لماذا يسود اعتقاد بأنّ حماس وإيران جعلتا غزة مقبرة للأطفال؟

لماذا يسود اعتقاد بأنّ حماس وإيران جعلتا غزة مقبرة للأطفال؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
28/06/2021

ترجمة: مدني قصري


بقلم: خالد أبو طعمة (1)

تعلن حماس لِمَن يريد أن يسمعها أنّها "انتصرت" في الحرب الأخيرة ضدّ إسرائيل، الأمر الذي أكسبها السخرية والاستهزاء من العالم العربي كلّه، لم يتردّد كثيرون من العرب في فضح الأكاذيب القائلة إنّ هذه الجماعة المدعومة من إيران تخدم الفلسطينيين وبقية العالم.

لم يكن العرب خائفين من توجيه أصابع الاتهام إلى مسؤولية حماس، قالوا، وكتبوا، إنّ الدمار الهائل ومقتل الأبرياء من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي كان له هدف واحد فقط، ألا وهو خدمة مصالح أسيادهم الإيرانيين.

اقرأ أيضاً: أخطار تعويم حماس عربياً!

أثار مشهد احتفال الفلسطينيين بـ "انتصار" حماس موجةً من الإدانات في العالم العربي. لا يبدو أنّ العالم العربي ينخدع بآلة دعاية حماس. يدرك العرب أنّ حماس تصرفت لغرض وحيد هو ابتزاز أموال وسلاح، أكثر من أيّ وقت مضى، من الملالي في طهران، هؤلاء العرب أنفسهم فهموا أنّ حماس، وكذلك إيران ، قد قدّمتا لهم خدعة جديدة.

انفجر خبير الشؤون الدولية البارز والمعلق الشعبي على وسائل الإعلام الخليجية وشبكات التواصل الاجتماعي، أمجد طه، ضحكاً، عندما سألته محطة تلفزيونية عما إذا كانت حماس قد انتصرت على إسرائيل. فقال أمجد طه: "في غزة، لم ينتصر أحد"، على كلا الجانبين، ضاع أطفال ونساء، هل يمكن للنساء والأطفال الذين يستخدمون كدروع بشرية أن يدعموا أيّ نصر؟ هل يمكن أن يوصَف 269  قتيلاً فلسطينياً وجرح 8900 آخرين بالنصر؟

وأشار أمجد طه إلى أنّ العديد من الفلسطينيين سقطوا ضحايا صواريخ حماس: "من بين 3700 صاروخ أطلقتها حماس تجاه إسرائيل، سقط 400  صاروخ منها في مناطق سكنية في غزة، مما أسفر عن مقتل نساء وأطفال. "

"ما هذا العالم الغريب الذي تسمَّى فيه الهزيمة بالنصر؟" برافو لإسماعيل هنية (زعيم حماس في قطر) لسيارة المرسيدس والروليكس، والبدلة أرماني الجديدة، شهية طيبة لحماس لتجارته بدماء الفلسطينيين الأبرياء، كالعادة انتصر هنيّة وخسر الشعب".

لم تساهم طهران قط في أيّ مشروع إنساني، ولم تساعد في إعادة بناء غزة، تبرعاتها تموّل التدمير، لأنّ الهدف هو تحويل غزة إلى قطبٍ من انعدام الأمن الإقليمي

هناك اعتقادٌ سائد في العالم العربي مفاده أنّ إيران حرّكت ميليشياتها الفلسطينية، حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، بهدف وحيد، وهو انتزاع المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى، بمناسبة انعقاد المفاوضات في فيينا لإعادة صياغة اتفاق نووي إيراني جديد، وقد أضاف أمجد طه في هذا السياق:

الميليشيات التي تحكم غزة تخضع للسيطرة الإيرانية، من خلال تصرفاتها قدّمت هذه الميليشيات خدمة للحرس الثوري الإيراني. إيران تتلاعب بالقضية الفلسطينية، للحصول على ميزة في مفاوضات فيينا، وإيران تتلاعب بالقضية الفلسطينية لِحمل الولايات المتحدة على رفع العقوبات التي فُرِضت عليها مقابل تهدئة التوترات ضدّ إسرائيل، وقد قال إسماعيل هنية: "نشكر إيران على مساعداتها المالية وأسلحتها"، أموال إيران تدفع لمرتزقة يتاجرون في القضية الفلسطينية، وأسلحة إيران معدّة للتدمير وليس للبناء".

اقرأ أيضاً: حماس وإسرائيل ولُعبتهما الفاسدة: فلسطين تحتاج إلى انتخابات ديمقراطية

اجتمعت إيران والقوى العالمية الكبرى، الأسبوع الماضي، في فيينا، للتفاوض بشأن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الموقّع في 2015 .

محمد تقي، الصحفي والكاتب الإماراتي، كان لاذعاً بشكل خاص بشأن "انتصار" حماس المزعوم، وتحالفها مع إيران.

وقال تقي، في تسجيل مصوّر على تويتر: "لعنة الله على كل من استغل المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من أجل القليل من المجد الشخصي والمال". "لعن الله الخونة الذين تاجروا في القضية الفلسطينية، وقدّموها على طبقٍ من فضّة لملالي إيران".

دان تقي، مثل كثير من العرب، قادةَ حماس الذين يعيشون في رفاهية، في قطر وتركيا، لكنهم لا يترددون في التضحية بأهلهم في غزة لإرضاء إيران.

وسأل تقي: "عن أيّة مقاومة تتحدث، يا هنية، عندما تقيم أنت وأطفالك في فنادق في قطر وتركيا؟" سؤال محرج، لا سيما أنّ زعيم حماس قد لوحظ وهو يقود سيارة مرسيدس في الدوحة أثناء القتال بين إسرائيل وحماس.

"ما هي المقاومة التي تتحدّث عنها عندما تضحّي بشعبك، بينما تعيش أنت وأطفالك حياة كريمة؟ كيف تجرؤ على اتهام العرب بالخيانة وتزويدهم بفاتورة إعادة إعمار غزة، ونراك في الوقت نفسه تتبختر وتتباهى أمام إيران احتفالا بـ "انتصاركم"؟".

اقرأ أيضاً: "التطبيع الحلال"... ماذا كشفت زيارة حماس للمغرب؟

وفي السياق ذاته، اتهم الكاتب والمحلل السياسي المغربي، سعيد الكحل، حركة حماس، بتحويل القضية الفلسطينية إلى "رصيد تجاري".
كتب الكحل: "بالنسبة لحماس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مرتبط سياسياً ومالياً لدرجة أنه لا يوجد سبب لإنهائه. لقد حولت حماس القضية الفلسطينية إلى استثمار تجاري يدرّ عائدات من مصادر مختلفة، ويبني ثروة وثراء قادتها. "

كما يرى الكحل أنّ إيران تُحرّض حلفاءها الفلسطينيين على الإرهاب، لإجبار الولايات المتحدة على رفع عقوباتها، وقد كتب الكحل: "وافقت حماس على أن تصبح المقاومة ورقة رابحة في لعبة إيران، لِحمل الغرب على رفع العقوبات عن تطوير برنامجها النووي".

أياً كانت نتيجة المواجهة مع إسرائيل، فإنّ حماس لن تعترف أبداً بهزيمتها؛ فأيّ صراع سينتهي بـ "النصر" حتى لو كان ذلك يعني الاحتفال به وسط الأنقاض والتوابيت، وكلما زاد عدد الضحايا والدمار ازدادت إيرادات حماس، بينما يستمر الفلسطينيون في المعاناة من الحصار والفقر. أسوأ ما في الأمر أن الحركات الإسلامية فخورة بانتصار حماس الوهمي.

 لم تشكّك أيّ من هذه المنظمات في هذا النصر وفوائده: ما هي الأراضي التي تم فتحها؟ كم عدد السجناء المفرج عنهم؟ وكم عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين تمكنوا من العودة إلى قراهم؟ لم يتحقق شيء، ولن يتحقق شيء ما دامت حماس تقرر مصير الفلسطينيين. بالنسبة لحماس، الدم الفلسطيني لا قيمة له، وكذلك قادة الحركة الإسلامية المغربية، الذين سارعوا إلى تهنئة قيادة حماس بـ "نصرهم الكامل".

كما حذر سمير غطاس، النائب المصري السابق، ومدير الإدارة المصرية لمنتدى الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية، الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى التي تتفاوض في فيينا، من استغلال إيران لحماس.

وأشار غطاس إلى أنّه في اليوم الأوّل من القتال بين إسرائيل وحماس، كثفت إيران من تصريحات دعمها للجماعات الإرهابية الفلسطينية في غزة. على سبيل المثال، كتب إسماعيل قاآني، اللواء وقائد فيلق القدس، إلى القائد في حماس، محمد ضيف، مؤكداً له "دعمَه الكامل في الحرب ضدّ إسرائيل".

هناك اعتقادٌ سائد في العالم العربي مفاده أنّ إيران حرّكت ميليشياتها الفلسطينية، حماس والجهاد الإسلامي، بهدف وحيد، وهو انتزاع المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى

يقول غطاس: "ترسيخاً لمواقفها في مفاوضات فيينا، ولإظهار قوتها وثقلها في المنطقة، تعمل إيران على تحفيز الفصائل والميليشيات الموالية لها، وهي حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين"، وأضاف غطاس، وهو يخاطب الإدارة الأمريكية وزعماء قوى عالمية أخرى: "لقد استغلت إيران حماس والجهاد الإسلامي لمصلحتها الخاصة. فلو كانت إيران تسعى إلى مصلحة الفلسطينيين، لكانت ساهمت في إعادة إعمار قطاع غزة".

لم تساهم طهران قط في أيّ مشروع إنساني، ولم تساعد في إعادة بناء غزة، تبرعاتها تموّل فقط شراء أسلحة وأجهزة تدمير، لأنّ هدف الإيرانيين هو تحويل غزة إلى قطبٍ من انعدام الأمن الإقليمي.

كانت المواجهة الأخيرة في غزة، إلى جانب كلّ المواجهات التي سبقتها في أعوام 2008 و2012 و2014، فرصة لإيران لاستغلال الوضع سياسياً وعسكرياً، وفي كلّ مرة، كانت إيران تفرض وتثري مصالحها الخاصة، دون أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح شعبي فلسطين وغزة، ودون الأخذ بعين الاعتبار إراقة دماء السكان. "

وقال محمد مجاهد الزيات، المستشار في المركز المصري للدراسات الإستراتيجية والتفكير: "دعم إيران السياسي والعسكري لحركة حماس، رسالة للغرب"، ويَعلم الزيات أنّ الجماعات الإرهابية الفلسطينية أصبحت ورقة مساومة.

وأكد الزيات أن الحرب التي دارت للتو بين غزة وإسرائيل و"انتصار" حماس ليست سوى وسيلة لإيران لإظهار قوتها والتأثير على المفاوضات في فيينا من أجل رفع العقوبات وتعزيز قدراتها النووية.

وضمّ الخبير المصري صوتَه إلى الجوقة العربية، لتحذير إدارة بايدن والقوى الغربية، حتى لا تكافئ إيران على الحرب الإرهابية التي تشنها حماس على إسرائيل.

اقرأ أيضاً: "إخوان" إسرائيل و"إخوان" حماس

كما سخِر المحلل السياسي السعودي عبد الرحمن الطريري من مزاعم حماس بأنّها "منتصرة"، وأشار إلى أنه في عام 2006، أعلن حزب الله، وهو ميليشيا أخرى مقرها لبنان، انتصارَه على إسرائيل عندما دمرت الحرب البنية التحتية اللبنانية بشكل كبير.

كما ذكّر الطريري الغربيين الذين يكافحون من أجل استرضاء إيران، بأنّ الإيرانيين مسؤولون عن "الدمار والفساد" في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

كما يحاول الطريري تحذيرَ الغرب من أنّ الحرب في غزة تهدف أيضاً إلى تدمير معاهدات السلام الموقعة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، و"إعادة إسرائيل إلى وضعها السابق كعدو للعرب".

من دواعي الاطمئنان أن نسمع أصواتاً ترتفع في العالم العربي، للتعبير عن سخريتها من حماس، التي تتباهى "بالنصر" على أنقاض كارثة تسببت فيها، ومن دواعي السرور أيضاً أن يشعر كثيرون من العرب بالقلق من التواطؤ بين الجماعات الإرهابية الفلسطينية وإيران. يعرف العرب أنّ هذا التحالف يستهدف إسرائيل، لكنهم يدركون أيضاً أنه عاجلاً أم آجلاً سينقلِب عليهم.

أهم تحذير يوجّهه كثير من العرب إلى إدارة بايدن والقوى الغربية؛ هو من أنّ إيران تستغل الحرب في قطاع غزة لترهيبها، ودفعها لمزيد من التنازلات.

 هل ستصغي إدارة بايدن والغربيون بشكل عام إلى هذا التحذير؟ هل سيستمر بايدن والغربيون في سياسة النعامة، على أمل أن يغير الملالي سلوكهم فجأة كمتنمّرين، مقابل الرشاوى الهائلة التي تبدو الولايات المتحدة مستعدة لدفعها لهم؟ لم يفعلوا ذلك في المرة الأخيرة. ماذا سيحدث للمنطقة إذا لم يفعلوا ذلك مرّة أخرى؟

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

fr.gatestoneinstitute.org


الهامش:

(1) خالد أبو طعمة: صحفي فلسطيني حائز على جوائز، ومقيم في القدس، ولد في مدينة طولكرم الفلسطينية، وهو محاضر ومخرج أفلام وثائقية، ومراسل لصحيفة "ذا جيروزاليم بوست"، وكاتب في إصدارات معهد غاتستون في نيويورك. يعمل أبو طعمة منتجاً ومستشاراً إعلامياً لهيئة الإذاعة الوطنية (NBC news) منذ العام 1989، كما أنتج العديد من الأفلام الوثائقية عن الفلسطينيين لقناة بي بي سي والتلفزيون الأسترالي والسويدي والدنمركي، وتظهر مقالاته في العديد من الصحف في العالم.

الصفحة الرئيسية