عبد الرحمن السندي: لغز الرجل الأقوى في تاريخ "الإخوان"

10678
عدد القراءات

2018-10-28

عبد الرحمن على فراج السندي، الرجل الأكثر جدلاً، ليس في تاريخ جماعات الإسلام السياسي وفقط، ولكن داخل جماعة الإخوان نفسها، التي حاكمته عقب اغتيال رجاله للقاضي الخازندار، ثم انتهى بهم الأمر إلى فصله عام 1954، ما تسبب في محاولة السندي الانقلاب على سلطة الإخوان، ومحاصرة المركز العام، والضغط على المرشد حسن الهضيبي حتى يقدم استقالته عن إدارته لجماعة.

تجنيد السندي

ولد السندي في المنيا، عام 1918، وتوفي عام 1962. وبين هذين التاريخين عاش مريضاً بالقلب،، ما عجل بوفاته وهو في العقد الخامس من عمره.

عبد الرحمن على فراج السندي

حصل السندي على مؤهل متوسط، بعد أن فشل في أن يستمر بالدراسة بكلية الآداب، والتحق بوظيفة إدارية بوزارة الزراعة، وقادته الصدفة لأن يسكن في نفس المنزل الذي يقيم فيه محمود عبد الحليم، أول رئيس للنظام الخاص للجماعة، أو الجهاز السري، والذي ساهم في تجنيده وضمه لعضوية النظام.

ولد عبد الرحمن السندي في المنيا عام 1918، وتوفي عام 1962 وبين هذين التاريخين عاش مريضاً بالقلب

يقول محمود عبد الحليم، في الجزء الأول من كتابه "الإخوان المسلمون أحداث صنعت تاريخاً"، عن سر إعجابه بالسندي: "وقد لاحظت علي عبد الرحمن ... الهدوء والرزانة والجد، كما لاحظت إقباله عليّ إقبالاً يوحي بأنّ الدعوة التي عرضتها عليه تملك شغاف قلبه وتشعر بتشوقه إلى يوم يفتديها فيه بنفسه، وظللت طيلة ذلك العام على اتصال وثيق به، حتى إنه كان لشدة ثقته بي، وفرط حبه لي يعرض علي مشاكله الخاصة، فلما وثقت به تماماً عرّفته بالأستاذ المرشد باعتباره عضواً بالنظام الخاص".

صادف في تلك الفترة التي تعرف فيها عبد الحليم إلى السندي، أنه كان يبحث عن مشرف على النظام الخاص، بعد أن تقدم عبد الحليم لوظيفة حكومية استلزمت تركه القاهرة، ومن أهم الشروط التي اهتم بها عبد الحليم في قائد النظام الجديد أن يكون متفرغاً بالكامل لذلك العمل، وعن سر اختياره للسندي يقول:"وقد فهمت منه في أثناء ما عرضه علي من شؤونه الخاصة أنّ له إيراداً يمكن أن يقوم بشؤونه، فلما كنت بصدد اختيار من يخلفني في الإشراف على "النظام الخاص" تذكرت عبد الرحمن فرجعت إليه لألم بظروفه التي طرأت منذ انتهت دراستي بالكلية وغادرت "بين السرايات" ففهمت منه أنّ كل الذي طرأ عليه هو أنه لم يوفق في امتحان تلك السنة وأنه الآن يعيد السنة الأولى ... فشرحت له ظروفي وأنني مضطر أن أكون خارج القاهرة ، وأنني أبحث عن شخصية تخلفني للإشراف على "النظام الخاص" واشترط أن تكون مستوفية شروطاً معينة، وقلت له: إنّ هذه الشروط تكاد أن تكون مستوفاة فيك عدا "التفرغ " فهو ليس بالأمر الميسور".. فقال لي: إنني أشكر لك حسن ظنك بي.. وأنت تعلم أولاً أنني مريض بالقلب، ومعرض للموت في كل لحظة، وأحب أن تكون ميتتي في سبيل الله.. كما تعلم أنّ لي إيراداً وإن كان محدوداً إلا أنه يعينني على مطالب الحياة الضرورية.. وتعلم كذلك أنني رسبت في السنة الأولى بالكلية وأنني أعيدها.. وقد استقر رأيي على الانقطاع عن الدراسة وسألتحق بوظيفة في وزارة الزراعة بالثانوية العامة .. وبذلك يتوفر لي عنصر التفرغ الذي تطلبه".

