قطر والإخوان المسلمون... علاقات قديمة ودائمة

قطر والإخوان المسلمون... علاقات قديمة ودائمة

مشاهدة

07/12/2020

ترجمة: مدني قصري

العلاقات بين قطر والإخوان ليست حديثة العهد. بدأت هذه الإمارة، وهي ما تزال محمية بريطانية، في الترحيب بالإسلاميين المصريين في عام 1954، بعد الأحداث الدرامية التي واجهوا فيها جمال عبد الناصر. وتلقت الإمارة الموجة الثانية من سوريا عام 1982، بعد تمرّد الإخوان المسلمين الفاشل في حماة. ووصلت الموجة الثالثة من جماعة الإخوان المسلمين إلى قطر من شمال إفريقيا (تونس والجزائر وليبيا) في التسعينيات، بعد اشتباكات بين الإسلاميين وحكومات بلدانهم، لكن في ظل ظروف مختلفة.
جاءت الموجة الرابعة من المنفيّين الإسلاميين من المملكة العربية السعودية. لقد قامت هذه الأخيرة بتضييق الخناق على الإسلاميين ومطاردتهم بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة والهجمات على الأراضي السعودية في الخبر والرياض والدمام.
مركز "الحوار الأمريكي الإسلامي"
في عام 2004، أنشأت قطر مركزاً أطلقت عليه اسم "الحوار الأمريكي الإسلامي". وقد وضع هذا المركز تحت رعاية وزارة الخارجية القطرية. منذ ذلك الحين، أصبح هذا المركز مكاناً سنوياً للِقاء الخبراء والمسؤولين الأمريكيين والأحزاب السياسية الإسلامية. وكان الهدف المنشود هو اختيار أيّ من هذه الأطراف يمكن أن يكون شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في الوقت المناسب.
لعب القرضاوي دور الوسيط ومنسق أنشطة المنظمات الأوروبية والأمريكية

الاتحادُ العالمي للعلماء المسلمين
وفي قطر أيضاً أسِّس الاتحادُ العالمي للعلماء المسلمين (UIOM). وكان يقوده الشيخ يوسف القرضاوي، المصري، المنتسب أيضاً إلى جماعة الإخوان المسلمين، والذي يعيش في منفاه في قطر منذ بضعة عقود.

اقرأ أيضاً: كيف أربك المصريون قناة الجزيرة القطرية؟
أنشِئ الاتحادُ العالمي للعلماء المسلمين لتأطير الإسلام السنّي ومحاربة الإسلام الشيعي. وقد لعب القرضاوي دور الوسيط ومنسق أنشطة المنظمات الأوروبية والأمريكية. لقد كان ممثل الفقه السنّي في أوروبا والولايات المتحدة. وهو من دعاة الفقه في تفسير النصوص المقدسة (القرآن الكريم والحديث النبوي). تحقيقاً لهذه الغاية، دعا اللاهوتيين المسلمين إلى بذل جهود لتلبية متطلبات الحداثة والعالم اليوم.
"مشروع النهضة" القطري
هناك مبادرة أخرى قطرية حصرية: قرّرت سلطات قطر إنشاء "مشروع النهضة" الذي يهدف إلى نشر الأيديولوجية الإسلامية وتنظيم الندوات والمؤتمرات في الدول الإسلاميةـ لهذا الغرض. وقد عُهِدت الإدارةُ إلى جاسم سلطان، المشرف على جماعة الإخوان المسلمين في قطر. ومع ذلك، فقد قررت الأخوية القطرية أن تحل نفسها، مدّعية أنّها لم تعد ضرورية؛ لأن الحكومة القطرية نفسها تطبق تعاليم منظمة الإخوان، ونشرها في البلدان الإسلامية، من خلال دعم مراكز الدعم التابعة للإخوان المسلمين، وخاصةً من قبل الجماعة الإخوانية الأم في مصر.

