"جيل 2018" في البصرة يلفظ النظام والأحزاب السياسية... وميليشيات إيران

5636
عدد القراءات

2018-09-26

إيلين سالون

يرفع متظاهرو البصرة صور أمثال مكي عاشور. ففي صورة أولى، يظهر مرتدياً بدلة عسكرية، والاعتزاز يزيّن ابتسامته قبيل ذهابه مع «الحشد الشعبي» الى الجبهة لقتال «داعش». ومثل هذه الصور تسري على شبكات التواصل الاجتماعي. فعاشور سقط «شهيداً» في الثالث من الجاري بعد أن أردته رصاصة في الرأس في تظاهرة أمام محافظة جنوب البصرة. وموته في السادسة والعشرين من العمر، أشعل مجدداً فتيل الاحتجاجات الاجتماعية، وهي تهز الجنوب الشيعي العراقي منذ تموز (يوليو) المنصرم. وقيظ الصيف نفخ في التوترات في هذه المحافظة، حيث الأراضي الزراعية تنحسر أمام مد التصحّر وحيث الناس لا يجنون شيئاً من عوائد النفط المحلي. وإلى قطع التيار الكهربائي ساعات طويلة، وشح مياه الشفة والبطالة، اجتاح آلاف الرجال (من العمال المياومين وحملة الشهادات العليا العاطلين من العمل، والمدونين القدامى...) الشوارع للاحتجاج على تآكل الخدمات العامة وتفشّي الفساد. ويبدو أن غضبهم يأبى إخماد جذوته على رغم الوعود والإجراءات الأمنية.

وشطر راجح من المتظاهرين شباب من جيل يمد التظاهرات بحيويتها وانتشارها الشامل وفرادتها مقارنة بالاضطرابات الطائفية التي تهز الاستقرار منذ 2011. وهذه الاحتجاجات مرتجلة وفي بعض الأحيان تنزلق الى العنف، ولا زعيم أو حزب على رأسها. والطلبات كثيرة، لكن ما يجمع الشباب هو طموحات مشتركة. ويرى محمد عطوان، أستاذ العلوم السياسية في البصرة، أن جيل 2018 على خلاف الأجيال السابقة، منعتق من الأيديولوجيات السياسية أو الدينية، وهو جيل لا يذكر الديكتاتورية القومية في عهد صدام حسين ولا الإسلاموية الشيعية التي رفع لواءها محمد باقر الصدر، ولا يعير بالاً للثورة الخمينية في إيران. وهذا الجيل هو وليد ما بعد 2003 (عام سقوط صدام)، أي وليد الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والمجتمع المعولم والمشرع على التعدد الثقافي، يقول عطوان.

ومن البصرة إلى النجف مروراً بالديوانية أو بغداد، تسري شعارات واحدة في هذا الصيف. ولم تقتصر مطالب المتظاهرين كما في 2015 على توفير فرص العمل أو إنشاء بنى تحتية والتنديد بحيتان الفساد. فهذه التظاهرات تلفظ «الأحزاب» و»النظام»، أي الأحزاب الشيعية والنظام الطائفي الذي يهيمن على البلاد منذ 2005. وعلت صرخات «إيران برا برا» احتجاجاً على تدخلها في المسائل الداخلية ودعمها الأجهزة السياسية. وسقط عدد من الرموز الشيعية في هذه التظاهرات، ومنها المرشد الإيراني علي خامنئي، ومقتدى الصدر وعمار الحكيم. وهذا يستوقف طائف خضير، الناشط المدون والمهندس النفطي ابن الـ38 عاماً. وهو شارك في التظاهرات كلها منذ 2011 إلى اليوم. ولم ينجُ من تنديد المتظاهرين إلا المرجع علي السيستاني، فهو يؤيد الإصلاحات. والحق يقال، الشباب هؤلاء أقلية تسعى الى فصل الشؤون السياسية عن قبضة التدخل الديني.

ولفظ الشباب الأحزاب السياسية واعتبارها «آفة»، على قول حسام الكعبي، صحافي عراقي في الـ39 من العمر، يقلق الطبقة السياسية الشيعية. فمنبت اللفظ هذا هو قاعدتها الانتخابية، ويؤكد لفظ الأحزاب السياسية ما لوحظ في الانتخابات التشريعية الأخيرة: بلغت معدلات الامتناع عن التصويت 57.5 في المئة في مجمل البلاد، وارتفعت النسبة هذه في جنوب العراق. وتشقق جدار الخوف الذي أرسته الميليشيات المسلحة والنافذة والإيرانية الدعم التي تعاظم نفوذها في كبرى مدن الجنوب، إثر مشاركتها في الحرب على «داعش». «منذ بدأنا نتظاهر، تنزل الميليشيات الى الشوارع مشهرة السلاح، وهي جمعت أسماءنا، وغالباً ما نتلقى تهديدات منها. لكننا لا نبالي! يقول حسام الكعبي. وتحدّى متظاهرو البصرة الميليشيات الشيعية في مطلع الشهر الجاري، وأحرقوا مقراتها. ويبدو اليوم أن زمن تطوع الشباب الشيعي في صفوف الميليشيات الشيعية للقتال ضد «داعش» في العراق أو لدعم قوات بشار الأسد في سورية، انقضى. فكثير منهم قضى في القتال، والناجون يشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم. «ما منفعة كل الدماء المسفوكة هذه... فهي لم تساهم إلا في تعزيز الميليشيات والدفاع عن مصالح إيران»، يتساءل علي قاسم، وهو متظاهر في السابعة والعشرين.

ويُجمع «جيل 2018» على تشخيص مكامن «مرض» العراق اليوم، لكن صفوفهم تتشظى حين تناول سبل علاج الشوائب هذه. لسان حالهم كلهم هو «الثورة»، لكن بعضهم يدعو الى نظام رئاسي، وغيرهم يحنّ الى زمن لم يعرفوه، زمن «رجل قوي» مثل صدام حسين. وكثيرون منهم يرون أن العنف مسوغ. ويطعن بعض أبناء تظاهرات 2015 ممن انضموا الى التحالف بين الشيوعيين والإسلاميين الشيعة من الصدريين، في لفظ جيل «2018» الأحزاب كلها، عوض الاعتراض على السيئين فيها. وكأن الشباب لا يدركون الغاية من الأحزاب والبرلمان. وعلى خلاف جيل 2018، المتظاهرون في 2015 هم أبناء نخب مؤيدة للإصلاح من الطوائف كلها وقطاعات المجتمع العراقي كله. وتبدو الهوة بين «جيل 2018» وبعض من حمل شعلة التظاهر في 2015 من دون انتماء حزبي، ضيقة أو غير شاسعة. فعدد منهم لفظوا يومها الطبقة السياسية والخطاب الديني، لكنهم حسبوا أن انتخابات 2018 ستحمل شخصيات جديدة الى السلطة. وخاب حسبانهم. وهم أكثر تعليماً ومتفتحون على العالم، وبعضهم يرى أن آفاق اقتناص فرص برامج التبادل الجامعي مع الخارج، واعدة، ويطمحون الى العمل في الخارج أو متابعة تحصيل علمي هناك. لكن بعضاً آخر يرى أن المبادرة الفردية هي السبيل الى تغيير المجتمع بدءاً من أدنى الهرم.

ويلتقي أبناء هذه الأجيال في مقهى «دو كافيه إيه دي ليفر»، وهو مكان يعرف بمقر المحتجين، وأبرزهم أكرم الذهب، على رأس مجموعة «شباب بغداد»، وهي تجمّع يضم حوالى 50 شخصاً، وبدأت تمتد في الجنوب. ويقول الذهب أن «المشكلة ليست في الانتخابات، أو في نوع الحكومة، بل في القوانين والطبقة السياسية الموجودة والفساد. وما نحتاج إليه هو نظام فيديرالي في العراق».

عن "الحياة" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: