كيف يؤثر الصراع في السودان على دول الشرق الأوسط؟

كيف يؤثر الصراع في السودان على دول الشرق الأوسط؟

كيف يؤثر الصراع في السودان على دول الشرق الأوسط؟


29/05/2023

منذ بدايتها في منتصف نيسان (أبريل) الماضي، بدأت انعكاسات سريعة لأزمة الصراع في السودان تظهر على منطقة الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالسياسات والاقتصاد وقضايا الأمن، وكان لدول الجوار النصيب الأكبر منها، فيما تفاوت بعضها بين القوي والمحدود على مختلف الدول العربية، ومن المتوقع أن تزيد خطورة تلك التأثيرات مع زيادة مدة وقوة الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم، وتبدو كافة السيناريوهات لهذا الوضع المتأزم وكذلك تداعياته على منطقة الشرق الأوسط في منطقة "سوداء".

وبينما يدخل الصراع في السودان شهره الثاني، دون آفاق جديدة للحل، تبدو التأثيرات السلبية شديدة على دول الجوار، خاصة الساحل الأفريقي ودول القرن الأفريقي كذلك، وفيما تبدو مؤشرات الحسم أو التهدئة غائبة تماماً في ضوء التحليلات التي تناولت الوضع الراهن، تتزايد التحذيرات والمخاوف الدولية من تداعيات أكثر خطورة على أفريقيا ودول الشرق الأوسط نتيجة امتداد الأزمة لأجل غير مسمّى.

إلى ذلك، ركزت دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، للباحثة رحاب الزيادي، على التأثيرات الإقليمية المباشرة وغير المباشرة نتيجة احتدام الصراع المسلح في السودان، خاصة فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية والأمنية المشتركة مع السودان.

لماذا الشرق الأوسط هو الأكثر تأثراً بالصراع الراهن؟

بحسب الدراسة، الصراع له ارتدادات على الداخل السوداني والبيئة الإقليمية، وكذلك دول الجوار المباشر، والدول التي لها مصالح استراتيجية في البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، إذ يدفع الصراع في السودان إلى مزيد من الاضطرابات في البحر الأحمر بما يهدد المصالح الاقتصادية والممرات التجارية العالمية، كما تمتد الاضطرابات إلى منطقة القرن الأفريقي (التي تضم جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والصومال)، وتمثل هذه المنطقة أهمية استراتيجية وحيوية لحركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

يدخل الصراع في السودان شهره الثاني، دون آفاق جديدة للحل

كما يؤثر الصراع الدائر على دول الشرق الأوسط بشكل مباشر، لأنّ العديد من الجماعات والميليشيات المسلحة تعبر الحدود وتتنقل بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، وكانت الخرطوم ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعمل ضد أنظمة الحكم في المنطقة في تسعينيات القرن الماضي، لكنّ تلك التأثيرات تتباين من دولة إلى أخرى وفقاً لمصالح كل دولة وأهمية السودان بالنسبة إليها، وكذلك موقع السودان وقربه من بعض الدول.

مصر وملف سد النهضة

وتشير الدراسة إلى عدد من الدول الأكثر تأثراً بحالة الصراع المحتدم في السودان، في مقدمتها مصر، ويؤثر الصراع المستمر على الملفات الاستراتيجية للأمن القومي المصري وعلى رأسها ملف سد النهضة، إذ إنّ تفاقم التوترات في السودان يمثل عنصراً مهدداً للمفاوضات المتعلقة بملف الأمن المائي بين الأطراف الـ (3)، خاصة أنّ الإجراءات الإثيوبية مستمرة وفي مرحلة الاستعداد للملء الرابع.

يؤثر الصراع المستمر على الملفات الاستراتيجية للأمن القومي المصري، وعلى رأسها ملف سد النهضة، إذ إنّ تفاقم التوترات في السودان يمثل عنصراً مهدداً للمفاوضات المتعلقة بملف الأمن المائي بين الأطراف الـ (3)

ومن ناحية ثانية، يمثل الوضع المضطرب وعدم قدرة الدولة السودانية على السيطرة على الأوضاع الداخلية تهديداً للأمن المصري على الحدود الجنوبية بما يفاقم من الأعباء الأمنية على الدولة المصرية.