اقرأ أيضاً: قطر في مصيدة الجماعات المتطرفة
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ المشروع الذي اقترحته جماعة الإخوان المسلمين في مصر كأساس لحملتها الانتخابية يحمل في الأصل اسم (النهضة) - على الرغم من تراجعهم في وقت لاحق وإنكارهم إعطاء هذا الاسم لمشروعهم الانتخابي. فهل هي مجرد صدفة بسيطة؟

الدعم القطري للإخوانمطلق يُترَجم بمرافقتهم من البداية إلى النصر في الانتخابات أو الدعم اللوجستي والذخيرة لمن يلجؤون للكفاح المسلح

رحّب مركز جاسم سلطان بأغلبية قادة الإخوان المصريين. لقد تم تدريبهم على أساليب عمل المنظمات الديمقراطية بهدف عدم الاعتماد فقط على التسلل إلى المجتمع لفرض أنفسهم أو لممارسة نفوذهم عليه. وقد تم دعمهم والترويج لهم من قبل المشرف العام لجماعة الإخوان المسلمين في قطر ومن قبل أكثر الإخوان شهرة، ومن بينهم طبيب الأطفال هشام مرسي، الذي يحمل الجنسية البريطانية. وهو صهر يوسف القرضاوي ومؤسس أكاديمية التغيير. لقد لعب هشام مرسي دوراً مهماً في الثورة المصرية في كانون الثاني (يناير) 2011 ، عندما قرر الإخوان المسلمون الانضمام إلى المحتجين. ومن بينهم أيضاً علي الصلابي(1)، الذي وصفته "واشنطن بوست" بأنّه المهندس المعماري المسؤول عن بناء هيكل النظام الجديد لما بعد الثورة في ليبيا. عاش لعدة سنوات في قطر. وهو أحد تلاميذ القرضاوي. وقد اعترف علناً بأنّه طلب المساعدة من السلطات القطرية في بداية التمرّد الليبي.

اقرأ أيضاً: قطر في مصيدة إخوانييها
فيما يتعلق بدعم قطر غير المحدود للإخوان المسلمين، تشير دراسة كتبها الباحث في العلوم السياسية عبد العزيز الخميس، إلى بعض النقاط التي لا تزال مجهولة اليوم من قبل جمهور واسع. إنّها تتعلق بالأحداث التي تم إنتاجها خلال الثورة المصرية، وبتخطيطها من قِبل بعض القوى والمنظمات والدول العربية والغربية.

علي الصلابي أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا
في دراسته، أشار الباحث إلى أنّه في بداية شباط (فبراير) 2006، عُقِدت ندوة في العاصمة القطرية الدوحة، تحت اسم "ندوة المستقبل". في نهاية الحدث، أصبح الاسم "ندوة المستقبل للتغيير في الشرق الأوسط". خلال هذا التجمع، تم توزيع مهام الإعداد بين قطر، التي كلفت بالشؤون الإسلامية، والولايات المتحدة التي تولّت تدريب أتباع الليبيرالية الشباب. وقد دفع التعاون الأمريكي القطري عدداً من الشباب إلى اختيار التغيير من خلال وسائل المعلومات التكنولوجية والشبكات الاجتماعية، مثل؛ Facebook و Twitter و YouTube وغيرها.

تمويل المسجد الكبير في بواتييه بمبلغ يصل إلى 400000 يورو من قبل مؤسسة قطر الخيرية

كان الإخوان المسلمون، الذين انضموا إلى الثورة المصرية في وقت متأخر، قد بدؤوا دوراتهم التدريبية بالفعل في عام 2006، مما دفع الشباب إلى اختيار التغيير. كانوا مدعومين بخطط التضامن والتمويل القطريّين.
كانت قطر مسؤولة عن مهمتين: الأولى هي نشر خطة "النهضة"، تحت إشراف الدكتور جاسم سلطان، وهو رجل مثقف وملتزم بتطبيق تعاليم جماعة الإخوان المسلمين. والثانية هي تنفيذ خطة "أكاديمية التغيير"، تحت قيادة صهر يوسف القرضاوي، هشام مرسي. وكان يقع على هذا الأخير التركيز على نشر فكر وطرائق التغيير والبعث وفقاً لتعليمات جاسم سلطان.
مصر: نشاط الدعاية الإسلاموية!
من ناحيتها توصي خطة مصر، المصريين، وفقاً لمشاريع تخطيط جاسم سلطان، بالتعبئة الشعبية للانتخابات الرئاسية، والتعبئة الهائلة للحصول على عدد كبير من المقاعد في الانتخابات التشريعية، والتعبئة لتجنب كارثة النظام الاقتصادي، والتعبئة لتجنب الفوضى من حيث الأمن. وأخيراً، توصي بالتعبئة لتجنب التفكك الوطني. الخطة لا تحدد الأولويات، ولكنها تشترط التعبئة الكثيفة للسكان.

اقرأ أيضاً: هكذا غيّرت جمعية قطر الخيرية اسمها إلى "نكتار ترست"
في هذا السياق، تم إضافة المزيد من الاستعدادات لهذه التوصيات. كان يجب إعداد القادة وتدريبهم على خطط النهضة (بتمويل من قطر وبالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين). تم إنجاز التكوين والتدريبات، ونشر مواد ووثائق موسعة على شبكة الإنترنت، تتضمن ما يحتاج الجميع إلى معرفته حول مجتمع المستقبل، المجتمع المولود من جديد، وحول تطور النهضة، ومسارها، ومتطلباتها، وبداياتها، ولماذا تمثل مفاتيح الأمل.
الهيمنة على الثورة
لمعرفة كيف نجح "مشروع النهضة" في السيطرة على الثورة المصرية، لا بد من معرفة الناشط عبد الرحمن منصور. فهو الذي أنشأ مجموعة "كلنا خالد سعيد". وهو الذي طالب بأن يكون يوم 25 يناير يوم إحياء ذكرى الثورة المصرية. كان قد عارض في البداية تعيين 25 يناير كيوم احتفال. ثم وافق بعد مناقشة طويلة مع الناشط وائل غنيم، المدير الفني للصفحة على الإنترنت، حول البرامج المتعددة لمشروع النهضة لجماعة الإخوان المسلمين، بالتعاون مع أكاديمية التغيير. وهذا المشروع يتضمن أيضاً تضامن العديد من المؤسسات الإخوانية، مثل تطوير الدراسات والاستشارات.

المال عصب الحرب

لتسهيل عملياتهم المصرفية، استخدم الإخوان المسلمون البنك الإسلامي في قطر. يتم التحويل إلى حساب "أكاديمية التغيير"، التي تهتم أيضاً بالتنظيم الإداري لتدريب الإخوان المسلمين وتكوبنهم.
كما طورت جماعة الإخوان المسلمين أيضاً عدة مشاريع أخرى للبالغين والقاصرين، مثل معهد تدريب المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 15 عاماً. يدرّبهم المدراء والمدرّبون على استخدام الموارد الإعلامية، مثل؛ قناة الجزيرة، وشبكة إسلام أون لاين، وشبكة الجزيرة تولكين، Jazeera Talkn أو قناة دالنيل الفضائية Dalñl.

اقرأ أيضاً: مناورات قطرية لزرع العنف والفوضى في الجزائر
في نفس السياق، استثمرت قطر والولايات المتحدة مبالغ ضخمة في دعمهما للحملات التدريبية لمرشحي شباب الثورة لانتخابات مجلس الشعب في أواخر عام 2011.
الدعم القطري للإخوان المسلمين دعم مطلق. إنه يترَجم بمرافقة الإخوان من البداية إلى النصر في الانتخابات، في البلدان التي تستخدم التصويت للتناوب في السلطة، أو الدعم اللوجستي والذخيرة والأسلحة لأولئك الذين يلجؤون إلى الكفاح المسلح. هذا ما حدث في ليبيا، وما يحدث في سوريا الآن.
منتدى أمريكا والعالم الإسلامي

قطر المموّل الجديد للإسلام الأوروبي
تحمل إمارة الغاز طموحات كبيرة في أوروبا. فعلى مدى السنوات العشر الماضية، قامت بدعم المشاريع التي ترعاها جمعيات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، كما ورد في بث فيلم وثائقي على قناة Arte.

الجزيرة أيقونة إعلامية للقوة الناعمة القطرية ظلت تدعم الطموحات السياسية للإخوان في معظم الدول العربية ما عدا في قطر نفسها

عشرون مشروعاً في فرنسا، وأربعون مشروعاً في إيطاليا، وعشرات المشاريع الأخرى، و120 مليون يورو تم توزيعها على الجمعيات الإسلامية في أوروبا الغربية! منذ عشر سنوات، وقطر، وهي دولة غاز مزدهرة للغاية، تريد التأثير على الإسلام الأوروبي. وكل هذا من أجل إحباط نفوذ المملكة العربية السعودية ودعم جماعة الإخوان المسلمين. هذه هي القصة التي يرويها الفيلم الوثائقي لكريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو وجيروم سيسكوين، "قطر، حرب النفوذ في أوروبا". فهذا الفيلم الذي تم توثيقه جيداً، يستعرض تفاصيل المشروع الكبير المموّل في مدينة مولهوس، مركز النور (الذي لم يكتمل بعد)، والذي يضم بالإضافة إلى مكان للعبادة يتسع لـ1500 شخص، حمّام سباحة، ومكتباً طبياً، وأكشاك تجارية. منذ فترة طويلة، وقطر تتمتع بصلات مميزة مع جماعة الإخوان. فمنذ أوائل الستينيات، استضافت قطر كلاجئ، يوسف القرضاوي، أحد علماء الدين البارزين في جماعة الإخوان المسلمين، وهو قريب من عائلة رمضان.

الفروع الأوروبية للإخوان نشطة
على الرغم من الفروق الدقيقة التي أشار إليها الباحث الأمريكي لورينزو فيدينو بشكل خاص، فإنّ الفيلم الوثائقي مخيف. هل يجب أن نخاف من تأثير جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا؟ هل لديهم مشروع منسق للقارة القديمة؟ أن يكون في نيتهم تنفيذ أعمال دعوية وتبشير، فذاك أمر لا أحد يشك فيه. أن تكون رغبتهم هي تحويل الناس إلى الدين الإسلامي وإثبات نفوذهم فذاك أمر واضح وبديهي. من الواضح أنّ جميع الطوائف الدينية لها أتباع جدد. وحتى من كل الأيديولوجيات! لكن أن نتخيل أنّهم سيستطيعون الإطاحة بالديمقراطيات وفرض نظام إسلامي، فذاك ما لم يطرحه عملُ الصحفيّين الخبيرين، وإن لم يُخفيا بعض القلق في هذا الشأن.

اقرأ أيضاً: تحقيقات جديدة.. ما حقيقة تمويل قطر لجماعات إسلامية إقليمياً ودولياً؟
في الواقع، لا تزال الفروع الأوروبية للإخوان المسلمين نشطة، خاصة في فرنسا. لكن في فرنسا، لا يتجاوز الأعضاء بضع مئات. بالكاد يسيطر الاتحاد الإسلامي في فرنسا، UOIF سابقاً، الواجهة الفرنسية لجماعة الإخوان المسلمين، على 10٪ من المساجد. ومع ذلك  فقد استثمر الاتحاد الكثير في السنوات الأخيرة في إنشاء مدارس إسلامية خاصة، والتي من الواضح أنها تمثل أولويتها في الوقت الحالي. هذا، بلا شك، الجزء الخفي من تأثير الإخوان الذي لا يثيره الفيلم الوثائقي بشكل واضح .

المرأة تواجه حرب استنزاف

على أيّ حال فقد تباطأ تقدّم قطر في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ. لم يعد للإمارة حليف سياسي قوي في قصر الإليزيه، كما كان الحال في عهد نيكولا ساركوزي، وهذا ما رواه بشكل رائع عملُ الصحفيين الفرنسيين شيسنوت ومالبرونو. لكن الإمارة على الخصوص تواجه حرب الاستنزاف، المفصلة في نهاية الفيلم الوثائقي، التي تقودها المملكة العربية السعودية وحلفاؤها في الخليج، كالإمارات. يغوص الفيلم الوثائقي الغني بالمعلومات المفيدة، في موضوع تمويل الإسلاميين في فرنسا وأوروبا الغربية. لقد وعد الرئيس إيمانويل ماكرون بالتصدي لهذا التمويل، لكن الحلول لم تتضح بعد...
400000 يورو من قطر لبناء مسجد بواتييه
هذه واحدة ممّا كشف عنه التحقيق "قطر، حرب النفوذ على الإسلام في أوروبا"، الذي تم بثه مساء الثلاثاء 24 أيلول (سبتمبر) 2019 على قناة "آرتي". تمّ تمويل المسجد الكبير في بواتييه بمبلغ يصل إلى 400000 يورو من قبل مؤسسة قطر الخيرية.
دعم الإخوان والجهاديين في جميع أنحاء العالم
تؤوي قطر العديد من القادة والدعاة الإسلاميين. فهي توفر المأوى والمساعدات المالية والعمل والدعم اللوجستي والسياسي والإعلامي للعديد من المقاتلين والجماعات الإسلامية في إفريقيا والشرق الأدنى والغرب وآسيا. رسمياً، تدعم الدوحة جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم منذ عقود. إنّ إستراتيجية قطر لدعم جماعة الإخوان المسلمين القوية قد أغضبت أخيراً الدول العربية الأخرى، بما في ذلك المملكة العربية السعودية... من جانبهما، تحارب مصر والإمارات الإسلام السياسي في مصر وفي ليبيا.

لعبة الإخوان القطريين

على العكس من ذلك تعتقد الدوحة أنّ لديها الكثير مما يمكن أن تربحه من علاقتها الوثيقة مع الإخوان؛ لأنهم أولاً وقبل كل شيء يضمنون لها أنّهم لن يحاولوا ممارسة السياسة في هذا البلد، مع مساهمتهم في الخارج لتوسيع "العمق" "الاستراتيجي لهذا البلد الصغير، من خلال وصول قوى إخوانية إلى السلطة تكون ممتنة بعد ذلك لراعيها الغني. لذلك تتوقع سلطات قطر أن تتموضع تدريجياً في العديد من الدول العربية على المستوى الاقتصادي والسياسي لفائدة تناوب ديمقراطي إسلامي، تساعد على تمكينه وترسيخه في هذه البلدان مع احتوائه في ديارها (قطر). أخيراً، تنوي قطر، مثل تركيا، أن تضع نفسها كوسيط أساسي بين الإسلاميين وأعدائهم، بما في ذلك الغرب، الذي يمنحهم ميزة جيوسياسية. في هذا السياق، قبِل جزءٌ من "الإخوان" القطريين تغييراً تكتيكياً في السنوات الأخيرة. وتمثل هذا التغيير في تكييف وتغيير الخطاب بطريقة أكثر توافقية، مع تعزيز صورة ناعمة من خلال التركيز كثيراً على القوة الناعمة، وفكرة أنّ الإخوان المسلمين سيمثلون الاتجاه "المعتدل" و"الديمقراطي" داخل الأسرة الإسلامية، مقابل الاتجاه الراديكالي والجهادي المناهض للديمقراطية.
اعتماد الدوحة على شخصيات إخوانية بارزة  
ففي هذا السياق، استضافت قطر العديد من النشطاء والمتعصبين؛ حيث وفّرت لهم المأوى والرعاية والعمل والدعم اللوجستي والإعلامي. في هذا الصدد فإنّ لحالة الداعية التلفزيوني الإسلامي المصري الشهير، يوسف القرضاوي، المتجنس القطري، دلالات كثيرة؛ لأن هذا الرجل الذي يدير الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (IUMS) ويرأس العديد من الهياكل المرتبطة بالإخوان في أوروبا، أصبح مركز الدعوة والفتوى، ومشهوراً عالمياً، انطلاقاً من قطر، من خلال برنامجه التلفزيوني "الشريعة والحياة"، الذي يبث على قناة الجزيرة، مما جعله نجماً عالمياً. مثال آخر على العلاقات الشخصية بين إخوان بارزين وقطر يتمثل في قضية رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي السابق، صهر رشيد الغنوشي (زعيم النهضة، وهي نسخة محلية من الإخوان)، والذي كان رئيس قسم الدراسات والبحوث في مركز الجزيرة بالدوحة. يمكن أن نذكر أيضاً علي الصلابي، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وثيق الارتباط بسلطات قطر. وهناك مثال آخر على دعم الإخوان، استضافة قطر لجاسم سلطان، أحد شخصيات الإخوان المسلمين في العالم العربي.
دعم الدوحة للإخوان عالمياً
منذ "حلها الذاتي" الرسمي في عام 1999 في قطر، تدين جماعة الإخوان لجاسم سلطان، الطبيب القطري الذي تدرب في مصر، ومؤسس دار النشر تاكين ومعهد النهضة، استبدال السديم الهرمي القديم بسديم متعدد الأقطاب، أكثر صعوبة بكثير لتفكيكه وتحديده. هذه المنظمة الجديدة، التي يقع أحد مراكزها في قطر، تركز على التخريب والتدريب. جاسم سلطان يدعو الشباب من جميع أنحاء العالم إلى الدوحة للتدرب على التخطيط الاستراتيجي والتأثير. وعلى غرار ندوات المجتمع المفتوح لجورج سوروس، يتم اختيار الشباب الأوروبي الذي يحضر ويتابع التعليم الإسلامي الخاص (35 مؤسسة في فرنسا) للمشاركة في الندوات. تدعم الدوحة هذه الإستراتيجية العالمية لجماعة الإخوان المسلمين وتدعم كيانها الرئيسي، معهد النهضة، في تنفيذ مشروع الإخوان المدمر القائم على الإقحامية والعزو عبر "مراحل"، من خلال هياكل مغلقة ومستقلة.

