فصول مجهولة من قضية نصر حامد أبو زيد

فصول مجهولة من قضية نصر حامد أبو زيد


28/04/2020

أقيمت الدعوى رقم 591 لعام 1993 للتفريق بين زوجين؛ بدعوى قيام الزوج بنشر عدة كتب وأبحاث ومقالات، تضع، طبقاً لما رآه علماء عدول، لغواً يخرجه من الإسلام، الأمر الذي يعتبر معه مرتداً، ويحتم أن تطبق في شأنه أحكام الردة، حسبما استقر عليه القضاء، وذكرت الدعوى أنّ الزوج ارتد عن الإسلام، طبقاً لما قرره الفقهاء، وبذلك فإنّ زواجه يكون قد انفسخ بمجرد هذه الردة ويتعين لذلك التفريق بين الزوجين بأسرع وقت، منعاً لمنكر واقع وشهود، وأنّ الدعوى المذكورة هي من دعاوى الحسبة وهي تدافع عن حق من حقوق الله تعالى التي يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعيانهم؛ لأنّ حل معاشرة المرأة وحرمانها من حقوق الله تعالى قضية يجب على كل مسلم أن يحافظ عليها ويدافع عنها.

جاءت قضية أبو زيد ضمن حملة ممنهجة ضد العقل والإبداع في الثقافة المصرية في تسعينيات القرن الماضي
تلك بإيجاز بداية قضية المفكر نصر حامد أبو زيد مع محاكم التفتيش، التي احترفت مجموعات من المحامين المنتمين إلى التيار الإسلامي المتشدد، إقامة دعاوى بها، مستغلين المادة الثانية من الدستور المصري حينها والتي تنص على أنّ مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، بهدف إلجام العقل والبحث العلمي وقصره على دراسة ما يريد التيار المتشدد ويرضاه وغلق باب البحث العلمي الرصين، ثم إحراج الدولة المصرية ومؤسساتها باعتبارها تتستر على مرتد داخل أسوار الجامعة والمزايدة عليها.

استغل المنتمون للتيار الإسلامي المتشدد المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أنّ مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع

جاءت قضية أبو زيد ضمن حملة ممنهجة ضد العقل والإبداع في الثقافة المصرية؛ ففي عقد التسعينيات شملت الحملة رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر، ورواية "قبل وبعد" لتوفيق عبد الرحمن، و"أبناء الخطأ الرومانسي" لياسر شعبان، و"أحلام محرمة" لمحمود حامد، وتضمنت استجوابات لوزير الثقافة المصري فاروق حسني بمجلس الشعب.
لن تكتمل حلقات قضية أبو زيد سوى بالكشف عن دور المفكرين الإسلاميين الذين تصدروا المشهد الإعلامي باعتبارهم دعاة الوسطية وسماحة الإسلام، بينما يتعمدون دائماً رمي البنزين على نار الخلاف مع رسم ابتسامة عريضة على شفاههم مصحوبة بعبارات التسامح والتعددية، من أبرزهم المفكر الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر؛ الدكتور محمد عمارة وهو الضلع الأساسي في المحور المضاد لنصر حامد أبو زيد.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد كما عرفته
بدأت العلاقة بين أبو زيد وعمارة، كما يذكر الأخير في كتابه "التفسير الماركسي للإسلام"، في دار مناسبات للعزاء، حيث سلّم أبو زيد على عمارة والمفكر الماركسي الراحل محمود أمين العالم، الذي شهد لأبو زيد أنّ "الدكتور نصر أحسن من يُحلّل النص"، بعدها لاحظ عمارة أنّ أبو زيد ينشر مقالات ودراسات في الدوريات اليسارية والماركسية مثل؛ جريدة الأهالي، وأدب ونقد، وقضايا فكرية في مصر، والطريق اللبنانية، فتيقن من ماركسية أبو زيد!، وسعى عمارة لدحض أفكار أبو زيد وإبراز ما بها من مغالطات وظن أنّ الأخير وظّف الماركسية لتحليل الظاهرة الدينية من خلال مقولات المادة والبناء الفوقي والتحتي، فزاد يقيناً أنّه ماركسي .

