بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟

7428
عدد القراءات

2019-02-13

استضاف برنامج "الاتجاه المعاكس" في بداية انطلاق قناة الجزيرة العام 1996 مناظرة مشهورة بين نصر أبو زيد ومحمد عمارة الذي حاول خلالها موضعة اجتهاد أبو زيد ضمن إطار الحملة الغربية على الإسلام الذي اصطفته عدواً خليفة للشيوعية، مؤكداً أنّ هذا الموقف من الإسلام اتُخذ باعتبار الأخير "صيغة ليقظة أمة ستحرم الأسد الغربي من أكبر لقمة في فمه"، وكي لا يظهر عمارة بمظهر من يتهم خصمه بـ"العمالة" ألمح بمواربة إلى أنّ أبو زيد متورط في تلك المؤامرة "بحسن نية"!

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً

كان عمارة محقاً في إشارته إلى هذه الحملة على الإسلام، لكنّه في الوقت نفسه تعمد تجاهل الحملة النقيضة التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في دعم وإنعاش النزعة الدينية في العالم الإسلامي ضمن سياق الحرب الباردة؛ حيث كان الدين أحد الأدوات الأساسية التي استخدمتها الدولتان في صراعهما ضد المعسكر الاشتراكي، وبواسطتها حاولتا حرمان الاتحاد السوفييتي من مدّ نفوذه الأيديولوجي إلى البلدان ذات الأغلبية الإسلامية، هذا التجاهل هو ميراث الأصوليين الجدد الذين يريدون وضع "الصحوة الإسلامية" فوق اعتبارات السياسة، ورفعها إلى مرتبة المقدس المحظور نقده؛ لذا ستكون العودة إلى مناظرة الكاتب الإسلامي، محمد عمارة، مع الباحث التراثي، نصر حامد أبو زيد، مفيدة في فهم آليات اشتغال الذهنية الأصولية بما يشمل مصادراتها على رأي الآخر وفخاخها المزروعة حتماً لحمياتها من النقد والتفكيك.

فخاخ معتدلة تؤدي للقتل

أراد عمارة من آليته هذه أمراً غاية في الخطورة؛ هو مصادرة فكر نصر أبو زيد كله، دون تكلف عناء الردّ عليه ومناظرته، عبر "التخوين"؛ كتكتيك موروث معروف، لكنّه أصبح أكثر خطورة، في ظلّ تنامي الصحوة الإسلامية التي طبعت المجتمع بطابعها آنذاك، ومارست هيمنة صارمة على كل مظاهر الحياة اليومية.

المفكر المصري الراحل د.نصر حامد أبو زيد

وقد أتبعها عمارة بحيلة أخرى أكثر ضراوة؛ هي حفره لأبو زيد "حفرة تكفيرية" كي ينزل بنفسه إليها بعد التضييق عليه؛ إذ عرض على أبو زيد "أماناً" وهمياً، بقوله: "لا أؤمن فقط بحرية الفكر؛ بل أؤمن أيضاً بحرية الكفر"، ومضمر خطابه أنّ بإمكان أبو زيد أن يعلن كفره، وهو سيؤمنه على حياته بفتوى تنقذه من مصير فرج فوده، أراد عمارة ألا يصبح مناظراً لأبو زيد من الأساس بل قاضياً ومفتياً، وهذا هو الفخّ الذي ينصبه الأصولي لمن يعارضه.

لم يكتفِ عمارة بالفخين المنصوبين لنصر؛ بل مهّد لهما بمنزلق مناسب يفضي إليهما، فأشار عليه قائلاً: "إذا أردت أن تجتهد فعليك أن تجتهد من خلال منظومة (الإسلام) من داخل نسق، لو من خارج النسق قل لي، وعلى العين والرأس! لكن أتعامل معك على أنك تفكر من خارج النسق، ولست ملزماً بهذه الثوابت، إنما إذا قلت إنني مسلم وأجتهد من خلال الثوابت فلا يمكن أن تجتاح كلّ هذه الثوابت ثم تسمي هذا اجتهاداً إسلامياً!".

تخلى عمارة عن الطريقة الموروثة في التكفير ولجأ إلى طريقة التيارات السياسية في إقصاء الخارجين على النصّ

مصدر الإيهام الذي فعله عمارة هنا، والذي انطلى على نصر أبو زيد، الذي حاول إثبات أن الثوابت ليست ثوابت؛ بل ثمرة لتدخلات سياسية معقدة عبر التاريخ الإسلامي، يأتي من خلال خلط عمارة بين "النسق الثقافي (الإسلام كتقليد خطابي تاريخي) والمنهج العلمي الذي أراد له أن يعبر عن العقيدة، فمن لم يجتهد عبر المفاهيم والآليات المورثة أو المنهج الموروث فهو بذلك يفكر من خارج النسق أي العقيدة!

لم يكن عمارة موفقاً في إيهامه، لكنّ موقعه في المناظرة كسلطة لها صلاحية إصدار حكم بالكفر أو بالإيمان هو ما أظهره كذلك، وهو لا يفعل أكثر من التوحيد بين موضوع البحث ومنهجه، فيفترض أنه لا يمكن النظر في التراث الإسلامي بمنهج "مستورد"، وإلا كانت علاقته بالتراث علاقة خارجية مُقحمة كما هو الحال مع الاستشراق.

 

 

التفكير في التراث بالتراث وبمفاهيمه اتجاه سائد في العالم الإسلامي كله، وله السلطة العليا في مقاربة التراث في مصر عبر الأزهر، وتترتب على هذا المنهج مشكلة فكرية مستعصية على الحلّ؛ وهي أنّه لا ينتج معرفة بالتراث؛ بل يسمح فقط بإعادة ما قاله السلف وشرحه، لكن الجديد الذي أتى به عمارة هو أنّه ساوى بين عدم اعتماد المنهج الموروث وبين الخروج من العقيدة.

اقرأ أيضاً: "الدين والاشتراكية".. هل يمكن تحرير التراث من صراعات الأيدولوجيا؟

كان هذا تطويراً مبهراً من طرف مفكر إسلامي يوصف بالاعتدال، ويحاول بكل الوسائل تكييف تهمة الكفر على جسد باحث في التراث، تلقّى لتوه حكماً بالتفريق بينه وبين زوجته بحجة "الردة" من محاكم الدولة، وتنتظره رصاصة تنتظر بدورها إشارة إسلامية موثوقة ومعتدلة!

التكفير الدائري

رفض عمارة المسارعة إلى تكفير نصر أبو زيد، واستشهد بمقولة أبي حامد الغزالي: "لا يسارع إلى التكفير إلا الجهلة"؛ بل أراد تحطيم كلّ ما يستند إليه إيمان أبو زيد من شواهد؛ واستعان بطرائق الانتساب إلى التيارات السياسية، يقول: "أنت إذا كنت ماركسياً، وقلت أنا ماركسي، لا يمكن أن يصدقك أحد إذا كنت تنكر الملكية الجماعية والصراع الطبقي والمادي، إذا كنت ليبرالياً وأعلنت بأعلى صوتك أنّك ليبرالي لا يمكن أن يصدقك أحد إذا كنت تنكر الحرية الفردية والحرية الاقتصادية، وما كتبه د. نصر نقض العقائد الأساسية للإسلام والثوابت الأساسية للإسلام، ومن هنا عندما يعلن أنه مسلم لا يجوز لنا أن نشكك في هذا، لكن على الأقل نقول له إنّ هذا الإعلان يتناقض مع ما في كتاباتك من نقض لهذه الثوابت الإسلامية".

 

 

بذلك تخلى عمارة عن الطريقة الموروثة في "التكفير"، والتي تتفرع إلى اتجاهين: اتجاه متسامح يرفض تكفير كلّ من ينطق بالشهادة، وآخر أقل تسامحاً يكفّر كلّ من ينكر معلوماً بالدين بالضرورة، ولجأ إلى الأساليب الحديثة في التكفير على طريقة التيارات السياسية في إقصاء الخارجين على النصّ من داخلها. كانت الشعبوية اليسارية التي تعتمد على إستراتيجية تكفير الخارجين على خط القيادة المركزية، والتي طالما تغذّى بها عمارة، مفيدة هنا في تدعيم مساعيه في تكفير نصر أبو زيد.

