لبنان على موعد دائم مع موت مقدس: طعنات الطائفية وخناجر الجهاد

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
4960
عدد القراءات

2017-12-21

اعتداء على حافلة تقل مجموعة من الفلسطينيين، كان كفيلاً بإشعال أطول حروب القرن العشرين "الحرب الأهلية اللبنانية"، والتي استمرت 15 عاماً، حصدت الأخضر واليابس، في بلد متعدد الطوائف والإثنيات، فككه الاحتلال، وأنهكته الصراعات الطائفية، حتى ضاقت عليه دائرة العنف، فلم يجد مفراً من الحوار الوطني، وإقرار حقوق المواطنة، بعدما أزهقت الحرب آلاف الأرواح من الأبرياء.
معركة ميسلون - أرشيفية

ميسلون ودويلاتٌ سوريةٌ وليدة

منذ أن عرفت الأراضي السورية، الانتداب الفرنسي، كانت المقاومة في أوجها، ولكن لم يكن هناك توازن للقوى العسكرية بينها وبين المستعمر الفرنسي، مما نجم عنه إلحاق الهزيمة بالكتائب السورية، في معركة ميسلون، عام 1920، مما دفع الفرنسيين لتقسيم سوريا لدويلات، وأهم ما تمخض عن التقسيم دويلة " لبنان"، لتتحول لاحقاً إلى الدولة اللبنانية المعروفة لنا الآن، وقد اعتمد المستعمر الفرنسي التوزيع الطائفي كآلية للتقسيم، خلقت فيما بعد نزاعات طائفية، أعقاب مايو 23 (آيار) عام 1926، حين أقر مجلس الممثلين الدستور، وأُعلن قيام الجمهورية اللبنانية.

لبنان الراقد فوق صفيح ساخن

في 17 أبريل ( نيسان) من العام 1946، بعد الحرب العالمية الثانية، حصلت سوريا على إستقلالها لتنتهي حقبة الإستعمار الفرنسي، واعتبر هذا اليوم عيد الاستقلال الوطني في البلاد.
بعد نزوح اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية، وتدهور الظروف الإقتصادية، وتركز الثروات في العاصمة بيروت، وبقاء المدن الجنوبية، وأطراف الدولة في حالة اقتصادية صعبة، جعلت الفقراء من الجنوب ينزحون إلى بيروت، يسكنون منازل بائسة، وأيضاً استحواذ طوائف بعينها على رأس المال، فكانت الغلبة للموارنة، ثم مسلمي السنة، أسباب كفيلة بخلق حالة من الغليان الاجتماعي، الذي لا بد أن ينتهي بالانفجار، وهو ماحدث بالفعل، فلم تكن حادثة عين الرمانة، التي اعتدى فيها مجموعة من الشباب المارونيين بالأسلحة، على حافلة تَقِل لاجئين فلسطينيين، مجرد عراك، بل كانت نتيجة أولية لحالة الغليان، التي عاشتها الدولة اللبنانية، فبعد نزوح الفلسطينيين، خشيّ المارونيون على نفوذهم ومصالحهم الاقتصادية، بناءً على اعتقادهم برغبة الكيان الصهيوني بطرد اللبنانيين، وتسكين الفلسطينيين منازلهم، كانت دافعاً لفعل مثل تلك الحادثة، التي كانت شعلة أولى في نيران الحرب.
الرئيس اللبناني الأسبق: كميل شمعون

تعددت الأسباب والحرب واحدة

تباينت الأسباب التي استعرضها الباحثون في تشريح الحالة اللبنانية، فكانت أطروحات قومية، واجتماعية، ودينية، كان أهم الأطروحات الإجتماعية، التي قدمها، مهدي عامل، عالم الاجتماع، وأحد قادة الحزب الشيوعي اللبناني، في كتابه "في الدولة الطائفية"، حيث رأى أنّ الطائفية تبعيّة سياسيّة تربط الطبقاتِ الدنيا بالطبقات العليا، واعتبر النظامَ الطائفيّ نظاماً سياسيّاً يستند إلى الطوائف بوصفها مؤسّسات سياسيّة، ويرى أنّ النظام الطائفي، الذي أنشئ أثناء الانتداب، لم يتعزّز إلّا بعد الاستقلال، ومن ثم تمأسس واندمج بجهاز الدولة، ولم تكن الطوائف بقادرة على الحياة من دون هذه الدولة، والمأزقُ الفعليّ في رأيه، هو أنّ هذه الطوائف عوّقتْ تطوّر لبنان إلى دولة عصريّة مركزيّة.

تباينت الأسباب في تشريح الحالة اللبنانية فكانت أطروحات قومية واجتماعية ودينية أهمها ما قدمه مهدي عامل

على صعيد آخر، كانت تحركات 1958، حصيلة لعدة عوامل إقليمية، حيث انضم الرئيس اللبناني"كميل شمعون"، إلى المعسكر الغربي، وكانت تطلعات مسلمو لبنان، تذهب شرقًا، بينما ناصرت سياسات شمعون الإقطاعيين في لبنان، وأدت لاتساع الفجوة بين الطبقات الإجتماعية، فما كان منه، إلا أنْ يُحرك الصراع، باتجاه طائفي، فجاء فؤاد شلهوب، بتسوية بين الولايات المتحدة والرئيس المصري جمال عبدالناصر، لتهدئة هذا الصراع، ولم تكن الأسباب الإقليمية والإقتصادية وحدها وقود الحرب، ففي رأي الكاتب اللبناني"جمال واكيم"، فإن " أفضل ما يفسّر الحربَ الأهليّة اللبنانيّة هو أنّ لبنان إحدى الدول القبليّة، الإثنيّة التي أنشأت النخبُ فيها، بالتواطؤ مع القوى الغربيّة، هيمنةً سياسيّةً مبنيّةً على النزاعات القبليّة الإثنيّة من أجل تعويق الصراع الطبقيّ، الذي يعوّق بدوره الصراعَ الأساسَي، المستندَ إلى التناقض الجندريّ، فالحال أنّ الطائفيّة تنشئ روابطَ بين أعضاء الطبقات العليا والدنيا. 
الحرب الأهلية اللبنانية - أرشيفية

حزب الله وتغير في ميزان القوى

شهدت ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، دمجاً للسنة في المعترك السياسي، مروراً بالخمسينات والستينات، حيث بدأ دمج الشيعة، من خلال تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، قبل الحرب، والتي كان نشوبها أقوى معبر، عن السخط الشعبي الكبير الذي عاشته لبنان، ونتيجة لكل العوامل سابقة الذكر، مرت الحرب بمراحل عديدة منذ عام 1975 إلى 1991، قُتِل فيها آلاف الفقراء، والحقيقة أنّ معظم ضحايا الحرب، كانوا من الفلسطينيين، وأبناء الطبقة الوسطى الدنيا، وهو ما يلفت النظر لطبيعة الصراع الطبقي الذي غلفه النزاع الطائفي.

لبنان إحدى الدول القبليّة الإثنيّة التي أنشأت النخبُ فيها بالتواطؤ مع القوى الغربيّة

انتعش الحراك الشيعي في لبنان، بعد تأسيس المجلس الأعلى الإسلامي الشيعي، وكذلك نجاح الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، قدم العلماء الشيعة إلى لبنان، مثل الإمام موسى الصدر، وآية الله محمد مهدي شمس الدين، اللذين اجتهدا، في نشر الثقافة الإسلامية، وإعطاء دروس دينية في المساجد، تحث المسلمين على الخروج من دائرة الخطاب الديني، إلى تنفيذ تعليمات الدين الإسلامي، الذي يحثنا على الثورة، والجهاد.
بعد الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، في 1982، انضمت كتائب من الحركة الإسلامية إلى المقاومة، وكذلك كتائب منشقة من حركة أمل الإسلامية شيعية المرجع، ولم يكن هناك إطار موجد يجمع هذه الفصائل في كيان واحد، حتى نزول الحرس الثوري الإيراني، الذي تولى مهمة تدريب هذا الكيان الإسلامي الجديد، وبدأ عملياته العسكرية، والشعبية، حيث تولوا الإضرابات والاحتجاجات التي حدثت في جميع أنحاء بيروت، حتى انسحب العدو الصهيوني من الأراضي اللبنانية.

معظم ضحايا الحرب الأهلية من الفلسطينيين وأبناء الطبقة الوسطى الدنيا ما يلفت النظر لطبيعة الصراع الطبقي

1985 تم إعلان تأسيس كيان"حزب الله"، في مؤتمر صحفي، اُعلن فيه أنّه ليس تنظيماً سرياً، وإنما كيان مقاومة، يرتبط مع جميع المسلمين في كل بقاع الأرض، ومنذ هذا الإعلان، تصاعد دور الحزب، السياسي، العسكري، والإجتماعي، الأمر الذي نتج عنه نزاعات مع حركات سياسية وأحزاب، كان على رأسها الحزب الشيوعي الأردني، والحزب السوري القومي الإجتماعي، ولكن الصراع الأكبر كان من نصيب "حركة أمل"، الذى بدا ظاهرياً، أنه خلاف بسبب موقف حزب الله من حرب المخيمات الفلسطينية، الذي تبنت حركة أمل تأييده، ولكن كان الخلاف أعمق مما يبدو، فحركة أمل تنتمي للمعسكر السوري، بينما ينتمي حزب الله للمعسكر الإيراني، وهناك اختلاف كبير في موقف كل منهما تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

 

استطاع حزب الله في وقت قصير اختراق المجال السياسي في لبنان، واكتسب شعبية كبيرة تجلّت صورتها في نتيجة انتخابات البلدية عام 1998، ما دعم دوره في الحياة السياسية في لبنان، وكذلك دوره في ردع العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006، بعد اختطاف عدد من الجنود الإسرائيليين، والتي سميت بعملية "الخط الأزرق"، فبدأت تبرز الخلافات مجدداً بعد أن اتخذ "حزب الله" قراراً بالحصول على "الثلث الضامن" في الحكومة، وبدأت التحركات والاعتصامات وتصاعد الأجواء السياسية الداخلية والتي توجت بأحداث 7 مايو 2008 و"اتفاق الدوحة" وتشكيل حكومة جديدة أعطي فيها لـ"حزب الله" وحلفائه ثلث أعضاء الحكومة، وبذلك أصبح "حزب الله"، شريكاً في القرار السياسي.

قدم "علماء" الشيعة  للبنان دروساً دينية في المساجد تحث على الخروج من دائرة الخطاب الديني إلى دائرة الجهاد

إنّ المُتأمل للحالة اللبنانية، يجد تعقيدات، تجعل تحليل الأوضاع أمراً بالغ الصعوبة، نظراً لتداخل العوامل الإقليمية والإثنية، والطائفية، والاقتصادية، المتسببة في هذه المأساة الإنسانية، التي قتلت أكثر من 150 ألف من الأبرياء، والفقراء، في بلد لم يتجاوز تعداد سكانه 2 مليون مواطن، وما يزال على موعد دائم مع موت مقدس يقدمه شهيداً كي ترتفع "راية الله" الصفراء عالياً في السماء!

اقرأ المزيد...

الوسوم: