ما مستقبل المشروعين التركي والإيراني في المنطقة مع النظام العالمي الجديد؟

ما مستقبل المشروعين التركي والإيراني في المنطقة مع النظام العالمي الجديد؟

مشاهدة

08/09/2020

 يتنازع المنطقة العربية اليوم من المحيط إلى الخليج مشروعان يستهدفان الوطن العربي كله، منذ التحولات التي شهدتها المنطقة بعد 11 سبتمبر عام 2001، وتحديداً الاحتلال الأمريكي للعراق وتقديمه على طبق من ذهب للقيادة الإيرانية، ثمّ "الربيع العربي" الذي انطلق من تونس عام 2011، ورهانات أمريكية على قيادة تركيا لإسلام سياسي "معتدل"، عماده جماعات الإسلام السياسي "المعتدلة" وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

بعد مضي حوالي عقدين على أحداث 11 سبتمبر ثبت أنّ المشروعين التركي والإيراني اعتمدا على "الإسلام السياسي العنيف" لإثبات دورهما

يتقاطع المشروعان في كثير من المرجعيات، يتمّ التعبير صراحة عنها من خلال تصريحات مسؤولين إيرانيين وأتراك باستعادة الإمبراطورية الفارسية والتباهي بسيطرة إيران على 4 عواصم عربية "بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء"، فيما يطرح مقرّبون من الرئيس التركي خرائط جديدة لما يوصف بتركيا الكبرى، وتشمل شمال سوريا وأجزاء من العراق، إضافة إلى سيطرة مباشرة وغير مباشرة على شمال أفريقيا "ليبيا"، ضمن مشروع قومي تركي كبير أصبح يُعرف بـ"العثمانية الجديدة"، يذهب باتجاه استعادة البلقان للدولة العثمانية، ويستند المشروعان لمرجعيات دينية مذهبية، تعتمد بالنسبة إلى إيران مرجعيات المذهب الشيعي، فيما يستند المشروع التركي لإعادة آخر خلافة إسلامية تمّت الإطاحة بها في تركيا عام 1924، الأمر الذي ينفي عنهما بالضرورة صفات الحداثة والدولة الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: على غرار الحسكة: هكذا تقايض تركيا وإيران العراقيين بالماء

وقد تمكّن المشروعان من إيجاد قواعد مؤيدة لهما بين الشعوب العربية؛ لأسباب مرتبطة بـ"علمانية" النظام الرسمي العربي و"فشله" في تحقيق تنمية بشرية نموذجية، وفشل مشاريع وبرامج الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مقابل تفشي الفساد، رغم أنّ إنجازات النظام العربي الرسمي لا تبتعد كثيراً عن الإنجازات الإيرانية والتركية، اللتين لم تشكّلا نماذج تُحتذى في التنمية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. 

عمل المشروعان على مشاريع قومية أسهمت في تأجيج الإرهاب في المنطقة بتعاون إيراني وتنسيق مع تنظيمي؛ القاعدة وداعش في العراق وسوريا لاحقاً وفي أفغانستان

 لا شكّ أنّ انكفاءة المملكة العربية السعودية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2011 وتوقفها عن دعم نشر الإسلام، بما في ذلك دعم الجاليات الإسلامية في الغرب وتحولاتها اللاحقة، أوجد فرصة للمشروعين؛ الإيراني والتركي، للتمدّد حيثما كانت هناك جاليات إسلامية في كل دول العالم، وبتواطؤ من قبل الغرب بمستويات الغرب، بوصف أنّ المشروعين يقدّمان الإسلام "المعتدل". وبعد مضي حوالي عقدين على أحداث 11 سبتمبر ثبت أنّ المشروعين اعتمدا على "الإسلام السياسي العنيف" لإثبات دورهما، وأنهما يعملان لمشاريع قومية أسهمت في تأجيج الإرهاب في المنطقة بتعاون إيراني وتنسيق مع تنظيمي؛ القاعدة وداعش في العراق وسوريا لاحقاً وفي أفغانستان، فيما نسجت تركيا علاقات أوثق مع "القاعدة" و"داعش" في سوريا وليبيا ومع "الإخوان المسلمين" في البلدان العربية، وربما ليس بينهما من قاسم مشترك حقيقي إلا مواجهة الأكراد في المنطقة والحيلولة دون قيام كيانية كردية في العراق أو سوريا، وخاصة أنّ مفهومهما المشترك لـ"الإرهاب" يبدأ بالأكراد، وليس بتنظيمي داعش والقاعدة، مع الأخذ بعين الاعتبار، واستناداً لعوامل تاريخية وديموغرافية، فإنّ مشكلة الأكراد الحقيقية مع إيران وتركيا وليست مع سوريا أو العراق.

 اقرأ أيضاً: حزب الإصلاح والمعارك الجانبية نيابة عن قطر وتركيا وإيران

الملفت للنظر أنّ القيادة التركية تنتهج النهج الذي اختطته القيادة الإيرانية، بدءاً من اعتماد مقاربة "حافة الحاوية" في إدارة صراعاتها مع القوى الكبرى، فقد شكّل تراجع الرئيس التركي وانقلاباته على مواقفه سبباً في احتواء أزمات "كارثية" مع أمريكا وقبلها مع روسيا، كما تتقاطع تركيا مع إيران في إنتاج ميليشيات مسلحة موالية لها، "وكلاء" في مناطق الصراع في سوريا وليبيا واليمن وفي فلسطين من خلال حركة حماس ذات الجذور الإخوانية، وإذا كان قائد فيلق القدس الإيراني الذي تمّت تصفيته في العراق "قاسم سليماني" عنواناً للتدخلات الإيرانية في المنطقة، فإنّ القيادة التركية تعمل اليوم على إنتاج شخصية مماثلة، وهو وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار"، الذي يجري تلميعه بالطريقة نفسها التي تمّت فيها صناعة سليماني، إذ أصبح الحضور الإعلامي لخلوصي "سياسياً وعسكرياً" واضحاً في التعبير عن المواقف التركية تجاه أزمات المنطقة. 

نسجت تركيا علاقات أوثق مع "القاعدة" و"داعش" في سوريا وليبيا ومع "الإخوان المسلمين" في البلدان العربية

لعلّ المطروح اليوم، على ضوء تشكّل نظام عالمي بمرجعيات جديدة، التركيز على وقع تداعيات كورونا والحرب الاقتصادية بين أمريكا والصين، وفي تقديرنا، أنّ هذا النظام سيطال المشروعين؛ التركي والإيراني، لكنّ احتمالات دخول إيران هذا النظام العالمي الجديد أكبر بكثير من احتمالات دخول تركيا فيه؛ لأنّ  الدولة العميقة في أمريكا وأوروبا ترى في إيران عدواً يمكن التفاوض معه، فيما القيادة التركية لا تعدو أن تكون أكثر من حليف "متمرّد" عضو في الناتو، رغم الخدمات التي تقدمها اليوم القيادة التركية للسياسات الأمريكية في سوريا وليبيا بمواجهة التمدّد الروسي، وضغوطها على أوروبا في شرق المتوسط ، بما يجعل الاتحاد الأوروبي غير قادر على الخصوم إلا بغطاء أمريكي، بالإضافة إلى التباين بين تركيا وإيران تجاه إسرائيل، فإذا كانت إيران تشكّل تهديداً لإسرائيل، فإنّ تركيا خارج هذا التهديد، استناداً لعلاقات عسكرية واقتصادية وتبادل دبلوماسي بينهما، وبالتزامن فإذا كان رفض سياسات القيادة التركية في أمريكا يشكّل قاسماً مشتركاً بين الجمهوريين والديمقراطيين، فإنّ هذا الرفض لا ينسحب على إيران؛ لأنّ هناك طرفاً من "الديمقراطيين" يرون أنّ هناك "إمكانية" للتفاهم مع إيران، وهو ما أكد عليه الرئيس ترامب بأنه في حال نجاحه بالانتخابات، فسوف يوقع صفقة مع إيران، الأمر الذي يعني أنّ الصفقة مع إيران قادمة، بمعزل عن حدودها ومضمونها، فيما لن تكون هناك صفقات مع الحليف التركي.

الصفحة الرئيسية