تجاهل عمارة الحملة التي رعاها الغرب بدعم وإنعاش النزعة الدينية في العالم الإسلامي ضمن سياق الحرب الباردة

في المناظرة وجد أبو زيد نفسه وحيداً والأعداء يحيطون به من كل مكان، فالمشاركون عبر الهاتف إما يطالبونه بالتوبة أو بإعلان الشهادة، أو يؤكدون على تفكيره براحة ضمير، والإعلامي الذي حكّم بين المتناظرين لم يكن محايداً بحال، بل ساير الفكر الأصولي، ويدل على ذلك صياغته المتصيّدة لأول سؤال له: "هل هناك خطوط حمراء تقيد الباحث في الدين وعلومه أم أن الباحث يستطيع أن يشرّق ويغرّب دون قيود؟" وهو سؤال لا يوحي بحرية الفكر بل بانفلاته، وكان أبو زيد واعياً بذلك، ورفض جملة "الخطوط الحمراء"، ولم يتوقف الإعلامي عند ذلك الحدّ؛ بل شارك بنفسه في المناظرة من ضفة عمارة وأحضر مقتطفات مقتطعة من أطروحات نصر أبو زيد وحاكمه عليها!

بعد قرابة ربع قرن على المناظرة، سيكون من المفيد العودة بالنظر إلى ممارسات "الصحوة الإسلامية" التي عبّرت عن نمط متكامل من السياسات لإنتاج "مسلم" متمحور حول هويته، محصّن ضدّ كلّ الفلسفات الحديثة وطرائق التفكير النقدية وأنماط العيش التي لا تلتزم بتبعات الهوية وأخلاقيات الفضيلة ومقتضيات الإيمان، وكل ما يخلو من المفردات الدينية، ما يظهر من مداخلات المشاركين.

غلاف كتاب "مفهوم النص" لنصر أبو زيد

أخطأ نصر أبو زيد خطأ فادحاً، لكنّه كان معذوراً بعزلته في المناظرة بكونه مُهدداً في أمنه واستقرار أسرته وحياته بأكملها، حين عدّ جوهر الأزمة يتعلق بالأكاديمية وعدم معاملته وفقاً لتقاليدها في تحكيم الأبحاث العلمية، خصوصاً أنّه بعد أن خرج الأمر من أروقة الجامعة إلى الساحة الثقافية والسياسية والقضائية، لم يكن من الممكن إعادته إليها، ولم يعد هناك فارق بين كتاب أكاديمي ككتابه "مفهوم النص"، وأيّ كتاب يُنتج خارج الجامعة.

اقرأ أيضاً: إذا كان التطرف ينام بين جنبات التراث فمن يوقظه؟!

وحتى حين قارب أبو زيد الأزمة باعتبارها أزمة سياسية لم يتعامل معها على هذا الأساس؛ بل اكتفى بتوصيفها، على اعتبارها مرتبطة بالاستقطاب الحاد الدائر في مصر بين الإسلاميين والعلمانيين، وأنه بمجرد دفاع العلمانيين عنه تم اعتباره منتمياً لمعسكرهم، اختار أبو زيد أن ينفض يده من المعركة بدلاً من الاشتباك السياسي مع التيار الذي كان يعّد لتصفيته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل حظيت آراء الشيخ عبدالله العلايلي التجديدية بالاهتمام الكافي؟

2019-07-17

في أواخر العام 2016، مرت مئويته فيما كان العالم العربي والإسلامي يدخل نفق الاشتباك المظلم مع تأويل النصوص الدينية، وصعود المذهبيات والإثنيات والقتل على الهوية والدين والاتجاه والرأي واللباس، ومشاهدة كرة القدم.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
لهذا راحت بيروت تتذكر شيخها وحكيمها، وهي التي اكتوت بنيران تلك الحروب المتعددة، فنظرت إلى الشيخ عبدالله العلايلي بوصفه حاجة ملحة في هذه القنطرة المرعبة التي تحتاج إلى مفكرين كبار وشجعان كالعلايلي الذي كان يوصف بأنّه "مدافع قوي عن حقوق الإنسان، وثوري متفان، ومساند مخلص للقضية الفلسطينية، ومعارض شرس للحكومات الاستبدادية الديكتاتورية في الوطن العربي"، فضلاً عن آرائه في شؤون الدين والفقه.

رأى الشيخ عبدالله العلايلي أنّ الحدود مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها

وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914 في أسرة قديمة العهد ببيروت، ترقى إلى القرن الحادي عشر الهجري، وشغلت في الأوساط التجارية، على ما سلك أهل السنّة دوماً. في العام 1924 توجه إلى الجامع الأزهر في بلاد الكنانة برفقة شقيقه، وظّل يتابع الدراسة في هذا الجامع حتى العام 1935.
وما أخذه العلايلي عن الجلَّة من الشيوخ، أمثال الدسوقي العربي، محمد نجيب المطيعي، يوسف الدجوي، سيّد علي المرصفي، السملوطي، أحمد عيسى الشرقاوي، محمد العربي، عفيف عثمان، وعلي محفوظ، إلى كثرة غيرهم، لم يحمِه في يوم، من صنميّي النص. كما لم تشفع له قدرته الاستثنائية على تطويع اللغة في النأي بنفسه عن غائلة من يتشبثون بالنقل لا بمراكمة الجهود في مواكبة العصر، على ما تذكر صحيفة "النهار".
وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914

"مقدمة لدرس لغة العرب"
عاد عبد الله العلايلي إلى بيروت عام 1936، وتسلم مهمة التدريس في "الجامع العمري الكبير" واستمر لمدة ثلاث سنوات كان يحضّر في أثنائها كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب" ولم تكن هناك في لبنان دور للنشر فاضطر إلى العودة للقاهرة كي يخرج الكتاب. وكان يقول عن اللغة: "إنها تتحرك بقانون الغاية لا السببية"، لذلك يقرر أنّ "اللغة هي مجموعة الأفكار والتقاليد والعواطف... تنمو أو تموت، تتحرك أو تأسن، بحسب حاجة الناس إليها، أو بمدى ارتباطها بنشاط الإنسان".

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
بعد هذا الكتاب، أطل الشيخ على الناس بكتابين طبعتهما الجالية السورية اللبنانية على نفقتها؛ الأول بعنوان "سوريا الضحية" هاجم فيه معاهدة 1937 مع الفرنسيين. والرسالة الثانية بعنوان "فلسطين الدامية". ثم أتبع الكتابين بثالث "إني أتهم" الذي هاجم فيه التفكك الطائفي الذي استشرى في المجتمع اللبناني. كما صدر له: "تاريخ الحسين"، "المعرّي ذلك المجهول"، "المعجم"، "مثلهنّ الأعلى- السيدة خديجة"، "المرجع"، "من أجل لبنان".
النحت في اللغة والحياة والتدين
وفي غمرة ذلك، لم ينفك الشيخ العلايلي عن النحت في اللغة العربية واشتقاق المصطلحات، وتجديد حضور اللغة في الوعي والتاريخ واللسان. وفي حديثه عن "النظريّة اللغويّة عند العلايلي" يقول د. رمزي البعلبكي "من منن الله على العربيّة أنه سبحانه وتعالى، لا يفتأ يبعث من يُحيي هذه اللغة الشريفة في نفوس أبنائها، وينهض بها لتستقيم في معترك البقاء على نقاوة في التشذيب ولدانة في التخيّر واندفاع في الوثب، ولا جديد في القول إنّ الشيخ العلايلي هو محيي العربيّة على رأس هذه المائة، فهو المقدمة وهو المرجع ومنه الفكر والنظر والاقتراح والبرهان".

