على بوابة العام الجديد: حيّ الشيخ جراح لن يكون نكبة جديدة

على بوابة العام الجديد: حيّ الشيخ جراح لن يكون نكبة جديدة

مشاهدة

30/12/2021

في ظلّ مساعي الاحتلال ومستوطنيه المتواصلة لتهويد حيّ الشيخ جراح وتهجير سكانه قسراً، اقتحم قرابة 20 مستوطناً إسرائيلياً، في 15 كانون الأول (ديسمبر)، أرضاً في المنطقة المعروفة بكبانية أم هارون، من أراضي الحيّ في القدس المحتلة، تعود ملكيتها لعائلة (سالم) المقدسيّة، وشرعوا بتسيّيجها، ووضع أعمدة وأسلاك حديدية حولها بعد ادّعاء ملكيتهم لها.

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": 2021 كان الأصعب على الفلسطينيين.. والمقبل ينذر بالانفجار

كما جرّف المستوطنون محيّط منزل عائلة سالم، للاستيلاء عليه، وقطعوا أشجار زيتون هناك، ما أدّى إلى اندلاع مواجهات أصيبت خلالها صاحبة المنزل، فاطمة سالم، برضوض بعد دفعها من قبل المعتدين.

وكانت "دائرة الإجراء والتنفيذ" التابعة لسلطات الاحتلال، قد سلّمت مؤخراً قرار إخلاء للعائلة من منزلها المقام على قطعة الأرض وأمهلتها حتى نهاية الشهر الجاري لتنفيذه.

وتعيش المواطنة فاطمة سالم في المنزل المملوك لعائلتها منذ 70 عاماً، وتخوض العائلة منذ عام 1988 صراعاً قضائياً مع المستوطنين، استمر حتى عام 2015 حيّن تسلمت العائلة قرار إخلاء عام 2015، فيما يتهدّد الإخلاء 7 عائلات أخرى في المنطقة.

وكان المواطن عبد الفتاح إسكافي قد رفض، في 10 كانون الأول (ديسمبر)، مغريات إسرائيلية عدة لترك منزله في حيّ الشيخ جراح في القدس، ومنها عرض بالحصول على 5 ملايين دولار ثمناً له.

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": العمليات الفردية ردّ فعل ضد جرائم إسرائيل

وإسكافي واحد من عشرات الفلسطينيين المهددين بإخلاء منازلهم في حيّ الشيخ جراح لمصلحة مستوطنين إسرائيليين.

وأقامت عائلة إسكافي مع 27 عائلة فلسطينية أخرى في حيّ الشيخ جراح، عام 1956، بموجب اتفاق مع الحكومة الأردنية ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ومنذ 1972 تخوض عائلة إسكافي وباقي العائلات صراعاً مريراً بالمحاكم الإسرائيلية، في محاولة لنفي مزاعم جماعات استيطانية إسرائيلية ملكيتها للأرض المقامة عليها المنازل.

ادّعاءات صهيونية بملكية الأرض

وفي أيّار (مايو) الماضي، حظي فيديو الحوار الذي دار بين الشابّة الفلسطينية منى الكرد، التي تعيش في إحدى المنازل المهددة بالإخلاء في حيّ الشيخ جراح، مع مستوطن يسكن في نصف المنزل، بتفاعل واسع النطاق، حيّث ظهر المستوطن "يعقوب" الذي استولى على نصف منزل عائلة الحاج نبيل الكرد، بقرار من المحكمة الإسرائيلية، وقال المستوطن مستفزاً منى الكرد: "حتى لو أنا خرجت منه فأنتِ لن تعودي إليه، وإذا لم أسرقه أنا سيسرقه غيري".

المواجهات التي جرت في مدينة القدس، في أيار (مايو) الماضي، دفعت الاحتلال لتأجيل تنفيذ العديد من الملفات بالقدس، من بينها ملف حيّ الشيخ جراح، للنظر فيه خلال فترات أخرى

وتقدّر مساحة حيّ الشيخ جراح بـ 808 دونمات، بينما يقدَّر عدد سكانه بـ 2800 نسمة تقريباً، وتعود إدارته والمسؤولية عنه إلى بلدية الاحتلال في القدس.

وقضية حيّ الشيخ جراح، ليست بجديدة على مفردات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فقد هُجِّرت عدة عائلات فلسطينية من ذلك الحيّ، عام 1948، وكان عام 1972، هو الوقت الذي زعمت فيه جمعيات يهودية أنّها تمتلك وثائق بملكيتها للأراضي التي أقيمت عليها منازل الحيّ، وتعود تلك الوثائق إلى أواخر القرن التاسع عشر، بحسب ادعاء لجنتي اليهود الأشكناز والسفارديم.

اقرأ أيضاً: الاحتلال يستعد لتنفيذ أكبّر عملية تطهير عرقي في القدس

وعادت القضية إلى الواجهة مؤخراً إثر قرار محكمة قضاء القدس، الأحد الماضي، 2 أيّار (مايو) 2021، بإعطاء عدد من العوائل الفلسطينية مهلة لغاية شهر آب (أغسطس) الماضي لإخلاء منازلهم.

وبحسب مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، في 2020، فقد رُفعت دعاوى إخلاء ضد ما لا يقل عن 218 أسرة فلسطينية في القدس الشرقية، بما في ذلك أسر في الشيخ جراح، معظمها كان بمبادرة من "جمعيات استيطانية"، مما يعرض 970 شخصاً، بمن فيهم 424 طفلاً، لخطر التشريد.

دعم حكومي وأمني إسرائيلي

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، نهاد أبو غوش، في تصريح لـ "حفريات" أنّ "استيلاء مجموعة من المستوطنين على أرض فلسطينية تعود لإحدى العائلات المقدسية بحيّ الشيخ جراح مؤخراً، هو يرجع للسياسة المستمرة التي تقوم بها الحكومة الصهيونية نحو الأراضي الفلسطينية بشكل عام، عبر إعطاء تبريرات وقرارات قانونية وأمنية، لممارسة تلك الاعتداءات وعمليات المصادرة للأراضي والمنازل، في حيّن يواصل المستوطنين عملهم بشكل مباشر، ومن دون أن يحاولوا تمرير عملياتهم العدائية بأية ذرائع أو تبريرات قانونية، لكونها أعمالاً تحظى بغطاء ودعم وحماية الحكومة وأجهزتها الأمنية".

ولفت أبو غوش إلى أنّه "بمجرد وصول الأراضي والعقارات لأيدي المستوطنين والجماعات الاستيطانية، ستبدأ عملية إشغالها على نمط ما يجري في باقي الأحياء والبؤر الاستيطانية في المدينة، من خلال إقامة مشروعات شقق سكنيّة وكنائس ومدارس "ييشيفا" لتعليم التوراة، لكي يعطوا المكان طابعاً دينياً مقدساً، بحيّث يجعل التخلي عنه في المستقبل أمراً عسيراً، كما أنّ المشاريع التي تنفذ تخضع لتخطيط ومصادقة عدة جهات من بينها مجلس التخطيط وبلدية الاحتلال، وقبل ذلك سوف تدخل شركات ومستثمرون للحصول عليها".

معركة شاملة

وتابع: "هناك توترات متفاقمة في سائر أرجاء مدينة القدس وداخل البلدة القديمة، ومنطقة باب الخليل، وباب السلسلة، وحارة الأرمن، وأحيّاء بلدة سلوان (وادي ياصول والبستان ووادي حلوة) وإغلاق بلدة العيسوية، ومداهماتها المستمرة وحواجز التفتيش المشددة على باب العامود، ومداخل المسجد الأقصى، وليس فقط في حيّ الشيخ جراح، ومن شأن ذلك كله أن يصبّ ذلك الزيت على نار الغضب والقهر التي يعتمل جمرها في صدور المقدسيين والفلسطينيين عموماً".

رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر الهدمي لـ"حفريات": هناك ثغرات قانونية في ملكية العقارات لسكان حيّ الشيخ جراح وكامل مدينة القدس، بالتالي، فالاحتلال يحاول جاهداً استغلال هذا الواقع

أبو غوش أكّد أنّ "المشهد يتحرك باتجاه معركّة شاملة على الوجود، وعلى الأرض، وعلى حقّ الحركة، والعمل، وبالتالي كلّ ذلك يمهّد لانفجار قادم، لكن لا نعلم إن كان هذا الانفجار سيكون عفوياً أو منظماً على غرار الانتفاضتين السابقتين، والأمر منوط بالقوى الوطنية وجاهزيتها لقيادة وتوجيه المرحلة المقبلة، سواء من حيّث وحدتها ودرجة التنسيق بينها، أو من جهة جاهزيتها واستعدادها لتحمل كلفة هذا الخيّار".

اقرأ أيضاً: مخطط إسرائيلي لتحويل مقبرة إسلامية في القدس إلى حديقة توراتية

وبيّن الكاتب والمحلل السياسي؛ أنّ "الإجراءات الصهيونية بمدينة القدس تجعل من فرصة قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيّلاً، وذلك لأهمية القدس الروحيّة والثقافية والسياسية والتاريخية، حيّث سيتحوّل ما يتبقى من الأرض المحتلة المقطعة الأوصال إلى معازل متفرقة، ليست مدناً أو قرى أو محافظات، بالتالي، المشروع الصهيوني في تهويد القدس يخدم الرواية الصهيونية التوراتية، التي تدّعي أنّ المشروع الاستعماري الاستيطاني هو تنفيذ للوعد الإلهي في أرض الميعاد".

عربدة إسرائيلية

من جهته، أكد رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر الهدمي؛ أنّ "السلطات الإسرائيلية ما تزال تفرض عربدتها على سكان حيّ الشيخ جراح، وتستمر في عمليات المصادرة والتهويد التي يقوم بها مستوطنوها برعاية كاملة من جنود الاحتلال ومحاكمه، دون أن تتمّ محاسبتهم وردعهم وإبعادهم، بل على العكس من ذلك يتم تشريع وشرعنة تصرفاتهم، بناء على سياسات الاحتلال العنصرية، والتي تغضّ الطرف عن ممارساتهم، ليس فقط في مدينة القدس، بل في سائر المناطق الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة".

ويضف الهدمي، لـ "حفريات": "الإجراءات الصهيونية الحالية تنبىء بأنّ الدور قادم على بقية سكان الحيّ الشيخ جراح، وكامل أحيّاء مدينة القدس"، مشيراً إلى أنّ "إسرائيل تعي تماماً أن حيّ الشيخ جراح على وجه الخصوص، هو من أهم الأحيّاء المركزيّة في مدينة القدس، والذي يقع على حدود عام 1948، ويعدّ مدخلاً لبقية أحيّاء الجزء الشرقي من المدينة المقدسة".

اقرأ أيضاً: فجّره المجاهدون الفلسطينيون والجيش الأردني: ما قصة "كنيس فخر إسرائيل"؟

وتابع بأنّ "هناك ثغرات قانونية في ملكية العقارات لسكان حيّ الشيخ جراح وكامل مدينة القدس، بالتالي، فالاحتلال يحاول جاهداً استغلال هذا الواقع، من أجل أن يفرض سيطرته المطلقة على بيوت وأراض هذه المناطق، ليكشف الاحتلال عن صورته العنصرية القبيحة، من خلال صبّ جام غضبه على الأبرياء الفلسطينيين، وترك العنان للمستوطنين بارتكاب المزيد من الانتهاكات بحقّهم".

نكبة جديدة

الهدمي أوضح أنّ "المواجهات التي جرت في مدينة القدس، في أيار (مايو) الماضي، دفعت سلطات الاحتلال لتأجيل تنفيذ العديد من الملفات بالقدس، من بينها ملف حيّ الشيخ جراح، للنظر فيه خلال فترات أخرى، وتأخير اتخاذ أيّة قرارات بحقّه، في محاولة منها للمناورة والمماطلة وكسب المزيد من الوقت، لحيّن استغلال أيّة فرصة ذهبية مواتية من قبل دولة الكيان لتنفيذ قراراتها المجحفة".

اقرأ أيضاً: المدن الفلسطينية المختلطة: كيف صار أصحاب الأرض غرباء ومنبوذين؟

ولفت إلى أنّ "مدينة القدس تتجه نحو التوتر يوماً بعد يوم، حيث سيدفع تنفيذ الاحتلال لقراراته الصادرة بالحيّ ومدينة القدس، بإشعال فتيل الانفجار في القدس، في ظلّ ما يعيشه سكان المدينة المقدسة من نكبة جديدة سبقها تهجيرهم من القسم الغربي للمدينة خلال العام 1948م، حيّث اتخذ جزء منهم الحيّ ملاذاً له، واليوم يسعى الاحتلال بكل قوته لإحداث نكبة ثانية، عبر جهوده المتواصلة لتهجير سكان حيّ الشيخ جراح قسراً".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تغيّر أسماء الشوارع في القدس: الباب والحرّاس والأجراس لي

وبيّن رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد؛ أنّ "سكان القدس مستهدفون أيضاً من بلدية الاحتلال، والتي تفرض عليهم ضرائب باهظة، كما تلاحق البائعين في أسواقها القديمة بشكل يومي، من أجل التضييق عليهم، والمضي قدماً في تنفيذ مخططاتها التهويدية والتعسفية بحق المدينة بأكملها".

الصفحة الرئيسية