السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟


03/06/2019

ترجمة: مدني قصري


بعد 30 عاماً من حكم الإسلاميين، وجهت الثورة الحالية ضربة قاسية لرفقاء عمر البشير.
بالكاد بعد أسبوعين من سقوط عمر البشير، في 11 نيسان (أبريل) الماضي، عقد حلفاؤه السابقون وكوادره من الحزب الإسلامي في مؤتمر الشعب، اجتماعاً في قاعة المؤتمرات في الخرطوم. هذا المؤتمر الذي تم التخطيط له جيداً قبل الإطاحة بالبشير على يد الجيش، لم يكد يبدأ حتى بدأ الشباب المسلحون بالحجارة في الصراخ "لا للإسلاميين"، ورد المشاركون في الاجتماع فكانت الحصيلة إصابة 64 شخصاً واعتقال مئات آخرين.

اقرأ أيضاً: المعركة على شكل السودان الجديد

وكشاهد على الهجوم اتهم صادق محمد أحمد، زعيم المتطوعين الشباب في حزب المؤتمر الشعبي السوداني، من دون ذكر أسماء، أعضاءَ التحالف من أجل الحرية والتغيير، تحالف المعارضة التي شُكلت للتفاوض حول الانتقال الديمقراطي مع الجيش: "الثورة سلمية، لكن بعض الأحزاب ترغب في الاستفادة منها لخلق انقسامات واستبعادنا من النقاشات".

لم يعد للحركات الإسلامية في شكلها الحالي أي مستقبل لأن السودانيين يُحمّلونها مسؤولية تدمير البلاد

"كان هجوماً مخططاً؛ لأنه كانت هناك حملة كراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، مع وجود أشخاص دعوا الناس للمظاهرات واستخدام العنف ضدنا". هل الأيديولوجيون السابقون للنظام سيكونون أوّل الضحايا الثورة؟ من دون لبس، أدان التحالف من أجل الحرية والتغيير مرتكبي العنف مجهولي الهوية. ومع ذلك، فإن بيانهم لا يقدم ذرة من دعم لحزب المؤتمر الشعبي السوداني، بل أدانه "لتحمله مسؤولية كبيرة فيما حدث في الثلاثين عاماً الماضية".

على الورق، ظل حزب المؤتمر الشعبي في خانة المعارضة منذ عام 1999، وانفصاله عن الحزب الحاكم (مجلس المؤتمر الوطني الشعبي الذي يسيطر عليه البشير). لكن مؤسسه ليس سوى حسن الترابي، المهندس الرئيسي للنظام الإسلامي العسكري الذي أنشئ في أعقاب الانقلاب الذي قام به عمر البشير، في عام 1989.

عمر البشير

مستبعدون من المشهد السياسي الجديد

لا يدافع الناشط صادق محمد، على هامش اعتصام الثوار، عن النظام القديم، لكنه يواجه صعوبة في هضم المعارضة العامة ضد حزبه، حزب المؤتمر الشعبي السوداني، بـ"تمرده على الفساد الواسع للنظام"، انضم هذا المهندس، البالغ من العمر 25 عاماً، إلى الاحتجاجات ضد تدابير التقشف في عام 2013. وقد أسفرت الحملة القمعية عن مقتل أكثر من 200 شخص وآلاف من الاعتقالات، بما في ذلك أشخاص من صفوف الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
"لقد حاولنا بعد ذلك الحوار والإصلاح، لكن حزب البشير أغلق كل شيء، ولم يكن لدينا وقت لاستكمال مقترحاتنا". هذا ما قاله لتبرير عودة حزب المؤتمر الشعبي السوداني إلى الحكومة في  عام 2017 ، واستقالته منها في شباط (فبراير) الماضي فقط؛ أي قبل شهر واحد من سقوط البشير، بينما استمرت الثورة منذ كانون الثاني (ديسمبر) 2018.

ناشط سوداني: لا أريد أن يصبح السودان علمانياً، لكنني أرفض فرض الإسلام بالقوة، أولويتنا هي محاربة الفساد

حكم التحالف من أجل الحرية والتغيير كان أشد، في هذا التحالف غير المتجانس من النقابات والمعارضين السابقين والجماعات المتمردة، لا يوجد متعاون معتدل. فقد استبعد تلقائياً جميع حلفاء البشير السابقين من المفاوضات التي كانت تجريها مع المجلس العسكري الانتقالي، منذ شهر ونصف الشهر. ومع ذلك، فقد جرب البعض حظهم، مثل وزير الخارجية السابق، غازي صلاح الدين العتباني، الذي أصبح في العام 2013 رئيساً للحزب الإسلامي الصغير المعارض "إصلاح". بالإضافة إلى استعداده للمشاركة في الائتلاف، كان يأمل في إقناعهم بذكر "الشريعة" ..، في اتفاق الحكومة مع الجيش، ولكن بلا طائل. فبعد اعتزاله في "فيلته"، الفيلا الواقعة على مرتفعات الخرطوم، دان المفاوض السابق في اتفاقيات السلام مع "قلة خبرة التحالف من أجل الحرية والتغيير الذي لا يبدي عقلانية بما فيه الكفاية، ويريد جميع أجزاء الكعكة".

اقرأ أيضاً: سيناريوهات التصعيد في السودان

أعلن الجيش والمعارضة فترة انتقالية مدتها ثلاثة أعوام، لكن لم يتم التوصل بعد إلى أي اتفاق بشأن عدد العسكريين والمدنيين الذين سيشكلون هيئات الحكومة المستقبلية. فمن المتوقع أن يُخصَّص 60٪ من البرلمان لممثلي التحالف من أجل الحرية والتغيير. ويخشى المتشدد الشاب، الصادق الصادق، أن يصبح في وضع المراقب العاجز: "ينظر اليساريون إلى هذه الثورة باعتبارها فرصتهم الأخيرة للاستيلاء على السلطة، إنهم يريدون الاستفادة من هذه الأعوام الثلاثة للقيادة دون مشاركة؛ لأنهم يعرفون أن السودان بلد محافظ ولن يَسمح لهم أبداً بالفوز في الانتخابات".

حسن الترابي

ليس للحركات الإسلامية مستقبل في شكلها الحالي

في الواقع، أدت الثلاثون عاماً من الحكم الإسلاموي..، إلى تآكل شعبية المدافعين عنه، على مشارف الاعتصام، حيث ما يزال الآلاف من المتظاهرين يقفون أمام مقر الجيش، فلم يعد المجلس القانوني الإسلامي، الذي كان يصدر الآراء القانونية أو فتاوى النظام (مثل حظر إنشاء فرق كرة القدم النسائية) سوى مبنى فارغ، فقد تم تدمير لوحة واجهته، ومُنع من الدخول إليه. في 18 أيار (مايو) الماضي، لم يتبع الدعوة للتظاهر بعشرين مجموعة للحفاظ على الشريعة سوى بضع مئات من الأشخاص، أمام القصر الرئاسي.

اقرأ أيضاً: إطاحة البشير تعرقل "مسلسل أردوغان" في السودان؟

قبل ذلك بأسابيع قليلة، حظر الجيش حتى مسيراتهم خشية أن يكونوا هدفاً للعنف، وائل علي محمود، 29 عاماً، وهو  ناشط سابق، والذي اجتذبته لبعض الوقت، القيمُ الأخلاقية التي أظهرتها جماعة الإخوان المسلمين، لم يعد يؤمن بهذه الحركات "التي عفا عليها الزمن، والتي تقترح رؤية القرون الوسطى للاقتصاد والمجتمع، والتي، بالإضافة إلى ذلك فشلت في البلدان المجاورة، مثل مصر".
وقد أصبحت وحشية الشرطة الخاصة التي أنشأها قانون النظام العام، شعار هذه السياسات الرجعية. وتندد أم تعيم النور، وهي ناشطة في اتحاد النساء السودانيات قائلة "يمكن أن تتعرض المرأة للضرب والتوقيف في الشارع لمجرد أنها لا ترتدي الحجاب". وتضيف هذه الناشطة أن "إلغاء هذا القانون الذي صُمِّم لقمع النساء" هو واحدة من أهدافها الرئيسية، بمجرد إنشاء الحكومة المدنية.

اقرأ أيضاً: "الحركة الإسلامية" السودانية أمام خيارين: الانسحاب أو الانشقاقات

التناقض بين المبادئ الدينية التي يتم الوعظُ بها في الخطب الدينية، والامتيازات الممنوحة للكوادر الإسلامية لنظام البشير ما لبثت أن أثارت سخط وغضب السكان. وقال بشير الشريف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم  "في شكلها الحالي، لم يعد للحركات الإسلامية أي مستقبل؛ لأن غالبية السودانيين يُحمّلونها مسؤولية تدمير البلاد، ففيما كانوا يتحدثون باستمرار عن الشريعة والأخلاق، كانوا يساهمون في انفجار الفساد ويستفيدون منه".

أحزاب أفرغت من شبابها

من خلال حرمانهم من مركزهم كمعارضين شرعيين، هل ستنجح الأحزاب الإسلامية في البقاء أثناء المرحلة  الانتقالية؟ قال الصحفي السوداني ماهر الجوخ: "يواجه حزب المؤتمر الشعبي السوداني صعوبة جمة في فهم ما يجري". ويعتقد قادة هذا الحزب أنهم يستطيعون التحالف مع المجلس العسكري الانتقالي لإنقاذ مكانهم في النظام الذي في قيد إعادة التشكيل، بعد أن تم الاستيلاء عليها من قبل التحالف، وقد حصلت الأحزاب والشخصيات الإسلامية بالفعل على اعتراف المجلس العسكري، الذي قابلهم خارج جولات المفاوضات.

اقرأ أيضاً: ارتياح شعبي فـي السودان للدعم الإماراتي السعودي

وقد أكد رقمها الثاني، الجنرال الطموح هيميتي، لخطيب ديني محافظ للغاية أن "الشريعة الإسلامية لن تُلغى". لكن بالنسبة إلى ماهر الجوخ، فإن البحث عن هذه التحالفات غير مجدٍ؛ لأنّ "فرصتهم الوحيدة للبقاء في فترة ما بعد البشير هي تغيير القيادة، وإلا فإنّ الشباب سوف يتركونهم".

الشريف: إذا ظل السودان يعاني من البؤس والنقص فقد يتمكن الإسلاميون من العودة بفضل شبكتهم من الجمعيات الخيرية

إنّه تحذير أكده إبراهيم، وهو شاب من حزب المؤتمر الشعبي السوداني الذي يفضل عدم الكشف عن هُويته الكاملة: "هناك ثلاثة أجيال تعيش معاً في حزب المؤتمر الشعبي السودان: الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً، والأشخاص الذين في الثلاثينيات من العمر، والأشخاص الكبار. هؤلاء الكبار ليس لديهم فكرة عن مشاكلنا ويرفضون الحوار".
وإذ يشعر بخيبة الأمل نتيجة الوعود التي لم يتم الوفاء بها بإدماج المزيد من الشباب في هيئات صنع القرار في الحزب، فهو ينظر باهتمام إلى المنظمات الشبابية الجديدة التي تشكلت في أعقاب الثورة. على شبكة فيسبوك، ظهرت عدة صفحات من "تجمع" و"مجموعات" "الشباب الثوريين"، مع الحرص على عدم نشر مواقف حاسمة حول القضايا الدينية. "لا أريد أن يصبح السودان علمانياً، حيث يتم فصل الدين عن الدولة، لكنني أرفض فرض الإسلام بالقوة كما كان الحال في الماضي. أولويتنا هي محاربة الفساد"، يقول وائل حلاق الذي انضم إلى تحالف الشباب السوداني، الذي تأسس في أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2018.

اقرأ أيضاً: السودان... تفكيك دولة "الإخوان" العميقة

ووضح بشير الشريف أنّه فيما وراء التقليد الحزبي الذي يبدو وكأنه طريق مسدود أمام الإسلاميين، فإنه لا يزال يمثل قطاع الجمعيات الخيرية. وفي هذا الشأن قال أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الحركات الدينية في السودان "إذا ظل السودان يعاني من البؤس والنقص، فقد يتمكن الإسلاميون من أن يثبوا وثبة جديدة بفضل شبكتهم من الجمعيات الخيرية".


المصدر: lepoint.fr

الصفحة الرئيسية