كما يمثل الوضع المضطرب ولجوء المواطنين السودانيين إلى مصر أحد الأعباء الإضافية على الدولة في ظل صعوبة الأوضاع الاقتصادية، ويقدّر عدد اللاجئين وطالبي اللجوء من السودان (58237) في كانون الأول (ديسمبر) 2022 بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ليبيا الأكثر تأثراً من الناحية الأمنية

وفق الباحثة، يمثل الوضع المضطرب في السودان تهديداً وتأثيراً مباشراً على الأوضاع في ليبيا، خاصة في المنطقة الجنوبية الغربية (فزان)، ويعرقل استمرار عدم الاستقرار السوداني خطة عودة المرتزقة السودانيين الموجودين في ليبيا إلى السودان، وتنسق السلطات الليبية مع السودان فيما يتعلق بتبادل البيانات والتنسيق المشترك بينهما لتسهيل عودتهم.

 ويقدّر عددهم بنحو (10) آلاف في عام 2021 وفقاً للأمم المتحدة، كما أنّ عودتهم في ظل الوضع غير المستقر قد يفاقم من استمرار الصراع السوداني في حال مشاركتهم فيه.

 من ناحية ثانية، هناك تخوفات دولية من ملف الهجرة عبر الحدود، إذ تمثل ليبيا إحدى الوجهات التي يلجأ إليها اللاجئون السودانيون في ظل الصراع المستمر، ومن ثم قد تمثل ليبيا معبراً للاجئين إلى الدول الأوروبية.

يمثل الوضع المضطرب في السودان تهديداً للأمن المصري على الحدود الجنوبية

ومن ناحية ثالثة، استمرار الاضطرابات الأمنية على الحدود يُفاقم من الأعباء الأمنية على القوات الليبية، إذ تتمركز بعض الجماعات المسلحة في جنوب ليبيا والتي قد تتسلل للمشاركة في الصراع الدائر في السودان، أو أنّها تهدد الاستقرار الداخلي في ليبيا، ومن ناحية رابعة، استمرار الاضطراب في جنوب ليبيا يُعرقل العملية السياسية من حيث إجراء الانتخابات المحتمل عقدها في عام 2024، إضافة إلى أنّ المنشآت النفطية بها معرضة للخطر.

تركيا في مرمى التهديد

 يهدد عدم الاستقرار السوداني المصالح التركية فيها، ويمثل السودان أهمية جيوسياسية بالنسبة إليها، ولا سيّما في ظل عضوية السودان في العديد من المنظمات الإقليمية، مثل "الاتحاد الأفريقي"، و"السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا"، و"تجمع دول الساحل والصحراء"، ومن ثم تعمل تركيا على توسيع نفوذها في أفريقيا.

يمثل الوضع المضطرب في السودان تهديداً وتأثيراً مباشراً على الأوضاع في ليبيا، خاصة في المنطقة الجنوبية الغربية (فزان)

كما يمثل السودان بالنسبة إليها إحدى ساحات النفوذ، ومنطقة نفوذ استراتيجي في القرن الأفريقي، خاصة مع امتلاك أنقرة قاعدة عسكرية في الصومال، واستئجارها لجزيرة سواكن السودانية في البحر الأحمر، ورغبتها في التواجد عسكرياً واقتصادياً على سواحل البحر الأحمر، فقد أنشأت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها في الصومال في عام 2017، بتكلفة حوالي (50) مليون دولار.

ماذا عن إسرائيل؟

وفق الدراسة، يمثل السودان بالنسبة إليها منطقة نفوذ حيوية في القارة الأفريقية، خاصة بعد اتفاق التطبيع بينهما في 23  تشرين الأول (أكتوبر) 2020، ومن ثم سوف تكون حريصة على عدم تجميد هذا الاتفاق في ظل الصراع السياسي الداخلي، خاصة أنّ السياسة الإسرائيلية لها محدداتها تجاه السودان، أوّلها أنّ التقارب الإسرائيلي السوداني يعزز من مقاربتها تجاه إيران، وهي إحدى أوراقها لمجابهة أيّ محاولات إيرانية لتهديد المصالح الإسرائيلية.

كما أنّ هناك مساعي إسرائيلية بضم السودان إلى منتدى النقب الإقليمي، بدافع الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر، والتنسيق معها لمجابهة الحضور الروسي والإيراني العسكري، وتتبع إسرائيل استراتيجية الاستثمارات مقابل مكافحة الإرهاب، من خلال ضخ استثمارات في الدول الأفريقية مقابل منع التهديدات الأمنية التي تسببها التنظيمات الإرهابية، ومجابتها من خلال تقديم الأسلحة والتدريبات العسكرية لهذه الدول.

تهديدات عميقة لمصالح إيران

يمثل الوضع غير المستقر في السودان، بحسب الدراسة، تهديداً لمصالحه الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي، فيما يخص طرق الملاحة التي تمر بها سفنها التجارية وناقلات النفط عبر البحر الأحمر وخليج عدن، إذ تستخرج جزءاً كبيراً من عائداتها من تصدير الوقود الأحفوري والمنتجات القائمة على النفط.

يمثل الوضع غير المستقر في السودان تهديداً لمصالحه الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي

وعليه فإنّ تأمين خطوط الإمداد العالمية أمر مهم بالنسبة إلى طهران، خاصة بعد الهجمات التي قام بها القراصنة الصوماليون في أواخر العقد الأول من القرن الـ (21)، والتي مثلت تهديداً للمصالح الإيرانية، لذلك كثفت إيران من وجودها في البحر الأحمر وخليج عدن. وتعمل على تعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي في ضوء التنافس الجيوسياسي مع كل من إسرائيل وتركيا ودول الخليج.

ما التأثيرات المحتملة على  الدول الخليجية؟

يمثل الوضع المضطرب في السودان تأثيراً طويل المدى على الأمن في منطقة البحر الأحمر، حيث التخوف من انتشار العنف عبر الحدود، وتفاقم الوضع الإنساني المتردي في القرن الأفريقي، ممّا دفع كلّاً من الولايات المتحدة والسعودية إلى تبنّي مبادرة مشتركة لتهدئة الموقف.

وبالنظر إلى المصالح الخليجية فيها، بالنسبة إلى السعودية هناك حركة تجارة بين الدولتين، وتمثل بورتسودان التي تبعد حوالي (169) ميلاً بحرياً عن السعودية، ممراً لسفر آلاف المسلمين من الدول الغربية ومن أفريقيا إلى السعودية.

أيضاً تمر معظم ناقلات الحج النيجيرية عبر المجال الجوي السوداني إلى السعودية، ومن ثم يعيق الوضع المضطرب في السودان مرور هؤلاء الحجاج إلى السعودية، وربما يؤدي إلى البحث عن طرق بديلة.

الصراع السوداني يضفي مزيداً من التعقيد والتشابك على الصراعات القائمة بالمنطقة، سواء في ليبيا أو اليمن أو العراق أو سوريا، بما يقود إلى أوضاع أمنية وبالتبعية اقتصادية واجتماعية أكثر اضطراباً ستكون لها تبعات آنية ومستقبلية

من ناحية ثانية يهدد الصراع الطويل وانهيار الدولة السودانية الأمن الإقليمي، ويقوض رؤية السعودية لتطوير ساحلها على البحر الأحمر، كما أنّ السعودية تشترك في الحدود البحرية مع السودان، ويثير سقوط الدولة السودانية أو تقسيمها تخوفاً بالنسبة إليها ويمثل عنصر تهديد، وتحرص السعودية على عدم تهديد مصالحها في البحر الأحمر.

وكذلك تُعدّ الإمارات من أكبر المستثمرين في السودان، فقد وُقعت في شباط (فبراير) 2023 اتفاقية بين الدولتين تتعلق بالاستثمار في مجال التكنولوجيا الرقمية.

وختاماً، تشير الدراسة إلى أنّ الصراع السوداني يضفي مزيداً من التعقيد والتشابك على الصراعات القائمة بالمنطقة، سواء في ليبيا أو اليمن أو العراق أو سوريا، بما يقود إلى أوضاع أمنية وبالتبعية اقتصادية واجتماعية أكثر اضطراباً ستكون لها تبعات آنية ومستقبلية.

مواضيع ذات صلة:

المواجهة المسلحة في السودان: الفضاء السيبراني ميدان لحرب أخرى

موقع الإخوان المسلمين في خارطة النزاع بين الفرقاء السودانيين

الإخوان يشعلون الحرب في السودان... ما أهدافهم؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية