كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟

كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟

مشاهدة

27/10/2019

كما يخلط كثير من أعضاء وأنصار جماعات الإسلام السياسي وغيرهم بين السلمية والاعتدال يخلطون أيضاً بين البراغماتية والاعتدال؛ صحيح أنّ الاعتدال يدعو بالضرورة إلى العمل السلمي لكنه ليس شرطاً كافياً للاعتدال، وأمّا "البراغماتية" سواء كانت بمعناها الاجتماعي والإعلامي الشائع؛ أي التناقض أو الاختلاف بين السلوك والمواقف وبين الأيديولوجيا وتبدل المواقف وتناقضها أحياناً؛ أو بمعناها العلمي "العملاتية" أي بناء المواقف والاتجاهات بناء على اعتبارات عملية واقعية؛ فهي لا تعني الاعتدال بالضرورة، بل ولا تكون دائماً معتدلة أو سلمية؛ إذ إنّ كثيراً من المواقف والاتجاهات والتحولات المتطرفة والعنيفة مستمدة من دوافع ومحركات براغماتية.

اقرأ أيضاً: هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟
والأيديولوجيا بعكس المعنى الاجتماعي والإعلامي الشائع تعني التصورات النظرية والفكرية المسبقة والتي تصمم أو تحكم الاتجاه والسلوك السياسي والاجتماعي، وفي ذلك فإنّ الأيديولوجيا ليست بالضرورة تطرفاً أو عنفاً، لكنها تعني بالضرورة التزاماً مسبقاً ومتوقعاً من الجماعات الأيديولوجية تجاه الأحداث والمواقف والأفكار وفق ما تمليه أو تقتضيه الأيديولوجيا، ويمكن أن تكون الأيديولوجيا دافعاً للتطرف كما الاعتدال والعنف كما السلمية، لكنها دائماً أو غالباً متوقعة.

جماعات الإخوان دخلت في عداء جوهري فيما بينها حسب مصالح واتجاهات الجماعة في الأقطار والأقاليم

هكذا فإنّ الجماعات الدينية بما هي أيديولوجيا بالضرورة لا تعيبها الأيديولوجيا، لكن يعيبها التناقض والتلاعب بمعتقداتها وأفكارها، وفي وسعها أن تلتزم الاعتدال والقوانين السائدة وتحافظ أيضاً على الالتزام والتمسك بأيديولوجيتها.
تبدو البراغماتية التي تنتهجها جماعات الإسلام السياسي متقبلة في بعض الأحيان، عندما تأتي داعمة ومعززة لاتجاهات سياسية سائدة أو مطلوبة، لكنها تظل خطيرة ومفسدة للأيديولوجيا والسياسة في جميع الأحوال والظروف، والأصل أن تظل الجماعات الأيديولوجية ملتزمة بأفكارها ومعتقداتها، لكنها يجب أن تسعى أن تكون هذه المعتقدات والمشاعر تخدم السياق الإيجابي للأمم، وتخدم العمل السلمي، وتشكل بذلك مكوناً ضرورياً أو مفيداً للمجال العام؛ لأنها تنشئ جدلاً إيجابياً في الفلسفات والنظريات المنشئة للعمل العام والسياسي، كما تشارك في الرقابة والتوازن بين الدوافع والمحركات السياسية والاقتصادية للأمم والمؤسسات والجماعات؛ فالسلطات السياسية والنقابات والمؤسسات والشركات تمضي على نحو عام متأثرة باللحظة القائمة ومخاوفها أو إغراءاتها وفوائدها، وتكون أهمية الأيديولوجيا أنّها تبني توازناً ومحركات أخرى للإدارة والتنظيم مستمدة من التأمل والبحث الفكري والفلسفي.