اقرأ أيضاً: صحافة الإخوان: النظام السري لتوجيه الرأي العام

وأشار عبد الحليم في كتابه إلى أنه عرض الأمر على حسن البنا فوافق عليه، وأنه أحضر عبد الرحمن للمرشد وأنه بايعه أمامه على أن يقود هذا النظام، وعلى أن لا يقدم على أية خطوة عملية إلا بعد الرجوع إلى لجنة القيادة ثم إليه شخصياً".

غير أنّ السندي أخلف قسمه، بحسب روايات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مذكراتهم، وبدأ ينفذ عمليات اغتيالات وتفجير لا دراية للبنا بها، كان من أشهرها اغتيال القاضي الخازندار، تلك الحادثة التي تسببت في إجراء محاكمة للسندي داخل الجماعة، بعد مواجهته بالإمام البنا، الذي أكد أنه لم يصدر أمراً صريحاً باغتيال القاضي، فقد قال، في لحظة غضب من الأحكام المشددة التي يصدرها القاضي ضد شباب الجماعة، "لو ربنا يخلصنا منه"، كانت مجرد أمنية في لحظة غضب بالنسبة للبنا، غير أنها كانت أمراً مباشراً للسندي، أو هكذا اعتبرها!.

تأسيس النظام الخاص وقسم الوحدات

لم يكن السندي مسؤولاً عن تنظيم عادي داخل التيار، بل كان التنظيم الأقوى، الجناح المسلح للجماعة، الذي شغل تفكير البنا لأعوام قبل تنفيذه على أرض الواقع، بعد أن تيقن أنه لابد من قوة تحمي عمل الجماعة وتحركاتها في المقام الأول، ثم استخدامها للمقاومة ضد المحتل الإنجليزي في المقام الثاني.

اقرأ أيضاً: ما بين السندي ومحمد كمال.. جماعة الإخوان إذ تقدم قرابين الخلاص!

في البداية أسس البنا "عشيرة الجوالة"، ثم كان النظام الذي استمر حتى الآن وهو "نظام الأسَر" الذى أسس له عام 1943، هذه التقسيمات كانت لبنات في سبيل تأسيس "النظام الخاص" وقصد به وضع بذرة جيش إسلامي، وهو الموكل إليه القيام بالعمليات المسلحة إن لزم الآمر، في سبيل حماية الجماعة والدفاع عنها وعن أفكارها، ورأس النظام في البداية محمود عبد الحليم، ثم ما لبثت أن انتقلت القيادة إلى عبد الرحمن السندي. وأصبح فيما بعد النظام الخاص بقيادة السندي هو المسمار الذي دق في نعش الجماعة؛ بسبب أخطائه المتوالية، في استخدام العنف المفرط، دون الرجوع للبنا، المسألة التي عجلت بحل الجماعة، ودخولها في مشاكل كثيرة في حياة البنا، وحتى بعد وفاته.

أول عمليات النظام الخاص

بدأ النظام الخاص أول عملياته باستهداف جنود الجيش البريطاني من أجل بث الفزع والرعب في قلوب المحتلين الإنجليز. يقول محمود عبد الحليم:" كنا في ذلك الوقت في أوائل أعوام الحرب العالمية الثانية، وكانت القاهرة تعج بجحافل الجنود الإنجليز، وكنت لا تكاد تمشي في شارع من شوارع القاهرة لاسيما الشوارع الرئيسية خصوصاً بالليل إلا ويحتك بك جماعات من هؤلاء الجنود في حالة سكر وعربدة، يهاجمون الرجال والنساء، ويعبثون بكل ما تصل إليه أيديهم ، في الوقت الذي تلازمهم فيه أسلحتهم كأنهم في ميدان القتال".

ويتابع "جأر الأهالي بالشكوى من عبث هؤلاء الجنود، ومن كثرة ما جنوه من قتل أبرياء وهتك أعراض وتحطيم محلات، ولكن الحكومات التي تحكم البلاد لم تكن تجرؤ حتى على توصيل هذه الشكاوى إلى مسامع السادة الإنجليز".

لم يكن السندي مسؤولاً عن تنظيم عادي داخل التيار، بل كان التنظيم الأقوى، الجناح المسلح للجماعة

ورأى إخوان النظام الخاص أن يعملوا عملاً "يبث الخوف في قلوب هؤلاء الجنود العابثين، لعل هذا الخوف يردعهم عن عبثهم حين يشعرون أنّ الطريق أمامهم ليس سهلا ًكما اعتادوا، وأنّ هناك من يقف لهم بالمرصاد، وأن حياتهم ستكون ثمناً لهذا العبث".