"الجزيرة" في خدمة الإخوان

أما بالنسبة للجزيرة (في الواقع "مجموعة الجزيرة"، التي تمتلك عدة قنوات تكميلية)، وهي أيقونة إعلامية حقيقية للقوة الناعمة القطرية، فهي أحدث وسائل الإعلام العربية الدولية الحديثة وأكثرها كفاءةً وحداثة، وتخريبية، بمعنى أنّها ظلت تدعم لسنوات، الطموحات السياسية للإخوان المسلمين في معظم الدول العربية، ما عدا بالطبع في قطر نفسها. لقد أُجبِرت جماعةُ الإخوان المسلمين بالفعل على التخلي عن محاولة التدخل في الشؤون القطرية المحلية مقابل حصولها على دعم من الدوحة.
دعم الجهادية الدولية
من الخطأ الاعتقاد بأن قطر لا تساعد إلا إسلاميي "الحكومة" فقط، لأنّ الإمارة لها يد في "الإسلاموية الناعمة" والأخرى في الجهادية. لقد كشف تقريرٌ نشره مركز العقوبات والتمويل غير المشروع، عن وجود أعلى تركيز للتبرعات الخاصة للجماعات الإرهابية الإسلامية، في الدوحة. تؤوي قطر الجهات المانحة للجماعات الجهادية، مثل جبهة النصرة (السورية)، أو حركة الشباب أو القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (شمال إفريقيا)، أو حتى داعش، وهذا عن علم وخبرة أجهزة الاستخبارات الغربية. يرفض خبراء مكافحة الإرهاب الحجة القائلة إنّ الدولة القطرية "ستكون غير قادرة" على تجفيف هذا التدفق ومراقبة أراضيها ومؤسساتها وأمرائها والمانحين الأثرياء؛ لأن سكانها قلائل بينما وسائلها المالية هائلة (مساحة الإمارة تعادل أراضي كورسيكا).
 


الهوامش:
(1) علي محمد محمد الصلابي، من مواليد 1963 في بنغازي بليبيا. فقيه وكاتب ومؤرخ، ومحلل سياسي ليبي. له العديد من المؤلفات. شارك بلجنة المراجعة التاريخية وتدقيق النص بمسلسل عمر. وُضع علي الصلابي وشقيقه إسماعيل على قوائم الإرهاب في كل من السعودية وليبيا والإمارات ومصر والبحرين. بحكم انتماء الصلاّبي إلى تيار سياسي هو الإخوان المسلمين، فإنه سعى للقيام بأدوار سياسية في ليبيا، منها اتخاذه في البداية موقف المعارض لنظام القذافي ثم تقاربه مع النظام عبر علاقته بسيف الإسلام القذافي، والتي توطدت خلال الفترة الأخيرة من فترة حكم القذافي، ومع بداية الاحتجاجات ضد حكم القذافي مطلع عام 2011 أعلن الصلابي تخليه التام عن سيف الإسلام.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

ww.afrique-asie.fr و www.atlantico.fr

الصفحة الرئيسية