لم يرد عمارة في كتابه، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1996 على نقد نصر له
وقد تجاهل كتاب "التفسير الماركسي للإسلام" تماماً، نقد نصر لعمارة الذي جاء في مقدمته لكتاب "الخلافة وسلطة الأمة"، الصادر في كانون الثاني (يناير) عام 1995، حيث انتقدت المقدمة تحولات عمارة الفكرية من اليسار إلى اليمين، ومن الدفاع الصلب عن روّاد النهضة العربية إلى الهجوم الشرس عليهم دون ذكر سبب واضح لذلك التحول، ونقده أبوزيد نقداً حاداً ذاكراً أنّه؛ "من واجب عمارة أن يكون أميناً في عرض هذه الحقائق التي تستوجب إعادة النظر في موقفه القديم؛ فعمارة لم يعبأ بتلك التقاليد العلمية الرصينة ولم يحترم عقل قارئه، كما أجرى عمليات تزييف فاضحة لخدمة أهواء سياسية ذات طبيعة نفعية براغماتية".

في عام 2003، رفع محمد عمارة تقريراً إلى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر يقضي بمنع تداول كتاب نصر أبو زيد "الخطاب والتأويل"

ولم يرد عمارة في كتابه، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1996 بعد كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" بعام كامل، على نقد نصر له، رغم أنّه ذكر تفاصيل أقل أهمية من ذلك، وإن احتفظ عمارة لنصر بتهمة الحكم بالتاريخية على القرآن الكريم بكل ما فيه من عقائد وشرائع وقيم وأخلاق، وبنص عبارة أبو زيد "إنّ القرآن خطاب تاريخي، لا يتضمن معنى مفارقاً جوهرياً ثابتاً، وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص".
قبيل المناظرة التي جمعت بينهما في قناة الجزيرة الفضائية في 31 كانون الأول (ديسمبر) 1996، رفض نصر عرض عمارة أن ينشر أبو زيد بياناً يتضمن أنه لم يقصد ما تبادر إلى الأذهان من معانٍ، وإثباتاً لحسن النية سيقوم نصر بحذف العبارات الموهمة من طبعات كتبه الجديدة، وسيرسل البيان إلى شيخ الأزهر حينها الشيخ محمد سيد طنطاوي؛ الذي سيصدر بياناً لاحتواء الأزمة، ولام عمارة على كتابه "التفسير الماركسي للإسلام" الذي عزّز من موقف خصوم نصر في قضية التفريق، بينما رفض نصر مناظرة  الإسلاميين القابعين في السجون والمعتقلات، فلا مجال لمناظرة مسجونين مجبورين على المناظرة.

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟
وفي 27 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2003، رفع محمد عمارة تقريراً إلى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر يقضي بمنع تداول كتاب نصر "الخطاب والتأويل"، ومصادرة ما وُزِّع من نسخه في الأسواق، بسبب طعن الكتاب في ثابتين من ثوابت العقيدة الإسلامية؛ وهما التوحيد وحفظ القرآن الكريم، الأمر الذي يمنع تداوله لطعنه في صحيح العقيدة الإسلامية.


المثير في الأمر أنّ ذلك الكتاب ضم الجزء الأكبر من المقدمة التي كتبها نصر عام 1996، ونقدت عمارة بحدة بعنوان؛ "موقف عمارة من علي عبد الرازق غلبة الأيديولوجي على المعرفي" فأصبح الأخير خصماً وحكماً في الوقت نفسه.

لن تكتمل قضية أبو زيد إلا بالكشف عن دور المفكرين الذين تصدروا المشهد الإعلامي باعتبارهم دعاة الوسطية

وفي 5 تموز (يوليو) 2010، رحل المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، وكانت قناعته كما ذكرها لمحاوره بموقع قنطرة؛ "فتح مساحات للحوار، فتح مساحات لتبادل الآراء، وليس فرض رأي أو استبعاد رأي، إذا تحاورت فقط مع من يقبل وجهة نظرك فهذا ليس حواراً"، وإن ظل نصر يُردّد أنّ الأهم  من مطاردة هذه الثلة من الإسلاميين المتشددين، هو الحديث مع هؤلاء الذين يؤيدون الإرهاب بصمتهم، أو الذين يوفرون له الأرضية الخصبة من خلال أفكارهم المتطرفة، ولو أُتيحت لهؤلاء الناس الفرصة لكي يعبروا عن آرائهم بشكل سلمي، لانكسر العمود الفقري للإرهاب كلية.
لم يتخيل نصر ما ستشهده المنطقة العربية من صعود تيار الإخوان المسلمين إلى سدة السلطة في دول "الربيع العربي" وانكشافها أمام الشعوب وفشلها، وظهور دويلة وحشية مثل "داعش" مارست شتى صنوف القمع بحق مواطنين أبرياء.

الصفحة الرئيسية