وقرر "النظام الخاص " "لكي يكون للعمل بالغ الأثر أن يختاروا توقيتاً معيناً ومكاناً معيناً ومناسبة معينة، فاختاروا ليلة عيد الميلاد، واختاروا النادي البريطاني حيث يكون مكتظاً بالجنود الإنجليز وضباطهم وألقوا عليهم قنبلة لم تقتل أحداً، ولكنها بعثت الرعب في نفوسهم، وحققت الغرض منها تماماً فبدأوا يفهمون أنهم يعبثون وسط قوم يستطيعون أن يحفظوا كرامة أنفسهم بأنفسهم، وأن يلقنوا من يعتدي عليهم دروساً قاسية، وقد قبض في هذا الحادث على بعض الإخوان، أذكر منهم الأخ نفيس حمدي الذي كان إذ ذاك طالباً والأخ حسين عبد السميع".

اقرأ أيضاً: "رسالة التعاليم" لحسن البنا: اترك عقلك واتبعني!

ثم كانت قضية السيارة الجيب، حين وقعت بالصدفة في يد الداخلية وهي تحمل أوراقاً وسلاحاً خاصاً بالنظام الخاص وأعضائه وهيكله، وكان ذلك هو أول دليل واضح ضد جماعة الإخوان على بدء انتهاجهم العنف.

وفي ضربة قاصمة للجماعة، أصدر النقراشي باشا قراراً بحلها، ومصادرة أموالها، وعلى إثر ذلك قامت الجماعة بقتل النقراشي، في أول خطوة تتحدى فيها الدولة صراحة، فقامت الداخلية باعتقال كل أعضاء جماعة الاخوان وترك البنا وحده، في بادرة أوحت بقرب اغتياله، المسألة التي أدركها البنا، وبالفعل اغتيل في العام 1949 أمام مقر الشبان المسلمين في شارع الملكة نازلي سابقاً شارع رمسيس حالياً أمام نقابة المحامين.

الخلافات التي بدأت بين السندي والبنا توقفت بوفاة الأخير

الصدام مع الهضيبي

الخلافات التي بدأت بين السندي والبنا توقفت بوفاة الأخير، لكنها عادت من جديد بقوة أكبر مع تولي حسن الهضيبي مسؤولية مرشد جماعة الإخوان المسلمين؛ بعد محاولات الهضيبي لتجميد النظام الخاص، المسؤولية التي اعتبرها السندي تولي عن الجهاد فى سبيل الله، فعمد إلى محاولة الانقلاب على مكتب الإرشاد والسيطرة عليه.

انقلب النظام الخاص بقيادة السندي، وبدعم من السيد سابق ومحمد الغزالي وآخرين، قاموا بمحاولة السيطرة على المركز العام لجماعة الاخوان المسلمين في العام 1953، وكانت حجة السندي وقتها أنّ حسن الهضيبي مرشد الاخوان تخلى عن الجهاد، وأنه يسعى لوأد النظام الخاص، المحاولة التي باءت بالفشل.

اقرأ أيضاً: كيف يقدس الإخوان المسلمون حسن البنا ؟

وقبل تلك المحاولة، علم السندي أنّ المرشد حسن الهضيبي ينوي تعيين زميله في الجهاز السري السيد فايز بدلاً عنه، لخلافته في قيادة النظام الخاص، ثم حدث أن أرسل أحدهم علبة حلوى إلى منزل سيد فايز بعد أن وضع قنبلة داخلها، وعندما فتحها فايز انفجرت فيه ليسقط مضرجاً بدمائه.

كتابات الإخوان تنفي أن يكون السندي هو من اغتال فايز، غير أنّ صلاح شادي مسؤول قسم الوحدات بجماعة الإخوان أشار فى كتابه "حصاد العمر"،  إلى احتمالية اغتيال فايز بأيدي السندي ورجاله، المسألة التي ترتب عليها فصل السندي عن الجماعة نهائياً.

وانتهت حياة الرجل الأكثر خطورة في جماعة الإخوان المسلمين بعد رحلة صاخبة داخل النظام الخاص جليساً على فراشه، ليموت بمرض في القلب عام 1962، رغم قضائه أعواماً مديدة بين صفوف مقاتلي النظام الخاص، ينتظر الموت في سبيل الله، كما كان يتمنى.

اقرأ المزيد...

الوسوم: