في ذكرى محمود درويش يستيقظ الحب: 10 محطات للحنين

13059
عدد القراءات

2018-08-09

ذات يوم، توسّل الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش جمهوره، قائلاً: ارحموني من هذا الحب القاتل، وكان يقصد إصرار ذلك الجمهور المتواصل وطلبه الحثيث منه أن يبقى يتلو على مسامعه "سجّل أنا عربي"؛ تلك القصيدة الحماسية التي ألهبت أرواح الملايين، لنبرة التحدي فيها ضد جنود الاحتلال الصهيوني.
كان درويش يود الفكاك من أسر الأغنية الحماسية، ليذهب نحو الشعر الصافي الذي فيه تتجلى المأساة الإنسانية بكل تضاريسها.
في ذكرى درويش (13 آذار "مارس" 1941 - 9 آب "أغسطس" 2008) الذي رحل وما ارتحل، نستعيد الحب الذي ذرف حروفه صاحب "لماذا تركت الحصان وحيداً" فألهم وما يزال العشاق والقراء، وأشعل مصابيح الندى في أرواحهم.

كان شيئاً يشبهُ الحبّ هواء يتكسَّرْ بين وجهين غريبين وموجاً يتحجَّرْ بين صدرين قريبين ولا أذكرها

"حفريات" تستعرض أبرز عشر أفكار عن الحب والحنين واللهفة، ذرفها محمود درويش:
أولاً:
صباحك فاكهةٌ للأغاني
وهذا المساء ذهب
ونحن لنا حين يدخل ظلٌّ إلى ظلّه في الرخام
وأشبه نفسي حين أعلّق نفسي
على عنقٍ لا تعانق غير الغمام
وأنت الهواء الذي يتعرّى أمامي كدمع العنب
وأنت بداية عائلة الموج حين تشبّث بالبرّ
حين اغترب
وإني أحبّك، أنت بداية روحي، وأنت الختام.

ثانياً: ليس الحب فكرة. إنه عاطفة تسخن وتبرد وتأتي وتذهب.. عاطفة تتجسد في شكل وقوام، وله خمس حواس وأكثر.. يطلع علينا أحياناً في شكل ملاك ذي أجنحة خفيفة قادرة على اقتلاعنا من الأرض.. ويجتاحنا أحياناً في شكل ثور يطرحنا أرضاً وينصرف.. ويهب أحياناً أخرى في شكل عاصفة نتعرّف إليها من آثارها المدمرة. للحب تاريخ انتهاء كما للعمر وكما للمعلبات والأدوية. لكني أفضّل سقوط الحب بسكتة قلبية في أوج الشبق والشغف كما يسقط حصان من جبل إلى هاوية.

ثالثاً: أما زال في العمر متسع للحنين إلى أي ماض ..إلى أي غد؟ أما زال في وسعنا أن ننادي أسماءنا كي تعود إلينا، وأن نطلب الحب مأوى لروح تطل من المفردات علينا؟

رابعاً: كان شيئاً يشبهُ الحبّ، هواء يتكسَّرْ بين وجهين غريبين، وموجاً يتحجَّرْ بين صدرين قريبين، ولا أذكرها.. وتغني وحدها لمساء آخر هذا المساء، وأنادي وردها، تذهب الأرض هباءً حين تبكي وحدها.

ليس الحب فكرة إنه عاطفة تسخن وتبرد وتأتي وتذهب.. عاطفة تتجسد في شكل وقوام، وله خمس حواس وأكثر

خامساً: وسألتك: لم تعرف، إذاً، كيف تحب؟ فأدهشني قولكَ: ما الحبُّ؟ كأنني لم أحبّ إلا عندما كان يخيل لي أنني أحب.. كأن تخطفني من نافذة قطار تلويحةُ يد، ربما لم تكن مرسلة إليّ، فأوّلتها وقبّلتُها عن بعد.. وكأن أرى على مدخل دار السينما فتاةً تنتظر أحداً، فأتخيّل أني ذاك الأحد، وأختار مقعدي إلى جوارها، وأراني وأراها على الشاشة في مشهد عاطفيّ، لا يعنيني أن أفرح أو أحزن من نهاية الفيلم.. فأنا أبحث في ما بعد النهاية عنها، ولا أجدها إلى جواري منذ أنزلت الستارة، وسألتك: هل كنت تمثِّل يا صاحبي؟ قلتَ لي: كنتُ أخترعُ الحب عند الضرورة، حين أسير وحيداً على ضفة النهر، وكلما ارتفعت نسبة الملح في جسدي كنت أخترع النهر.
سادساً: هي: هل عرفتَ الحب يوماً؟ هو: عندما يأتي الشتاء يمسُّني شغفٌ بشيء غائب، أضفي عليه الاسمَ، أي اسمٍ، أَنسى. هي: ما  الذي تنساه؟ قُل! هو: رعشة الحُمَّى، وما أهذي به تحت الشراشف حين أشهق: دَثِّريني دثِّريني! هي: ليس حُباً ما تقول هو: ليس حباً ما أَقول هي: هل شعرتَ برغبة في أن تعيش الموت في حضن امرأة؟ هو: كلما اكتمل الغيابُ حضرتُ وانكسر البعيد، فعانق الموتُ الحياةَ وعانَقَتهُ كعاشقين هي: ثم ماذا؟ هو: ثم ماذا؟ هي: واتّحدت بها، فلم تعرف يديها من يديك وأنتما تتبخران كغيمةٍ زرقاءَ لا تَتَبيَّنان أأنتما جسدان أم طيفان أم؟ هو: من هي الأنثى - مجازُ الأرض فينا؟ مّن هو الذَّكرُ - السماء؟ هي: هكذا ابتدأ أغاني الحبّ. أنت إذن عرفتَ الحب يوماً! هو: كلما اكتمل الحضورُ ودُجِّن المجهول غبتُ هي: إنه فصل الشتاء، ورُبَّما أصبحتُ ماضيكَ المفضل في الشتاء. هو: ربما فإلى اللقاء. هي: ربما فإلى اللقاء.

سابعاً:  من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً
من الموت حبّاً
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً
لأدخل في التجربةْ !
يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه :
هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ
فتسمعه العاشقةْ
وتقول: هو الحبّ، يأتي ويذهبُ
كالبرق والصاعقة
للحياة أقول: على مهلك، انتظريني
إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي …
في الحديقة وردٌ مشاع، ولا يستطيع الهواءُ
الفكاكَ من الوردةِ
انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي
فاُخطئ في اللحنِ..
ثامناً: هي في المساء وحيدةٌ،
وأًنا وحيدٌ مثلها...
بيني وبين شموعها في المطعم الشتويِّ
طاولتان فارغتان [لا شيءٌ يعكِّرُ صمْتنا]
هي لا تراني، إذ أراها
حين تقطفُ وردةً من صدرها
وأنا كذلك لا أراها، إذ تراني
حين أًرشفُ من نبيذي قُبْلَةً...
هي لا تُفَتِّتُ خبزها
وأنا كذلك لا أريق الماءَ
فوق الشًّرْشَف الورقيّ
[لا شيءٌ يكدِّر صَفْوَنا]
هي وَحْدها، وأَنا أمامَ جَمَالها
وحدي. لماذا لا تًوَحِّدُنا الهَشَاشَةُ؟
قلت في نفسي-
لماذا لا أَذوقُ نبيذَها؟
هي لا تراني، إذ أراها
حين ترفعُ ساقها عن ساقِها...
وأَنا كذلك لا أراها، إذ تراني
حين أَخلَعُ معطفي...
لا شيء يزعجها معي
لا شيء يزعجني، فنحن الآن
منسجمان في النسيان...
كان عشاؤنا، كُلٌّ على حِدَةٍ، شهيّاً
كان صَوْتُ الليل أزْرَقَ
لم أكن وحدي، ولا هي وحدها
كنا معاً نصغي إلى البلَّوْرِ
[ لا شيءٌ يُكَسِّرُ ليلنا]
هِيَ لا تقولُ:
الحبُّ يُولَدُ كائناً حيّا
ويُمْسِي فِكْرَةً.
وأنا كذلك لا أقول:
الحب أَمسى فكرةً

اقرأ أيضاً: محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

تاسعاً: انتظرها ولا تُجفلِ الطيرَ فوق جدائلها
وانتظرها
لتجلس مرتاحة كالحديقة في أوج زينتها
وانتظرها
لكى تتنفس هذا الهواء الغريب على قلبها
وانتظرها
لترفع عن ساقها ثوبها غيمة غيمة
وانتظرها
وخذها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً فى الحليب
وانتظرها

اقرأ أيضاً: رغم رحيلهما.. نزار قباني ودرويش الأكثر متابعة على تويتر

وقدّم لها الماء، قبل النبيذ
ولا تتطلع إلى توأميْ حجل نائمين على صدرها
وانتظرها
ومسّ على مهلٍ يدها عندما تضع الكأس فوق الرخام
كأنك تحمل عنها الندى
وانتظرها
تحدث إليها كما يتحدث نايٌ إلى وتر خائف فى الكمان
كأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما
وانتظرها.. يااع
عاشراً: لا نصيحة في الحُب لكِنها التَجرُبة، لاَ نصيحةَ في الشِعر لكنها المَوهبة، وأخيراً لكِ مني السَلام.

اقرأ المزيد...

الوسوم: