كاتدرائية آيا صوفيا بين البيزنطيين والسلطان محمد الفاتح

كاتدرائية آيا صوفيا بين البيزنطيين والسلطان محمد الفاتح

مشاهدة

21/12/2020

وقع اختيار الإمبراطور قسطنطين العظيم (306 ـ 337 م) على موقع ساحر في الضفة الغربية لمضيق البوسفور يحوي أنقاض قرية بيزنطة القديمة من أجل بناء العاصمة الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وقرّر تسميتها "روما الجديدة" لتكون نظيراً لمدينة "روما القديمة"، وأمر مهندسيه بضرورة محاكاتها في ملامحها الرئيسية؛ المباني والشوارع  والأسواق وساحة الألعاب الرياضية (الهيبدروم).

جاءت المدينة الجديدة نسخة من مدينة روما، مع فارق وحيد وفريد يتواءم مع المسيحية، الدين الجديد لقسطنطين وإمبراطوريته، لذا كان لا بدّ من تشييد بعض الكنائس بها، بدلاً من المعابد الوثنية التي تميزت بها روما القديمة.

كنيسة آيا صوفيا حازت شهرتها الواسعة في القرن الـ6 الميلادي في عهد الإمبراطور جستنيان

هكذا وُلد الشكل الأوّل لكنيسة آيا صوفيا Hagia Sophia في المدينة الجديدة، التي حوّل المؤرخون اسمها بُعيد وفاة مؤسّسها لكي تحمل اسمه "مدينة قسطنطين"، أو القسطنطينية Constantinople، بعد ذلك تمّ تطوير المبنى في عهد خلفائه: قسطنطين الثاني (337 ـ 361م)، وثيودوسيوس الثاني (408 ـ 450م) صاحب سور القسطنطينية الشهير.

على أنّ كنيسة آيا صوفيا حازت شهرتها الواسعة في القرن الـ6 الميلادي، على عهد الإمبراطور جستنيان (527 ـ 565م)، الذي أخذ على عاتقه مهمّة إعادة تشييد الكنيسة بعد تعرّضها للحرق والتدمير في انتفاضة النصر (نيقا (Nika من جانب أنصار فريقي "الزرق" و"الخضر" الذين انطلقوا من ساحة الهيبدروم في حركة تمرّد واسعة ضد الإمبراطور البيزنطي، الذي نجح في إخمادها في النهاية.

اقرأ أيضاً: واقعة «آيا صوفيا»: لا دين معتبر... ولا سياسة حكيمة!

كلّف جستنيان مهندسيه، وعلى رأسهم العبقري أنتيميوس، بإعادة تشييد الكنيسة مجدّداً عام 537 م، لتتبوّأ مركزها الجليل وهو كاتدرائية للبطريركية الأرثوذكسية، وليبدأ منذ ذلك الوقت تخليد آيا صوفيا في التراث الديني البيزنطي باعتبارها عملاً معمارياً فذاً يحوي داخله قلب العالم الأرثوذكسي الروماني.

ويكفي ما كتبه المؤرخ بروكوبيوس، المؤرخ الرسمي لعصر الإمبراطور جستنيان، في كتابه البديع عن المباني والمنشآت الدينية الفخمة التي أمر جستنيان ببنائها في العالم الروماني عن كنيسة آيا صوفيا فقد كتب:

اقرأ أيضاً: آيا صوفيا.. هل ينجح أردوغان في طمس الهوية الحقيقية؟

"بينما تقرأ ما أسطّره الآن عن الكنيسة العظمى، عليك بعقد مقارنة مع معبد الربّ الموجود في أورشليم... وعندما تمّ الانتهاء من بنائها أضحت عظيمة الجمال ومذهلة لمن يشاهدها.  إنّ من يسمع عنها لا يصدّق مدى فخامتها وعظمتها".

وهكذا شهدت كاتدرائية آيا صوفيا، التي يعني اسمها "الحكمة المقدّسة"، أحداثاً عظمى في تاريخ الأرثوذكسية البيزنطية، وتمّ عقد العديد من المجامع الكنسية فيها، كما عاصرت الشقاق الكنسي الكبير بين بطريركية القسطنطينية الأرثوذكسية والبابوية الكاثوليكية في مدينة روما عام 1054م. واستمرّت راعية وحامية لمذهبها، رافضة طوال تاريخها عملية الاتحاد الكنسي والانضواء تحت جناح كنيسة روما الكاثوليكية مهما كانت الظروف.

شهدت كاتدرائية آيا صوفيا التي يعني اسمها "الحكمة المقدّسة" أحداثاً عظمى في تاريخ الأرثوذكسية البيزنطية

ولعلّ ذلك كان أهمّ أسباب انحراف الحملة الصليبية الـ4 عن هدفها الحقيقي في مصر والشام، وتحويل اتجاهها نحو مدينة القسطنطينية العام 1204م، عندما تمكّن الجنود اللاتين الكاثوليك من اقتحام العاصمة الأرثوذكسية، وسالت الدماء أنهاراً في شوارع القسطنطينية بعدما قام (جنود الرب) بذبح سكّان المدينة المسيحيين، وتعذيب وقتل رجال البطريركية الأرثوذكسية بشكل مهين وبشع؛ ونتيجة لذلك تحوّلت مدينة قسطنطين إلى عاصمة لمملكة صليبية لاتينية لعدة عقود، جرى فيها تغيير قسري لبطريركية القسطنطينية الأرثوذكسية لتتحوّل إلى بطريركية كاثوليكية يرأسها بطاركة تابعون للبابا الكاثوليكي الجالس على كرسي القديس بطرس في روما، حتى العام 1261م الذي تمكّن فيه البيزنطيون من استعادة مدينتهم من جديد، وإعادة كاتدرائية آيا صوفيا إلى أصلها بطريركية أرثوذكسية، وهو الدور الذي استمرّت تقوم به حتى الاجتياح العثماني للمدينة.

اقرأ أيضاً: تحويل آيا صوفيا إلى مسجد لا يخدم تركيا ولا المسلمين

وعلى الرغم من مرور الزمن، فإنّ الجروح العميقة التي أصابت الجسد البيزنطي والكنيسة الأرثوذكسية بوساطة الغرب الكاثوليكي لم تندمل أبداً، وترسّخت الكراهية الشخصية والمذهبية الدينية للغرب الأوروبي واللاتين في وجدان سكان القسطنطينية إلى الأبد. وتذكر المصادر التاريخية المعاصرة أنّ الأباطرة البيزنطيين الأواخر كانوا يستجدون الغرب الأوروبي والبابوية لتقديم المساعدة للقسطنطينية التي كانت تخشى السقوط في قبضة العثمانيين لعدة عقود، غير أنّ المطلب الرئيسي للبابوية الكاثوليكية كان ضرورة تحقيق "الاتحاد الكنسي"، وتبعية كنيسة القسطنطينية لكنيسة روما، وهو الأمر الذي رفضه البيزنطيون على الدوام.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"آيا صوفيا"... محاولة لهزيمة التاريخ من أجل انتصار سياسي

 وتخبرنا المصادر نفسها أيضاً أنّ الإمبراطور البيزنطي الأخير قسطنطين الـ11    (1449ـ 1453م) قد اضطر ـ تحت وطأة الحصار العثماني الطويل للمدينة  إلى الموافقة على الاتحاد الكنسي حتى تأتيه النجدة العسكرية -التي لم تحضر أبداً- من الغرب الكاثوليكي. ويحكي لنا الطبيب البندقي نيقولو باربارو، الذي كان موجوداً في القسطنطينية، أنّ الامبراطور استقبل مبعوث البابا، وطرد رجال الدين الأرثوذكس الرافضين لعملية الاتحاد الكنسي التي أقامها قسراً داخل كنيسة آيا صوفيا في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 1452م.

انبهر العثمانيون الذين لم يكونوا قد شيدوا مبانيهم الهائلة والفخمة بعد بعمارة آيا صوفيا

بينما أشار المؤرخ البيزنطي المعاصر ميخائيل دوكاس أيضاً إلى أنه في الوقت الذي كانت تجري فيه الصلاة على المذهب الكاثوليكي داخل الكنيسة، كان سكان القسطنطينية يبكون وينوحون في الشوارع المحيطة بها. بل إنّ البيزنطيين الرافضين لهذا الفعل الآثم قد وصفوا كنيستهم آيا صوفيا آنذاك "بأنها صارت وكراً للوثنية".

وبلغ الغضب مبلغه من لوكاس نوتاراس ـ القائد العسكري البيزنطي المكلف بالدفاع عن المدينة ـ وأطلق صيحته الشهيرة التي خلّدتها لنا المصادر البيزنطية: "إنه لمن الأفضل لنا أن نرى عمائم الأتراك المسلمين في شوارع القسطنطينية، على أن نرى فيها قلنسوات رجال الدين اللاتين"، وهي عبارة تكرّس وتعكس كراهية لا حدود لها تجاه الغرب المسيحي الكاثوليكي، نتيجة الأعمال الوحشية والبربرية التي قاموا بها بالقسطنطينية طوال احتلالهم لها 1204 ـ 1261م.

اقرأ أيضاً: أردوغان يجد طريقاً جديداً إلى القدس يمر عبر آيا صوفيا

على أيّة حال، نجح العثمانيون في تحطيم الأسوار وفتح مدينة القسطنطينية صباح الثلاثاء 29 أيار (مايو) 1453م. وكان السلطان الفاتح قد أباح المدينة لجنوده 3 أيام من أجل الغنائم، على أن تؤول الكنيسة العظمى ومباني القسطنطينية إليه وحده.

وحسب المؤرخ العثماني عاشق باشا زاده "قام السلطان محمّد الفاتح بدخول المدينة يوم فتحها ظهراً، تحيط به قوات الإنكشارية، وتقدّم نحو كنيسة آيا صوفيا مبدياً إعجابه بعمارتها، وقام باستدعاء أحد الشيوخ الأتراك من أجل إقامة الصلاة الأولى في جامع آيا صوفيا الجديد". ويرى الباحث التركي المعاصر يلماز أوزتونا أنّ السلطان العثماني رفقة جنوده الفاتحين قاموا بأداء صلاة الجمعة الأولى به في الأوّل من يونيو، حيث تولى الشيخ أق شمس الدين الخطبة وإقامة الصلاة.

اقرأ أيضاً: أردوغان مطالب بالإجابة... لماذا غير موقفه من آيا صوفيا؟

وكان من الطبيعي أن ينبهر العثمانيون، الذين لم يكونوا قد شيدوا عمارتهم الهائلة والفخمة بعد، بعمارة الكنيسة العظمى آيا صوفيا، وكتب طورسون بك المصاحب للسلطان محمّد الفاتح في اقتحام المدينة: "يصدق على كنيسة آيا صوفيا قوله تعالى: لم يخلق مثلها في البلاد ـ الفجر/ الآية 8". وتابع حديثه عنها بعد ذلك مشيراً إلى أنّ "بعض جدرانها قد تهدّمت، فقام السلطان بتعميرها بعد ذلك، ما عدا القبّة الرئيسية لاحتياجها إلى توسيع، حيث قام أحد المهندسين المهرة بذلك بوساطة قناطر فريدة، وأنصاف قباب... وصارت بذلك تتسع لـ50 ألف مصلٍّ".

كما أشار المؤرخ العثماني عاشق باشا زاده، شاهد العيان الآخر على الفتح العثماني،   إلى "أنّ السلطان العثماني عندما دخل إلى كنيسة آيا صوفيا، وجد بها الآلاف من سكان القسطنطينية الذين قاموا باللجوء إليها، فأمّنهم محمّد الفاتح على حياتهم وممتلكاتهم".

أباح محمد الفاتح المدينة لجنوده 3 أيام على أن تؤول الكنيسة العظمى ومباني القسطنطينية إليه وحده

على أنّ ما لا يعرفه العثماني المعاصر عاشق باشا قد وضّحه لنا البيزنطي المعاصر دوكاس، مضيفاً سبباً جديداً حول لجوء السكان البيزنطيين إلى كنيسة آيا صوفيا:

"شرع الجميع، الرجال والنساء، الرهبان والراهبات، بالجري تجاه الكنيسة العظمى، لقد حمل الآباء والأمهات أطفالهم على أيديهم، وتركوا منازلهم لمن يرغب في الاستيلاء عليها، وأصبح الطريق إلى الكنيسة مزدحماً بالحشود المتجهة نحوها". ومن أجل تفسير ذلك تتبع دوكاس نبوءة بيزنطية قديمة تذكر أنّ المدينة سوف تسقط في قبضة الجنود الأتراك الذين سوف يقومون باقتحامها ويصلون إلى عمود قسطنطين العظيم القريب من الكنيسة"، وعندها سوف يهبط ملاك من السماء شاهراً سيفه ليناوله إلى رجل مجهول الهيئة قائلاً: تناول هذا السيف، واثأر لشعب الرب"، وهكذا سوف تتمّ هزيمة العثمانيين.

اقرأ أيضاً: آيا صوفيا: هل تعاني إسطنبول من نقص في المساجد؟

ولأنّ الكثيرين كانوا يعتقدون في تلك النبوءة، فقد أخذوا في الجري باتجاه كنيسة آيا صوفيا، تاركين عمود قسطنطين في الخلف، ومتجنبين الأحداث الدامية التي سوف تجري حسب ما زعمته النبوءة، وخلال ساعة واحدة كان مبنى الكاتدرائية الضخم قد اكتظ بالرجال والنساء بشكل لا يمكن إحصاؤه. ففي الطابق الأرضي والرواقات والشرفات الداخلية والردهات، كانت الحشود تملأ كافة الأركان، وجرى إغلاق أبواب الكنيسة، وانتظر الجميع عملية إنقاذهم... غير أنهم جميعاً سقطوا في الأسر دون مقاومة". وهو الأمر الذي أكّده أيضاً المؤرخ البيزنطي المعاصر كريتوفولس، الذي كان يعمل مع الإمبراطور البيزنطي الأخير قبل أن يحوّل ولاءه ويعمل مع السلطان الفاتح ويكتب عنه كتاباً عالي القيمة، فقد ذكر أنه "عند اندفاع الجنود العثمانيين نحو كنيسة آيا صوفيا وجدوا بها حشداً هائلاً من الرجال والنساء والأطفال الذين لجؤوا إليها، فتمّ أسرهم واصطيادهم كما تسقط الأسماك في الشباك".

اقرأ أيضاً: أردوغان يحوّل "آيا صوفيا" إلى مسجد مجدداً.. لكن هل سيعزز ذلك شعبيته؟

ولم يستطع دوكاس أن يصدّق المشهد المروّع الذي أصبح فيه سكان المدينة وكاتدرائيتها الشهيرة على مرّ القرون، فكتب عن اقتحام الجنود العثمانيين للكنيسة وسلبهم وتحطيمهم للأيقونات والصور والتماثيل المقدّسة والصلبان والشمعدانات والفازات الذهبية، الأمر الذي جعل الكنيسة خاوية على عروشها، وهو ما دفعه للقول: "هذا ما حدث لكنيسة آيا صوفيا... كيف يمكنني وصف الكارثة التي أصابت الكنيسة العظمى؟ كيف يمكنني التعبير عن ذلك؟ إنّ لساني ليلتصق بحنجرتي، إنني لا أستطيع التنفس، وفمي قد أغلق تماماً".

اقرأ أيضاً: "ازدواجية أردوغان" في الحديث عن آيا صوفيا.. بالإنجليزية منفتح وبالعربية "فاتح"

والحقيقة أنّ المؤرخ دوكاس لم يترك لنا فقط مرثية أدبية جميلة وطويلة عن سقوط مدينته العريقة في قبضة العثمانيين المسلمين، مستدعياً خلالها تراثه التوراتي حول سقوط مدينة أورشليم في السبي البابلي، وعاقداً مشابهة تاريخية بين السلطان الفاتح والملك نبوخذ نصر، بل ترك لنا أيضاً دليلاً حول امتلاك السلطان الفاتح لكنيسة آيا صوفيا، منذ اليوم الأوّل للفتح. فقد أشار إلى أنه بمجرّد وصول السلطان إلى الكنيسة العظمى، ترجّل عن جواده، ودلف إليها قبل أن يتوقف داخلها في مشهد مهيب. وبينما هو كذلك لاحظ أحد الجنود العثمانيين يقوم بتحطيم قطعة من رخام أرضيتها، فتوجّه إليه بالسؤال: ما الفائدة التي ستعود عليك من تخريب مبنى الكنيسة؟ فأجابه الجندي: إنّما أفعل ذلك من أجل ديننا، فضربه السلطان بسيفه قائلاً: فلتقنع بالأسلاب والغنائم، كما سبق أن أمرتكم، أمّا مباني القسطنطينية، فجميعها ملك لي".

الصفحة الرئيسية