غلاف  كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب"
ولا تكمن أهمية العلايلي في كونه مارد اللغة العربية وصانعها، بل لأنه كان علامة الإصلاح الديني. وحول اجتهاداته الفقهية ثار غبار كثيف، خصوصاً في مسألة العقوبات الجسدية والزواج المختلط، بحسب الكاتب اللبناني محمد حجيري. ففي المسألة الأولى، رأى أنّ الحدود، مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها، ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها. واستنتج من قراءة الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المعنية، أنّ من الضروري "إقامة مطلق الرادع مقام الحد عينه، إلا في حال الإصرار؛ أي المعاودة تكراراً وتكراراً". والأرجح أنّ إحدى أبرز مشاكل الدين في العصر الحديث هي مسألة العقوبات الجسدية التي تتبناها التنظيمات المتطرفة، وحتى بعض الدول المنغلقة المحكومة بالملالي.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
في المسألة الثانية (أي الزواج المختلط)، اعتبر العلايلي أنّ الآية القرآنية تحرِّم زواج المسلمة من المشرك، وليس من الكتابيّ، فأجاز هذا الزواج، مخالفاً بذلك الإجماع الفقهي. وهو رأى "أنّ الإجماع في هذه المسألة، من نوع الإجماع المتأخر الذي لا ينهض كحجة إلا إذا استند إلى دليل قطعي"، وهو ما لم يحصل، بحسب رأيه.
زواج المسلمة من كتابيّ
في كتابه "أين الخطأ"، تحدث العلايلي عن زواج المسلمة من كتابيّ، وقدّمها تحت عنوان "أطوطميون أنتم أم فقهاء؟".
وقدّم العلايلي لرأيه في جواز زواج المسلمة من كتابيّ بإشارات إلى ما يشهده المجتمع اللبناني من جدل حاد حول الزواج المختلط. ويؤسّس رأيه في هذه المسألة، كما يقول القاضي الشيخ محمد أبو زيد، رئيس المحكمة السنية في صيدا، على ما يلي:

كوثراني: آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة

1. إنّ زواج المسلمة من كتابيّ مسألة بسيطة. وهي جزئية، واجتهادية.
2. إنّ الإجماع الحاصل في هذه المسألة هو إجماع متأخر. وهذا النوع من الإجماع ينبغي أن يكون له مستندٌ من دليل قطعي.
3. إنّ الآيات الواردة في: سورة البقرة (221)، الممتحنة (10)، المائدة (5)، غير قاطعة في تحريم زواج المسلمة من كتابيّ، تأسيساً على اعتبار العلايلي أنّ لفظي "مشرك" و"كافر" لا يشملان "الكتابيّ".
4. إنّ لفظ "خير" الوارد في قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أتى لبيان ما هو الأفضل، دون أن يعني ذلك حرمة زواج المسلمة من كتابي.
5. إنّ أدلة المانعين لا تخلو من احتمال، وهو أمر يجعلها ساقطة لجهة الاستدلال بها.
6. الآية 10 من سورة الممتحنة خاصة باللواتي فررن بدينهن بسبب الاضطهاد. فلا يجوز إرجاعهن إلى الكفار.
7. وجوب حصر النقاش في آيات سورة المائدة؛ كونها تتحدث عن الكتابيين حصراً.
8. استفاد العلايلي مما ذكره ابن رشد في كتاب البيوع، ثمّ قام بعد ذلك بتطبيقه على الأنكحة، ونصّ كلام ابن رشد: "نحن نذكر أولاً "المنطوق به" في الشرع وما يتعلق به من الفقه، ثم نذكر بعد ذلك من "المسكوت عنه" ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار ليكون كالقانون في نفس الفقه، أعني في رد الفروع إلى الأصول".
9. الأحاديث الواردة في هذه المسألة هي آحاد لا يَحتج العلايلي بها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
10.أحاديث الأفعال الواردة في هذه المسألة هي -شأن سائر أحاديث الأفعال- محل نظر عند الأصوليين لجهة دلالتها.
وختم العلايلي رأيه في هذه المسألة بالقول: "وأختم هذا الفصل ببيان أنَّ الفرق كبير بين الإباحة حيث لا مندوحة، وبين الورع... أما ما يقتضي الورع فشيء آخر، يتصل بالطمأنينة النفسية والراحة القلبية..." .
غلاف كتابه "أين الخطأ؟"

الرؤية العلمية للقمر الرمضاني
وتشمل اجتهادات العلايلي الكثير من الآراء التي تحاول أن تواكب التحديات المعاصرة في ميادين عملية عدة ومفاهيم نظرية: مفهوم الثروة، الرؤية العلمية للقمر الرمضاني، الربا، توزيع الأضاحي، الصورة، والسينما. كان قد نشر هذه القضايا في كتابه "أين الخطأ"؟ الذي صدر في طبعته الأولى العام 1978، واضطر تحت الضغط إلى سحبه من التداول وأعيدت طباعته العام 1992.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
والمفارقة والغريب، يقول الحجيري، أنّ إصلاحات العلايلي بقيت في الهامش ولم يسعَ دعاة ما يُسمى "الاعتدال الديني" إلى تبنّيها أو ترويجها. وهذا ما لاحظه الباحث اللبناني وجيه كوثراني إذ اعتبر أنّ آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي، ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة ومن مواقع مختلفة؛ من موقع التقليديين والمحافظين الذين سخطوا على الشيخ وحاصروا فكره الفقهي وحاربوه، وربما من موقع الحداثيين الذين لم ينتبهوا في غضون الستينيات والسبعينيات، إلى ما يشكله العلايلي الآن وفي الماضي ودائماً من علامة بارزة وساطعة ومجددة في اللغة والسياسة والدين، وكذلك في التفكير الذي أراده العلايلي، وهو يغمض عينيه إلى الأبد في العام 1996، متحرراً من أغلال القشور والتقليد، ونازعاً إلى إعمال العقل في كل ما يحيط بدنيا الكائن وانتظاراته ورهاناته الوجودية.

للمشاركة:

رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب

2019-07-11

من الشائع عن الشيخ رشيد رضا؛ أنّه نفّذ انقلاباً فكرياً على تعاليم الإمام محمد عبده، أو على مدرسة الإصلاح التوفيقية (بقيادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده) لصالح "التسلّف"؛ وأنّه كان حلقة الوصل (الإشكالية) بين مدرسة "الإصلاح" والإسلام الحركي، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين (بقيادة تلميذه حسن البنا) نموذجه الأول والأبرز.

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
ومن أجل تأكيد صحة تلك الافتراضات؛ يتعين مناقشة طبيعة "الإصلاح"، وحدوده، وعلاقته بفكر رشيد رضا، وبحث ما إذا كان رضا منقلباً فعلاً على فكر الإصلاح؟ وما حيثيات هذا الانقلاب؟ وما علاقة الشيخ بسياقه الاجتماعي والتاريخي؟ وأخيراً مدى تكريسه للرؤية الأصولية للعالم، وهل كان رائدها في الأساس أم حلقة إشكالية من حلقاتها؟
الإمام محمد عبده

بدايات المصلح ومآزق الإصلاح
في الوقت الذي انطلقت فيه دعوات الإصلاح من القاهرة، ظهرت نشاطات إصلاحية في الشام، كان من أبرز أعلامها حسين الجسر، الذي درس في الأزهر، ثم أسّس في طرابلس المدرسة "الوطنية الإسلامية"، التي درس فيها رشيد رضا.

كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها

كان رضا قد وُلد في القلمون، لعائلة من "الأشراف"، وتعلّم في كتّاب القرية، ثم دخل مدرسة حكومية، لم يلبث فيها سوى عام واحد، لسخطه على مناهج التدريس التي تهدف لتخريج موظفين؛ لينتقل إلى مدرسة حسين الجسر (الوطنية الإسلامية)، ويدرس فيها علوم الشريعة واللغة، وبعد إغلاق المدرسة، شرع في طلب العلم في المدارس الدينية في طرابلس.
سيطبع هذا التكوين (أحادي الثقافة) مسيرة رشيد رضا بأكملها؛ إذ ظلّ حتى رحيله يشعر بالاكتفاء الذاتي ثقافياً، ولم يسع لتعلّم لغة أجنبية (وإن كان اطّلع على بعض الكتب المترجمة)، أو لإقامة أيّة علاقات مع الأوروبيين، على عكس أستاذه، محمد عبده، الذي أتقن الفرنسية، وأقام علاقات وثيقة مع مفكّرين وساسة أجانب.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
وبواسطة هذه العلاقات بالذات استطاع محمد عبده تأمين دعم مالي وإداري لرشيد رضا، حين قرّر تأسيس مجلة "المنار" 1898، ومن خلال خبرته السياسية، قدّم لرضا نصيحة تمثّل خلاصة تجربته، وهي الابتعاد عن الصراعات السياسية المباشرة، والانغماس في قضايا التربية والتعليم، وانتشال الأمة من التخلف والضعف، برسم المواجهة طويلة المدى مع الآخر الاستعماري، لا المواجهة العاجلة والمباشرة، كما أمِلَ الأفغاني.
تأسست "المنار" في الأساس لإحياء تعاليم "العروة الوثقى"، التي أطلقها الأفغاني وعبده عام 1884، والتي لم يصدر منها إلا 18 عدداً، بعد أن نزع رضا عن تلك التعاليم طابعها السياسي، حتى تتلاشى المتاعب المتوقعة من قبل الإنجليز والسلطة في مصر، وصارت "المنار" استئنافاً للخط التحريري الاجتماعي والفكري الذي صاغه الشيخان، خصوصاً فيما يخصّ الوحدة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
ورغم تخلّي الشيخ رضا عن أيّ طرح سياسي مباشر، إلا أنّ السياسة كانت حاضرة دائماً في اختياره لموضوعاته، وفي ردوده على مقالات جريدة "المقتطف" العلمانية؛ ومن ثم فقد كانت مجلة سياسية بالمعنى العميق.
فقد كانت فكرة الجامعة الإسلامية (وهي فكرة سياسية)، هي الأساس الفكري للمجلة، وفي تحديده لها، يقول رضا: "لها [الجامعة] طرفان: أحدهما يضمّ المعتقدين بالدين الإسلامي، الذين يربطهم رابط الأخوّة الإيمانية حتى يكونوا جسماً واحداً، وقد انحلت هذه الرابطة، لكنّها لم تنتهِ، غير أنّ من الممكن توثيقها وشدّها بعدد من الإجراءات العامة والخاصة. أمّا الطرف الآخر؛ فهو الذي يربط المسلم وغيره من أرباب الملل برابطة الشريعة العادلة، وهذه الرابطة طرأ عليها ما حلّ عقدتها في بعض الحكومات، وما أزالها كلياً في حكومات أخرى، فصار الحال يقضي على المسلمين في كلّ قُطر أن يسعوا بالاشتراك مع مواطنيهم الذين يحكمون معهم بحكومة واحدة إلى كلّ ما يعود على وطنهم وبلادهم بالعمران، ويفجّر فيهم ينابيع الثورة من أجل مزيد من المنعة والقوة والاستعداد".

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
واعتقد رضا أنّ بالإمكان تحقيق الجامعة الإسلامية عبر الترويج للوسائل التي تؤدي إليها، مثل الإصلاح الديني، ورغم تخليه عن العمل السياسي الصريح، إلا أنّه كان مدركاً أنّ إصلاحاً من هذا النوع لن يتحقق بمعزل عن إرادة سياسية "تجمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وقانون شرعي واحد، ولغة واحدة (هي العربية)".
وبالنسبة إليه؛ فإنّ الإصلاح المأمول "يتوقف على تأليف جمعية إسلامية، تحت حماية الخليفة، يكون لها شُعب في كلّ قُطر إسلامي، وتكون أعظم شُعبها في مكة المكرمة، التي يؤمّها المسلمون من جميع الأقطار، ويتآخون في مواقعها ومعاهدها المقدسة، وأهم اجتماعات هذه الشعبة تكون في موسم الحج الشريف".
جمال الدين الأفغاني

وينيط رضا ثلاث مهمات بهذه الجمعية:
1- تلافي البدع والتعاليم الفاسدة قبل انتشارها.
2-  إصلاح الخطابة.
3-  الدعوة إلى الدين.
وهو يعلق آمالاً عريضة على هذه الجمعية، أهمها إحداث تقارب بين الحكومات الإسلامية، والاتحاد على صدّ هجمات أوروبا، وإيقاف مطامعها عند حدود معينة! ويرسم لها أفقاً صاغه على غرار التحالف البريطاني الفرنسي في السياسة الخارجية، والنموذج الأمريكي في الإصلاحات الداخلية المتعلقة بالتربية والتعليم.
ويدرك المصلح السوري محدودية الجانب التربوي والتعليمي في الإصلاح المأمول؛ لذا يضع شرطين لهذا الإصلاح: أولهما: أن يكون الحكم شورياً قائماً على العدل والمساواة بين الرعية، يتولاه موظفون أكفاء يكونون بمثابة "أُجراء للأمة"، ليسوا سادة لها، ولا مستبدين عليها.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
والثاني، وهو مرتبط بالأول: تغيير أفكار الأمة وأخلاقها بنشر العلوم والآداب الاجتماعية والأخلاقية، حتى يولد لدى الأمة، ولدى الحكام في آن، الاستعداد للإصلاح.
وفي ملاحظة بالغة الخطورة، وهي مستوحاة من فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، يرفض رضا أن تكون الشورى مجرد "ائتمار بأمر الدين وعمل بهدايته"؛ بل يجب أن تكون انعكاساً ميكانيكياً للارتقاء الاجتماعي، وإلا لن يطول العهد عليها، كما كان الحال مع حكومة الشورى عند المسلمين الأوائل؛ إذ لم تلبث أن عصفت بها العصبيات في مهدها. وعليه؛ يستنتج أنّ "التاريخ الطويل للاستبداد في مسيرة الأمة التاريخية كان ثمرةً لعدم استعداد المحكومين للسيطرة على حكامهم، بسبب قلة معارفهم الاجتماعية" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988).

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
في طبيعة الحال، تطلّب النوعان من المواجهة، السياسية والحضارية، اعترافاً بتخلّف المسلمين، مع تنزيه الإسلام عن التسبّب في ذلك، وكأثرٍ من آثار التلمذة الفكرية على عبده والأفغاني، أعطى رضا أولوية حاسمة للإسلام في تطوير حياة المسلمين المعاصرين وانتشالهم من التخلف؛ فـ "القرآن هو الحلّ" لكلّ المشكلات، وبالرجوع إليه تعود للأمة وحدتها، وتُقام فيها الشورى والعدل (كما يقول أحمد صلاح الملا، في كتابه "جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة، رشيد رضا ومجلة المنار 1935- 1898".
حتى هنا كانت الأساسات الفكرية لمدرسة الإصلاح متفقاً عليها بين أعلامها الثلاثة؛ فأزمة المسلمين تكمن في انحرافهم عن الإسلام؛ فهم كانوا أعزاء وأقوياء حين كانوا متمسكين بتعاليم الله تعالى، وحين تخلوا عنها كان من الطبيعي أن يصابوا بالتخلف والانحطاط، وحتى يمكن رفع هذه العقوبة الإلهية، تجب العودة إلى الإسلام.
تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة

حيثيات الانقلاب المنقوص
اتفق أعلام الإصلاح على تطهير الإسلام من شوائبه، وبدؤوا بالتصوف، إلّا أنّه ما كان يدينه الأفغاني، وينتهي منه سريعاً لينتقل إلى غيره، وما كان يقاربه محمد عبده بحذر وروية، اشتبك معه رشيد رضا بتصلب وعنف شديدَين؛ إذ تجاوز الشيخان معاً، ليستلهم ابن تيمية، ويستدعيه، كي يشارك في حملته الضارية على الصوفية التي شنتها "المنار".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وليس معقولاً أن يستدعي رضا ابن تيمية في البدع ويتجنّب رؤيته للإصلاح؛ فحين تعلق الأمر بـ "السلف الصالح"، الذي حاول محمد عبده، بعنادٍ حديدي، التخفف من سلطته، دافع رضا عن تلك السلطة المعيارية بحسّ تكفيري عالٍ تظهر عليه بصمة ابن تيمية بشكل لا تخطئه العين.

لم يكن انقلاب رضا على أستاذه محمد عبده كاملاً فقد جاراه في رؤيته السياسية وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار

وضمن هذه الروح؛ ألغى رضا وظيفة العقل، تقريباً، بحصر دوره في إقامة الدلائل على صحة العقائد، ومن ثّم تحدّد مسبقاً موقفه من الاجتهاد؛ فرغم رفضه "النظري جداً" لإغلاق باب الاجتهاد، إلا أنّه، بتعريفه للاجتهاد بأنّه "تقيّد محض بأحكام القرآن والسنّة وسيرة السلف الصالح"، يكون قد وضع حجراً إضافياً خلف باب الاجتهاد المُوصد.
وطبيعي في مسار كهذا أن يعيد رضا تثبيت مفهوم "الإجماع" كسلطة مقيدة للاجتهاد، حتى كاد أن يساويه مع سلطة القرآن والسنّة، وطبيعي أيضاً أن يكون موقفه في علم الكلام متناغماً مع موقفه في الفقه؛ إذ كان منذ بداياته الأولى رافضاً للمعتزلة ومنحاهم العقلاني، وظلّ مُحصناً طويلاً من تأثيرات أستاذه محمد عبده، الذي تميّز بحسّ اعتزالي رصين (لاحقاً سيحاول رضا تطهير محمد عبده من درائن الاعتزال؛ وسيحشد كلّ الأدلة الممكنة والمتخيلة حتى يُثبت أنّ الآراء الاعتزالية المنسوبة إلى الإمام مدسوسة عليه).

