عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

العلمانية

عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

مشاهدة

21/06/2018

القتل، كان الضامن لاستمرار الحكم في لحظاتٍ كثيرة من التاريخ، والباحث عن السلطة، لم يكن يقف في طريقه شيءٌ إلا الموت، وعلى هذا الأساس، سجّل التاريخ العربي أسماء دولٍ ودويلاتٍ كثيرة، كالغزنوية والديلمية والخوارزمية والموحدية وغيرها، لا يكاد يُجزم كيف انبثقت، ولماذا سقطت مسرعةً عن حافة التاريخ إلى هاوية النسيان.

بدت دولة المماليك مختلفة تماماً وذلك لأنها كانت أول دولة إسلامية بدأ حكمها بامرأة

أما دولة المماليك (1250-1517م) فمنذ اللحظة الأولى لقيامها على أنقاض الفاطمية والأيوبية، بدت مختلفةً تماماً، وذلك لأنها كانت أول دولة إسلامية بدأ حكمها بامرأة؛ فكانت شجرة الدر أول من استلم الحكم فيها العام 1249م مدةً 80 يوماً.

وإن كانت هذه الدولة بدأت ببدعة، كما يزعم المؤرخون، فإنّ التاريخ اليوم، ليس سياسياً فحسب؛ بل هو تاريخ البنى والنظم والمجتمعات، خصوصاً أنّ التأسيس لدولة البدعة المزعومة، جاء على يد الخلفاء العباسيين أنفسهم.

بدايات سقوط المركزية

لم يحمل المماليك أصولاً عربية، فالمملوك هو العبد الذي يباع ويشترى، وتعود أصول المماليك إلى أراضي تركيا الحالية، وبلاد فارس والقوقاز؛ حيث بدأ جلبهم إلى مصر خلال الفترة المتأخرة من الخلافة العباسية، على يد الخليفة العباسي المهدي، وتسلموا آنذاك مناصب مختلفة مع الزمن.

في كتابه "تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام"، يقول أستاذ التاريخ والباحث محمد طقوش في شرحه للسبب الأساسي لجلب المماليك، أنّهم "أصبحوا الأداة العسكرية الأساسية لحماية الحكم، وكان الخليفة العباسي المعتصم، أول من اعتمد على هؤلاء، وكان يملك منهم كحرسٍ خاص، زهاء 3000 مقاتل شكل بهم جيشه الصغير".

كتاب "تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام" لمحمد طقوش

ويذكر طقوش، أنه "سرعان ما نمت قوة هؤلاء المماليك، وبدأ سعيهم للاستئثار بالحكم في إطار الخلافة أو خارجها يتنامى أيضاً"، بعد ذلك، قامت نواة دولة المماليك، المسماة بـ"المماليك البحرية".

في الإسلام، تم التوافق على شروط أساسية يجب أت تتوافر لدى من يتولى خلافة المسلمين، فبعد وفاة الرسول محمد عليه السلام (632م)، تم ترسيخ نظام الخلافة من قبل أصحابه، على أسس ثابتة من أهمها؛ المبايعة الحرة التي لا يشوبها إجبار أو تدليس أو غش لإرادة المبايعين، الشورى، وقرشية النسب؛ أي الانتماء لقبيلة قريش، وفقاً لما قاله عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح لفئة "الأنصار" في المدينة عندما طالب بعضهم بالخلافة لسعد بن عبادة سيد قبيلة الخزرج.

وابتداء من الشرط الأخير، يمكن تناول استحالة تحقق شروط الخلافة في الدولة المملوكية، التي قامت على انعدام العصبية في توريث الحكم، وحصر الحكم بين المماليك فقط، وهم غير قرشيين، ولا يشاورون بشأن توليهم الحكم، بل يتداولونه بقوةِ السيف والمؤامرات.

استحال تحقق شروط الخلافة في الدولة المملوكية التي قامت على انعدام العصبية في التوريث وحصر الحكم في المماليك

وفي هذا السياق، قال الباحث المتخصص في التاريخ واللغة العربية الدكتور وليد خالص إنّ "تنافس المماليك على السلطة ينضوي تحت ما يسميه ابن خلدون بإمارات التغلّب؛ وهي التي شهدنا لها وقائع في كثير من الأحيان بعد ضعف السلطة المركزية، وعجزها عن فرض هيمنتها، ومن الواضح أنّ إمارات التغلب هذه، تفتقد الى شرط رئيس من شروط الخلافة التقليدية، وهو (القرشية) التي يكاد يكون الإجماع منعقداً عليها في الإسلام".

وأشار  الباحث العراقي، في حديثه لـ"حفريات"، إلى أنّ دولة المماليك لحق بها الزوال طوال مدة وجودها، من خلال "صراع أمرائها على السلطة، واختلافاتهم العرقية، والفساد الإداري والاقتصادي المستشريين في ظل هذا الصراع"، بحسب رأيه.

وفي سياق متصل، يؤكد الباحث والمستشرق الاسكتلندي "وليم موير" في كتابه "دولة المماليك في مصر" أنّ "حكّام المماليك شهدوا أزمان حكمٍ قصيرة، ابتداءً من عز الدين أيبك، ثم قطز، فالظاهر بيبرس، ثم ابنا السلطان قلاوون؛ الخليل والناصر، فجميع هؤلاء قتلوا بالسم أو بالسيف" في إطار النزاع على السلطة.

حكم المماليك مساحات واسعة مكن العالم؛ العربي والإسلامي، بالتزامن مع غزوات المغول والفرنجة، فكانوا يقودون الحملة تلو الأخرى لمحاربة هؤلاء، في إطار صراعهم الأكبر على السلطة، التي لم تكن شروطها تتمحور إلا حول القوة والعنف وعدم الثقة بأحد أو شيء سوى الجيوش والحرس، من غير العرب.

سلطة الواقعية والعلمانية

مما سبق، يتبين أنّ دولة المماليك، شكلت انسلاخاً واضحاً عن الخلافة بشروطها، وعن صفتها الأساسية ، وهي أن الخليفة في فجر الإسلام هو رتبة ومكانة دينية، وليس سياسيةً فقط، ولكن هذا الاعتبار سرعان ما انتهى واقعياً مع الانتقال إلى التوريث الأموي، ونهاية تجربة الخلافة الراشدة، ثم تجلّى في دولة المماليك، مما شكل نوعاً من الفصل العلماني؛ بين الحكم أو الدولة من جهة، والدين من جهة أخرى.

خالص: تفتقد إمارات التغلب إلى شرط للخلافة التقليدية وهو القرشية التي يكاد يكون الإجماع منعقداً عليها

ولعل أبرز ما يؤكد هذا الأمر من زاويةٍ أخرى غير الفصل العلماني، يتأتى من خلال العودة إلى كتاب الباحث وأستاذ القانون نزار حسن "تطبيق الأصول الوثنية المغولية في العهد المملوكي"، الصادر عن مجلة دراسات تاريخية في 2012؛ إذ يذهب الباحث إلى منحى آخر في تأكيد هذا الفصل بين الديني والدنيوي في الدولة المملوكية؛ حيث يقول: "قدم المؤرخ ابن تغري بردي تحليلاً لمعنى كلمة "الياسة" وهي شريعة قانونية مغولية، وصل بموجبه إلى أنها تعني القوانين التي تركها جنكيز خان لذريته.. وبها يتم الحكم؛ فأبرز شروطها: الولاء للحاكم وعدم الخروج عن طاعته، وعدم تقاسم القضاء والحكم على أسس مذهبية أو تفرقة بين الطوائف".

ومن هنا، ينطلق حسن في فرضيته، التي تختزل مظاهر الأحكام المغولية في عهد الدولة المملوكية بـ"المخالفة"؛ أي مخالفة الحكام والقوانين، التي يعاقب عليها المخالف عقاباً شديداً، وهذه الأحكام، مستمدة من أحكام المغول الوثنية، وليست مأخوذةً من أحكام الإسلام وشريعته، ويعزّز هذه الفرضية، الصراع الكبير بين حكام الدولة المملوكية، ومدد حكمهم القصيرة التي اتسمت بالاضطرابات، وفرض الحكم بالقوة لا بالإجماع أو الشورى مثلاً.

خاض حكام المماليك كقطز، والظاهر بيبرس، معارك طاحنةً ضد المغول والفرنجة

وهذا كله، انعكس ضمن عوامل أخرى على الحالة الاجتماعية في الدولة المملوكية، على امتداد عائلاتها وتسمياتها، من المماليك البحرية والتركية، وحتى الجراكسة والبرجية؛ حيث يقول عمر منصور في بحثه المعنون بـ"دراسة تحليلية لعصر المماليك"، إنّ المماليك "عاشوا كطبقة أرستقراطية تتمتع بمعظم خيرات البلاد في مصر والشام، ولم يختلطوا بالعرب أو يثقوا بهم، حتى أنّهم لم يتزوجوا من العرب، ليحافظوا على نقاء عرقهم، واستغلوا الفلاحين من الطبقة الفقيرة، في الزراعة، وتسيير التجارة، أما هم فأمسكوا بالحكم والعسكر".

قام الحكم في عهد المماليك على الصراع والقوة والاغتيال لا على أي من مظاهر الشورى والإجماع

ويبدو أنّ حقبة المماليك، تشير في نظامها السياسي والقضائي والاجتماعي، إلى مدى الفصل بين الخلافة الإسلامية بشروطها، والواقع ذاته، كما تعبّر عن مدى النظرة الواقعية المبنية على العنف والقوة والاستقلالية أو الانعزالية المتمثلة في طبقة (المماليك)، عن العرب والمسلمين.

وبالرغم من ذلك، فقد خاض حكام المماليك كقطز، والظاهر بيبرس، معارك طاحنةً ضد المغول والفرنجة، وانتصروا كثيراً كما خسروا كثيراً، حاملين من خلال هذه الانتصارات والخسائر، بذور سقوطهم لصالح العثمانيين فيما بعد، غير أنّ حقبتهم، تبين كما يقول العرب "أنّ لكل زمان دولة ورجال"، وأنّ سياقهم التاريخي ربما، لم يكن صالحاً لإقامة حكمٍ منقول الشروط، أو خلافة، تتطابق مع تلك التي كانت قبلهم.

الصفحة الرئيسية