عقوبة السرقة في الإسلام بين الشكل والمضمون

عقوبة السرقة في الإسلام بين الشكل والمضمون

مشاهدة

02/11/2017

لا خلاف بين الشرائع والقوانين الدينية والمدنية أنّ جريمة السرقة هي عمل قبيح يستحق فاعله العقاب الزاجر لما تحدثه في المجتمع من ضياع للحقوق واخلال للامن والاستقرار . 

لم تكن عقوبة قطع اليد شكلاً غريباً من أشكال العقوبات في المجتمعات القديمة فقد عرفها العرب قبل الاسلام كما عرفتها الشريعة اليهودية " إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضا، رجل وأخوه، وتقدمت امرأة أحدهما لكي تخلص رجلها من يد ضاربه، ومدت يدها وأمسكت بعورته. فاقطع يدها، ولا تشفق عينك" . (التثنية 25:11-12)
وفي المسيحية ذكرها انجيل متى بقوله: "فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ."(متى 8:18 )
وكما هو الحال في تلك الشرائع السابقة فقد نصّ القرآن على قطع يد السارق في قوله:" وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". (المائدة:38).
لم تكن المشكلة الجوهرية في المجتمع العربي قبل الاسلام تتعلق بشكل عقوبة السرقة وإنما كانت في عدم المساواة في تطبيق العقوبة بين أفراد المجتمع ، كما يشير إلى ذلك الحديث النبوي "إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» )رواه البخاري).
وقد أثارت عقوبة قطع يد السارق تفكير بعض المسلمين منذ القديم وحاولوا البحث عن تفسير وراء هذا الشكل من العقوبة كما في شعر أبي العلاء المعري:
يد بخمس مئين عسجد وديت       ما بالها قطعت في ربع دينار
فالمعري هنا يستغرب كيف يمكن ليد ديّتها خمس مائة دينار، أن تقطع إذا سرقت ربع دينار.

ليست قساوة العقوبة هي معيار نجاعتها وإنّما العبرة بعدالتها وقدرتها على تصحيح مسار الإنسان وإعادته إلى الرشد

ومن اللافت للنظر أنّ القرآن قد ذكر لفظة "حدود" تسع مرات لكنها جميعها لم تأت في سياق الحديث عن العقوبات. ومما يؤكد أنّ المسألة خاضعة للاجتهاد ما نجده في كتب الفقه من اختلاف بين الفقهاء في عدد الحدود، فقد ذهب كثير منهم إلى أنّ العقوبات المسماة بالحدود هي ستة:  حد الزنا، حد الحرابة،  حد شرب الخمر، حد القذف، حد السرقة، حد الردة. ومن الفقهاء من زاد عليها؛ حد البغي . ومنهم وصل عدد الحدود عنده إلى سبعة عشر حدا!
ونظراً لقساوة عقوبة قطع اليد فقد وضع الفقهاء قيوداً وشروطاً كثيرة لجريمة السرقة أوشكت أن تجعل تنفيذ عقوبة القطع أمراً صعب المنال. ومن هذه الشروط: أن تكون السرقة على وجه الخفية، وأن يبلغ المسروق ربع دينار ذهباً وأن يكون في حرز، وألا يكون فيه شبهة تجيز له أخذه، وأن يكون السارق بالغاً عاقلاً مختاراً عالماً بالتحريم وأن تثبث السرقة عند القاضي بشهادة عدلين. 
لا يقتصر تحقيق غاية العقوبة على شكل واحد لها فإذا حصل وأن ظهر شكل آخر للعقوبة من شأنه أن يشعر السارق بالندم ويزجره عن العودة الى الجريمة.

العقل العربي السائد مايزال عاجزاً عن ولوج السياقات التاريخية والمضامين الجوهرية للنصوص الدينية التي تتخذ ذريعة للعنف باسم تطبيق الشريعة

ليست قساوة العقوبة هي معيار نجاعتها وإنّما العبرة بعدالتها وقدرتها على تصحيح مسار الإنسان وإعادته إلى الرشد، كما يجب أن تمنح العقوبة المذنب فرصة لإصلاح نفسه بمساعدة المجتمع الذي يعيش فيه.
ومن المداخل التي من شأنها أن تفتح أفقاً واسعاً للاجتهاد في مسألة الحدود مقولتان اثنتان أولاهما مقولة "التوبة تسقط الحد" وهي مشتقة من قوله تعالى في أحكام الحرابة "إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"(المائدة:34) وقد قال بها بعض الحنابلة و الشافعية.
والمقولة الثانية هي الحديث النبوي "ادرؤوا الحدود بالشبهات  "وهو حديث ينطوي على خطاب للمجتهدين والقضاة بأن يدرؤوا الحدود بالشبهة، والشبهة لا تتوقف ولا تقتصر على ثبوت الجريمة فحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى مراجعة العلاقة بين شكل العقوبة وتحقيق الغاية المرجوة منها.
لقد بلغت الدراسات الاجتماعية والقانونية اليوم درجة عالية من العمق، الأمر الذي يمكنها من الاجتهاد في اقتراح أشكال متعددة من العقوبة من شأنها أن تحقق الغاية من العقاب طالما أدركت مصلحة الإنسان والمقاصد العليا التي من شأنها أن تحفظ حياة الإنسان وحقوقه المادية والمعنوية .
وفي الوقت الذي نستغرب فيه زيادة حدة العنف في مجتمعاتنا الإسلامية وتسويغه بنصوص دينية تحت شعار الحكم بشريعة الله، فإن العقل العربي السائد ما يزال غير قادر على الولوج إلى السياقات التاريخية والمضامين الجوهرية لتلك الأحكام التي ما جاء بها الإسلام إلا ليقوم الناس بالقسط.

الصفحة الرئيسية