اقرأ أيضاً: إشكاليات لم تتجاوزها بعد جماعات الإسلام السياسي.. ما هي؟
بدأت جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينيات أخوية دينية تسعى في تكوين الإنسان الصالح، وتتكامل مع الدول والأمم العربية الحديثة الناشئة، والتي تسعى في بناء مشروعها السياسي مستلهمة التراث الإسلامي على نحو يجعله ملائماً للعصر، وهي فكرة نبيلة لقيت اهتماماً وتشجيعاً من ملوك وقادة سياسيين يؤمنون بالفكرة نفسها، الملك فؤاد الأول في مصر، والملك عبد العزيز في السعودية، والملك محمد الخامس في المغرب، والملك فيصل في العراق، والملك عبدالله في الأردن،.. وكان شباب الإخوان المسلمين بما يمتلكونه من تعليم حديث وتدين عميق يشكلون قاعدة اجتماعية ورافعة للمشروع النهضوي للدول العربية. لكن التحولات السياسية والأحداث الكبرى التي صاحبت وأعقبت الحرب العالمية الثانية ثم حرب فلسطين 1948 أنشأت حاجات سياسية حديثة جرفت الإخوان المسلمين إلى العمل السياسي والوطني والقومي.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإسلام السياسي إلى مفهوم الأمة؟
وإذا كانت هذه المحركات والدوافع نبيلة أملتها ضرورات التحرر والاستقلال، فقد كان يجب أن يعود الإخوان المسلمون وفي سرعة إلى إعادة تشكيل أنفسهم وفق الرواية المنشئة والمبررة لوجودهم، لكنهم وجدوا أنفسهم غير ما كانوا عليه، ومضوا في تحالفات وصراعات سياسية بعضها عنيف، ويغلب عليها التناقض مع الأيديولوجيا النبيلة.
واليوم فقد تحولت جماعات الإخوان المسلمين والإسلام السياسي بعامة إلى مزيج متناقض من الأفكار والذرائع والاتجاهات، فهم في العراق جزء من المشروع الأمريكي الذي بدأ في العام 2003، وفي أفغانستان يشكلون الكتلة الرئيسية لتحالف الشمال، وفي السودان مضوا في تحالفات وصراعات وانقسامات داخلية وإقليمية بدءاً بمجيء النميري العام 1969 ثم الثورة عليه العام 1984 ثم انقلاب 1989، وتمضي حركة حماس في شراكات وتحالفات متناقضة بين الدول والقوى السياسية وتتناقض أيضاً مع مواقف واتجاهات الجماعة في دول أخرى، بل إن جماعات الإخوان المسلمين دخلت في عداء جوهري فيما بينها حسب مصالح واتجاهات الجماعة في الأقطار والأقاليم، فالإخوان المسلمون السوريون والعراقيون تحولوا إلى جزء من التناقضات بين النظامين السياسيين في العراق وسوريا، وكان موقف الإخوان الجرائريين (حركة السلم بقيادة محفوظ نحناح) مناقضاً لموقف الجماعة خارج الجزائر، ومزعجاً للإخوان المسلمين التونسيين الذين كانوا يرون في المعارضة العنيفة لجبهة الإنقاذ دعماً لموقفهم في تونس، وفي المشهد السياسي والإقليمي الذي تشكل عقب الغزو العراقي للكويت العام 1990 انقسم الإخوان المسلمون حسب اعتبارات سياسية وإقليمية، واليوم فإنّ موقفهم تجاه تركيا بقيادة أردوغان أو تجاه إيران ينشئ تناقضات وعداوات سياسية وأيديولوجية.

اقرأ أيضاً: هل ينفي العمل السلمي تطرف الإسلام السياسي؟
حدثت في العام 2003 قصة تبدو صغيرة وهامشية، لكنها تؤشر إلى استنتاج مفسر ومهم لسلوك الإسلام السياسي، فقد أصر نواب الإخوان المسلمين في الأردن على إضافة عبارة "في طاعة الله" للقسم الذي يؤديه كل نائب في الجلسة الأولى للبرلمان المنتخب، لكن اللجنة الدستورية اعتبرت القسم غير صحيح، وبالتالي فإنّ عضوية النائب في البرلمان لم تصحّ، وأعاد نواب الإخوان المسلمين القسم في الجلسة التالية كما هو منصوص عليه في التشريعات الناظمة للحياة البرلمانية في الأردن.

كما يخلط كثير من أعضاء وأنصار الإسلام السياسي وغيرهم بين السلمية والاعتدال يخلطون بين البراغماتية والاعتدال

المسألة تبدو سلوكاً عملياً بسيطاً ومتقبلاً، لكنها تؤشر على فكرة خطيرة أن الإخوان المسلمين يمكن أن يتخذوا أي موقف أو اتجاه وأن الأيديولوجيا لا تنشئ سلوكاً سياسياً متوقعاً، والأخطر من ذلك أنّهم لا يمتنعون عن أي فعل أو سلوك، وأنّهم لا يأخذون اعتباراً بالمنظومة السياسية والاجتماعية والقانونية رغم التزامهم بها، ويمكن متى كانوا قادرين أن يلغوها؛ فالبراغماتية الإخوانية في الحقيقة تعكس انفصالاً أيديولوجياً عميقاً عن الحياة السياسية والعامة بما هي تنظيم اجتماعي عقلاني، وهذا الانفصال العميق هو ما يبيح لهم أن يتخذوا أي موقف أو سلوك، وعلى نحو يذكر بالآية القرآنية الكريمة عن بعض أهل الكتاب "ليس علينا في الأميين سبيل".
إنّ مصطلح أهل الكتاب يصلح أن يكون وصفاً دائماً للجماعات في كل عصر ومكان ومن كل دين والتي تعطل الضمير العام، وتستمد من الأيديولوجيا شعوراً أو اعتقاداً بالقدرة على عمل أي شيء بلا حرج.
العيب أساساً ليس في الأيديولوجيا أو البراغماتية، لكن في محاولة تغطية البراغماتية بالأيديولوجيا، والجمع بين المتناقضات والاختيارات، ففي وسع جماعات الإسلام السياسي لو أرادت أن تحدد هويتها وتعمل وفقها وتكيف أوضاعها القانونية والسياسية، لكن أحداً لا يستطيع أن يكسب كل شيء، هو في ذلك يخسر كل شيء.

الصفحة الرئيسية