اقرأ أيضاً: حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية
كان الشيخ محمد عبده قد نفّذ انقلاباً فكرياً على جمال الدين الأفغاني، حوّل بموجبه "الإصلاح" من أيديولوجيا تجميع ومواجهة للمحتل الغربي، إلى خطة بعيدة المدى لإصلاح البناء الفكري للعالم الإسلامي، وبهذا المعنى يكون مشروع رشيد رضا بمثابة استئنافٍ، بوجهٍ ما، للأفغاني؛ أي نفّذ انقلاباً على الانقلاب.
تتمة الانقلاب
لم يكن انقلاب رشيد رضا على أستاذه كاملاً؛ فقد جاراه في رؤيته السياسية، وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار، منذ أن انطلقت مجلته "المنار"، حتى تباشير الحرب العالمية الأولى، التي تحوّل موقف رضا خلالها نحو الاحتلال الإنجليزي من الرضا إلى العداء؛ لتيقنه من خيانة بريطانيا للمسلمين.
كان هذا هو العنصر المفقود للانقلاب، وكان على رضا، من أجل إتمام انقلابه، العودة إلى الأفغاني ومواقفه المتصلبة من الاستعمار، وستحمل هذه الخلاصة صدمة، من نوعٍ ما، لمن رأوا في رشيد رضا منافحاً دائماً عن قضايا الأمة ومناضلاً لا يلين ضدّ الاستعمار.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
طوال الوقت أظهر رضا موقفاً مناهضاً للاستعمار، من خلال مقالاته "نصف النارية" التي، رغم لغتها العنيفة، لا يمكن بناء أيّ موقف سياسي عليها ضدّ الاستعمار، ولا يمكن لقارئها قطعاً أن يحتشد ويُثار وينخرط في حركة مقاومة سياسية أو عسكرية، في طبيعة الحال، ضدّ الإنجليز؛ إذ اختار رضا طريق المقاومة الحضارية بعيدة المدى.
كان موقف محمد عبده السياسي قائماً على استبعاد إمكانية الحصول على الاستقلال في ظلّ تخلّف الأمة وضعفها البادي، ولم يكن رضا بمنأى عن هذا الموقف، بل عبّر عنه، فقط، بلغة جمال الدين الأفغاني، وهنا كمُنَت الخدعة.
على أيّ أساس بنى رضا موقفه السياسي؟ لم يكن هناك بين أعلام مدرسة الإصلاح الثلاثة: الأفغاني، عبده، رضا، من هو منقوصُ الاستقلال أو التابع أو المقلد، وبالتالي ليس هناك مجال للقول إنّ رضا قد تبنى موقفاً مهادناً من الاستعمار سيراً على خطى عبده؛ فكثيراً ما خالفه علناً في قضايا عديدة؛ وبالتالي يجب البحث عن سبب آخر بُني عليه هذا الموقف الإشكالي.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
وضع رضا معياراً يحدّد موقفه من الاستعمار، وهو معيار مجلوب رأساً من قلب الممارسة التاريخية للإسلام؛ إذ حدّد الفقهاء أوضاعاً بعينها تقتضي الخروج على الحاكم: تحديه للعقيدة الإسلامية، منعه أداء المسلمين لشعائرهم، إلغاؤه للتعليم الديني؛ فيضيع العلم الشرعي بموت العلماء؛ إذ ليس هناك طلاب يحملونه عنهم، وعليه؛ رأى رضا أنّ الاحتلال الإنجليزي مقبول ما لم يمسّ الثوابت التي وضعها الفقهاء في السابق (كان موقفه من الاحتلال الفرنسي للجزائر عدائياً بالكامل؛ نظراً لفرض فرنسا ثقافتها بالقوة على المجتمع الجزائري المسلم، وسعيها، الذي لم يهدأ، لطمس ثقافته المحلية). وفي تخطٍّ لموقف أستاذه محمد عبده المهادن، اعترف رضا بحقّ بريطانيا في السيادة على العالم الإسلامي بحكم تفوقها الأخلاقي والعلمي.

استيلاء إيطاليا على طرابلس عام 1911
سريعاً ما ستتلاشى أوهام رضا حول النوايا الطيبة للاستعمار؛ فبعد استيلاء إيطاليا على طرابلس، عام 1911، واندلاع الحرب بين دول البلقان والدولة العثمانية، عام 1912، بدأ رضا يدرك الطبيعة التدميرية للاستعمار وتعقيدات "المسألة الشرقية"، في ظلّ الأطماع المتنامية للدول الكبرى في اقتسام "إرث الخلافة"، وفي صدارتها بريطانيا "العاقلة"، كما كان يسميها.
بدأ رضا يفقد الأمل في بريطانيا، وقرّر معارضتها علناً، والتحريض على وجودها في المجتمعات الإسلامية، وعّززت الحرب العالمية الأولى نزعته العدائية تجاهها، حتى أصبحت بريطانيا في عُرفه هي "الشيطان الأكبر" حصراً؛ وتبرّع بإصدار ثاني فتوى "تكفير سياسي" في العالم الإسلامي الحديث (كانت الأولى من نصيبه أيضاً، حين كفّر الحاكم المستبد أثناء صراعه مع السلطان عبد الحميد)؛ إذ رأى أنّ الحياة تحت سلطان بريطانيا "كفر صريح ورِدّة عن الإسلام"، ورغم هذا الجنوح (المتوقع من أيّة أصولية: إصلاحية أو سلفية) نحو التكفير، لم يطوّر رضا أيّة نظرية للجهاد ضدّ الاستعمار.
في هذا الزمن، دخلت الخلافة العثمانية بخطى واسعة وسريعة مرحلة أفولها، وتنافست القوى العظمى على تركة الإمبراطورية، واحتلّ الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) أراضي تركيا نفسها، فيما حاول مصطفى كمال أتاتورك ردّ الثقة إلى الجيش والشعب، عبر النضال ضدّ المحتلين، في وقتٍ كانت فيه الحكومة العثمانية متورطة في مساومات مع الدول الأوروبية، انتهت بقبولها بمعاهدة "سيفر" 1910 المهينة؛ التي كرّست تمزيق الإمبراطورية، إلا أنّ أتاتورك حطم المعاهدة علمياً، باسترداده منطقة "أزمير"، الداخلة ضمن بنود المعاهدة.
آنذاك، كان كلّ نصر يحققه الكماليون يُخصم من رصيد السلطنة العاجزة، ويعزز إمكانية إطاحتها، حتى إذا جاء عام 1922 ألغى المجلس الوطني في أنقرة السلطنة، وأعلن تركيا دولة جمهورية، وهو قرار لاقى تأييداً جارفاً في مصر، التي ماهت بين حركتها الوطنية ونظريتها التركية، وتأييداً حذراً في بقية العالم الإسلامي، لكن بعد دفع القرار إلى نتيجته المنطقية بإلغاء الخلافة، عام 1924، ثارت ثائرة العالم الإسلامي.
كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة، والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها، وكان هذا ما اشتُهر به لاحقاً.

للمشاركة:

"الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

2019-07-03

ظهرت في القرن التاسع عشر العديد من النظريات الكبرى، التي حاولت أن تفسر الإنسان والعالم تفسيراً شمولياً بردّه إلى المبدأ الواحد (اللوجوس). وقد ظهرت هذه النظريات في حقول معرفية عدة، كان منها الأحياء؛ حيث برزت فيها "نظرية التطور" التي أطلقها تشارلز داروين، وقد لاقت النظرية قبولاً كبيراً في أوساط الجماعة العلمية آنذاك، في حين لاقت معارضةً كبيرة من المؤسسات الدينية المسيحية.

اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة

وتقوم النظرية على افتراض مادي أساسه أنّ الكائنات الحية عُرضة للتطور من خلال التغير على مدار الزمن، هذا التغير يأخذ شكلاً تدريجياً؛ حيث تحدث تطورات كمية ونوعية في البنية الأساسية للكائن الحي. ويستند التطور إلى قاعدة حتمية هي؛ أنّ البقاء للأصلح، وأنّ التكيف أساس البقاء، بمعنى أنّ أساس بقاء الكائن الحي مرهون بصلاحيته، وصلاحيته تعتمد بشكل كلي على قدرته على تكييف نفسه مع الواقع من حوله.
وكان المفكر المصري سلامة موسى من أوائل من استقبلوا بحفاوة النظرية الداروينية، فأنشأ يكتب عنها وفيها، متأثراً بميوله العلمية وتفكيره الاشتراكي المادي، ودعوته إلى أنّ محاكاة الغرب والتجربة الحضارية التي خاضها هي الكفيلة بارتقاء المجتمع المصري.
ولد سلامة موسى عام ١٨٨٧ بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلومترات من الزقازيق لأبوين قبطيين. التحق، كما تقول كتب السيرة المتصلة به، بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣.
تشارلز داروين

الرحلة إلى الغرب
سافر عام ١٩٠٦ إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين. انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربع سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثيرين من عمالقة مفكري وأدباء الغرب، أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثراً كبيراً بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين. كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.

داروين رفع الإنسان إلى العلياء، وأثبت أنّه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة

بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان: "مقدمة السوبرمان"، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق. كما أصدر كتاباً آخر بعنوان: "نشوء فكرة الله"، يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديراً للشعوب وإغلالاً لأيديها. كما تَبَنَّى موسى كثيراً من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم، وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!
المفكر المثير للجدل
توفي سلامة موسى عام ١٩٥٨، تاركاً إرثاً مثيراً للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصيراً للطبقات الكادحة، ومحررا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: "إن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً؛ هو أنه غير عربي". كما قال: "إنّ العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المُنبتّ الذي لا عِلْماً قطع ولا أدباً أبقى". وقد هوجم سلامة موسى من "مجلة الرسالة" الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه "معادٍ للإسلام"، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى "دجال ومشعوذ".

اقرأ أيضاً: الإسلام والداروينية عند أمين خولي
ومن بين كتبه التي ألّبت عليه المحافظين من الكتاب والأدباء المصريين، كتابه "الإنسان قمة التطور" الذي نشره مسلسلاً، ثم جمعه في كتاب صدر عن دار المعارف بمصر، وهنا نورد منه ما يأتي:
كتابه "الإنسان قمة التطور"

مقتطفات من كتاب الانسان قمة التطور للكاتب سلامة موسى:
الشاب الذي درس التطور في الأحياء؛ نباتاً، وحيواناً، لا يتمالك أن يحس إحساساً دينياً نحو الطبيعة، ثم إذا درس بعد ذلك تطور المجتمعات والأديان والعائلة والثقافة والعلم والأدب والفن والحضارات، فإنه لا يتمالك أيضاً أن يحس المسؤولية نحو الوسط الذي يعيش فيه، ويجب أن يؤثر فيه، للخير والشرف والسمو؛ لأنه هو نفسه قد أصبح جزءاً عاملاً في هذا التطور، ويمكن أن يعد التطور بهذا الفهم ديناً أو مذهباً بشرياً جديداً.
اللغة بدورها تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة.

اقرأ أيضاً: ريتشارد دوكنز يعيد إحياء الداروينية: هل للملحد ما يواسيه؟
إنّ كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها.

ما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ لغيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة

الزراعة أنتجت الحضارة، والكتابة أنتجت الثقافة. وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت ممكنة، وصار الذكاء مدرباً على الفهم العام، ورويداً رويداً تحول البحث "النظري" الديني القائم على العقائد والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق.
إنّ التقاليد تعوق التطور، والاستعمار يأكل ويشبع من الشعوب التي تجمدت بالتقاليد وسيطرت عليها الأديان التي تعلمها أنّ السعادة في عالم آخر وليست في هذا العالم، وأنّ العقيدة الدينية أهم من البترول.
(لا تعتني إلا بالصيد والكلاب، وإمساك الجرذان، وسوف تكون عاراً على نفسك وعلى عائلتك). هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها صحيحة، وأنّ هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة، فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النباتات، ويصيد الحشرات ويقارن بين النباتات، ويفكر تفكيراً سرياً كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيّره أو يغيّر البصيرة البشرية فيه.
وبعد أكثر من مئة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه، لم يعد داروين عاراً على عائلته، بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي، وبعد نحو خمسين سنة من هذا التوبيخ الأبوي، تأمّل داروين حياته الماضية، وبلغ ما أتمّه من الخدمة في التوجيه. قال: "أظن أنّ أبي قد قسا عليّ بعض القسوة".
جاليليو وداروين
لقد قيل: إنّ جاليليو حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أنّ الأرض ليست مركز الكون، وأنها كوكب صغير يدور حول الشمس، ولعل الشمس أيضاً نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي نراها كل ليلة في المساء، ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة حيواناً كسائر الحيوانات والحشرات، ثم ارتفع، وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر القدر، وأحسّ أنه تاج التطور، وأنّ له الحق في تدبير هذا العالم، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا أقول في إيجاد الأنواع البشرية الجديدة؟

جاليليو
الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها، حين تشمل المعيشة والاتجاه والعادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا نُغفل الشخصية؛ وما دام كل فرد يولد مختلفاً عن الآخر في الحيوان والنبات، فإنّ هذا الاختلاف ينطوي بلا شك على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو يهيئ له الهزيمة في الحال الثانية.

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟
نحن والحيوان نولد وبنا كفايات للكفاح والبقاء أو للموت والانقراض، ومهما جهد آباؤنا ومهما نالوا من كفايات في حياتهم، فلن نستطيع الانتفاع بهذه الكفايات؛ لأنّ طفل الحيوان يولد من الخلية المنوية، وهذه الخلية تعيش حياة مستقلة عن الجسم، جسم الطفل ثم الصبي ثم الشاب ثم الشيخ، وهي تظهر منذ أول التكوين للجنين؛ إذ نجد خليتين إحداهما تلك التي ينمو بها الجسم الحيواني والإنساني والأخرى تلك التي تتخصص للتناسل، وهذه تبقى خادرة كأنها نائمة إلى سن الشباب إلى حين تشرع في التكاثر وتؤدي إلى التناسل، وما يحدث للجسم إذا من ضعف أو جهد أو قطع ذراع أو أي عادات يعتادها الحيوان أو الإنسان، كل هذا لا يؤثر في الخلية المنوية؛ لأنها إنما تقطن الجسم فقط وتتغذى بالدم الذي يجري فيها ولكنها لا تتأثر به.
العادة والوراثة
وإذاً، مهما يعيش الإنسان في وسط سيئ، ومهما يكتسب في هذا الوسط السيئ من عادات مؤذية قد تحيله إلى مجرم أو وحش، فإنّ أبناءه سيخرجون وهم غير متأثرين بحياة الشر والإجرام التي عاشها.

اقرأ أيضاً: سلامة موسى.. مفكر أعزل أبحر عكس التيار
الوسط الاجتماعي، الذي يشمل التعليم وتربية الأطفال ونظام الزواج والارتزاق والأخلاق والأمراض والطعام والسكنى؛ كل هذا يؤثر في عادات الفرد ويستنبط منه كفايات أو يقتل فيه كفايات.
فإذا كنا نعيش في بيئة تعاونية تطالبنا بالحب والرفق والتعاون وتستنبط منا أجمل الفضائل، فإنّ ما نمارسه عندئذ كوظيفة يستحيل بعد أجيال إلى غرائز عضوية؛ فيعيش أبناؤنا بعد آلاف السنين وهم يتعاملون بالحب والرفق والتعاون.
وما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ من وقت لآخر إلى غيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة.

للمشاركة:



دراسة توضح حالة المجموعات الدينية المرتبطة بالأديان في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

خلُصت دراسة دولية إلى تزايد عدد البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تتعرض فيها مجموعات دينية معينة للاضطهاد والقمع والعداء الاجتماعي.

وأكّدت الدراسة، التي أجراها مركز "بيو" للأبحاث "Pew Research Center"، الذي يدرس القوانين والممارسات المتعلقة بالتعامل مع الأديان، في 198 دولة حول العالم، ارتفاع عدد البلدان التي يتعرض فيها الأشخاص للعنف بسبب معتقداتهم الدينية من 39 إلى 56 دولة، بين عامَي 2007 و2017، وفق وكالة الأنباء الألمانية.

مركز "بيو" يؤكّد ارتفاع عدد البلدان التي يتعرض فيها الأشخاص للعنف بسبب معتقداتهم الدينية من 39 إلى 56 دولة

وفي عام 2007؛ وفق دراسة مركز "بيو" للأبحاث، بعنوان "نظرة فاحصة على كيفية اتساع نطاق القيود الدينية حول العالم"، اقتصرت هذه الاعتداءات ذات الطابع الديني على أربع دول أوروبية، وعام 2017؛ شهدت 15 دولة في أوروبا اعتداءات من هذا النوع.

ضحايا الاعتداءات الدينية ليسوا فقط من الذين يصنّفون أنفسهم من الملحدين فحسب؛ بل أيضاً من المنتمين إلى مختلف الديانات، ومن ضمنهم؛ مسلمون ومسيحيون ويهود.

على المستوى الرسمي؛ تفاقمت عمليات الحظر والقيود عن طريق العقبات القانونية والبيروقراطية ضدّ جماعات دينية معينة، ووفق مركز "بيو"؛ فقد ارتفع عدد الدول التي فرضت مثل هذه القيود من 40 إلى 52 دولة، بين عامَي 2007 و2017، وقد انضمّت الصين وروسيا وإندونيسيا إلى القائمة، خاصّة بعد ازداد قمع الحكومات للمجتمعات الدينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بنسبة 72%، باستثناء لبنان، ووفق مركز الأبحاث؛ فإنّ جميع الدول العشرين في المنطقة تفضّل ديناً معيناً، وفي 17 منها يُعدّ الإسلام دين الدولة الرسمي.

وفي سياق متصل؛ كشفت دراسة أجرتها شبكة أبحاث "الباروميتر" العربية بجامعة برينستون، عن اتجاهات العلمنة المتزايدة في العالم العربي.

دراسة أجرتها شبكة أبحاث "الباروميتر" العربية تكشف عن اتجاهات العلمنة المتزايدة في العالم العربي

ويستند استطلاع الرأي، الذي أجري في شهر حزيران (يونيو) الماضي، بتكليف من هيئة الإذاعة البريطانية"BBC"  إلى آراء أكثر من 25 ألف شخص من 11 دولة عربية، باستثناء اليمن، ارتفعت نسبة السكان الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم "غير متدينين" في جميع الدول المعنية، بين عامي 2013 و 2018 أكبر تطور كان في تونس؛ حيث وصف ثلث السكان أنفسهم، عام 2018، بأنّهم "غير متدينين".

 وعام 2013؛ كانت النسبة ما تزال 10%، وفي المغرب؛ ارتفعت النسبة من 4 إلى 10%، وفي ليبيا من 10 إلى 25%، وفي الجزائر من 7 إلى 12%، في المقابل؛ فإنّ هذا الاتجاه بالكاد ملحوظ في العراق والأردن والأراضي الفلسطينية.

 

 

للمشاركة:

هكذا تستغلّ ميليشيات الحوثي الإرهابية اللاجئين الأفارقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

نفّذت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، فجر اليوم، عملية عسكرية لتدمير خمسة مواقع دفاع جوي وموقع تخزين صواريخ بالستية في محافظة صنعاء، تتبع للميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدمّر خمسة مواقع دفاع جوي وموقع تخزين صواريخ بالستية للحوثيين في صنعاء

وأوضح العقيد الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن؛ أنّ "عملية الاستهداف هي امتداد للعمليات العسكرية السابقة، والتي تمّ تنفيذها من قيادة القوات المشتركة للتحالف لاستهداف وتدمير قدرات الدفاع الجوي، والقدرات العدائية الأخرى"، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأكّد المالكي التزام قيادة القوات المشتركة للتحالف بمنع وصول واستخدام الميليشيا الحوثية الإرهابية، وكذلك التنظيمات الإرهابية الأخرى، لمثل هذه القدرات النوعية التي تمثل تهديداً مباشراً لطائرات الأمم المتحدة والملاحة الجوية وحياة المدنيين.

كما أكّد أنّ عملية الاستهداف تتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، مشيراً إلى أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف اتخذت كافة الإجراءات الوقائية والتدابير اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم للأضرار الجانبية.

هذا وتحاول ميليشيات الحوثي الإرهابية تعويض عشرات الآلاف من مقاتليها الذين التهمتهم جبهات القتال خلال الأعوام الخمسة الماضية، عن طريق عملية استقطاب مشبوهة لآلاف اللاجئين، الذين وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية عبر سواحل البحرين الأحمر والعربي، في مخطط يكشف عن توجه مستقبلي للاعتماد على المرتزقة الأفارقة من أجل تعويض النزيف الحادّ في عناصرها.

وكشفت الميليشيات الموالية لإيران، في اليومَين الماضيَين، بدء تنفيذ مخططها الجديد، وذلك من الترتيبات لافتتاح مخيم للاجئين الأفارقة في مدينة إب (وسط اليمن(، وفق ما أوردت "العين" الإخبارية.

وخصّصت ميليشيا الحوثي مساحة واسعة تصل إلى 8000 متر مربعاً، لإنشاء مخيم اللجوء، الذي من المقرَّر أن يستقبل 1000 لاجئ من دول القرن الإفريقي، وفي مقدّمتها إثيوبيا والصومال وإرتيريا.

وأضافت المصادر؛ أنّ الميليشيات اختارت أحد التلال المطلة على الضواحي الجنوبية لمدينة إب، بالقرب من أحد معسكراتها الخاصة بتجميع وتدريب المقاتلين، مكاناً للمخيم، وأجبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والهجرة على تمويل إنشائه.

وعلاوة على استخدامهم المهاجرين غير الشرعيّين كـ "مرتزقة" لتعزير جبهاتها القتالية المتهالكة، دون الحاجة إلى إنفاق الكثير من الأموال عليهم، كما كانت تفعل مع شيوخ القبائل؛ تعتقد الميليشيات أنّ بإمكانها أيضاً المتاجرة بهم، والحصول على ملايين الدولارات، كدعم من المنظمات الدولية والدول الغنية.

ورصدت تقارير حكومية، في وقت سابق، قيام الميليشيات الحوثية باستقطاب وتجنيد المئات من الأفارقة في صفوفهم، خلال العامين الماضيين.

في حين وثّقت القوات الحكومية اليمنية مقتل وإصابة أعداد من المرتزقة الأفارقة، في بعض جبهات القتال، مثل: دمت، ومريس، وتعز، والحديدة.

الحوثيون يستقطبون آلاف اللاجئين الذين وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية للقتال في الجبهات

وسبق أن اعترفت الميليشيات الحوثية، في آذار (مارس) الماضي، عبر وسائل إعلامها الرسمية، بمقتل أحد الصوماليين الذين استقطبتهم للقتال في صفوفها بجبهات الحدود ضدّ القوات السعودية.

كما أشارت تقارير إعلامية إلى أنّ الميليشيات شكلت مؤخراً لجنة خاصة، برئاسة أبو علي الحاكم، رئيس ما يسمى الاستخبارات العسكرية، مهمّتها استقطاب المهاجرين الأفارقة، وحشدهم إلى أماكن سرية خاصة، يخضعون فيها لدورات طائفية قبل أن يتم إرسالهم إلى معسكرات التدريب، ثم إلى جبهات القتال.

وتؤكّد الإحصائيات الرسمية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن؛ أنّ أكثر من 150 ألفاً من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وصلوا إلى اليمن خلال العام الماضي، جميعهم من الدول الإفريقية.

وخلافاً للمخطط الإرهابي الحوثي، تعمل الحكومة الشرعية اليمنية بشكل دوري على ترحيل اللاجئين الأفارقة الذين يصلون إلى شواطئ شبوة عبر مطار عدن، على دفعات متفرقة، وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

وأعلنت منظمات الهجرة الدولية، ترحيل أكثر من 1400 لاجئ إفريقي من اليمن إلى بلدانهم، خلال الأشهر الماضية.

 

للمشاركة:

إنجازات إماراتية جديدة على الصعيد العالمي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

سجلت دولة الإمارات العربية مستويات متقدمة على الصعيد العالمي في أداء الشبكة وسرعة النطاق العريض الثابت؛ حيث بلغت الإمارات المركز الأول على مستوى المنطقة في سرعة اتصال النطاق العريض الثابت، وفق أحدث بيانات شركة"Ookla"  الرائدة في مجال تحليل واختبار سرعات الإنترنت على مستوى العالم.

الإمارات الأولى إقليمياً في أداء شبكة الإنترنت وفي سرعة اتصال النطاق العريض الثابت

وأظهرت بيانات اختبار السرعة من"Ookla" ؛ أنّ أداء الشبكة في الإمارات سجّل مستويات متقدمة على الصعيد العالمي؛ حيث تصدّرت دول المنطقة بعد أن قفزت 16 مرتبة في الشهر الماضي، ووصل معدّل سرعة التنزيل على شبكة النطاق العريض الثابت، بحسب مؤشر"Ookla"  إلى 88.35 ميجابت في الثانية، واحتلت الإمارات المرتبة الـ 25 ضمن قائمة عالمية ضمّت 177 دولة، وفق وكالة "وام".

كما تبوّأت الإمارات مكانةً ريادية بين أفضل 20 دولة على مستوى العالم على صعيد الاقتصادات المتقدمة، ويقوم مؤشر "speedtest" العالمي، بمقارنة بيانات سرعة الإنترنت شهرياً من أنحاء العالم، والذي يستمدّ بياناته اعتماداً على الملايين من الاختبارات التي يجريها أشخاص عبر التطبيق كلّ شهر.

وفق سياق متصل بإنجازات الإمارات، حدّث مؤشر "باسبورت إندكس" العالمي، أمس، قوائم جوازات السفر الأكثر نفوذاً في العالم، وجدّد تصنيف جواز السفر الإماراتي في المركز الأول كأقوى جواز سفر في العالم يمكّن حامله من دخول 174 دولة من دون تأشيرة مسبقة؛ "116 دولة من دون تأشيرة، و58 دولة عبر الإنترنت، أو لدى الوصول للمطار".

جواز السفر الإماراتي أقوى جواز سفر في العالم يمكّن حامله من دخول 174 دولة دون تأشيرة

يأتي ذلك بعد إضافة جمهورية بنين، الواقعة غرب إفريقيا، ضمن الدول التي تعفي مواطني الإمارات من التأشيرة المسبقة.

ووفق مؤشر "باسبورت إندكس" التابع لشركة "آرتون كابيتال" للاستشارات المالية العالمية؛ فإنّ جواز السفر الإماراتي لم يعد أمامه إلا 24 دولة فقط تحتاج إلى تأشيرة مسبقة، أي حوالي 12% فقط من دول العالم.

 

للمشاركة:



انشقاق جديد بالإخوان.. استقالة قيادي من "النهضة" بتونس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

محسن أمين

قدم القيادي في حركة "النهضة" الإخوانية التونسية علي الشرطاني استقالته من الحزب، الجمعة، في أحدث انشقاق يضرب صفوف الحركة في ظل خلافات كبرى تعصف بها في الفترة الأخيرة.

وتأتي الاستقالة لتكون الثالثة لقيادي في الحركة خلال نحو شهرين، بعد تقديم لطفي زيتون استقالته من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي في 8 يوليو/تموز، ومحمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية في 17 يونيو/حزيران الماضي احتجاجا على سياسات الغنوشي.

ونشر الشرطاني تدوينة على صفحته بالفيسبوك، انتقد خلالها سياسة النهضة "الاستئصالية والإقصائية واللاديمقراطية التي تمارسها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي ضد الأحرار في صفوفها".

وأضاف: "كل ذنبي أيها الأخوة الكرامة أني لست متزلفا وصاحب رأي وموقف من أجل الحركة، ويجب أن تكون ومن أجل الوطن وجهة قفصة.. ديمقراطية قيادة النهضة هي إقصاء كل صاحب صوت حر، وصاحب موقف قيادة لا تريد استمرار وجود الأحرار في صفوف الحركة".

وتابع:" لا مكان لعلي شرطاني الذي أمضى في الحركة 40 عاما بالقائمة الانتخابية وهو الحائز على 107 أصوات وكان فيها مكان لمن له 50 و60 صوتا"، في إشارة إلى الانتخابات الداخلية التي قامت بها الحركة لاختيار مرشحيها للتشريعية.

ويرى متابعون أن استقالة الشرطاني مؤشر على تصاعد التوتر داخل الحركة الإخوانية التونسية بسبب نتائج الانتخابات الداخلية التي أسفرت عن سقوط عدد من القيادات.

وكان المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة الإخوانية لطفي زيتون كتب تدوينة عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أعلن فيها استقالته من منصبه دون توضيح أسباب.

وقالت مصادر مقربة من الحركة الإخوانية التونسية: "إن علاقة زيتون بالحركة تصدعت منذ نحو عام بسبب معارضته سياسة راشد الغنوشي الذي ينفرد برأيه واحتجاجا على الأطروحات الفكرية التي يراها إخوانية".

وخلال الفترة الأخيرة، كان زيتون من أشد الرافضين لمواصلة توافق حركة النهضة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وطالب بالإطاحة به في أكثر مرة.

وقبله بأيام قدم محمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية لحركة النهضة الإخوانية استقالته بعد ضغوط مارسها رفيق عبدالسلام صهر الغنوشي لرغبته في الاستحواذ على الملف الخارجي للحركة.

وصهر الغنوشي معروف بقربه من النظام القطري باعتباره الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية لقناة "الجزيرة"، ويواجه اتهامات قضائية بالاستحواذ على هبة صينية تقدر بـ500 ألف دولار عندما كان وزيرا للخارجية عام 2012.

وتولى غراد العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية منذ عام 2017 خلفا لنائب رئيس مجلس النواب عبدالفتاح مورو المعروف بانتقاداته اللاذعة لسياسة الحركة وخلافاته مع رئيسها راشد الغنوشي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

وزارة العمل اللبنانية وحرمان اللاجئ الفلسطيني من الحق في الحياة !

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

هاني حبيب

وقف الشعب اللبناني الشقيق إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية واحتضن كفاحه المسلح في فترة عصيبة من نضاله الوطني، وشكل موقف الحكومة اللبنانية مؤخراً من صفقة القرن وعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، رغم كل الضغوط، دعماً للحقوق الفلسطينية ومواجهة مؤامرة التوطين التي سعى إليها مؤتمر ورشة البحرين في سياق ما يسمى بصفقة القرن. وبالنظر إلى هذا الموقف، خاصة بعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، ذات الأبعاد الاقتصادية، فإنه لا يمكن غض النظر عن قرارات وزارة العمل اللبنانية الهادفة إلى وضع عدة إجراءات من شأنها المساهمة في تجويع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بهدف إلحاقهم بالحل الاقتصادي في سياق صفقة القرن. ولعلّ تزامن إطلاق هذه التشريعات والإجراءات ما يكشف ارتباطها بورشة البحرين ومراميها وأهدافها.
ورغم أن وزارة العمل اللبنانية، حاولت أن تشرح أسباب هذه التشريعات، إلاّ أنها في الواقع أكدت من خلال هذا الشرح على إصرارها على المضي قدماً في هذا المخطط، خاصة وأن اللاجئين الفلسطينيين لا يطالبون إلاّ بتطبيق القانون اللبناني والالتزام بقاعدة الحقوق والواجبات، إذ إن البرلمان اللبناني كان قد أصدر عام 2010 تعديلات قانونية على قانون العمل اللبناني لامس جزئياً وضع العمالة الفلسطينية في لبنان.
إن قرارات وزارة العمل الأخيرة، تخلط بين اللاجئ الفلسطيني، والعمال الوافدين أو المهاجرين غير الشرعيين، بينما نصت التعديلات البرلمانية على خصوصية العامل الفلسطيني، وبالتالي فإن "مرسوم تنظيم عمل الأجانب" لا شأن له بالعامل الفلسطيني وفقاً للقانون اللبناني وتعديلات قانون العمل التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، علماً أنه تم تجاهل هذه التعديلات، التي لم توضع موضع التنفيذ منذ إصدارها، خاصة فيما يتعلق بصندوق الضمان الاجتماعي، وبينما تتحدث الوزارة عن امتيازات للعمالة الفلسطينية، إلاّ أنها لم تلحظ بشكل متعمد، أن التعديلات المشار إليها لم تطبق، وبالتالي ظل القانون بدون تطبيق في وقت تشير فيه وزارة العمل اللبنانية أنها تعمل على تنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان، وواقع الأمر أن هذه الإجراءات تترافق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية في سياق تصفية الحقوق الوطنية، خاصة في سياق تنظيم ضغوط ممنهجة على اللاجئ الفلسطيني بهدف دفعه للهجرة في سياق مؤامرة التوطين، بالتوازي مع ما دعت إليه إدارة ترامب حول "الأونروا" وضرورة تصفيتها نهائياً.
في تقريرها الأخير لعام 2019 أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن حوالى 36% من الشباب الفلسطيني يعاني من أزمة بطالة، بينما بلغت هذه النسبة الـ57%  بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومن شأن إجراءات وزارة العمل اللبنانية الأخيرة، أن تعمل على قتل بطيء ممنهج للاجئين الفلسطينيين، بينما لا يطالب هؤلاء إلاّ بتنفيذ التعديلات التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، وبالتالي، فإن وزارة العمل اللبنانية هي ذاتها التي تخرق القانون اللبناني، والتحرك الشعبي الفلسطيني في لبنان بإسناد من القوى الوطنية اللبنانية لمناهضة هذه الإجراءات، لتؤكد على الدعم الشعبي اللبناني للحقوق الوطنية الفلسطينية من جهة، وحق اللاجئ الفلسطيني في التظاهر السلمي من أجل نيل حقوقه التي كفلها له القانون اللبناني!

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية