لم أناقشه كثيراً، ولم أتفهّم طبيعة مشاعره المرتبطة بالفيلم، ولا بشخصيته الرئيسة.
وبعد مضيّ شهرين؛ جاءني يطلب الإذن بالسفر، كما وعدته، ولأنّي لم أتذكر هذا الوعد، أنكرت أنّي وافقت على طلبه من الأساس، ومثل كافة الآباء، اتّهمته بأنّه متحايل، وظلّ يذكّرني بوعدي بإصرار، ولولا تدخّل أخته، وهي طالبة جامعية، لتؤكّد لي أنّها كانت شاهدة على موافقتي، ما كنت صدّقته، ثم بدأت أتذكر فعلاً وعدي إياه، وعلّلت نسياني بطول الفترة؛ فقد مضى أكثر من شهرين، واعتذرت له على اتهامي له، ثم انتبهت، كمن لسعه عقرب، ما هذا يا محمد أنت وأصدقاؤك تستعدون لهذا الفيلم من شهرين؟! أجاب بتحدٍّ واضح: "أيوا وفيها إيه؟" فتدخلت أمه وقالت: "ليتك كنت تستعدّ للاختبارات قبلها بشهرين، كما استعددت لهذا الفيلم!"، فقال مستعطفاً: "ماما الله يخليكي مش وقته الكلام عن الدراسة خالص".

اقرأ أيضاً: كيف تحول فيلم الجوكر إلى قضية أمنية في الولايات المتحدة؟
أذهلني محمد، ابن الخامسة عشرة، فهو مشترك هو وأصدقاؤه في "مجموعات للدردشة" تنظّم عمليات حجز التذاكر وأيام العرض لمشاهدة هذا الفيلم وغيره في السينما، هل يصدق أحد أنّ هؤلاء الصبية دارت بينهم حوارات توقعوا فيها أحداث الفيلم، لاحقاً سأعلم أنّ أحداث الفيلم جاءت على غير ما توقعوا، لكنّني لم أكن أتخيل أن يصل اهتمامهم إلى مشاركة المخرج والمؤلف صناعة الفيلم، والأسوأ، بالنسبة إليّ، أنّهم يتابعون أخبار الفيلم وأبطاله، وكأنّه فيلم مصري، أو كأنّهم أمريكيون!
لم يدر في خلدي، ولو للحظة، أنّهم يعرفون شركات الإنتاج الأمريكية التي تنتج لهم الأفلام، ويدركون طبيعة الصراع بينهم، ويعلمون أموراً تفصيلية عن تلك الشركات؛ مثل أنّ شركة (DC) تنافس شركة (MARVEL)، وأنّ المتحدث باسم الشركة (DC) هي شركة (WB)، والمتحدث باسم  شركة (MARVEL) شركة (ديزني)، ويعرفون كلّ الأبطال الذين قاموا بدور المهرج، بدءاً من جاك نيكلسون، ومروراً بالممثل الأسترالي، هيث ليدجر، الذي انتحر، والذي يعدّ، بالنسبة إليهم، أفضل من قام بالدور (حتى الآن)، وأخيراً: خواكين فينكس، وأنّ الجوكر هو شخصية من إنتاج شركة "دي سي كومكس"، وأنّهم صنعوه ليكون عدوّ باتمان اللدود.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص فيلم فندق مومباي مصادر الإرهاب؟
في المقابل؛ محمد لا يعرف أيّة شركة مصرية، أو حتى عربية، لإنتاج الأفلام، ثم تحدّث ساخراً عن الأفلام المصرية، والتي تقدّم، بحسب قوله الـ(ولا حاجة)، لكنّ الطعنة الحقيقية عندما تناول فيلم "الممر" بسخرية، فقال: "حتى فيلم الممر يلي أنتوا طالعين بيه السما، هو أساساً فيلم متركب، والكثير من مشاهد الحرب فيه مأخوذه من فيلم إنقاذ الجندي ريان، والمصيبة أنّه يؤرخ لمرحلة الهزيمة لا النصر"، فانفعلت عليه وقلت: "بل هو ينقل حقيقة حرب الاستنزاف، يا جاهل"، وظللت اتهمه وجيله بكلّ ما أتذكره من كلمات الانتقاص، ولأنّ محمد مؤدب لم يرد، لكنّه قتلني حين قال: "وحرب الاستنزاف دي كانت انتصار ولا هزيمة؟" فقلت له: "اسكت خالص، ولا أسمع صوتك، يعني مش عاجبك فيلم الممر، ورايح تتفرح على فيلم غربي وشخصيات وهمية أشبه بأفلام الكرتون، لا تمتّ للواقع بصلة"، فقال: "يبدو أنك لا تريد أن تسمعني"، فقاطعته قائلاً: "أسمع ايه! أنت عندك حاجة"، فانفجر محمد في الكلام والدفاع عن الفيلم، وعن نفسه، وعن أفكاره، وعن أصدقائه، وعن حياته، وظلّ يتحدث بانفعال حتى أشفقت عليه، وأعطيته الإذن ومبلغاً سخياً من المال.

اقرأ أيضاً: فيلم "The Lobster": هناك أسوأ من أن تكون وحيداً
كأب يظنّ في نفسه أنّه قام بدوره في تربية ابنه وغرس فيه حبّ الوطن، والفخر بعروبته ومصريّته، أُسقط في يدي، نعم، أعترف بأنّني لم أعد أعرف ابني، وأعترف بأنّني لم أعرف ماذا أفعل؛ فقد استحوذ الفيلم وأخباره على اهتمامهم، ومن ثم على تفكيرهم، ولم يجذبهم فيلم رائع مثل "الممر"، هل هذا طبيعي؟ هل ما يمرّ به محمد ورفاقه مجرد الرغبة في التقليد فحسب، أم هي ثقافة العولمة، أم هي "أمركة" العالم؟ فقديماً كنا "نمصّر" الروايات العالمية لتناسب الشعب المصري، أما الآن فأمريكا "تُؤمرِك" الشعوب لتتناسب مع ثقافتها، أم أنا أبالغ لا أكثر؟ وهل الصواب أن أتنحى جانباً لتمرّ هذه الثقافة العالمية، أم أقف أحاربها حفاظاً على محددات الهوية العربية والوطنية؟
وهل صدقت نبوءة الكاتب الكبير الراحل، الأستاذ سيد ياسين، التي جاءت في كتابه "شبكة الحضارة المعرفية من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي"، ص 49، تحت عنوان "الثورة المعرفية"، وأيّاً ما كان الأمر، فإنّ الثورة المعرفية يمكن، في تقديرنا، أن تتلخص في عبارة واحدة: "الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة"؛ فهل انصراف الصبية الناشئة عن الموروث الفكري والثقافي هو أحد تجليات ما بعد الحداثة؟ ربما..

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف كثيراً عن الفيلم، أو الشخصية الرئيسة فيه، وبدأت في البحث عنه، وعن أبطاله، ومن هو هذا الجوكر، فاكتشفت أنّه شخصية وهمية، يزعم من صنعها أنّها لشخص ربما سقط في برميل نفايات كيميائية، جعلت وجهه أشبه بالمهرج، وأنّه رسم ابتسامة شريرة على وجهه بالسكين، وأنّه أصبح ينتقم ويقتل في المدينة بلا رحمة أو تمييز.
هذه الشخصية أثّرت في شباب مراهقين في أمريكا، وتسبّبت في إطلاق رصاص في قاعة من قاعات عرض الفيلم؛ لهذا رفض كثيرون العمل وحذروا منه؛ فقد جاء على موقع "بي بي سي"؛  أنّ هذا الفيلم أثار جدلاً واسعاً بين المؤيدين الذين اعتبروه عملاً هادفاً، ويحمل رسائل مهمّة، والمعارضين الذي اتهموه بالعنف الشديد والمشاهد المظلمة التي تجلب الاكتئاب والأمراض النفسية والعقلية، ودعا كثيرون إلى حظر الفيلم من دور العرض، قائلين إنّه يروّج للعنف، ويمكن أن يلهم البعض للقيام بعمل إجرامي مثل إطلاق النار الجماعي.

كأب يظنّ في نفسه أنّه قام بدوره في تربية ابنه وغرس فيه حبّ الوطن والفخر بعروبته ومصريّته أُسقط في يدي

انتظرت محمد حتى عاد، وسألته، عن الفيلم وقصته، وهل كانت أحداثه كما توقّع، فقال: "كنت أتوقع أن يكون فيلماً سوداوياً في جزء منه، لكن ليس إلى هذه الدرجة؛ ففي الإعلان كنت أشاهد مشاهد غير مفهومة، لكنّني لم أكن أتوقع كمّ الكآبة التي شاهدتها في الفيلم".

فقلت له: إذاً كان الأمر لا يستحق عناء السفر؟ قال: "بل يستحق، لأنّ له رسالة"، فقلت له: "وما هي تلك رسالة؟"، فقال: "الفيلم يناقش قضية إنسانية، وليست قضية مجتمعية؛ أي قضية تخصّ مجتمعاً دون آخر، فهو يناقش خطورة ألا تسمع الآخر ولا تعطيه فرصة للتعبير عن نفسه، وكيف يؤدي هذا إلى كبت نفسي سلبي، يمكن أن يخرج على هيئة (الجوكر المدمر والقاتل)، لأنّ أيّ شخص بداخله هذا "الجوكر"، ولكن بنسب متفاوتة"، قفلت له: "وهل كلّ من يتعرض لكبت ما يكون الحلّ أن يخرج لنا "الجوكر" الذي بداخله؟ أليست هذه دعوة للعنف؟"، فقال: "لا، هذه ليست دعوة للعنف، أنتم تريدونها كذلك، لكننا تلقينا الرسالة كتحذير من عدم الاستماع إلى الآخر، أو عدم تفهم الآخر، إنّ الكبت قد يؤدي لظهور "الجوكر"، كلياً أو جزئياً، في تصرفات البعض، المشكلة أنكم تريدون أن تلوموا "الجوكر"، ولا تلوموا من أخرجه من مكمنه، ولا تتحمّلوا جميعاً ثمن كبتكم له"، ثم نظر إليّ نظرة، كنظرة "الجوكر"، بابتسامته القاتلة، فقلت له: "روق يا محمد، أنت حبيبي والله.. مش عاوز فلوس كمان؟".

للمشاركة:

المنطقة العربية "مغارة الدم" .. والبروكسي التركي والإيراني

2019-10-13

منطقتنا العربية التي يمكن وصفها بأنّها "مغارة الدم"، منها بدأ الإنسان الأول، ومنها بدأت أول التجمعات البشرية، ومنها ولدت الفكرة الأولى المنشئة للحضارة، وفيها فعلاً لا وصفاً "مغارة الدم"، تلك التي شهدت أول دم أريق في تاريخ البشرية حين قتل قابيل أخاه هابيل، وربما ليست مصادفة أن نتحدث عن شمال سوريا والحرب الدائرة فيه، وأن تكون سوريا موطن "مغارة الدم" في جبل قاسيون شمالي دمشق.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
ولهذه المنطقة العربية المشبعة بالأزمات والمشكلات على مدار عقود طويلة منذ أزمنة الخلافة ما بعد الراشدين، ومنذ أزمة ما قبل الاستعمار، وما بعد الاستعمار إلى يومنا هذا، أوجاع  اقتصادية، وأمراض سياسية مزمنة، وأوهام ثقافية، وأوهام نخبوية، ووعي مجتمعي مصاب بالتشوه والعطب بفعل فاعلين أساسيين من النخب السياسية وغير السياسية.

توجه تركيا لمنع إقامة أي كيان للأكراد لا يمكن أن يبرر انتهاك سيادة سوريا

منطقة مازالت تتوهم أنّها تعيش ثقافة المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة، والحقيقة أنّها تعيش حالة من الارتباك المفاهيمي واستغلاق القيم، وفوق ذلك التوترات المتصاعدة، والاستقطابات الحادة لجهة لا تخدم مصالحها ولا تحقق مشروعها المهزوم دوماً، ولا تنهض بأي أهداف أو غايات تغييرية وإصلاحية، لكي تبقى رهينة دوائر الصراعات ومحاور الشر المصنوعة سلفاً.
في سوريا وفي العراق نموذج واضح للفعل البروكستي، نسبة إلى "بروكست" الأسطوري الخارج على القانون، الرافض للتعاليم، والمستغرق في شهوة الاختطاف والقتل وقطع الطريق، الذي كان يتقن في "تمطيط" جسد ضحاياه ليأتي على مقاس سريره.
في العراق، إيران تفعل أفاعيلها في بتر جسد العراق وتمطيطه، وفي سوريا أيضاً، إيران الحاضرة بقوة مشروعها، وتركيا الحاضرة بسلطتها، وادعاء شرعيتها التاريخية التي تتوهم أنّها ربما تستطيع أن توظفها لتسويق مشروع الحلم السلطاني القديم في المنطقة.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
إنّ إيران وتركيا ليستا سوى - بشكل أو بآخر - "بروكسي" بالمعنى الذي يمكن أن نقترضه أو نستلفه من علوم الحاسوب، بما يعنيه أنّ هذا البروكسي عبارة عن خادم يعمل كوسيط للطلبات بين العميل الذي يطلب مصادر من خوادم أخرى؛ إذ لا يمكن أن نتصور إطلاق يد إيران وتركيا في المنطقة دون إذن أو تنسيق أو اتفاق متعدد الأطراف بينهما وبين القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تحدثت عنه تركيا تماماً حين بدأت عملية "نبع السلام" في شمال شرق سوريا بضوء أخضر أمريكي، حتى وإن أنكرت أمريكا ذلك عبر تصريح وزير خارجيتها "مايك بومبو" بأنّ بلاده لم تمنح تركيا الضوء الأخضر لغزو تركيا ومهاجمة القوات التركية.

حتى متى يجب أن تعتاد منطقتنا على مقابلة كل هذه الأزمات والأوجاع بكتم غيظها؟

بين تركيا والأكراد ما لم يصنعه الحداد أيضاً، ورغبة تركيا وسياستها تجاه منع إقامة أي كيان للأكراد في شمال سوريا أو العراق، لا يمكن أن يكون حجة لدخول قواتها لسوريا واختراقها للحدود والسيادة والأعراف الدولية، وهو ما كانت تركيا تنتقد فيه إيران في العراق، حتماً مع اختلاف شكل وموضوع وقوة الوجود التركي في سوريا عن الوجود التركي في سوريا، لكن كل ذلك لا يصنع حجة لتركيا في شمال سوريا.
هكذا تبدو قراءة نماذج من مشاهد المنطقة العربية، عدا عن نماذج ومشاهد أخرى في ليبيا وتونس ومصر واليمن والتغول الحوثي الإيراني فيها.
أصبحت المنطقة، بأزماتها وأوضاعها السياسية المأزومة، على مقاس المصالح، وحروب حسب مستوى الأطماع، وصراعات تبقي الباب موارباً لدخول مزيد من التشظي والانقسام والتجزيء، ولبؤر ساخنة مهيأة لصناعة مستقبل مرتبك، كل ذلك من شأنه أن يعطي طاقة قصوى لتزويد مشغلات الصراع الأطول عالمياً في العصر الحديث.

اقرأ أيضاً: احتجاجات العراق.. والدور الإيراني

اعتادت المنطقة كلها على هذه الأزمات والصراعات والأوجاع، وهي مطالبة أن تعتاد على كتم غيظها، ولجم صراخها، وكبح جماح ذاك النزق الذي ينزّ من أزقتها وحاراتها، لكي تبقى على قيد الحياة، على أقل تقدير، وثمة سؤال: هل كان يطلب بروكست من ضحاياه أن يكتموا أوجاعهم، وهو يمطط أجسادهم أو يبتر أقدامهم ليكونوا على مقاس سريره؟.

اعتداء تركيا لا يمكن أن يكون دون إذن أو تنسيق مع القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة

قدرنا في المنطقة المصابة بلعنة التاريخ ربما، أن نبقى داخل إطار التفكير الأمريكي ذي الاتجاهين؛ الاتجاه الأول اخترعه (روزفلت) الذي لا يرى مصلحة لأمريكا إلا أن تكون القوة العالمية الضاربة، ولا توازن عالمياً بدونها، ولا فاعلية لقانون أو مجتمع دولي بدون رؤيتها له وتحكمها بتمريره أو وقفه، والاتجاه الثاني اخترعه (ويلسون) واخترع معه عصبة الأمم المتحدة، مانحاً حدوداً قصوى للأخلاقيات والمبادئ بدلاً من توازن القوى، وسباقات التسلح، ولكن حتى هذه الأخلاقيات، فهي موضوعة سلفاً داخل الإطار الأمريكي، فلا مبادئ إلا ما تقرره كمبادئ ولا أخلاق إلا ما تراه أخلاقاً. وذلك هي حالة متقدمة من تزييف الوعي بالفضيلة والأخلاق والقيم والمبادئ والقانون.
السؤال الأخير.. هل باتت عملية تزييف الوعي بالأخلاق والمبادئ والأعراف الدولية معدية حتى باتت بعض الدول تحمل مشاريعها وطموحاتها إلى منطقتنا، لتسويقها بلا أي غطاء ولا أية شرعية سوى شرعية وهم الإمبراطوية الفارسية القديمة.. ووهم العثمانية الجديدة؟

للمشاركة:



بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:

أمريكا تعاقب إيران على هجوم أرامكو.. بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قالت واشنطن، اليوم، إنّها شنّت هجمات سيبرانية ضدّ إيران، بعد الاعتداء على منشآت أرامكو النفطية في السعودية، في 14 أيلول (سبتمبر) الماضي.

وأكّد المسؤولون، الذين نقلت عنهم وكالة "رويترز"؛ أنّ الهجمات السيبرانية هي وسيلة لمعاقبة طهران دون إحداث أضرار عالمية.

ونقلت الوكالة، عن مصادر أمريكية (لم تسمها) قولهم: إنّ "واشنطن شنت هجمات إلكترونية على إيران بعد الهجوم الذي استهدف منشآت "أرامكو" النفطية، الواقعة في المنطقة الشرقية للسعودية، والتي تسببت بضجة عالمية مع تبني جماعة الحوثي اليمنية للعملية، في حين اتهمت الرياض وواشنطن طهران بتنفيذها وهو ما نفته الأخيرة".

"رويترز": واشنطن شنّت هجمات سيبرانية ضدّ إيران بعد الاعتداء على منشآت "أرامكو" النفطية

ولم تكن تلك الهجمات هي الأولى من نوعها، عام 2019، فقد كشفت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، الخميس 29 آب (أغسطس) 2019، شنّ الولايات المتحدة هجوماً إلكترونياً واسعاً على إيران؛ تسبَّب في وقف قاعدة بيانات مهمّة لديها، استخدمت لمهاجمة ناقلات نفط في الخليج.

ووفق "نيويورك تايمز"، التي أوردت تصريحاً لـ "مسؤول رفيع"؛ فإنّ الهجوم الإلكتروني الأمريكي، الذي وقع في شهر حزيران (يونيو) الماضي، تسبَّب في إعاقة مجموعة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقدرة إيران على تنفيذ هجمات سرية.

وبحسب الصحيفة؛ فإنّ واشنطن من أجل تنفيذ هجومها الإلكتروني على إيران استعانت بفيروس يحمل اسم "ستاكسنت"، الذي اكتُشف للمرة الأولى، عام 2010، ويعتقد أنّه صمم؛ من أجل مهاجمة منشآت نووية إيرانية.

ووقع هجوم الولايات المتحدة الإلكتروني ضدّ إيران بعد أن أسقطت إيران طائرة مسيَّرة أمريكية فوق مضيق هرمز.

المسؤول الرفيع الذي تحدث للصحيفة؛ هو ضابط استخبارات سابق، يدعى نورمان راؤول، وقال في رسالة تحمل في طياتها تهديداً واضحاً لإيران: "يجب عليك أن تنقل أمراً واحداً لعدوك بفاعلية؛ أنّ للولايات المتحدة قدرات متعددة لن يتمكن العدو من الوصول إليها أبداً، لذلك من الأفضل لجميع الأطراف أن يتوقفوا عن أعمالهم العدوانية".

وأفاد التقرير بأنّ "إيران ما تزال تحاول إصلاح أنظمة اتصالاتها المهمّة، ولم تستعد المعطيات التي فقدت في الهجوم الأمريكي عليها، إضافة إلى أنّها لم ترد عليه بعد".

وكانت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية قد نشرت، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، تقريراً عما وصفتها بـ "أكبر الأسرار التي تخفيها حكومة الولايات المتحدة"، وتتعلّق بأخطر الأسلحة الإلكترونية التي تمتلكها، ومتى يمكن أن تستخدمها.

الصحيفة ذكرت أنّ السلاح الإلكتروني الغامض والأكثر تعقيداً، الذي استُخدم حتى الآن؛ هو "ستاكسنتStuxnet) ")، هذا الفيروس الذي بُرمِج خصوصاً لاستهداف المفاعلات النووية الإيرانية.

الصحيفة استطردت تقول: "هذا الفيروس يطرح سؤالاً خطيراً: ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة مع خصومها إذا ما قررت أن تشنّ حرباً إلكترونية عليهم؟".

وواصلت: "لم تعترف الحكومة الأمريكية، حتى الآن، بأنّها المسؤولة عن إطلاق فيروس ستاكسنت على حواسب المفاعلات النووية الإيرانية، ولم يعرف، حتى الآن، ما هو المدى الذي وصلت إليه الأسلحة الإلكترونية الأمريكية في مجال الحروب الرقمية".

من المعروف أنّ أيّة حرب ستنشأ في المستقبل على مستوى كبير سوف تصبح الهجمات الإلكترونية جزءاً منها، وتعمل الدول الكبرى الآن على تطوير أسلحتها في هذا المجال.

وشهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية توتراً وتصعيداً عسكرياً، وذلك بعد انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، الذي وقِّع عام 2015 مع طهران.

 

 

 

للمشاركة:



مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:

طهران ـ النجف.. مشروعية المكان وشرعيته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

مصطفى فحص

أثبتت أحداث العراق الأخيرة أن مشروع التوسع الإيراني يواجه، لأول مرة، أزمة تهدد مشروعيته العقائدية والسياسية، بعدما وضع نفسه بمواجهة لها بعدان؛ الأول جغرافي، والثاني ديمغرافي، إذا أخذنا بعين الاعتبار مناطق المظاهرات، التي وحدها حددت الهوية العقائدية والثقافية للمتظاهرين، وانتماءاتهم الروحية، وليس المذهبية، التي تَقلَّص حضورها في تكوين الفرد العراقي، وانفعالاته، نتيجة لعوامل عددية؛ أهمها تراجع دور الاستقطاب الطائفي الذي مارسته أحزاب الإسلام السياسي، وفشل تجربتها في بناء دولة حديثة، إضافة إلى عامل اقتصادي معيشي، نتيجة الفساد وسوء توزيع الثروة، الأمر الذي انعكس على مواقف أغلب الطبقات الاجتماعية، خصوصاً العاملة، تلك التي تقطن في أكثر مناطق العراق غناً ولكنها الأشد فقراً.

مما لا شك فيه أن تقلص العامل المذهبي، خصوصاً لدى شيعة العراق، أدى إلى بروز معضلة بنيوية في علاقتهم مع طهران، وموقفهم من هيمنتها على قرارهم الوطني منذ سقوط نظام صدام حسين، هذه المعضلة باتت الآن تمس جوهر العقيدة التي تذرع بها نظام طهران من أجل تبرير مفهومه التوسعي الذي قام على مبدأين؛ تصدير الثورة كنموذج إسلامي أممي بزعامة الولي الفقيه، واستقطاب الحالة الشيعية غير الإيرانية، بعدما قدم نفسه الحامي الوحيد لها، ويأتي تركيزه على الحالة العراقية كونها تمثل الهوية العقائدية الشيعية ورمزيتها (النجف وكربلاء) يستخدمها لتبرير شرعيته خارج حدوده الوطنية، التي إذا خسرها سيتعرض مشروعه إلى انكشاف عقائدي لا يمكن تعويضه. وقد ظهر الربط الواضح والصريح ما بين قدسية المكان وعقيدة النفوذ الإيراني، في تصريح للرئيس حسن روحاني في شهر مارس (آذار) 2016، حين أكد أن «إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين».

عملياً، كشفت المظاهرات الأخيرة عن فشل مشروع الاستقطاب الإيراني بطبيعته الاستتباعية، التي استهدفت تذويب الهوية الوطنية العراقية بهدف التماهي الكامل مع طهران، حيث شكل صعود الحس الوطني دوراً لافتاً في «انتفاضة تشرين الأول» المطلبية، التي وَجَّهت إنذاراً سياسياً لطهران يحذرها من مغبة خسارة البيئة الاجتماعية الشيعية الرافضة لتصرفاتها في الشأن العراقي، وشكلت صدمة لنفوذها في العراق، ما دفعها إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين من أجل القضاء على حالة شبابية ممكن أن تتوسع، وتصبح جماهرية تهدد سيطرة حلفائه على الدولة، وتهدد وجودها في المكان الذي تستمد منه المشروعية العقائدية لمشروعه.

منذ معاهدة «زهاب» المعروفة باتفاقية «قصر شرين» ما بين السلطة العثمانية والدولة الصفوية، سنة 1639، التي حددت أُطر الوجود الإيراني في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، خضع استقرار النظام السياسي في إيران لتأثيرات النجف، وكانت الحركة المشروطية، أو ما يعرف بالثورة الدستورية عام 1907، المحطة الأبرز في حجم حضور النجف، وتأثيرها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية (البازار) في الدولة الإيرانية، أما المحطة الثانية هي نفي زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني إلى النجف بعد خروجه من تركيا 1965، وفي المحطتين أثرت النجف في التحولات الإيرانية، بسبب الربط ما بين قداسة المكان، وتأثيره على الفرد أو المشروع، ففي النجف كتب الخميني كتابه الذي بنى عليه مشروعه السياسي «الحكومة الإسلامية»، كما أنه من النجف خرجت أول النصوص الإصلاحية في الفقه السياسي الشيعي للمرجع آية الله النائيني كتاب «تنبه الأمة وتنزيه الملة» الذي كتبه النائيني مطلع القرن الماضي، ويعبر عن ذروة تعاطي الحوزة العلمية الشيعية التقليدية في الشؤون السياسية، حيث انحاز مجموعة من أساتذتها إلى «الحركة المشروطية» (الدستورية) بوجه أنصار المستبدة، هذا الانحياز أو التبني النجفي للمشروطية كان له تأثير مباشر على تطور الأوضاع السياسية في إيران، وكان أحد أبرز العوامل التي مهدت للثورة الدستورية سنة 1907.

في الوعي السياسي الإيراني، هناك كتابان يملكان حيزاً كبيراً في ذاكرتهم السياسية والعقائدية صدرا في النجف؛ الأول كشف عن حجم تأثير الحوزة النجفية في المجتمعات الشيعية في العالم، والثاني بقي خارج المنظومة الفكرية النجفية الكلاسيكية التي تحافظ على مسافة دقيقة وحساسة في علاقتها المباشرة مع السياسة، والتي برزت في تحفظها على مشروع ولاية الفقيه، وتمسكها بولاية الأمة على نفسها، وبرزت في تبنيها للمشروطية الدستورية التي تنظم الحياة السياسية في البلدان التي يطبق فيها الدستور، والدعوة إلى اندماج الشيعة في أوطانهم.

يدرك النظام الإيراني أن السيادة العراقية تمر بالنجف العصية على المصادرة، ومن دونها يفقد أي نظام في بغداد أو طهران كثيراً من شرعيته التي لم تعد ممكنة، بعد انحياز النجف بطبيعتها الكلاسيكية إلى المشروطية، فباتت مشروعية طهران ومشروعها التوسعي الاستبدادي أمام تحدٍ نجفي أقرب إلى وجدان المتظاهرين ومشروعيتهم.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

 

للمشاركة:

بوتين في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

د. حسن مدن

أدرك مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ قيام الدولة أهمية أن تكون لها علاقات مع موسكو، السوفييتية يومها، فيما كانت الولايات المتحدة تضغط في اتجاه عزل الاتحاد السوفييتي، والحيلولة دون تعاون الدول الأخرى معه، لكن الشيخ زايد، رحمه الله، ببعد نظره فهم أهمية أن تكون للإمارات علاقات دولية متوازنة.

استمرت الإمارات على النهج الذي رسمه مؤسسها، وأقامت أوجه تعاون مع روسيا، من بين ثمارها، مؤخراً، رحلة رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري إلى المحطة الفضائية الدولية بالتعاون مع روسيا، التي حلّ رئيسها فلاديمير بوتين ضيفاً على الإمارات بعد زيارة مماثلة ناجحة إلى المملكة العربية السعودية.

زيارتا بوتين إلى الرياض وأبوظبي تأتيان في التوقيت المناسب تماماً، حيث تظهر التجربة الملموسة أن مصلحة دولنا الخليجية هي في إقامة علاقات دولية متوازنة، والكف عن الاعتماد على قوة دولية واحدة هي الولايات المتحدة، فروسيا صديق مجرب للعرب، أظهرت حرصها على علاقات قائمة على الوضوح ومبنية على تبادل المصلحة المشتركة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي وغيرها.

لا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن القراءة الحصيفة لمجريات الوضع الدولي تشير إلى أن زمن الأحادية القطبية والتفرّد الأمريكي بالعالم قد ولى، وأن نظاماً دولياً جديداً متعدد الأقطاب قد تشكّل فعلاً، وهو يشق طريقه صعوداً إلى المستقبل، وأن روسيا، إلى جانب الصين، ركنان أساسيان في هذا العالم الجديد، ومصلحة دولنا هي في الانفتاح على هاتين الدولتين الكبريين، والتعويل على دورهما المحوري ليس فقط في التعاون الثنائي، وإنما أيضاً في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وإبعادها عن التوترات والحروب والنزاعات، بما يحافظ على ما تنعم به شعوبنا من أمن واستقرار، ويصون السلم في العالم كله.

إن أمن منطقة الخليج قضية عالمية بامتياز، ومن الخطأ ركن مسؤوليتها إلى قوة دولية واحدة أظهرت مراراً أنها لا تفكر إلا في مصالحها، وتنضج أكثر فأكثر مهمة أن يكون أمن هذه المنطقة مسؤولية جماعية مشتركة، بالنظر لما تمثله من أهمية اقتصادية للعالم، انطلاقاً من مصالحنا الوطنية والقومية بالمقام الأول، ويمكن لروسيا بما تمثله من ثقل دولي متزايد أن تضطلع بدور كبير في ذلك.

زيارة بوتين إلى الإمارات، وقبلها الزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين تأتيان في هذا السياق.

عن صحيفة "الخليج"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية